على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
TT

على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)

يزن الطفل خالد، وعمره 9 أشهر، بالكاد، 5 كيلوغرامات، أي نصف الوزن الطبيعي لطفل في عمره. وفي جناح الأطفال الرئيسي بغزة، يحاول الأطباء إنقاذه، بينما لا تستطيع والدته (وداد عبد العال) سوى المشاهدة.

يبكي الطفل الصغير جوعاً، وقد عانى من الإسهال لنصف حياته القصيرة، كما أنه يعاني من الجفاف وضعيف للغاية. موصول بيده اليسرى الصغيرة أنبوب أصفر يحمل الطعام السائل إلى جسمه الصغير الهش.

وبعد زيارات طارئة متتالية، قرر الأطباء إدخال خالد إلى المستشفى في نهاية الأسبوع الماضي. لمدة أسبوع تقريباً، كان يُغذى عبر الأنبوب، ثم يُعطى مكملات غذائية وحليباً معبأً، يُوزع كل 3 ساعات أو أكثر. تقول والدته، المتوترة والعاجزة، إن هذا لا يكفي. وتتابع والدته لوكالة «أسوشييتد برس»: «أتمنى لو يُعطوننا إياه كل ساعة. إنه ينتظره بفارغ الصبر... لكنهم أيضاً يعانون من نقص في الإمدادات. هذا الإغلاق الحدودي يُدمرنا».

وكلما طالت مدة إقامة الصبي في المستشفى، تحسَّنت صحته. لكن عبد العال تعاني من ألم أطفالها الآخرين في خيمتهم، بأوانٍ فارغة ولا طعام لهم، مع دخول حصار إسرائيل لغزة شهره الثالث، وهو الأطول منذ بدء الحرب.

نساء فلسطينيات يعتنين بأطفالهن في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس - قطاع غزة (أ.ب)

ويواجه قطاع غزة المحاصَر والمغلق والمدمَّر بفعل القصف الإسرائيلي، المجاعة. وقد تلقى آلاف الأطفال العلاج من سوء التغذية. آباء مثل عبد العال، منهكون ومشردون ويعيشون على الكفاف لأكثر من عام ونصف العام من الحرب، يشاهدون أطفالهم وهم يذوون، ويجدون أن لا شيء يمكنهم فعله. ولم يعد لديهم خيارات.

على حافة الهاوية

وتعمل المستشفيات على حافة الهاوية، وتتعامل مع زحام شديد، وتُعطي الأولوية لحالات الطوارئ المميتة. ونفد مخزون الغذاء في مستودعات الأمم المتحدة، وكذلك تفرغ الأسواق. وما تبقى منها يُباع بأسعار باهظة، لا يستطيع تحملها معظم سكان غزة، حيث يعتمد أكثر من 80 في المائة منهم على المساعدات، وفقاً للأمم المتحدة. أما المطابخ المجتمعية التي توزِّع وجبات الطعام على الآلاف تُغلق أبوابها. الأراضي الزراعية في معظمها غير قابلة للوصول إليها. والمخابز أغلقت أبوابها. توزيع المياه متوقف تماماً، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى نقص الوقود. في مشاهد يائسة، يتزاحم الآلاف، وكثير منهم أطفال، خارج المطابخ المجتمعية، ويتقاتلون على الطعام. كما نُهبت مستودعاتٌ قليلة المؤن.

وأثار الحصار الأطول على غزة استنكاراً دولياً متزايداً، لكنه فشل في إقناع إسرائيل بفتح الحدود. تتهم المزيد من المنظمات إسرائيل باستخدام التجويع سلاحَ حربٍ. ويُحذِّر السكان والعاملون في المجال الإنساني من تفاقم سوء التغذية الحاد بين الأطفال.

وداد عبد العال وزوجها عمار يطعمان ابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في خيمتهما بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي بخان يونس (أ.ب)

وفي هذا الصدد، صرح مايكل رايان، المدير التنفيذي لحالات الطوارئ في «منظمة الصحة العالمية»، للصحافيين في جنيف: «نُحطم أجساد وعقول أطفال غزة، لأنه إذا لم نفعل شيئاً حيال ذلك، فنحن متواطئون فيما يحدث أمام أعيننا... لا ينبغي أن يدفع الأطفال الثمن».

