كيف احتوى السوريون خطاب العنف بعد أحداث الساحل في البلد المنكوب؟

مبادرات أهلية لتقديم الدعم الطارئ وحماية التماسك المجتمعي... وأهالٍ يطالبون بمساعدات دولية

حملة تبرعات في دمشق مزة 86 (الشرق الأوسط)
حملة تبرعات في دمشق مزة 86 (الشرق الأوسط)
TT

كيف احتوى السوريون خطاب العنف بعد أحداث الساحل في البلد المنكوب؟

حملة تبرعات في دمشق مزة 86 (الشرق الأوسط)
حملة تبرعات في دمشق مزة 86 (الشرق الأوسط)

هي «محاولة لنكون معاً» تقول الصحافية والناشطة المدنية زينة شهلا، واصفة المبادرات الأهلية التطوعية لتقديم الدعم الإغاثي الطارئ للمتضررين من موجة العنف التي اجتاحت مناطق الساحل السوري قبل أسبوعين.

وتشير شهلا إلى تشكيل مبادرات مجتمعية أهلية ومدنية في مختلف المناطق السورية ومن كل الأطياف، تدعو للوقوف إلى جانب المتضررين، و«تقديم دعم حقيقي». وأهمية ذلك، بحسب رأيها، أنه يحمل رسالة ضمنية إلى كل السوريين كي «لا تتكرر تجارب الماضي المؤلمة عندما لم يكن بالإمكان مساندة أهالي المناطق المنكوبة في عهد النظام السابق».

الصحفية زينة شهلا

وبعد أيام قليلة من اندلاع أعمال العنف، في الساحل السوري في الثامن من مارس (آذار) الجاري، بدأت تتكشف أبعاد الكارثة الحاصلة هناك، وتداعى سوريون من مختلف الأطياف أفراداً وجمعيات ومنظمات أهلية، لتشكيل فرق تطوعية تنسق تجميع التبرعات العاجلة، كلٌّ بحسب استطاعته، فكانت هناك حملات في «حي المزة 86» في دمشق وأحياء «الزهرة والنزهة» في حمص، وحملات في وادي النضارة بريف حمص، وحملات في السويداء وأخرى في حلب وحماة وريفها وفي مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا.

وقد انخرط فيها نشطاء وناشطات من داخل وخارج سوريا، إلى جانب جمعيات ومنظمات ومبادرات مجتمع مدني، شارك فيها آلاف السوريين، الرافضين للعنف والداعين لوقف الدماء، وتجنيب البلاد المزيد من الكوارث، تحت عناوين «كن عوناً» و«صناع السعادة» وغيرها من شعارات في ظل ارتفاع موجة التجييش في الشارع.

الفنان التشكيلي بطرس المعري

هناك من بادر بشكل فردي كتخصيص عائدات أعمال فنية لصالح المتضررين، منها مساهمة الفنان التشكيلي بطرس المعري بعائدات 10 نسخ من أحد أعماله الفنية، ومبادرات أخرى كانت قد بدأت قبل أحداث الساحل وتوسعت بعدها نتيجة تزايد الاحتياج، كالمبادرة التي قامت بها المهندسة نادية حلمي مع أصدقائها في دمشق، للمشاركة في حملات أهلية لتأمين رغيف الخبز في قرى جبلة، مثل «الدالية» و«الشير» ومدينة مصياف، ومع اندلاع أعمال العنف توسّعت الحملات من حيث أعداد المشاركين والمناطق، ونوع المواد المقدمة. وترى المهندسة ناديا أهمية الحملات المدنية التطوعية في أنها: «تفسح في المجال مستقبلاً للحوار والمناقشة الموضوعية والاتفاق على خطاب خالٍ من الكراهية».

علا الشيخ حسن

ضمن هذا السياق تروي مديرة الإنتاج في مشروع «سما هاند ميد» علا الشيخ حسن، بتأثر، قصة أول حرام كروشيه أنتجته حملة «حرامات سورية» (بطانيات) التي أطلقها مشروع «سما هاند ميد»، وكان للصدفة من مربعات كروشيه اشتغلتها سيدتان من طرطوس وإدلب، وتقول علا، لـ«الشرق الأوسط»، حصل ذلك في وقت كان «التجييش في الشارع على أشده» على خلفية الأحداث في الساحل، مشيرة إلى أنها قرأت في تلك الصدفة: «رسالة تؤكد على التماسك المجتمعي».

