على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
TT

على حافة الموت... الجوع يفتك بأطفال غزة وسط تفاقم سوء التغذية

أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)
أحمد الشيخ عيد (7 سنوات) تظهر عليه علامات سوء التغذية ويقف لالتقاط صورة في خيمة عائلته بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي خان يونس (أ.ب)

يزن الطفل خالد، وعمره 9 أشهر، بالكاد، 5 كيلوغرامات، أي نصف الوزن الطبيعي لطفل في عمره. وفي جناح الأطفال الرئيسي بغزة، يحاول الأطباء إنقاذه، بينما لا تستطيع والدته (وداد عبد العال) سوى المشاهدة.

يبكي الطفل الصغير جوعاً، وقد عانى من الإسهال لنصف حياته القصيرة، كما أنه يعاني من الجفاف وضعيف للغاية. موصول بيده اليسرى الصغيرة أنبوب أصفر يحمل الطعام السائل إلى جسمه الصغير الهش.

وبعد زيارات طارئة متتالية، قرر الأطباء إدخال خالد إلى المستشفى في نهاية الأسبوع الماضي. لمدة أسبوع تقريباً، كان يُغذى عبر الأنبوب، ثم يُعطى مكملات غذائية وحليباً معبأً، يُوزع كل 3 ساعات أو أكثر. تقول والدته، المتوترة والعاجزة، إن هذا لا يكفي. وتتابع والدته لوكالة «أسوشييتد برس»: «أتمنى لو يُعطوننا إياه كل ساعة. إنه ينتظره بفارغ الصبر... لكنهم أيضاً يعانون من نقص في الإمدادات. هذا الإغلاق الحدودي يُدمرنا».

وكلما طالت مدة إقامة الصبي في المستشفى، تحسَّنت صحته. لكن عبد العال تعاني من ألم أطفالها الآخرين في خيمتهم، بأوانٍ فارغة ولا طعام لهم، مع دخول حصار إسرائيل لغزة شهره الثالث، وهو الأطول منذ بدء الحرب.

نساء فلسطينيات يعتنين بأطفالهن في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس - قطاع غزة (أ.ب)

ويواجه قطاع غزة المحاصَر والمغلق والمدمَّر بفعل القصف الإسرائيلي، المجاعة. وقد تلقى آلاف الأطفال العلاج من سوء التغذية. آباء مثل عبد العال، منهكون ومشردون ويعيشون على الكفاف لأكثر من عام ونصف العام من الحرب، يشاهدون أطفالهم وهم يذوون، ويجدون أن لا شيء يمكنهم فعله. ولم يعد لديهم خيارات.

على حافة الهاوية

وتعمل المستشفيات على حافة الهاوية، وتتعامل مع زحام شديد، وتُعطي الأولوية لحالات الطوارئ المميتة. ونفد مخزون الغذاء في مستودعات الأمم المتحدة، وكذلك تفرغ الأسواق. وما تبقى منها يُباع بأسعار باهظة، لا يستطيع تحملها معظم سكان غزة، حيث يعتمد أكثر من 80 في المائة منهم على المساعدات، وفقاً للأمم المتحدة. أما المطابخ المجتمعية التي توزِّع وجبات الطعام على الآلاف تُغلق أبوابها. الأراضي الزراعية في معظمها غير قابلة للوصول إليها. والمخابز أغلقت أبوابها. توزيع المياه متوقف تماماً، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى نقص الوقود. في مشاهد يائسة، يتزاحم الآلاف، وكثير منهم أطفال، خارج المطابخ المجتمعية، ويتقاتلون على الطعام. كما نُهبت مستودعاتٌ قليلة المؤن.

وأثار الحصار الأطول على غزة استنكاراً دولياً متزايداً، لكنه فشل في إقناع إسرائيل بفتح الحدود. تتهم المزيد من المنظمات إسرائيل باستخدام التجويع سلاحَ حربٍ. ويُحذِّر السكان والعاملون في المجال الإنساني من تفاقم سوء التغذية الحاد بين الأطفال.

