تصورات متضاربة حول «اليوم التالي» في غزة... و«الوضع المعقد» 

مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مناقشات مع الأميركيين.. وثمة شيء يتبلور

فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

تصورات متضاربة حول «اليوم التالي» في غزة... و«الوضع المعقد» 

فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

عندما سُئل مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الجمعة، ما الذي تريده حكومة إسرائيل؟ أجاب بأن «الأمر معقّد». وتعبير ويتكوف المختصر الذي كان يبرر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استئنافه الحرب على قطاع غزة، يختصر في حقيقة الأمر كل ما يدور في القطاع وحوله منذ هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى اليوم، مروراً بالحرب الإسرائيلية الدموية، والمفاوضات حول انتهاء الحرب، وصولاً إلى اليوم التالي الذي تعمل عليه كل الأطراف منذ أكثر من عام ونصف العام ولا تصل إليه.

وإذا ما تم النظر إلى مواقف الأطراف المعنية حول غزة، يكاد يبدو الأمر أكثر من معقّد، وكلٌّ يغنّي على ليلاه، بحسب ما يرى كثيرون. فنتنياهو لا يريد للسلطة الفلسطينية و«حماس» أن يحكما القطاع، وترمب يريد أن يحوّله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» بحيث لا تكون هناك سلطة ولا «حماس» ولا حتى فلسطينيين. أمّا الدول العربية فيعمل بعضها على تشكيل لجنة مستقلة غير فصائلية لإدارة شؤون القطاع، بينما تريد السلطة لحكومتها أن تتسلمه منفردة. من جهتها، تريد «حماس» لجنة إسناد تدير القطاع في مرحلة لاحقة. وهكذا يبدو جلياً أنه ليس هناك طرف يتفق مع طرف آخر على تصور لما سيكون عليه شكل اليوم التالي لانتهاء الحرب في غزة.

طفل فلسطيني نازح ينظر من نافذة إلى مكب نفايات في منطقة اليرموك بمدينة غزة بعد أن أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء للمناطق الشمالية من المدينة (د.ب.أ)

لكن الحرب التي بدأت قبل 15 شهراً، تفرض على الجميع الانخراط في حل، يبدو، مثل الحرب، أكبر من غزة نفسها، ويشكلان معاً (الحرب والحل) وجهاً جديداً للشرق الأوسط.

يقول مسؤول فلسطيني مطلع إن التعويل الرئيسي لدى السلطة الفلسطينية والدول العربية هو على موقف أميركي واضح وحاسم وملزم لإسرائيل. وأضاف المسؤول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد اتفاق هنا. ما زال يتعين تسوية الأمر وترتيبه. بين الدول العربية والسلطة ومع (حماس) كذلك». وتابع: «مطلوب دعم أميركي وموقف ملزم لإسرائيل. واشنطن فقط التي تستطيع، ومطلوب دعم عربي ودولي وموافقة إسرائيلية وتوافق مع (حماس). وبصراحة، من دون ذلك لا يمكن للسلطة أن تعمل هناك».

وأردف المسؤول الفلسطيني: «بغض النظر عما يقوله ترمب ويقوله نتنياهو حول اليوم التالي... ثمة مناقشات تنخرط فيها الولايات المتحدة حول اليوم التالي... ثمة شيء يتبلور».

وحتى الآن يرفض رئيس الحكومة الإسرائيلية مناقشة اليوم التالي في قطاع غزة. فهو أنجح المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، لكنه أفشل الثانية لأنها كانت تعالج مسألة وقف الحرب واليوم التالي. بل إن الكاتب الإسرائيلي، أفي شيلون، كتب في «يديعوت أحرونوت» إن تجدد القتال في قطاع غزة يهدف إلى التهرب من اتخاذ قرار شجاع حول اليوم التالي للحرب.

