على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
TT

على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)

يزن الطفل خالد، وعمره 9 أشهر، بالكاد، 5 كيلوغرامات، أي نصف الوزن الطبيعي لطفل في عمره. وفي جناح الأطفال الرئيسي بغزة، يحاول الأطباء إنقاذه، بينما لا تستطيع والدته (وداد عبد العال) سوى المشاهدة.

يبكي الطفل الصغير جوعاً، وقد عانى من الإسهال لنصف حياته القصيرة، كما أنه يعاني من الجفاف وضعيف للغاية. موصول بيده اليسرى الصغيرة أنبوب أصفر يحمل الطعام السائل إلى جسمه الصغير الهش.

وبعد زيارات طارئة متتالية، قرر الأطباء إدخال خالد إلى المستشفى في نهاية الأسبوع الماضي. لمدة أسبوع تقريباً، كان يُغذى عبر الأنبوب، ثم يُعطى مكملات غذائية وحليباً معبأً، يُوزع كل 3 ساعات أو أكثر. تقول والدته، المتوترة والعاجزة، إن هذا لا يكفي. وتتابع والدته لوكالة «أسوشييتد برس»: «أتمنى لو يُعطوننا إياه كل ساعة. إنه ينتظره بفارغ الصبر... لكنهم أيضاً يعانون من نقص في الإمدادات. هذا الإغلاق الحدودي يُدمرنا».

وكلما طالت مدة إقامة الصبي في المستشفى، تحسَّنت صحته. لكن عبد العال تعاني من ألم أطفالها الآخرين في خيمتهم، بأوانٍ فارغة ولا طعام لهم، مع دخول حصار إسرائيل لغزة شهره الثالث، وهو الأطول منذ بدء الحرب.

نساء فلسطينيات يعتنين بأطفالهن في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس - قطاع غزة (أ.ب)

ويواجه قطاع غزة المحاصَر والمغلق والمدمَّر بفعل القصف الإسرائيلي، المجاعة. وقد تلقى آلاف الأطفال العلاج من سوء التغذية. آباء مثل عبد العال، منهكون ومشردون ويعيشون على الكفاف لأكثر من عام ونصف العام من الحرب، يشاهدون أطفالهم وهم يذوون، ويجدون أن لا شيء يمكنهم فعله. ولم يعد لديهم خيارات.

على حافة الهاوية

وتعمل المستشفيات على حافة الهاوية، وتتعامل مع زحام شديد، وتُعطي الأولوية لحالات الطوارئ المميتة. ونفد مخزون الغذاء في مستودعات الأمم المتحدة، وكذلك تفرغ الأسواق. وما تبقى منها يُباع بأسعار باهظة، لا يستطيع تحملها معظم سكان غزة، حيث يعتمد أكثر من 80 في المائة منهم على المساعدات، وفقاً للأمم المتحدة. أما المطابخ المجتمعية التي توزِّع وجبات الطعام على الآلاف تُغلق أبوابها. الأراضي الزراعية في معظمها غير قابلة للوصول إليها. والمخابز أغلقت أبوابها. توزيع المياه متوقف تماماً، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى نقص الوقود. في مشاهد يائسة، يتزاحم الآلاف، وكثير منهم أطفال، خارج المطابخ المجتمعية، ويتقاتلون على الطعام. كما نُهبت مستودعاتٌ قليلة المؤن.

وأثار الحصار الأطول على غزة استنكاراً دولياً متزايداً، لكنه فشل في إقناع إسرائيل بفتح الحدود. تتهم المزيد من المنظمات إسرائيل باستخدام التجويع سلاحَ حربٍ. ويُحذِّر السكان والعاملون في المجال الإنساني من تفاقم سوء التغذية الحاد بين الأطفال.

وداد عبد العال وزوجها عمار يطعمان ابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في خيمتهما بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي بخان يونس (أ.ب)

وفي هذا الصدد، صرح مايكل رايان، المدير التنفيذي لحالات الطوارئ في «منظمة الصحة العالمية»، للصحافيين في جنيف: «نُحطم أجساد وعقول أطفال غزة، لأنه إذا لم نفعل شيئاً حيال ذلك، فنحن متواطئون فيما يحدث أمام أعيننا... لا ينبغي أن يدفع الأطفال الثمن».

وفرضت إسرائيل الحصار في 2 مارس (آذار)، ثم أنهت وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين باستئناف العمليات العسكرية في 18 مارس، قائلة إن هاتين الخطوتين كانتا ضروريتين للضغط على حركة «حماس» لإطلاق سراح الرهائن. قبل انهيار وقف إطلاق النار، اعتقدت إسرائيل أن 59 رهينة لا يزالون داخل غزة، 24 منهم على قيد الحياة، وما زالوا في الأَسْر.