وداد عبد العال وزوجها عمار يطعمان ابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في خيمتهما بمخيم للنازحين الفلسطينيين في مواصي بخان يونس (أ.ب)

وفي هذا الصدد، صرح مايكل رايان، المدير التنفيذي لحالات الطوارئ في «منظمة الصحة العالمية»، للصحافيين في جنيف: «نُحطم أجساد وعقول أطفال غزة، لأنه إذا لم نفعل شيئاً حيال ذلك، فنحن متواطئون فيما يحدث أمام أعيننا... لا ينبغي أن يدفع الأطفال الثمن».

وفرضت إسرائيل الحصار في 2 مارس (آذار)، ثم أنهت وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين باستئناف العمليات العسكرية في 18 مارس، قائلة إن هاتين الخطوتين كانتا ضروريتين للضغط على حركة «حماس» لإطلاق سراح الرهائن. قبل انهيار وقف إطلاق النار، اعتقدت إسرائيل أن 59 رهينة لا يزالون داخل غزة، 24 منهم على قيد الحياة، وما زالوا في الأَسْر.

ولم تردَّ إسرائيل على الاتهامات باستخدامها التجويع تكتيكَ حرب. لكن مسؤولين إسرائيليين قالوا سابقاً إن غزة حصلت على ما يكفي من المساعدات، بعد زيادة كبيرة في التوزيع خلال وقف إطلاق النار، واتهموا «حماس» بتحويل المساعدات لأغراضها الخاصة. ينفي العاملون في المجال الإنساني وجود تحويل كبير، قائلين إن الأمم المتحدة تراقب التوزيع بدقة.

أم تريد مساعدة ابنها - لكنها لا تستطيع

ويعاني خالد من سوء التغذية، منذ إن كان عمره شهرين. تمكنت والدته من التعامل مع الأمر من خلال زيارات العيادات الخارجية والمكملات الغذائية التي تُوزَّع في مراكز التغذية. لكن على مدى الأشهر السبعة الماضية، كان عبد العال والده، (31 عاماً)، يراقبه وهو يفقد وزنه ببطء. والأم أيضاً تعاني من سوء التغذية، ولم تتناول أي بروتين تقريباً في الأشهر الأخيرة. بعد حملٍ مُرهق وولادة دامت يومين، وُلد خالد - طفلٌ نحيف الوزن، وزنه كيلوغرامان ونصف الكيلوغرام، ولكنه يتمتع بصحة جيدة. بدأت عبد العال بإرضاعه. ولكن بسبب نقص الكالسيوم، بدأت تفقد أسنانها، وتُنتج كمية قليلة جداً من الحليب. وتقول الأم: «الرضاعة الطبيعية تحتاج إلى طعام، وأنا لا أستطيع إطعامه ما يكفي».

وداد وعمار عبد العال يعتنيان بابنهما خالد البالغ من العمر 9 أشهر في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

ولخالد أربعة أشقاء آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 و4 سنوات. نزحت العائلة من رفح، وتعيش الآن في خيمة شمالاً في مواصي خان يونس. ومع نفاد الطعام بسبب الحصار، أصبحت الأسرة تعتمد على التكيات الخيرية التي تقدم الأرز والمعكرونة والفاصوليا المطبوخة. فالطبخ في الخيمة صراع: لا يوجد غاز، وإيجاد الخشب أو البلاستيك لحرقه أمر مرهق ومحفوف بالمخاطر.

ويظهر أحمد (7 سنوات) وماريا (4 سنوات)، بالفعل علامات سوء التغذية. ويزن أحمد 8 كيلوغرامات؛ إذ تبرز عظامه جراء قلة الطعام. ولا يحصل على أي مكملات غذائية في مراكز التغذية، التي تخدم الأطفال دون سن 6 سنوات فقط. ماريا (4 سنوات) فقدت أيضاً وزنها، ولكن لا يوجد ميزان لوزنها. ويقول الأب بأسف: «أصبح أطفالي هزيلين للغاية. إنهم مثل الكتاكيت».

مراكز التغذية في جميع أنحاء غزة تُغلق أبوابها. منذ 2 مارس، إذ وثّقت وكالات الأمم المتحدة ارتفاعاً في سوء التغذية الحاد بين الأطفال. وهم يعانون من انخفاض المناعة، وتكرار المرض، وفقدان الوزن وكتلة العضلات، وبروز العظام أو البطن، وهشاشة الشعر.

