عباس يغيّر وجه السلطة الفلسطينية في أوج حرب البقاء 

تعيين نائب له يواكب أوسع تغيير بالأجهزة الأمنية ويؤمّن انتقالاً سلساً للسلطة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
TT

عباس يغيّر وجه السلطة الفلسطينية في أوج حرب البقاء 

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

يستعد المجلس المركزي الفلسطيني، بعد نحو 10 أيام، لاستحداث منصب نائب للرئيس محمود عباس، في جلسة استثنائية من شأنها أن تتوج سلسلة من الإصلاحات والتغييرات الأوسع منذ نشأة السلطة الفلسطينية، بدأها عباس في الأسابيع القليلة الماضية تحت ضغوط خارجية وداخلية فرضتها تعقيدات الحرب على قطاع غزة.

وتلقى نحو 180 عضواً في المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية دعوات للاجتماع في رام الله يومي 23 و24 من أبريل (نيسان) لاستحداث منصب نائب للرئيس في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وكان عباس قد أعلن في أثناء القمة العربية الطارئة التي انعقدت بالقاهرة في الرابع من مارس (آذار) الماضي عزمه إجراء تغييرات على السلطة، وهو ما بدا آنذاك تكتيكاً منه لتجاوز الخطة الإسرائيلية لشطب السلطة الفلسطينية من أي مشروع يتعلق باليوم التالي للحرب في غزة، وربما تفكيكها في الضفة الغربية.

وأكد عباس في خطابه القصير أنه سيُعيّن نائباً لرئيس منظمة التحرير ودولة فلسطين، وسيُجري التعديل المطلوب في النظام الأساسي لمنظمة التحرير، وسيُعيد هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة وفي حركة فتح وأجهزة الدولة، معلناً كذلك إصدار عفو عام عن جميع المفصولين من الحركة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية الواجبة لذلك.

الانتقال السلس

كان المجلس الوطني، باعتباره البرلمان والمرجعية للمنظمة والسلطة معاً، قد فوَّض المجلس المركزي في عام 2018 بتولي مسؤولياته. ويُفترض أن يناقش المركزي في اجتماعه المقبل قضايا عدة من بينها استعادة غزة والوحدة الوطنية، واستحداث منصب نائب لرئيس المنظمة، ولكن ليس بالضرورة تسميته.

صورة لدعوة أعضاء المجلس المركزي الفلسطيني للاجتماع في 23 من الشهر الحالي (من حسابات ناشطين في فتح)

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة نقاشات واسعة حول أمرين: هل يتم استحداث المنصب وتكليف عباس باختيار نائبه في مرحلة لاحقة - وهو أمر مرجح، ويعطي الرئيس صلاحية واسعة؟ أم سيجري استحداث وتسمية نائب للرئيس في الجلسة نفسها عبر الانتخاب؟

وقال مصدر: «المهم أن قرار تعيين نائب لعباس اتُّخذ، في واحدة من أهم الخطوات التي تستجيب لطلبات الإصلاح من جهة، وتُفوّت الفرصة على الإسرائيليين وآخرين من جهة ثانية، وتؤمّن انتقالاً سلساً للسلطة في حال شغور منصب الرئيس».

ومسألة تعيين نائب للرئيس الفلسطيني كانت مثار نقاش منذ سنوات طويلة بعدما سيطرت «حماس» على المجلس التشريعي الفلسطيني، وفي ظل تقدم عباس في العمر.

وينص النظام الأساسي للسلطة الفلسطينية على أنه في حال شغور منصب الرئيس لأي سبب كان، مثل الوفاة أو فقدان الأهلية، يتولى رئيس المجلس التشريعي منصب الرئيس لمدة 60 يوماً تجري في نهايتها انتخابات عامة للرئاسة.

لكن عباس حل المجلس التشريعي قبل سنوات، وأصدر نهاية العام الماضي مرسوماً دستورياً نص على أنه في حال شغور منصب الرئيس يتولى رئيس المجلس الوطني المنصب لمدة 90 يوماً تجري في نهايتها انتخابات عامة للرئاسة.

وأغلب الظن أن تعيين نائب لعباس في المنظمة لا يغير شيئاً إذا لم يُعلَن نائبه في المنظمة نائباً له في رئاسة السلطة كذلك.