وفرضت إسرائيل الحصار في 2 مارس (آذار)، ثم أنهت وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين باستئناف العمليات العسكرية في 18 مارس، قائلة إن هاتين الخطوتين كانتا ضروريتين للضغط على حركة «حماس» لإطلاق سراح الرهائن. قبل انهيار وقف إطلاق النار، اعتقدت إسرائيل أن 59 رهينة لا يزالون داخل غزة، 24 منهم على قيد الحياة، وما زالوا في الأَسْر.

ولم تردَّ إسرائيل على الاتهامات باستخدامها التجويع تكتيكَ حرب. لكن مسؤولين إسرائيليين قالوا سابقاً إن غزة حصلت على ما يكفي من المساعدات، بعد زيادة كبيرة في التوزيع خلال وقف إطلاق النار، واتهموا «حماس» بتحويل المساعدات لأغراضها الخاصة. ينفي العاملون في المجال الإنساني وجود تحويل كبير، قائلين إن الأمم المتحدة تراقب التوزيع بدقة.

أم تريد مساعدة ابنها - لكنها لا تستطيع

ويعاني خالد من سوء التغذية، منذ إن كان عمره شهرين. تمكنت والدته من التعامل مع الأمر من خلال زيارات العيادات الخارجية والمكملات الغذائية التي تُوزَّع في مراكز التغذية. لكن على مدى الأشهر السبعة الماضية، كان عبد العال والده، (31 عاماً)، يراقبه وهو يفقد وزنه ببطء. والأم أيضاً تعاني من سوء التغذية، ولم تتناول أي بروتين تقريباً في الأشهر الأخيرة. بعد حملٍ مُرهق وولادة دامت يومين، وُلد خالد - طفلٌ نحيف الوزن، وزنه كيلوغرامان ونصف الكيلوغرام، ولكنه يتمتع بصحة جيدة. بدأت عبد العال بإرضاعه. ولكن بسبب نقص الكالسيوم، بدأت تفقد أسنانها، وتُنتج كمية قليلة جداً من الحليب. وتقول الأم: «الرضاعة الطبيعية تحتاج إلى طعام، وأنا لا أستطيع إطعامه ما يكفي».

وداد وعمار عبد العال يعتنيان بابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

ولخالد أربعة أشقاء آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 و4 سنوات. نزحت العائلة من رفح، وتعيش الآن في خيمة شمالاً في مواصي خان يونس. ومع نفاد الطعام بسبب الحصار، أصبحت الأسرة تعتمد على التكيات الخيرية التي تقدم الأرز والمعكرونة والفاصوليا المطبوخة. فالطبخ في الخيمة صراع: لا يوجد غاز، وإيجاد الخشب أو البلاستيك لحرقه أمر مرهق ومحفوف بالمخاطر.

ويظهر أحمد (7 سنوات) وماريا (4 سنوات)، بالفعل علامات سوء التغذية. ويزن أحمد 8 كيلوغرامات؛ إذ تبرز عظامه جراء قلة الطعام. ولا يحصل على أي مكملات غذائية في مراكز التغذية، التي تخدم الأطفال دون سن 6 سنوات فقط. ماريا (4 سنوات) فقدت أيضاً وزنها، ولكن لا يوجد ميزان لوزنها. ويقول الأب بأسف: «أصبح أطفالي هزيلين للغاية. إنهم مثل الكتاكيت».

مراكز التغذية في جميع أنحاء غزة تُغلق أبوابها. منذ 2 مارس، إذ وثّقت وكالات الأمم المتحدة ارتفاعاً في سوء التغذية الحاد بين الأطفال. وهم يعانون من انخفاض المناعة، وتكرار المرض، وفقدان الوزن وكتلة العضلات، وبروز العظام أو البطن، وهشاشة الشعر.

طفل فلسطيني يحمل وعاءً من الحساء حصل عليه من مطبخ مجتمعي في خان يونس (أ.ب)

ومنذ بداية العام، أُدخل أكثر من 9000 طفل إلى المستشفيات، أو تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد، وفقاً لـ«يونيسف». وشهد شهر مارس زيادة ملحوظة؛ حيث سُجِلت 3600 حالة، أي بزيادة قدرها 80 في المائة، مقارنة بـ2000 طفل عولجوا في فبراير (شباط).