وانطلقت «حرامات سورية» بداية شهر فبراير (شباط) الماضي، بهدف صناعة حرامات للأطفال من مربعات كروشيه يتبرع بها من يجيد هذا العمل اليدوي من المتوفر لديهم من خيوط صوف فائضة، على أن تقوم الورشات النسائية في مشروع سما، وتتركز في ريف دمشق ومدينة داريا، بتنسيقها وصنع حرامات منها للأطفال.

جمع قطع حياكة الكروشيه المتبرع بها ضمن مبادرة «الحرامات السورية» للأطفال (الشرق الأوسط)

عندما اندلعت أعمال العنف في الساحل، اكتسبت الحملة بعداً آخر في مواجهة خطاب العنف والفتن، وكل ما يهدد السلم الأهلي. وتقول علا إنه تم تمديد فترة الحملة بعدما «فوجئنا بأعداد المتحمسين للمشاركة من كل المحافظات ومن مختلف الأطياف».

إلا أن الناشط السياسي نبيه النبهان في طرطوس، الذي انخرط خلال الأيام الماضية في تنسيق الحملات التطوعية، قال إن المتطوعين والمتطوعات من كل المناطق، استبسلوا جميعهم لتقديم كل ما يمكنهم تقديمه، ومع ذلك لا يمكن لتلك الجهود الأهلية مهما بلغت، أن تلبي الاحتياج المتزايد في منطقة منكوبة مساحتها تبلغ أربعة آلاف كم2، فقدت أعداداً كبيرة من رجالها.

حملة «كن عونا» الأهلية

ومن وجهة نظر نبهان، يصعب على المبادرات الإسهام في تهدئة خواطر المنكوبين ما دامت لا تزال «الذئاب المنفلتة تتجول في كل المناطق وتقتل دون حساب»، بحسب كلامه. وشدد النبهان على ضرورة بدء إجراءات العدالة الانتقالية، وتشكيل لجنة تقصي حقائق جدية بإشراف ومشاركة دولية، ووقف حملات الكراهية؛ لأنه «بغير ذلك لن تهدأ النفوس ولن يزول الخوف»، لافتاً إلى أن «الفرق التطوعية استنفدت خلال الأسبوعين الماضيين قدراتها ومواردها، فبعضها توقف والبعض الآخر على وشك التوقف».

قوات الأمن السورية تفحص سيارة في جبلة على الساحل السوري (رويترز)

ووصف مناطق محافظتي الساحل طرطوس واللاذقية مع الريف الغربي لمحافظة حماة، بأنها «مناطق منكوبة» ولا بد من تدخل فوري من الشركات العامة للمساعدة بترميم المنازل المتضررة وإعادة بناء البيوت والمنشآت المهدمة وإعادة بناء وتشغيل المنشآت التجارية والخدمية والطبية، وكذلك البنية التحتية من صرف صحي ومياه وكهرباء وهاتف، وبغير ذلك ستخرج كل تلك المناطق من كونها صالحة للحياة.

وقبل الأحداث الأخيرة في الساحل، كان حجم الأضرار التي خلفتها حرب النظام السابق على معارضيه يقدر بنحو 350 إلى 400 مليار دولار أميركي، وجاءت موجة العنف الأخيرة لتزيد حجم الضرر وتطيل أمد معاناة السوريين، فيما يسعى المجتمع الأهلي لمد يد العون بمساهمات معلومة سلفاً أنها لا تلبي الاحتياج لكنها بلا شك مبادرات لتجنب «انهيار السلم الأهلي»؛ لأن سوريا إجمالاً «بلد منكوب».


مقالات ذات صلة

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

المشرق العربي الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
خاص فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

خاص «العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من رجال الدفاع المدني السوري (حساب الدفاع المدني الرسمي على «إكس»)

شاهد... إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق 18 متراً شمال سوريا

أعلن «الدفاع المدني» السوري إنقاذ طفل عمره ثلاث سنوات سقط في بئر بعمق 18 متراً بريف حلب بشمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جدارية تُحيي ذكرى الهجوم الكيميائي عام 2013 في زملكا بضواحي دمشق مساء الخميس (إ.ب.أ)

اعترافات «عدو الغوطتين»: هاجمنا الأهداف عشوائياً وأوامر القصف كانت تأتي من الأسد

نشرت وزارة الداخلية السورية، مساء الثلاثاء، فيديو مسجلاً لاعترافات ميزر صوان، اللواء الطيار في عهد بشار الأسد والملقّب بـ«عدو الغوطتين».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».