ولم تردَّ إسرائيل على الاتهامات باستخدامها التجويع تكتيكَ حرب. لكن مسؤولين إسرائيليين قالوا سابقاً إن غزة حصلت على ما يكفي من المساعدات، بعد زيادة كبيرة في التوزيع خلال وقف إطلاق النار، واتهموا «حماس» بتحويل المساعدات لأغراضها الخاصة. ينفي العاملون في المجال الإنساني وجود تحويل كبير، قائلين إن الأمم المتحدة تراقب التوزيع بدقة.

أم تريد مساعدة ابنها - لكنها لا تستطيع

ويعاني خالد من سوء التغذية، منذ إن كان عمره شهرين. تمكنت والدته من التعامل مع الأمر من خلال زيارات العيادات الخارجية والمكملات الغذائية التي تُوزَّع في مراكز التغذية. لكن على مدى الأشهر السبعة الماضية، كان عبد العال والده، (31 عاماً)، يراقبه وهو يفقد وزنه ببطء. والأم أيضاً تعاني من سوء التغذية، ولم تتناول أي بروتين تقريباً في الأشهر الأخيرة. بعد حملٍ مُرهق وولادة دامت يومين، وُلد خالد - طفلٌ نحيف الوزن، وزنه كيلوغرامان ونصف الكيلوغرام، ولكنه يتمتع بصحة جيدة. بدأت عبد العال بإرضاعه. ولكن بسبب نقص الكالسيوم، بدأت تفقد أسنانها، وتُنتج كمية قليلة جداً من الحليب. وتقول الأم: «الرضاعة الطبيعية تحتاج إلى طعام، وأنا لا أستطيع إطعامه ما يكفي».

وداد وعمار عبد العال يعتنيان بابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

ولخالد أربعة أشقاء آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 و4 سنوات. نزحت العائلة من رفح، وتعيش الآن في خيمة شمالاً في مواصي خان يونس. ومع نفاد الطعام بسبب الحصار، أصبحت الأسرة تعتمد على التكيات الخيرية التي تقدم الأرز والمعكرونة والفاصوليا المطبوخة. فالطبخ في الخيمة صراع: لا يوجد غاز، وإيجاد الخشب أو البلاستيك لحرقه أمر مرهق ومحفوف بالمخاطر.

ويظهر أحمد (7 سنوات) وماريا (4 سنوات)، بالفعل علامات سوء التغذية. ويزن أحمد 8 كيلوغرامات؛ إذ تبرز عظامه جراء قلة الطعام. ولا يحصل على أي مكملات غذائية في مراكز التغذية، التي تخدم الأطفال دون سن 6 سنوات فقط. ماريا (4 سنوات) فقدت أيضاً وزنها، ولكن لا يوجد ميزان لوزنها. ويقول الأب بأسف: «أصبح أطفالي هزيلين للغاية. إنهم مثل الكتاكيت».

مراكز التغذية في جميع أنحاء غزة تُغلق أبوابها. منذ 2 مارس، إذ وثّقت وكالات الأمم المتحدة ارتفاعاً في سوء التغذية الحاد بين الأطفال. وهم يعانون من انخفاض المناعة، وتكرار المرض، وفقدان الوزن وكتلة العضلات، وبروز العظام أو البطن، وهشاشة الشعر.

طفل فلسطيني يحمل وعاءً من الحساء حصل عليه من مطبخ مجتمعي في خان يونس (أ.ب)

ومنذ بداية العام، أُدخل أكثر من 9000 طفل إلى المستشفيات، أو تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد، وفقاً لـ«يونيسف». وشهد شهر مارس زيادة ملحوظة؛ حيث سُجِلت 3600 حالة، أي بزيادة قدرها 80 في المائة، مقارنة بـ2000 طفل عولجوا في فبراير (شباط).

ومنذ ذلك الحين، ساءت الأوضاع. ووفقاً لـ«يونيسف»، نفدت الإمدادات المستخدمة للوقاية من سوء التغذية، مثل المكملات الغذائية والبسكويت. كما أن الأغذية العلاجية المستخدمة لعلاج سوء التغذية الحاد آخذة في النفاد.

يتشارك الآباء ومقدمو الرعاية علاجات سوء التغذية لتعويض النقص، مما يُقوِّض العلاج. وقد أُغلق ما يقرب من نصف مراكز التغذية، البالغ عددها 200 مركز، في أنحاء غزة بسبب النزوح والقصف.