حرب قلبت الموازين

من الممكن أن يتجاوز عباس مسألة النائب هذه ويُبقي الوضع على ما هو عليه، لكن حرب غزة قلبت كل الموازين، ووضعت السلطة في زاوية صعبة وضيقة تحت وابل من الاتهامات الإسرائيلية والأميركية والعربية كذلك. وربطت دول عربية أي دعم لتمكين السلطة الفلسطينية في قطاع غزة بعد الحرب بإجراء إصلاحات وتغييرات واسعة، وهو مطلب أميركي قديم متجدد لم يجد عباس مهرباً من التعامل معه بجدية هذه المرة.

وتُظهر مواقف الأطراف المعنية حول حكم غزة بعد الحرب خلافات واسعة، إذ يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي وجود للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة معتبراً إياها «ضعيفة وغير مؤهلة»، بينما يتحدث الأميركيون عن خطط متناقضة بعض الشيء، بينما تسعى دول عربية إلى تشكيل قوات ولجان تشارك فيها السلطة بدايةً قبل أن تتسلم القطاع في وقت لاحق.

وتعيين نائب للرئيس عباس البالغ من العمر 90 عاماً سيكون أوضح رسالة على أن السلطة تتغير فعلاً. والنائب الذي يُتوقع أن تكون له صلاحيات واسعة، أي بمثابة «رئيس فعلي»، يأتي على رأس أجهزة أمنية متجددة كذلك وحكومة جديدة نسبياً.

ففي العام الماضي، أقال عباس جميع وزرائه، وشكَّل حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء محمد مصطفى. وفي الأسابيع القليلة الماضية قاد عاصفة طالت جميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وعيَّن رؤساء جدداً لأهم الأجهزة، وجاء غالبيتهم هذه المرة من حرس الرئيس الخاص.

وقال مصدر أمني للشرق الأوسط إنهم اختيروا بعناية شديدة، مضيفاً: «غالبيتهم من حرس الرئيس الخاص، وهو ما يمنحه سيطرة أكبر على الأجهزة الأمنية، وبالتالي سيطرة لمن سيختاره لخلافته».

وشملت التعيينات الجديدة قرارات بتعيين اللواء إياد الأقرع مديراً عاماً لجهاز الأمن الوقائي، واللواء نضال شاهين قائداً لجهاز الاستخبارات العسكرية، واللواء العبد إبراهيم خليل قائداً لقوات الأمن الوطني، واللواء أنور رجب مفوضاً لهيئة التوجيه السياسي والوطني، واللواء أكرم ثوابتة قائداً لجهاز الدفاع المدني، وقبلهم بفترة ليست طويلة، أعلن عن ترقية العميد علام السقا إلى رتبة لواء، وتعيينه مديراً عاماً للشرطة الفلسطينية.

ولم يكتفِ عباس بذلك، بل تخلَّص في بداية الشهر الحالي من مئات الضباط برتبة عميد، وأحالهم للتقاعد بمرسوم رئاسي. وجاء في نص القرار أنه يهدف إلى إعادة هيكلة الموارد البشرية في قوى الأمن الفلسطيني بما يتلاءم مع خطط تطوير الأجهزة الأمنية وعملها.

وغيَّرت السلطة نظام دفع رواتب الأسرى ضمن عمليات الإصلاح الأخيرة، ووجهت رسالة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل التأكد من إصلاح نظام المدفوعات الذي سيبدأ تطبيقه في الأول من يونيو (حزيران) المقبل.

ثلاثة مناصب

ويخطط عباس الآن، بحسب مصادر فلسطينية، لخطوة أخرى مثيرة، باستبدال رئيس مخابراته منذ فترة طويلة اللواء ماجد فرج.

وقال مسؤول فلسطيني ودبلوماسي أوروبي ومصدر فلسطيني مطَّلع لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن من المتوقع اتخاذ قرار نهائي بشأن مصير فرج في الأسابيع المقبلة.

وقال أحد هذه المصادر: «يواجه عباس ضغوطاً متزايدة من الحلفاء العرب والغربيين لإصلاح السلطة الفلسطينية وإفساح المجال لجيل جديد من القادة، بحيث تكون السلطة الفلسطينية جاهزة بشكل أفضل لاحتمال تولي المهمة الكبرى المتمثلة في حكم غزة مرة أخرى بعد الحرب هناك».