طفل فلسطيني يحمل وعاءً من الحساء حصل عليه من مطبخ مجتمعي في خان يونس (أ.ب)

ومنذ بداية العام، أُدخل أكثر من 9000 طفل إلى المستشفيات، أو تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد، وفقاً لـ«يونيسف». وشهد شهر مارس زيادة ملحوظة؛ حيث سُجِلت 3600 حالة، أي بزيادة قدرها 80 في المائة، مقارنة بـ2000 طفل عولجوا في فبراير (شباط).

ومنذ ذلك الحين، ساءت الأوضاع. ووفقاً لـ«يونيسف»، نفدت الإمدادات المستخدمة للوقاية من سوء التغذية، مثل المكملات الغذائية والبسكويت. كما أن الأغذية العلاجية المستخدمة لعلاج سوء التغذية الحاد آخذة في النفاد.

يتشارك الآباء ومقدمو الرعاية علاجات سوء التغذية لتعويض النقص، مما يُقوِّض العلاج. وقد أُغلق ما يقرب من نصف مراكز التغذية، البالغ عددها 200 مركز، في أنحاء غزة بسبب النزوح والقصف.

انهيار النظام الطبي

وفي هذه الأثناء، تتراكم الإمدادات على الحدود؛ إذ تمنعها إسرائيل من دخول غزة. ويقول جوناثان كريكس، المتحدث باسم «يونيسف»: «من الواضح تماماً أننا سنشهد المزيد من حالات الهزال، وهو أخطر أشكال سوء التغذية. ومن الواضح أيضاً أننا سنشهد المزيد من الأطفال يموتون بسبب هذه الأمراض».

وتضيف تقول سعاد عبيد، اختصاصية التغذية في غزة، لوكالة «أسوشييتد برس» إن الآباء يترددون على مراكز التغذية بشكل متزايد لأنهم لا يملكون ما يطعمونه لأطفالهم. وتتابع: «لا يمكن لأحد الاعتماد على الطعام المعلب والتغذية الطارئة لما يقرب من عامين».

أسامة الرقب (5 سنوات) الذي تقول والدته إن التليف الكيسي الذي يعاني منه تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيمات التي تساعده على هضم الطعام يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر (أ.ب)

في مستشفى ناصر، كانت 4 حالات حرجة تتلقى العلاج الأسبوع الماضي من سوء التغذية الحاد، بمن في ذلك خالد. ولا تُقبل إلا الحالات الحرجة - ولفترات قصيرة فقط حتى يتسنى علاج المزيد من الأطفال. يقول الدكتور ياسر أبو غالي: «إذا استقبلنا جميع المصابين بسوء التغذية الحاد، فسنحتاج إلى مئات الأسرّة»، مُقراً: «لا يمكننا مساعدة الكثيرين على أي حال... لا شيء في أيدينا».

وانهار نظام إدارة الأمراض والعلاج. فقبل الحرب، كانت مئات العائلات في غزة تُسجل وتُعالج من العيوب الخلقية، أو الاضطرابات الوراثية أو اضطرابات المناعة الذاتية، وهو نظام انهار في الغالب بسبب نفاد الطعام أو التركيبات أو الأقراص التي تُساعد في إدارة الأمراض بسرعة.

ويقول الدكتور أحمد الفراح، رئيس قسم الأطفال والتوليد في مستشفى ناصر، إن مئات الأطفال المصابين باضطرابات وراثية قد يعانون أيضاً من اضطرابات إدراكية، إن لم تكن أسوأ. ويضيف: «إنهم محكوم عليهم بالإعدام».

لا لحوم ولا أسماك

إلى ذلك، تفاقمت حالة أسامة الرقب بالتليف الكيسي منذ بداية الحرب. تقول والدته (منى) إن نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم التي تساعده على هضم الطعام أدى إلى زيارات متكررة للمستشفى ونوبات طويلة من التهابات الصدر والإسهال الحاد. وتظهر عظامه بارزة من جلده. أما أسامة، البالغ من العمر 5 سنوات، فيزن 9 كيلوغرامات، وبالكاد يستطيع الحركة أو الكلام. لا يوفر له الطعام المعلب أي تغذية. وتقول والدته: «مع المجاعة في غزة، لا نأكل سوى العدس المعلب. إذا ظلت الحدود مغلقة، فسنفقد ذلك أيضاً».