ومنذ ذلك الحين، ساءت الأوضاع. ووفقاً لـ«يونيسف»، نفدت الإمدادات المستخدمة للوقاية من سوء التغذية، مثل المكملات الغذائية والبسكويت. كما أن الأغذية العلاجية المستخدمة لعلاج سوء التغذية الحاد آخذة في النفاد.

يتشارك الآباء ومقدمو الرعاية علاجات سوء التغذية لتعويض النقص، مما يُقوِّض العلاج. وقد أُغلق ما يقرب من نصف مراكز التغذية، البالغ عددها 200 مركز، في أنحاء غزة بسبب النزوح والقصف.

انهيار النظام الطبي

وفي هذه الأثناء، تتراكم الإمدادات على الحدود؛ إذ تمنعها إسرائيل من دخول غزة. ويقول جوناثان كريكس، المتحدث باسم «يونيسف»: «من الواضح تماماً أننا سنشهد المزيد من حالات الهزال، وهو أخطر أشكال سوء التغذية. ومن الواضح أيضاً أننا سنشهد المزيد من الأطفال يموتون بسبب هذه الأمراض».

وتضيف تقول سعاد عبيد، اختصاصية التغذية في غزة، لوكالة «أسوشييتد برس» إن الآباء يترددون على مراكز التغذية بشكل متزايد لأنهم لا يملكون ما يطعمونه لأطفالهم. وتتابع: «لا يمكن لأحد الاعتماد على الطعام المعلب والتغذية الطارئة لما يقرب من عامين».

أسامة الرقب (5 سنوات) الذي تقول والدته إن التليف الكيسي الذي يعاني منه تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيمات التي تساعده على هضم الطعام يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر (أ.ب)

في مستشفى ناصر، كانت 4 حالات حرجة تتلقى العلاج الأسبوع الماضي من سوء التغذية الحاد، بمن في ذلك خالد. ولا تُقبل إلا الحالات الحرجة - ولفترات قصيرة فقط حتى يتسنى علاج المزيد من الأطفال. يقول الدكتور ياسر أبو غالي: «إذا استقبلنا جميع المصابين بسوء التغذية الحاد، فسنحتاج إلى مئات الأسرّة»، مُقراً: «لا يمكننا مساعدة الكثيرين على أي حال... لا شيء في أيدينا».

وانهار نظام إدارة الأمراض والعلاج. فقبل الحرب، كانت مئات العائلات في غزة تُسجل وتُعالج من العيوب الخلقية، أو الاضطرابات الوراثية أو اضطرابات المناعة الذاتية، وهو نظام انهار في الغالب بسبب نفاد الطعام أو التركيبات أو الأقراص التي تُساعد في إدارة الأمراض بسرعة.

ويقول الدكتور أحمد الفراح، رئيس قسم الأطفال والتوليد في مستشفى ناصر، إن مئات الأطفال المصابين باضطرابات وراثية قد يعانون أيضاً من اضطرابات إدراكية، إن لم تكن أسوأ. ويضيف: «إنهم محكوم عليهم بالإعدام».

لا لحوم ولا أسماك

إلى ذلك، تفاقمت حالة أسامة الرقب بالتليف الكيسي منذ بداية الحرب. تقول والدته (منى) إن نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم التي تساعده على هضم الطعام أدى إلى زيارات متكررة للمستشفى ونوبات طويلة من التهابات الصدر والإسهال الحاد. وتظهر عظامه بارزة من جلده. أما أسامة، البالغ من العمر 5 سنوات، فيزن 9 كيلوغرامات، وبالكاد يستطيع الحركة أو الكلام. لا يوفر له الطعام المعلب أي تغذية. وتقول والدته: «مع المجاعة في غزة، لا نأكل سوى العدس المعلب. إذا ظلت الحدود مغلقة، فسنفقد ذلك أيضاً».

ترفع منى الرقب قميص ابنها أسامة الرقب البالغ من العمر خمس سنوات، كاشفة عن علامات سوء التغذية وتفاقم التليف الكيسي، الذي تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم اللازمة لمساعدته على هضم الطعام، بينما يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر، خان يونس (أ.ب)

ووُلدت الطفلة رحمة القاضي مصابة بمتلازمة داون، قبل 7 أشهر. ومنذ ذلك الحين، لم يزد وزن سما سوى نصف رطل (300 غرام)، ودخلت المستشفى عدة مرات بسبب الحمى.