وكتب شيلون: «رغم أن قضية الرهائن تشكل محور النقاش العام، فإن الحقيقة هي أن مصير الرهائن لا يشكل على الإطلاق جزءاً من القصة الحقيقية وراء تجدد القتال في غزة. إن القصة الحقيقية تكمن في نفس السؤال الذي طُرح للنقاش بعد ثلاثة أشهر من الحرب، ولكن حكومة نتنياهو تتهرب باستمرار من اتخاذ قرار شجاع بشأنه: ماذا سيحدث في اليوم التالي لانتهاء الحرب؟ لأن (حماس) من الناحية العسكرية هُزمت بالفعل، والسؤال الآن هو مَن سيسيطر على غزة؟».

فلسطينيون ينزحون من ضواحي مدينة غزة الجمعة (أ.ب)

يعتقد كل من ويتكوف وشيلون أن «حماس» تريد البقاء في غزة، وعلى الرغم من أن ويتكوف أكد، في مقابلة مع المذيع تاكر كارلسون على منصة «إكس»، أن هذا غير مقبول بالنسبة لإدارة الرئيس ترمب مطلقاً، لكنه فتح الباب لإمكانية ذلك بل ومشاركة «حماس» في الشأن السياسي، عبر إلقاء سلاحها. وقال ويتكوف: «عندها فقط (إلقاء السلاح) يمكنهم البقاء هناك قليلاً، والمشاركة سياسياً، لكن لا يمكن أن يكون تنظيم إرهابي هو مَن يدير غزة. لأنه، ببساطة، لن يكون ذلك مقبولاً بالنسبة لإسرائيل. وسنمر بنفس التجارب بالضبط. كل 5 أو 10 أو 15 سنة، سيكون لدينا 7 أكتوبر. هذا ما تريده (حماس)، وهذا غير ممكن».

وأضاف ويتكوف أن الحل ممكن لـ«حماس» عبر الحوار: «قلت للرئيس (دونالد ترمب): لا أعتقد أن (حماس) منغلقة جداً أيديولوجياً كما يُقال عنها. وقد توصلت إلى استنتاج أنهم يريدون بدائل. نحن الآن في مفاوضات، ربما لوقف بعض هذه الهجمات الإسرائيلية، وربما لإنهاء هذا النزاع من خلال الحوار».

واللجوء إلى الحوار مع «حماس» وهو أمر اختبرته الولايات المتحدة مباشرة، وعن طريق وسطاء، يأتي كما يبدو في ظل قناعة بأن إسرائيل لم تستطع القضاء على الحركة بالطريقة التي تنهي حكمها.

وقال شيلون إن «المطلب الإسرائيلي المتعلق بإنهاء حكم (حماس) مبرر من حيث المبدأ. المشكلة هي أن إسرائيل غير قادرة، من ناحية أخرى، على إجبار (حماس) على الاستسلام». وأضاف أن «منظمة مثل (حماس) التي كانت على استعداد للتضحية بعشرات الآلاف من سكان غزة والمخاطرة بتدمير القطاع، ليس لديها أي حافز لإعادة الرهائن إذا كان ما نعرضه عليها هو التخلي عن السلطة وتسليمها لكيان غير فلسطيني (...) وقد أدرك الأميركيون هذا الأمر».

يجمعون كتباً من بين أنقاض الجامعة الإسلامية في مدينة غزة بهدف إشعالها لطهي الطعام يوم الجمعة (أ.ف.ب)

لكن هل «حماس» مستعدة فعلاً للتنازل وهذا هو المفتاح؟

في إشارة مهمة، ردت «حماس» بسرعة على ويتكوف، مؤكدة عبر الناطق باسم الحركة عبد اللطيف القانوع أن مقترحه وبعض الأفكار تتم مناقشتها مع الوسطاء والاتصالات لم تتوقف لإتمام الاتفاق. وأضاف القانوع: «أي ترتيبات بشأن إدارة غزة وتحظى بالتوافق جاهزون لها ولسنا معنيين أن نكون جزءاً منها». وتابع: «وافقنا على تشكيل لجنة إسناد مجتمعي في غزة لا تتضمن الحركة ولا طموح لدينا لإدارة غزة وما يعنينا التوافق الوطني ونحن ملتزمون بمخرجاته».