وفرج هو آخر رئيس جهاز أمني باقٍ في منصبه، ويُعتقد على نطاق واسع أنه سينتقل إلى منصب في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أو في مركزية حركة فتح.

ولم يُعرف من سيقع عليه الاختيار لمنصب نائب الرئيس في المنظمة، وهل سيُعلن عنه أيضاً نائباً لعباس في رئاسة السلطة.

ويبدو حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة، أقرب شخصية للموقع، لكن تعقيدات كثيرة داخل حركة فتح قد تَظهر كعقبة محتملة وخصوصاً من قِبل قادة في اللجنة المركزية يرون أنهم أحق، وبينهم أسرى داخل السجون الإسرائيلية.

وثمة مقترح داخل الحركة بتوزيع المناصب بعد عباس، أي تولي 3 مسؤولين كبار من فتح 3 مواقع يشغلها عباس الآن وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات يشغلها كذلك: رئيس السلطة، ورئيس «منظمة التحرير»، ورئيس حركة «فتح».

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن 13 سبتمبر 1993 (غيتي)

وقال مسؤول في حركة «فتح» لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس السلطة يجب أن يكون عضواً في مركزية «فتح» وعضواً في تنفيذية المنظمة، وبالتالي رئيس المركزية ورئيس المنظمة.

ومن غير المعروف إن كانت حركة «فتح» ستحافظ على هذا التقليد، أم أن حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ستُغيّر وجه الحركة مثلما غيَّرت وجه «حماس» وإسرائيل والسلطة والشرق الأوسط برمته.


مقالات ذات صلة

سموتريتش يعلن حرباً ضد السلطة الفلسطينية... ويوقّع أمراً لإخلاء «الخان الأحمر»

المشرق العربي صورة التقطت يوم الثلاثاء لمساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle

سموتريتش يعلن حرباً ضد السلطة الفلسطينية... ويوقّع أمراً لإخلاء «الخان الأحمر»

سموتريتش يعلن حرباً مفتوحة ضد السلطة الفلسطينية بعدما قال إنه علم بقرار سري أصدرته لاهاي لاعتقاله، وأمر بهدم تجمع الخان الأحمر بالضفة الغربية

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

تحليل إخباري جيل «الداخل» يتقدم في «فتح»... والبرغوثي يحصد أعلى الأصوات

أظهرت نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» التي أعلنت، الأحد، تقدم ما يسمى بـ«جيل الداخل» على حساب الجيل القديم في الحركة المعروف بـ«الحرس القديم».

كفاح زبون (رام الله)
خاص مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

خاص «حماس» تختار قائدها الأحد وسط مساعٍ لعقد حوار وطني شامل

علمت «الشرق الأوسط»، أنَّه من المفترض أن تُحسم، الأحد، هوية رئيس المكتب السياسي الجديد لـ«حماس»، حيث تنحصر المنافسة بين خالد مشعل وخليل الحية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مسيرة لإحياء ذكرى النكبة في مدينة رام الله بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

مؤتمر «فتح» الثامن ينطلق الخميس وسط منافسة كبيرة

تنطلق أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح»، الخميس، في حدث غير مسبوق منذ 10 سنوات، ويتوقع أن يشكل القيادة الفلسطينية الجديدة.

كفاح زبون (رام الله)
خاص ياسر عرفات في زيارة لطهران خلال 17 فبراير 1979 وكان أول شخصية رسمية تزور إيران بعد «الثورة الإسلامية» (غيتي)

خاص منذ عرفات وحتى السنوار... مساعي إيران لتطويق الفلسطينيين لم تتوقف

منذ عرفات وحتى «حماس» لم تتوقف إيران عن محاولة احتواء الفلسطينيين وتحويلهم إلى وكلاء حتى ارتد ذلك على إيران والمنطقة كلها بحرب بدأتها «حماس» في أكتوبر 2023.

«الشرق الأوسط» (لندن - رام الله- غزة)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.


التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.


بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية. فهو الذي انخرط في العمل التشريعي أولاً، ولم يدخل الحكومات مباشرة إلا في عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

ومنذ ذلك الوقت حاول الحزب فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها، وأطاح ببعضها الآخر بعد ابتداعه مفهوم «الثلث المعطل»، والتوافقية في اتخاذ القرارات، واستحواذه وحليفته حركة «أمل» على كامل الحصة الوزارية الشيعية لاستخدامها ورقة لإسقاط الحكومات، أو منعها من العمل.

لذلك لا يبدو خروج أمين عام الحزب الحالي الشيخ نعيم قاسم، على اعتبار أنه «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع، وتسقط الحكومة، وتسقط المشروع الأميركي–الإسرائيلي»، مفاجئاً لمن تابع عن كثب على مر السنوات أداء «حزب الله» في عمليتي تشكيل وإسقاط الحكومات، كذلك قول عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي «رئيس الجمهورية أو غيره بأغلبية حكومية يريدون ضرب المقاومة في هذا العهد، وبالتالي على هؤلاء أن يعلموا أنهم جهة عابرة تأتي، وتذهب، فيما نحن المتجذّرون في هذا البلد...».

نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله»

مسار طويل من محاصرة الحكومات

وتعود أول محاولة لـ«حزب الله» لمحاصرة الحكومة سعياً لإسقاطها للعام 2006 حين سحب وحركة «أمل» وزراءهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

ونظم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت لاعتبارهم الحكومة غير ميثاقية. إلا أنها واصلت أعمالها حتى مايو (أيار) 2008 حين تحرك «حزب الله» عسكرياً في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان للتصدي لقرارات اتخذتها الحكومة بخصوص شبكة اتصالاته. وقد أدى ذلك إلى اجتماع القوى اللبنانية في قطر ليخرجوا بما عُرف بـ«اتفاق الدوحة» الذي انتزع الحزب من خلاله «الثلث المعطل»، أي حصوله وحلفائه على ثلث عدد الوزراء، ما يسمح لهم بإسقاط الحكومة.

وهذا ما حصل فعلياً في العام 2011، فأقدم «حزب الله» وحلفاؤه على سحب وزرائهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، ما أدى إلى سقوطها.

«تحرر» حكومة سلام

وبعدها توالى تشكيل الحكومات التي يمتلك فيها الحزب وحلفاؤه «الثلث المعطل» الذي سمح لهم بالتحكم بقرارات ومصير مجالس الوزراء المتعاقبة. بحيث تم تشكيل 6 حكومات منذ العام 2011، وصولاً للحكومة الحالية التي يرأسها نواف سلام، والتي تُعتبر أول حكومة من العام 2008 تتحرر من سطوة الحزب عبر «الثلث المعطل». ونتيجة لذلك، فشل في منع الحكومة من اتخاذ قرارات حصرية السلاح، واعتبار جناحه العسكري غير شرعي، وغيرها من القرارات التي رفضها الحزب، وهاجمها، ولم يتمكن من منع صدورها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان قبل بدء الحرب الأخيرة (أ.ف.ب)

ابتزاز الحكومات المتعاقبة

ويعتبر الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «حزب الله»، ومنذ «اتفاق الدوحة»، «حاول ابتزاز الحكومات المتعاقبة التي كان يتم تشكيلها، سواء من خلال بدعة (الثلث الضامن)، أو التوافق، أو الميثاقية»، لافتاً إلى أنه «في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد في الحكومة الحالية، انقلبت المعادلات تماماً، فتشكلت على قواعد مختلفة عكست التوازنات السياسية الجديدة».

ويرى الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى ولو كان (حزب الله) يعتبر أن إسقاط الحكومة الحالية ممكن في الشارع، ولكنه يدرك أن تشكيل أخرى بشروطه أمر غير متاح، لذلك فإن تهديداته راهناً بإسقاط الحكومة لا تتعدى التهويل، والصراخ، وليس أكثر من تعبير عن المأزق الذي يعيشه الحزب، ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم بخطابه المتناقض. أضف أن الرئيس بري ليس بالوارد ملاقاة الحزب في هذه الخطوة، وبالتالي لا فرصة للحزب إطلاقاً لإسقاط الحكومة، أو تعديل السياسات التي يشكو منها».