رحمة القاضي تعتني بابنتها سما البالغة من العمر سبعة أشهر التي وُلِدت بمتلازمة داون وتعاني من سوء التغذية في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

وتواصل والدتها، التي تعاني أيضاً من سوء التغذية، ولا تزال تعاني من التهاب في جرحها بعد الولادة، إرضاعها. لكن هذا لا يكفي.


مقالات ذات صلة

تصعيد دامٍ في غزة... و«حماس» تؤكد جديتها في إنجاح اتفاق الهدنة

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مركز للشرطة بعد قصف إسرائيلي بمدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

تصعيد دامٍ في غزة... و«حماس» تؤكد جديتها في إنجاح اتفاق الهدنة

لم يمضِ سوى نحو 24 ساعة على إقرار المبعوث الأميركي جاريد كوشنر «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حتى شنّ الجيش الإسرائيلي هجمات أسفرت عن قتلى وجرحى.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي السكان يشيّعون الفلسطينيين الذين سقطوا في غارة إسرائيلية على ميناء مدينة غزة الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

غزة: مقتل 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مركز للشرطة

قُتل سبعة فلسطينيين في غارة شنَّها سلاح الجو الإسرائيلي بعد ظهر الأربعاء على مركز للشرطة التي تديرها «حماس» في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ) p-circle

بينهم طفل... مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

قتل ستة أشخاص بينهم طفل وأصيب 13 آخرون بجروح في غارة إسرائيلية على غرب مدينة غزة، بحسب ما أفاد الدفاع المدني في القطاع الفلسطيني اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يتجمعون عند بوابات جامعة كولومبيا دعماً للطلاب المحتجين الذين تحصنوا في قاعة «هاميلتون» رغم أوامر مسؤولي الجامعة بتفريقهم أو مواجهة الإيقاف في نيويورك في 30 أبريل 2024 (رويترز)

طلاب وموظفون فلسطينيون يقاضون جامعة كولومبيا بتهمة التمييز ضدهم

كشفت وثائق قضائية في نيويورك عن دعوى رفعها طلاب وموظفون فلسطينيون ضد جامعة كولومبيا، قائلين إن الجالية الفلسطينية في الجامعة تتعرض لمعاملة تمييزية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي فلسطينيات خلال جنازة لرفات ١١٢ فرداً من عائلة أبو ناصر الذين قُتلوا في هجوم إسرائيلي وقد تم انتشال جثث الضحايا بعد بقائها تحت الأنقاض لأشهر (د.ب.أ)

قطر تتهم إسرائيل بتأخير تنفيذ خطة السلام في غزة

أعلنت قطر أن إسرائيل تتحمل مسؤولية تأخير تنفيذ خطة السلام الأميركية الهادفة إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

بعد تصريحات العامري بخصوص «فتنة» تشرين... المالكي ينهي «سردية» حصر السلاح بيد الدولة

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بعد تصريحات العامري بخصوص «فتنة» تشرين... المالكي ينهي «سردية» حصر السلاح بيد الدولة

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

نسفت تصريحات أدلى بها زعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي -ودعا فيها إلى «تنظيم السلاح لا نزعه»- سردية حصره بيد الدولة التي وضعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ضمن أولويات برنامجه الحكومي الذي صوت عليه البرلمان العراقي بالإجماع.

فبعد أقل من شهر على اجتماع لـ«ائتلاف إدارة الدولة» الذي يضم القوى الشيعية، والسنية، والكردية، والذي منح رئيس الوزراء صلاحية كاملة في كيفية التعامل مع آلية حصر السلاح بيد الدولة بعد نهاية المهلة المقررة في الثلاثين من شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، موعد انسحاب آخر ما تبقى من الجنود الأميركيين من العراق، أعلن عدد من الفصائل المسلحة -وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» و«النجباء»- عدم الاعتراف بموعد تسليم السلاح، باعتبار أنه «سلاح عقائدي» مرتبط بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران... وانضم المالكي إلى الركب، وأعلن عبر تصريحات متلفزة مساء الأربعاء -فاجأت جميع الأوساط الحكومية والسياسية على حد سواء- أنه «لا تسليم للسلاح بعد نهاية مهلة الثلاثين من الشهر الحالي».