وبحسب مصادر في السلطة وفي «حماس»، فإن موقف الأخيرة هذا نُقل مرات عدة للسلطة وللدول الوسيطة وحتى للأميركيين ولإسرائيل.

وتريد «حماس» بذلك منح الجميع الفرصة من أجل التقدم في إنهاء الحرب وإنهاء الذرائع الإسرائيلية حول ذلك.

وموقف «حماس» هو الذي سمح عملياً بدفع خطة مصرية عربية من أجل اليوم التالي.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد استعرض، في وقت سابق، الخطة المتكاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، التي تشمل تدريب مصر والأردن عناصر من الشرطة الفلسطينية، تمهيداً لنشرهم في قطاع غزة.

وأكد مصدر في «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحركة لا تريد فعلاً حكم غزة ولا تتسمك به، لكنها تريد تسليم الحكم بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي وليس قبل ذلك.

وأضاف المصدر: «نريد أن يكون الترتيب فلسطينياً خالصاً لأنه شأن فلسطيني وليس وفق شروط وإملاءات أميركية وإسرائيلية في مفاوضات متعلقة بالحرب».

وبحسب المصدر، «سلاح الحركة ليس للنقاش إلا في إطار يقود إلى دولة فلسطينية».

ودخلت حركة «فتح»، التي يتزعّمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على هذا الخط اليوم، بدعوتها حركة «حماس» إلى التخلي عن السلطة. ودعا الناطق باسم «فتح» في قطاع غزة منذر الحايك «حماس» إلى أن «تغادر المشهد الحكومي، وأن تُدرك تماماً أن المعركة المقبلة هي إنهاء الوجود الفلسطيني». وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «على حركة (حماس) أن ترفق بغزة وأطفالها ونسائها ورجالها، ونحذِّر من أيام ثقيلة وقاسية وصعبة قادمة على سكان القطاع».

أطفال فلسطينيون في منطقة اليرموك بمدينة غزة السبت (د.ب.أ)

أحد الأسئلة التي لا توجد إجابات لها حتى الآن هو ما إذا كان هجوم 7 أكتوبر سيقرّب في نهاية المطاف قيام دولة فلسطينية، أو أنه سيحطم هذا الحلم؟

قبل 32 عاماً عندما وقّع الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي اتفاق أوسلو كانت ثمة رعاية أميركية كاملة، وإرادة دولية حقيقية، وسلطة فلسطينية قوية، ودول عربية داعمة، لكن إسرائيل التي عادة ما تبدأ أي مفاوضات من دون أن تنتهي، أدخلت الجميع في حلقة مفرغة ودوامة من الاتفاقات والمفاوضات والحروب، وعززت بشكل مقصود أو غير مقصود إضعاف السلطة وتقوية «حماس» في صالح إطالة أمد الانقسام الفلسطيني المدمر، الذي ارتد عليها في 7 أكتوبر.

ويظل السؤال: ماذا تعلمت واشنطن وماذا تريد؟ وماذا تعلمت تل أبيب وماذا تريد؟


مقالات ذات صلة

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز) p-circle

خاص فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

تهدد إسرائيل بالعودة إلى الحرب في غزة حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى نزع سلاحها، بينما كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته في مناطق وسط القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي تستعد سفن أسطول الصمود العالمي للمغادرة إلى غزة من ميناء برشلونة (إ.ب.أ)

محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي... «أسطول الصمود» يبحر من برشلونة إلى غزة

أبحر أسطول «الصمود العالمي» الذي يضمّ نحو 40 قارباً من مدينة برشلونة الإسبانية إلى غزة، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
TT

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام بدءاً من الساعة 12:00 منتصف ليل الخميس - الجمعة بالتوقيت المحلي، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ سعياً إلى اجتماع بينهما قريباً في البيت الأبيض، والى إحداث اختراق في المحادثات الوليدة للسلام بين البلدين.