انهيار النظام الطبي

وفي هذه الأثناء، تتراكم الإمدادات على الحدود؛ إذ تمنعها إسرائيل من دخول غزة. ويقول جوناثان كريكس، المتحدث باسم «يونيسف»: «من الواضح تماماً أننا سنشهد المزيد من حالات الهزال، وهو أخطر أشكال سوء التغذية. ومن الواضح أيضاً أننا سنشهد المزيد من الأطفال يموتون بسبب هذه الأمراض».

وتضيف تقول سعاد عبيد، اختصاصية التغذية في غزة، لوكالة «أسوشييتد برس» إن الآباء يترددون على مراكز التغذية بشكل متزايد لأنهم لا يملكون ما يطعمونه لأطفالهم. وتتابع: «لا يمكن لأحد الاعتماد على الطعام المعلب والتغذية الطارئة لما يقرب من عامين».

أسامة الرقب (5 سنوات) الذي تقول والدته إن التليف الكيسي الذي يعاني منه تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيمات التي تساعده على هضم الطعام يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر (أ.ب)

في مستشفى ناصر، كانت 4 حالات حرجة تتلقى العلاج الأسبوع الماضي من سوء التغذية الحاد، بمن في ذلك خالد. ولا تُقبل إلا الحالات الحرجة - ولفترات قصيرة فقط حتى يتسنى علاج المزيد من الأطفال. يقول الدكتور ياسر أبو غالي: «إذا استقبلنا جميع المصابين بسوء التغذية الحاد، فسنحتاج إلى مئات الأسرّة»، مُقراً: «لا يمكننا مساعدة الكثيرين على أي حال... لا شيء في أيدينا».

وانهار نظام إدارة الأمراض والعلاج. فقبل الحرب، كانت مئات العائلات في غزة تُسجل وتُعالج من العيوب الخلقية، أو الاضطرابات الوراثية أو اضطرابات المناعة الذاتية، وهو نظام انهار في الغالب بسبب نفاد الطعام أو التركيبات أو الأقراص التي تُساعد في إدارة الأمراض بسرعة.

ويقول الدكتور أحمد الفراح، رئيس قسم الأطفال والتوليد في مستشفى ناصر، إن مئات الأطفال المصابين باضطرابات وراثية قد يعانون أيضاً من اضطرابات إدراكية، إن لم تكن أسوأ. ويضيف: «إنهم محكوم عليهم بالإعدام».

لا لحوم ولا أسماك

إلى ذلك، تفاقمت حالة أسامة الرقب بالتليف الكيسي منذ بداية الحرب. تقول والدته (منى) إن نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم التي تساعده على هضم الطعام أدى إلى زيارات متكررة للمستشفى ونوبات طويلة من التهابات الصدر والإسهال الحاد. وتظهر عظامه بارزة من جلده. أما أسامة، البالغ من العمر 5 سنوات، فيزن 9 كيلوغرامات، وبالكاد يستطيع الحركة أو الكلام. لا يوفر له الطعام المعلب أي تغذية. وتقول والدته: «مع المجاعة في غزة، لا نأكل سوى العدس المعلب. إذا ظلت الحدود مغلقة، فسنفقد ذلك أيضاً».

ترفع منى الرقب قميص ابنها أسامة الرقب البالغ من العمر خمس سنوات، كاشفة عن علامات سوء التغذية وتفاقم التليف الكيسي، الذي تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم اللازمة لمساعدته على هضم الطعام، بينما يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر، خان يونس (أ.ب)

ووُلدت الطفلة رحمة القاضي مصابة بمتلازمة داون، قبل 7 أشهر. ومنذ ذلك الحين، لم يزد وزن سما سوى نصف رطل (300 غرام)، ودخلت المستشفى عدة مرات بسبب الحمى.

رحمة القاضي تعتني بابنتها سما البالغة من العمر سبعة أشهر التي وُلِدت بمتلازمة داون وتعاني من سوء التغذية في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

وتواصل والدتها، التي تعاني أيضاً من سوء التغذية، ولا تزال تعاني من التهاب في جرحها بعد الولادة، إرضاعها. لكن هذا لا يكفي.


مقالات ذات صلة

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي جثث القتلى الفلسطينيين في غزة (أ.ف.ب)

مقتل 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على وسط قطاع غزة

قتل سبعة فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية، فجر اليوم السبت، قرب نقطة للشرطة في مخيم البريج وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقعاً قال مسعفون إنه شهد غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة قرب مدخل بلدة زويدا وسط غزة (رويترز) p-circle

غارة جوية إسرائيلية تقتل 4 فلسطينيين في غزة

قالت سلطات الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قتلت أربعة فلسطينيين في شمال القطاع اليوم (الأحد)

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية حسب مسعفين في مدينة غزة (رويترز)

كوسوفو توافق على إرسال قوات إلى غزة في إطار خطة ترمب

وافقت كوسوفو، اليوم (الاثنين)، على إرسال قوات إلى قطاع غزة للانضمام إلى قوة أمنية دولية.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا )

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ميلادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ميلادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هش لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، ما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، ما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفته بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، ما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجت تحت القصف من دون أن تتمكن من حمل أي من مقتنياتها، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآني)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، ما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».


إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية «المقاصة» التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر، على الرغم من وصول السلطة إلى مرحلة أصبحت فيها شبه عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين مصاريفها التشغيلية، وهو ما يعمق أزمتها إلى حد غير مسبوق.

وقالت «القناة 7» الإسرائيلية، الاثنين، إن سموتريتش قرر عدم تحويل أي مبالغ هذا الشهر للسلطة، مواصلاً نهجه السياسي والاقتصادي المتشدد ضدها.

وحسب قرار سموتريتش، فإنه «من إجمالي مبلغ يزيد عن 740 مليون شيقل (الدولار يساوي 3 شيقلات) تم جمعها هذا الشهر، جرى تخصيص نحو 590 مليون شيقل منه لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

إضافةً إلى ذلك، قال الوزير الإسرائيلي إنه جرى تعويض الأموال التي خصصتها السلطة لتحويلها إلى الجماعات (الإرهابية) وعائلات (الإرهابيين) في إشارة إلى ما تدفعه السلطة رواتب لأسر «الشهداء والأسرى».

ونص القرار الإسرائيلي كذلك على «تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله» كجزء من سياسة مستمرة منذ عام تقريباً، احتجاجاً على ما يقول سموتريتش إنه «نشاط السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل محكمة لاهاي) وتشجيعها للإرهاب»، وفق زعمه.

ودفعت السلطة هذا الشهر مبلغاً مقطوعاً لجميع الموظفين (2000 شيقل)، وكانت دفعت الشهر الذي سبقه (50 في المائة من الراتب) فيما كانت تدفع عادة 70 في المائة من الراتب، ما يؤكد تراجع قدرتها على تأمين الرواتب شهراً بعد شهر.

وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على عائدات الضرائب في تغطية رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية بالإضافة إلى الدعم الدولي.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وبموجب «اتفاق أوسلو» الموقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابةً عن الفلسطينيين عند استيراد السلع من الخارج إلى السلطة الفلسطينية، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3 في المائة، وتشكل هذه الأموال عادة ما نسبته 75 في المائة من إيرادات السلطة.

ما قيمة المحتجز؟

تقدر السلطة الفلسطينية أموالها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

ومع استمرار الأزمة لوقت طويل أصبحت السلطة مديونة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى جهات خارجية محتملة، وقد قفزت الميدونية العامة العام الماضي إلى 15.4 مليار دولار.

وتمثل فاتورة الراتب العبء الأكبر على الخزينة، إذ تصل إلى مليار و50 مليون شيقل سنوياً (340 مليون دولار).

وفي مواجهة هذا الوضع، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد سياسة صفر توظيف ضمن مشروع موازنة طواريء لعام 2026، وتبني نهج تقشفي صارم لإدارة الموارد وضبط الإنفاق، ثم وجه رئيس الوزراء محمد مصطفى هذا الشهر بخصم رسوم ترخيص المركبات والرخص الشخصية للموظفين العموميين لعام 2026 من رصيد مستحقاتهم.

وتدرس الحكومة إمكانية إطلاق محفظة مالية إلكترونية، للموظفين، تمكنهم من تسديد التزاماتهم لمزودي الخدمات الأساسية إذا ما انخفضت أكثر نسبة الراتب.

والأسبوع الماضي التقى مصطفى، على هامش اجتماعات المانحين والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في بروكسل، عدداً من المسؤولين الأوروبيين والدوليين، بحضور وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة، وشرح خطورة الوضع الذي تمر به السلطة، وطلب مساعدات طارئة وشبكة أمان مالية.

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل (إ.ب.أ)

وقال مصطفى، الأحد، إن «حصار الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر أدوات سياسية وأمنية واستعمارية، إضافة إلى استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية».

وأضاف: «هذه الاقتطاعات تصاعدت خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث لم تحول إسرائيل أياً من عائدات الضرائب والجمارك إلى خزينة دولة فلسطين»، وأضاف: «لم نتسلم قرشاً واحداً».

واعتبر مصطفى أن هذه الإجراءات تمثل «احتلالاً آخر»، مؤكداً أن الحكومة لم تكن في فترات قادرة على تأمين حتى ألف شيقل للموظفين. وحذر من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».