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال إن «مفردة النزع غير مستخدمة، لأن الطرف الآخر يصبح عنوانه منزوع السلاح، وهذا له أثر نفسي وعملي، لذلك (الأفضل) استخدام مفردة تنظيم واحتواء السلاح بطريقة لا تزال نبحث عنها... ثم هناك تمييز بين السلاح الثقيل، والمتوسط، والخفيف».

وأشار إلى أن «التمييز بين السلاح هو واحد من الأمور المطروحة، فهل حفظ أو احتواء أو سحب، أو أي تسمية أخرى للعملية، يشمل كل سلاح، أم يشمل فقط نوعاً من السلاح الذي يعتبر سلاح استهداف داخلي، وخارجي، وهذه سوف تحلها اللجنة المشكلة مع الفصائل».

وكان المالكي قد شدد في 26 أغسطس (آب) الماضي على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة «بعيداً عن التصعيد، أو المواجهة»، محذراً من «أن تحول هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق، ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي في بيان صدر عن مكتبه آنذاك أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه، معتبراً أن «من يتصور أن أي صراع محتمل سيكون شيعياً-شيعياً هو واهم، لأن تداعياته ستطال الدولة، والمجتمع، وجميع المكونات» العراقية.

وتصريحات المالكي جاءت، (أيضاً)، برغم أن «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية، والسنية، والكردية في العراق، قد حذر من «أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 سبتمبر سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب»...

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

تبادل أدوار

وفي خضم الجدل بشأن الطريقة التي «يجب أن يتم فيها حصر السلاح بيد الدولة»، جاءت زيارة رئيس «مجلس الشورى» الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق، الأمر الذي أعاد العملية إلى المربع الأول، عندما بدا أن طهران «غير راغبة» في أن تسلم كل الفصائل أسلحتها... وذلك دفع الحكومة إلى «نوع من التراجع» عندما قبلت بتشكيل لجنة من «الإطار التنسيقي» الشيعي لكي تبدأ عملها بعد الثلاثين من سبتمبر مع الفصائل المسلحة «لإقناعها بوضع آلية يتم من خلالها تنظيم السلاح لا نزعه»، على حد تعبير المالكي.

والمالكي عضو في تلك اللجنة الثلاثية الخاصة بالتفاوض مع الفصائل المسلحة، والتي تضم بالإضافة إليه: رئيس الوزراء السابق محمد شيّاع السوداني، وزعيم «منظمة بدر» هادي العامري.

وفيما لم يدلِ السوداني بأي تصريح بشأن تسليم السلاح، فإن العامري والمالكي تبادلا الأدوار بشأنه، وبشأن كيفية التعامل مع الوضع الذي يمر به النظام السياسي الحالي في العراق، في ظلّ التأييد الأميركي القوي لحكومة الزيدي، مع نحت المزيد من المصطلحات الهادفة إلى تمييع العملية، مثل «تنظيم» السلاح، أو «تجميد» السلاح، أو «تأجيله»، بدلاً من مفردة «نزعه».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

وتأتي تصريحات المالكي بشأن رفض نزع السلاح أو تسليمه طبقاً لما تريده الحكومة بعد يومين من تصريحات أطلقها زعيم «منظمة بدر» هادي العامري، ووصف فيها «مظاهرات تشرين» عام 2019، بأنها «فتنة» كان هدفها إسقاط النظام السياسي الشيعي... ولم يكتفِ بذلك، بل كشف أن «المقاومة» هي ما كان قد سمي «الطرف الثالث» الذي مارس عمليات القتل ضد المتظاهرين التي أوقعت آلاف القتلى والجرحى، ومعظمهم من الأحياء الشيعية الفقيرة في بغداد، وبعض المحافظات الوسطى، والجنوبية.

ومع أن تصريحات العامري أثارت غضباً شعبياً واسعاً، ولم يرد عليها، لكنها كانت مقصودة طبقاً للمراقبين السياسيين، لجهة القول «إن الفصائل المسلحة كانت، ولا تزال، هي التي تحمي النظام السياسي في حال تعرضه للخطر».