وسبق إعلان ترمب هذا اتصالات صباحية أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، مع عون الذي أبلغه أنه يرفض التحدث مع نتنياهو، مكرراً أن لبنان يرفض إجراء مفاوضات إضافية، بعد المحادثات التمهيدية التي أجريت برعاية روبيو بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذا لم توافق إسرائيل على وقف القتال الدائر مع «حزب الله».

مواطنون هرعوا إلى سيارة تعرضت لضربة إسرائيلية على طريق بلدة الجية جنوب بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الاطلاع أن روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقلا إلى الرئيس ترمب هذا الموقف الذي يركز على ضرورة أن يحتذي لبنان وإسرائيل بما فعلته الولايات المتحدة وإيران لجهة وقف النار قبل الشروع في المفاوضات. وأضاف المصدر أن الرئيس ترمب «وافق على هذه المقاربة»، ولكنه شدد على «عدم تلازم المسار اللبناني - الإسرائيلي مع المسار الأميركي - الإيراني» على رغم «أهمية التزامن بينهما».

وعلى الأثر، اتصل ترمب بنتنياهو، طالباً منه وقف النار. وحذّره من أنه إذا لم يفعل فإنه (ترمب نفسه) سيعلن ذلك.

الحرب العاشرة

وفي ضوء هذا التطور، كتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «أجريت للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واتفق الزعيمان على بدء وقف النار لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:00 منتصف الليل بتوقيت بيروت)؛ وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما». وأضاف: «الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ووجهت نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كاين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم». وزاد: «كان لي شرف المساهمة في حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون الحرب العاشرة، فلنعمل معاً على إنجازها!».

وبعد دقائق، كتب ترمب مجدداً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض «لإجراء أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، أي منذ زمن طويل». وأضاف أن «كلا الجانبين يرغب في تحقيق السلام، وأعتقد أنه سيتحقق سريعاً!».

وقبل ذلك، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً عن الاتصال بين الرئيسين ترمب وعون. وأضاف أن الرئيس عون «جدد شكره للجهود التي يبذلها ترمب من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار بشكل دائم؛ تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة. وتمنى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت ممكن». ونقل عن ترمب «رده بدعمه للرئيس عون ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في اسرع وقت».

وكان ترمب كتب الأربعاء أنه «يحاول إيجاد متسع من الوقت بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أن عون ونتنياهو سيتحدثان عبر الهاتف الخميس. غير أن عون رفض ذلك.

وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

سيدة إلى جانب قبر أحد أقربائها في مدينة صور (رويترز)

وكانت الرئاسة اللبنانية أصدرت بياناً آخر بُعيد الاتصال من روبيو، الذي أكد استمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف النار تمهيداً لاتفاق طويل الأمد من أجل السلام والأمن والاستقرار في لبنان.

وقبل إعلان ترمب، أفاد مسؤول دفاعي إسرائيلي بأنه يمكن إعلان وقف النار الخميس. وقال: «نحن أمام مفترق طرق. لا شيء نهائياً، لكن من الممكن أن يحدث ذلك».

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة النادرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.

وهددت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بتقويض وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ينتهي الأسبوع المقبل. وأصرت إيران مراراً على توسيع الهدنة لتشمل لبنان، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.


الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة، والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية تنظّم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، من محدودية الخيارات السياسية وصعوبة التصويت في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ما يقلّل من حماستهم للمشاركة.

في 25 أبريل (نيسان)، يختار الناخبون ممثليهم في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية وفي مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية في رام الله إن نحو مليون ونصف مليون شخص سجلوا للتصويت في الضفة الغربية، مقابل 70 ألفاً آخرين في دير البلح.

ويبدي كُثر خيبة أمل من قانون انتخابي جديد صدر بناء على مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشترط على جميع المرشحين الموافقة على ميثاق وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية من أجل التسجيل.