ترفع منى الرقب قميص ابنها أسامة الرقب البالغ من العمر خمس سنوات، كاشفة عن علامات سوء التغذية وتفاقم التليف الكيسي، الذي تفاقم منذ بداية الحرب بسبب نقص اللحوم والأسماك وأقراص الإنزيم اللازمة لمساعدته على هضم الطعام، بينما يتلقى العلاج في عيادة سوء التغذية في مستشفى ناصر، خان يونس (أ.ب)

ووُلدت الطفلة رحمة القاضي مصابة بمتلازمة داون، قبل 7 أشهر. ومنذ ذلك الحين، لم يزد وزن سما سوى نصف رطل (300 غرام)، ودخلت المستشفى عدة مرات بسبب الحمى.

رحمة القاضي تعتني بابنتها سما البالغة من العمر سبعة أشهر التي وُلِدت بمتلازمة داون وتعاني من سوء التغذية في عيادة سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس (أ.ب)

وتواصل والدتها، التي تعاني أيضاً من سوء التغذية، ولا تزال تعاني من التهاب في جرحها بعد الولادة، إرضاعها. لكن هذا لا يكفي.


مقالات ذات صلة

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي جثث القتلى الفلسطينيين في غزة (أ.ف.ب)

مقتل 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على وسط قطاع غزة

قتل سبعة فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية، فجر اليوم السبت، قرب نقطة للشرطة في مخيم البريج وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقعاً قال مسعفون إنه شهد غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة قرب مدخل بلدة زويدا وسط غزة (رويترز) p-circle

غارة جوية إسرائيلية تقتل 4 فلسطينيين في غزة

قالت سلطات الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قتلت أربعة فلسطينيين في شمال القطاع اليوم (الأحد)

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية حسب مسعفين في مدينة غزة (رويترز)

كوسوفو توافق على إرسال قوات إلى غزة في إطار خطة ترمب

وافقت كوسوفو، اليوم (الاثنين)، على إرسال قوات إلى قطاع غزة للانضمام إلى قوة أمنية دولية.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا )

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
TT

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

أكد الرئيس السوري، أحمد الشرع، الجمعة، أن اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في العاصمة القبرصية، نيقوسيا، يمثل لحظة نضج سياسي واستراتيجي تكرس واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون، واضعاً أمام الشركاء «مبادرة البحار الأربعة» و«الممرات التسعة» لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية.

وقال الشرع، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا: «الوقوف على ضفة المتوسط المشترك يؤكد حقيقة راسخة، وهي أن أمن القارة الأوروبية واستقرار المنطقة يمثلان توازناً جيوسياسياً، لا يقبل التجزئة، ويفرض العمل بروح الشراكة والمسؤولية الجماعية».

أضاف قائلاً: «إن ثقل هذه المسؤولية يتجلى اليوم وسط التحديات القاسية التي تمس أمن مواطني المنطقة ومجتمعاتهم، وتضرب عصب التجارة العالمية؛ حيث يشكل إغلاق مضيق هرمز خطراً كبيراً؛ ما يضعنا أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب منطقتنا».

وأشار إلى أن أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا، مضيفاً: «إن الشراكة الأوروبية العربية المتوسطية غدت المسار الحتمي والملاذ الآمن لاستدامة تدفقات الطاقة، وضمان أمن الإمدادات العالمية».

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يتحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل التقاط الصورة التذكارية لقمة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا الجمعة (إ.ب.أ)

وشدد الشرع على ضرورة وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق السيادة السورية، من توغلات برية وغارات جوية وخروقات شبه يومية تطول الأراضي والأجواء السورية، في مخالفة صريحة لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ولأبسط قواعد القانون الدولي، مؤكداً أن هذه الاعتداءات لا تستهدف الأمن السوري فحسب، بل تستهدف في جوارها مسار التعافي وإعادة الإعمار، وتضرب الاستقرار الإقليمي الذي يشكل الأساس الذي تقوم عليه الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ورأى أن «التزام الشركاء الأوروبيين بأمن سوريا واستقرارها يقتضي موقفاً حازماً يلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات فوراً؛ لأن حماية المسار الذي انطلق اليوم تبدأ من حماية الأرض التي ينهض عليها».