خرق القواعد



تصريحات المالكي المتلفزة التي خرقت القواعد والأسس التي جرى الاتفاق عليها بين كل القوى السياسية في البلاد، ترافقت أيضاً مع قول أمين «حركة النجباء» أكرم الكعبي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «واهم إن تصور أنه سيحصل على نصر في العراق، بعد أن عجز عن تحقيقه في إيران، بل لن نسمح بحصول ذلك حتى على النحو الشكلي في الإعلام، خصوصاً مع كونه شخصاً يبحث عن انتصارات إعلامية».

فصائل عراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (منصة إكس)

واستمرت الحكومة، في المقابل -سواء عبر تصريحات أدلى بها رئيسها الزيدي نفسه -أو من خلال الناطق باسمها- مرة، والقائد العام للقوات المسلحة مرة أخرى- في التأكيد على «أن الموعد النهائي لتسليم السلاح بالتزامن مع خروج الأميركيين قائم، ولن يتغير»، بما في ذلك العمل «على إجبار قوى السلاح على تسليمه طالما لن يعود هناك مبرر لحمله مع انتهاء الوجود الأميركي تطبيقاً للاتفاق الذي وقعه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني لدى زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية خلال شهر أبريل (نيسان) عام 2024، على أن تتم عملية الانسحاب نهاية الشهر التاسع من عام 2026، وهو ما يلتزم به الأميركيون بالفعل... وقد أخلوا بموجبه قاعدة الحبانية في محافظة الأنبار غربي العراق، وبدأوا بإخلاء قاعدة حرير في أربيل في إقليم كردستان».

وفي هذا السياق يقول رئيس «حركة وعي» صالح العرباوي لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أنه سيتم فعلياً حصر للسلاح، بل قد يجري الالتفاف عليه، أو تحصل عملية تسليم شكلية». وأضاف أن «الجماعات التي تحمل السلاح تتبع عقيدة وقيادة عابرة للحدود، ولم يصدر لها أمر بالتخلي عن السلاح إلى هذه اللحظة، بل إن الحرب الجارية تستدعي التشديد، وتوسعة المحاور، وليس العكس».

ويرى العرباوي أن «الحكومة أمام خيارين: المواجهة، والصدام، وهذا لن يخدم الدولة، والنظام، أو الحوار والتسوية، وهذا يحتاج إلى مدد قد تستغرق عمر هذه الحكومة»، مبيناً أن «الأمر منوط أيضاً بالحرب، أو التفاوض الأميركي الإيراني، فكلما توسعت رقعة المعركة زادت مسألة حصر السلاح تعقيداً، والعكس صحيح أيضاً».


بيروت تتسلّم معتقلا في إسرائيل... ونتنياهو: سنفرج عن 5 لبنانيين

صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
TT

بيروت تتسلّم معتقلا في إسرائيل... ونتنياهو: سنفرج عن 5 لبنانيين

صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)

تسلّم لبنان، اليوم الخميس، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر مواطناً كانت القوات الإسرائيلية قد اعتقلته واقتادته إلى إسرائيل، في خضم المواجهات مع «حزب الله»، وفق ما أفاد مصدر عسكري لبناني «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد متحدث باسم اللجنة الدولية في القدس أن «العملية قيد التنفيذ»، دون ذكر تفاصيل إضافية.

وقال مكتب ​رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، إن إسرائيل ‌ستفرج ‌عن ​خمسة مواطنين ‌لبنانيين ⁠اعتُقلوا ​في جنوب ⁠لبنان بعد أن تبيّن عدم وجود ⁠صلات لهم ‌بجماعات مسلحة.وأوضح ‌أن ​القرار ‌جاء ‌في إطار مفاوضات مع لبنان ‌لاستعادة رفات قادة للجالية اليهودية قُتلوا ⁠هناك ⁠في ثمانينيات القرن الماضي، وفق ما نقلته «رويترز» للأنباء.