وقال خوميني سليمان، وهو تاجر قطع سيارات من قرية بيت عور قرب رام الله، إن «مسألة (التزام المرشحين) بالاتفاقيات التي تلتزم بها منظمة التحرير (مع إسرائيل)، موضوع لا أتفق معه نهائياً».

ورغم أن بعض المرشحين قالوا إن القوانين الجديدة منعتهم من الترشح، أشار مراقبون إلى تراجع عام على المستوى السياسي.

عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

وقال خبير فلسطيني في شؤون الانتخابات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «الحقيقة أن الأحزاب السياسية اختفت فعلياً من المشهد السياسي الفلسطيني».

أما المواطن محمد التاج، وهو من سكان رام الله، ورغم أنه «فخور» بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رأى أن دعم ميثاق المنظمة الذي يعترف بإسرائيل، يجب ألا يكون شرطاً للترشح.

وأكد التاج أنه لن يصوت في الانتخابات قائلاً: «أعتبر نفسي مقاطعاً للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وأدعو الآخرين إلى مقاطعة هذه الانتخابات».

ولفت إلى أن هذا الاقتناع تولّد لديه بسبب تواصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وينظم الفلسطينيون الانتخابات المحلية بشكل منتظم. أما آخر انتخابات تشريعية جرت فكانت في عام 2006، عندما حققت حركة «حماس الإسلامية» فوزاً ساحقاً على حساب حركة «فتح» بزعامة عباس.

وغالباً ما يدعو المجتمع الدولي عباس (90 عاماً) الذي انتُخب في عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، إلى إجراء انتخابات رئاسية.

وتوزعت القوائم التي ترشحت للانتخابات المحلية في الضفة الغربية بين تابعة لحركة «فتح» أو مستقلة، فيما غابت القوائم التابعة لحركة «حماس».

ولاحظ عارف جفال، وهو خبير فلسطيني آخر بشؤون الانتخابات، أن هناك بعض «العوامل الإيجابية» في القانون الجديد الذي خفّض سن الترشح إلى 18 عاماً، ورفع حصة تمثيل النساء إلى 25 في المائة.

لكنه انتقد نقل بعض صلاحيات البلديات إلى وزارة الحكم المحلي، مما يعزز سلطة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

وستتنافس قوائم حركة «فتح» والقوائم المستقلة التي يقودها مرشحون من فصائل فلسطينية أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في معظم المدن.

أما في مدينة رام الله، فلم تترشح سوى قائمة واحدة ما يعني أنها ستفوز بالتزكية.

وبدت رائدة البرغوثي (49 عاماً) متحمسة للانتخابات، خصوصاً أن قريتها كوبر ستشهد معركة انتخابية لأول مرة منذ عقد، بعد سنوات فازت فيها قائمة واحدة بالتزكية.

وأملت البرغوثي أن يكون هناك «دور للمرأة على صعيد المشاركة في العرس الديمقراطي... فمن حقنا أن نصوّت».

وفي قطاع غزة الذي تدير حركة «حماس» شؤونه، تُجري السلطة الفلسطينية الانتخابات فقط في منطقة دير البلح «كتجربة (لاختبار) نجاحها أو فشلها؛ لأنه لا توجد استطلاعات رأي بعد الحرب»، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في القاهرة جمال الفادي.

وقال الفادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخيار وقع على دير البلح؛ لأنها من المناطق القليلة في غزة التي «بقي سكانها إلى حد كبير في أماكنهم، ولم يتعرضوا للنزوح» جراء أكثر من عامين من الحرب مع إسرائيل.

وبحسب المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، استعانت اللجنة بموظفي اقتراع من منظمات المجتمع المدني، واستأجرت «شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع» في غزة.

ورغم أن اتفاق الهدنة أوقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن نحو نصف قطاع غزة لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين.

ولدى سؤاله عن التنسيق مع إسرائيل أو «حماس»، قال طعم الله إن اللجنة تتواصل بشكل غير مباشر مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، و«دون مشاركة أطراف أخرى».


مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».