ولفت إلى أن «سوريا التي كانت ساحة لصراعات الآخرين تختار اليوم بإرادة شعبها ومؤسساتها أن تكون جسراً للأمان، وركيزة أساسية للحل»، مؤكداً أن «الجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا، ومن هذا المنطلق نضع بتصرف شركائنا في المتوسط والخليج العربي مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية».

وقال الرئيس السوري: «إن ما أنجزناه اليوم هو البداية الواثقة التي تمهد الطريق لحدثنا الأكبر في بروكسل، يوم الحادي عشر من مايو (أيار) المقبل؛ حيث سندشن الحوار السياسي السوري الأوروبي رفيع المستوى... إن أمامنا سبعة عشر يوماً من العمل المكثف نمضي فيها بعزيمة صلبة لترسيخ دور سوريا الشريك الاستراتيجي الذي يسهم في بناء مستقبل القارة الأوروبية، وضمان استقرار منطقتنا».

وشارك الرئيس الشرع في أعمال الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في مركز فيلوكسينيا في نيقوسيا، بدعوة من الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، حيث ألقى كلمة أكد فيها ضرورة تعزيز الاستقرار الإقليمي وتكثيف التنسيق الدولي لمواجهة التحديات المشتركة.


عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
TT

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، مؤكداً أنه يمكن لوالده قيادة «تجديد ديمقراطي».

والبرغوثي (66 عاماً)، الذي يُطلِق عليه أنصاره لقب «نيلسون مانديلا فلسطين»، يُعدّ أبرز معتقَل فلسطيني في إسرائيل، وهو أحد قادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في مطلع الألفية الجديدة، وغالباً ما يُشار إليه بوصفه خليفة محتملاً لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس البالغ (90 عاماً).

أمّا عرب البرغوثي، نجل القيادي الفلسطيني، فكان في الحادية عشرة من عمره عندما اعتُقل والده عام 2002. وفي يونيو (حزيران) 2004، حكمت عليه محكمة إسرائيلية بالسجن مدى الحياة، بعد إدانته بالتورّط في أربع هجمات أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة.

مروان البرغوثي يلوّح بيده بينما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)

ويؤكد عرب، البالغ (35 عاماً) والمقيم في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، أن أربع سنوات مرّت على آخِر لقاء جمعه بوالده مروان، في حين لم يتمكّن من التواصل المباشر معه منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل.

لكنه يعرف أخباره من خلال محاميه الذي التقاه، للمرّة الأخيرة في 12 أبريل (نيسان) الحالي، وأفاد بأن مروان البرغوثي تعرّض لاعتداءات عنيفة ثلاث مرات، خلال الأسابيع الأخيرة.

وفي مقابلةٍ أجرتها معه «وكالة الصحافة الفرنسية» بلندن، حيث يقوم بجولة للمطالبة بالإفراج عن والده، يقول عرب: «علمنا بسوء المعاملة والانتهاكات والتعذيب»، مضيفاً أن والده «فقَدَ كثيراً من وزنه، ربما نحو 10 كيلوغرامات».

في المقابل، نفت إدارة السجون الإسرائيلية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، صحة هذه الاتهامات، واصفة إيّاها بأنها «كاذبة ومكرَّرة ولا أساسَ لها». وأضافت: «لا يوجد لدى مصلحة السجون الإسرائيلية أيّ سِجلّ للأحداث على النحو الموصوف».

عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي في لندن (أ.ف.ب)

«الوحدة»

وفي صورٍ تعود إلى أغسطس (آب) الماضي، يبدو مروان البرغوثي واهِناً، لكن محاميه يصرّ على القول إنه «كما كان دائماً قوياً وحاضر الذهن ومركزاً»، وفق ما نقل عنه عرب.

ويضيف عرب: «إنه يعرف تماماً ما الذي يجري، ويعرف بالضبط ما نحتاج إليه كفلسطينيين للمضيّ قُدماً»، مؤكداً أن سنوات السجن الطويلة لم تُضعف شعبية والده، بل على العكس تماماً.

ويقول: «نحن في أمسّ الحاجة إلى قيادة موحَّدة، وأعتقد أنه (مروان البرغوثي) يمثّل ذلك، إنه يجسّد، إلى جانب الوحدة، مستقبل تجديد ديمقراطي في فلسطين».

ويُعدّ مروان البرغوثي، العضو البارز منذ وقت طويل في حركة «فتح»، من الشخصيات القليلة جداً التي يُمكن أن تحظى بقبول جميع الفصائل السياسية الفلسطينية، بما فيها حركة «حماس»، لكن لا توجد مؤشرات إلى إمكانية الإفراج عنه في المستقبل القريب.

ويؤكد عرب البرغوثي أنه رغم الحرب المدمّرة في غزة وتوسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، فإن والده لم يفقد الأمل يوماً بالشعب الفلسطيني: «قال لي إن اليأس ترفٌ لا نملكه نحن الفلسطينيين... احذف اليأس من قاموسك».

«بطل وقدوة»

لا يزال البرغوثي يؤمن أيضاً بحل الدولتين، والذي ينص على قيام دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنبِ إسرائيل.

عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي (أ.ف.ب)

وفقاً لعرب، فإن والده «يدرك أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تقتل حل الدولتين عمداً، والعالم بأَسره يشاهد ذلك». ويضيف: «أعتقد أن هدفه هو الحرية للفلسطينيين والعيش بكرامة قبل أي شيء آخر. أما كيف يتحقّق ذلك فهو السؤال المطروح».

وينتقد عرب البرغوثي السلطة الفلسطينية في رام الله؛ لأنها «للأسف غير قادرة على تغيير واقعِ ما يمرّ به الشعب الفلسطيني، وغير قادرة على الدفاع عنه».

لكنه يقرّ، في الوقت نفسه، بأن «هامش تحرّك القيادة الفلسطينية محدود للغاية... للأسف، أُضعِفت السلطة الفلسطينية بشكلٍ لم نشهد له مثيلاً»، محذراً من أن الوضع في الضفة الغربية «خطير جداً» وقد يؤدي إلى «فوضى».

مروان البرغوثي يحضر جلسة مداولات بمحكمة الصلح في القدس (أرشيفية-رويترز)

كانت إسرائيل قد رفضت الإفراج عن مروان البرغوثي في أيٍّ من صفقات تبادل الأسرى منذ اندلاع الحرب في غزة. ويرى عرب البرغوثي أن والده يشكّل «تهديداً سياسياً لطموحات الحكومة الإسرائيلية الحالية».

ومع ذلك، يرفض هو وعائلته مجرّد التفكير في احتمال ألّا يُفرَج عن مروان أبداً، ويؤكدون أن ذلك «ليس خياراً مطروحاً في أذهاننا».

وينتهي إلى القول: «إنه بطلي وقدوتي، بالتأكيد، لكن بصفتي فلسطينياً فإنه يمنحني الأمل، وأريد أن أدعم رؤيته بكل السبل الممكنة».


نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

وقال، في أول تصريح له بعد تمديد وقف إطلاق النار مع لبنان: «بدأنا مساراً للتوصل إلى سلام تاريخي بين إسرائيل ولبنان، ومن الواضح لنا أن (حزب الله) يحاول تقويض ذلك»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أن قواته قتلت 6 من عناصر «حزب الله» في جنوب لبنان.

واندلعت الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق الحزب صواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران.

وعقد البلدان اللذان هما في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948، جولة محادثات في واشنطن في 14 أبريل (نيسان)، وكانت الأولى من نوعها منذ عام 1993، في محاولة لإنهاء الحرب.

بعد هذه المحادثات بيومين، أعلنت الولايات المتحدة هدنة لمدة عشرة أيام في الحرب التي أدّت إلى مقتل أكثر من 2400 شخص في لبنان ونزوح أكثر من مليون. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تمديد الهدنة 3 أسابيع.