وطالب لبنان، خلال جولة التفاوض الأخيرة مع إسرائيل في أغسطس (آب) الماضي، بإطلاق دفعة أولى من الأسرى الذين احتجزتهم إسرائيل تباعاً من داخل الأراضي اللبنانية، وفق ما أفاد مصدر لبناني رسمي حينها، «وكالة الصحافة الفرنسية»، في حين وثّقت عائلات المحتجَزين ولجنة تُعنى بمتابعة شؤونهم، أسماء 33 شخصاً، على الأقل، احتُجزوا تباعاً على وقع المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل منذ أواخر 2024.


«الصحة الفلسطينية»: الجيش الإسرائيلي يقتل شاباً وطفلاً في الضفة الغربية

آليات ثقيلة تابعة للجيش الإسرائيلي تهدم مبنيين فلسطينيين قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
آليات ثقيلة تابعة للجيش الإسرائيلي تهدم مبنيين فلسطينيين قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

«الصحة الفلسطينية»: الجيش الإسرائيلي يقتل شاباً وطفلاً في الضفة الغربية

آليات ثقيلة تابعة للجيش الإسرائيلي تهدم مبنيين فلسطينيين قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
آليات ثقيلة تابعة للجيش الإسرائيلي تهدم مبنيين فلسطينيين قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيَّين، اليوم (الخميس)، خلال مداهمته قرية المغير في الضفة الغربية المحتلة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، بينما أقرّ الجيش الإسرائيلي بأنه أطلق النار خلال «أعمال شغب عنيفة».

وأعلنت الوزارة «استشهاد الشاب عمر محمد ناجي النعسان (19 عاماً) والطفل خليل راسم خليل شحادة (16 عاماً) برصاص الاحتلال» في قرية المغير في شمال شرق مدينة رام الله.

وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بأن النعسان أُصيب بالرصاص الحي في الرقبة، في حين أُصيب شحادة بالرصاص الحي في الظهر. وأُجريت لهما عمليات إنعاش لخطورة حالتيهما، ونُقلا إلى مستشفيين في رام الله، حيث أعلن الأطباء وفاتهما.

وقال رئيس مجلس قرية المغير أمين أبو عليا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الجيش الإسرائيلي حاصر القرية قبل أن يقتحم وسطها».

وذكر أن «قناصة من الجيش الإسرائيلي اعتلوا مباني في وسط القرية، وأطلقوا الرصاص الحي» صوب فلسطينيين كانوا «يحاولون التصدي لمستوطنين» أرادوا «سرقة أغنام من منزلين يعودان للمواطنين صالح سليمان وشحادة كعابنة».

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن جنوده أمّنوا دخول عناصر من الشرطة ومدني إسرائيلي إلى المغيّر «من أجل تسهيل إعادة مواشٍ تعود لمدنيين إسرائيليين عُثر عليها في القرية».

وأضاف: «خلال نشاط القوات في المنطقة، اندلعت أعمال شغب عنيفة، قام خلالها إرهابيون برشق القوات بكتل إسمنتية وحجارة. وردَّت القوات بإطلاق النار على المحرّضين الرئيسيين من أجل إزالة التهديد. وتم تأكيد إصابات».

وأكد أن الظروف التي سبقت الحادثة، وكذلك طريقة التعامل معها، تخضع للمراجعة.

وأظهرت مقاطع فيديو وصور التقطها صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية» فلسطينيين يحتشدون في مجمع فلسطين الطبي في رام الله لوداع شحادة الذي لُفَّ جثمانه بالعلم الفلسطيني، قبل حمله على الأكتاف ونقله في مركبة إسعاف إلى قريته لتشييعه في وقت لاحق، الخميس.

وردَّد المشاركون شعارات منها «خلقنا لنعيش بحرية»، و«بالروح بالدم نفديك يا شهيد».

وتشهد الضفة الغربية تصاعداً في أعمال العنف منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب هجوم حركة «حماس» غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وازدادت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين لتصبح شبه يومية.

وقُتل ما لا يقل عن 1105 فلسطينيين، بينهم عدد من المسلحين، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين، وفق حصيلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» تستند إلى بيانات السلطة الفلسطينية.

في المقابل، تظهر بيانات رسمية إسرائيلية مقتل ما لا يقل عن 48 إسرائيلياً بين مدنيين وعسكريين، في هجمات نفّذها فلسطينيون أو خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية.