تصورات متضاربة حول «اليوم التالي» في غزة... و«الوضع المعقد» 

مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مناقشات مع الأميركيين.. وثمة شيء يتبلور

فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

تصورات متضاربة حول «اليوم التالي» في غزة... و«الوضع المعقد» 

فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يودعون قريباً قُتل بغارة إسرائيلية أمام المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

عندما سُئل مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الجمعة، ما الذي تريده حكومة إسرائيل؟ أجاب بأن «الأمر معقّد». وتعبير ويتكوف المختصر الذي كان يبرر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استئنافه الحرب على قطاع غزة، يختصر في حقيقة الأمر كل ما يدور في القطاع وحوله منذ هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى اليوم، مروراً بالحرب الإسرائيلية الدموية، والمفاوضات حول انتهاء الحرب، وصولاً إلى اليوم التالي الذي تعمل عليه كل الأطراف منذ أكثر من عام ونصف العام ولا تصل إليه.

وإذا ما تم النظر إلى مواقف الأطراف المعنية حول غزة، يكاد يبدو الأمر أكثر من معقّد، وكلٌّ يغنّي على ليلاه، بحسب ما يرى كثيرون. فنتنياهو لا يريد للسلطة الفلسطينية و«حماس» أن يحكما القطاع، وترمب يريد أن يحوّله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» بحيث لا تكون هناك سلطة ولا «حماس» ولا حتى فلسطينيين. أمّا الدول العربية فيعمل بعضها على تشكيل لجنة مستقلة غير فصائلية لإدارة شؤون القطاع، بينما تريد السلطة لحكومتها أن تتسلمه منفردة. من جهتها، تريد «حماس» لجنة إسناد تدير القطاع في مرحلة لاحقة. وهكذا يبدو جلياً أنه ليس هناك طرف يتفق مع طرف آخر على تصور لما سيكون عليه شكل اليوم التالي لانتهاء الحرب في غزة.

طفل فلسطيني نازح ينظر من نافذة إلى مكب نفايات في منطقة اليرموك بمدينة غزة بعد أن أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء للمناطق الشمالية من المدينة (د.ب.أ)

لكن الحرب التي بدأت قبل 15 شهراً، تفرض على الجميع الانخراط في حل، يبدو، مثل الحرب، أكبر من غزة نفسها، ويشكلان معاً (الحرب والحل) وجهاً جديداً للشرق الأوسط.

يقول مسؤول فلسطيني مطلع إن التعويل الرئيسي لدى السلطة الفلسطينية والدول العربية هو على موقف أميركي واضح وحاسم وملزم لإسرائيل. وأضاف المسؤول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد اتفاق هنا. ما زال يتعين تسوية الأمر وترتيبه. بين الدول العربية والسلطة ومع (حماس) كذلك». وتابع: «مطلوب دعم أميركي وموقف ملزم لإسرائيل. واشنطن فقط التي تستطيع، ومطلوب دعم عربي ودولي وموافقة إسرائيلية وتوافق مع (حماس). وبصراحة، من دون ذلك لا يمكن للسلطة أن تعمل هناك».

وأردف المسؤول الفلسطيني: «بغض النظر عما يقوله ترمب ويقوله نتنياهو حول اليوم التالي... ثمة مناقشات تنخرط فيها الولايات المتحدة حول اليوم التالي... ثمة شيء يتبلور».

وحتى الآن يرفض رئيس الحكومة الإسرائيلية مناقشة اليوم التالي في قطاع غزة. فهو أنجح المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، لكنه أفشل الثانية لأنها كانت تعالج مسألة وقف الحرب واليوم التالي. بل إن الكاتب الإسرائيلي، أفي شيلون، كتب في «يديعوت أحرونوت» إن تجدد القتال في قطاع غزة يهدف إلى التهرب من اتخاذ قرار شجاع حول اليوم التالي للحرب.

وكتب شيلون: «رغم أن قضية الرهائن تشكل محور النقاش العام، فإن الحقيقة هي أن مصير الرهائن لا يشكل على الإطلاق جزءاً من القصة الحقيقية وراء تجدد القتال في غزة. إن القصة الحقيقية تكمن في نفس السؤال الذي طُرح للنقاش بعد ثلاثة أشهر من الحرب، ولكن حكومة نتنياهو تتهرب باستمرار من اتخاذ قرار شجاع بشأنه: ماذا سيحدث في اليوم التالي لانتهاء الحرب؟ لأن (حماس) من الناحية العسكرية هُزمت بالفعل، والسؤال الآن هو مَن سيسيطر على غزة؟».

فلسطينيون ينزحون من ضواحي مدينة غزة الجمعة (أ.ب)

يعتقد كل من ويتكوف وشيلون أن «حماس» تريد البقاء في غزة، وعلى الرغم من أن ويتكوف أكد، في مقابلة مع المذيع تاكر كارلسون على منصة «إكس»، أن هذا غير مقبول بالنسبة لإدارة الرئيس ترمب مطلقاً، لكنه فتح الباب لإمكانية ذلك بل ومشاركة «حماس» في الشأن السياسي، عبر إلقاء سلاحها. وقال ويتكوف: «عندها فقط (إلقاء السلاح) يمكنهم البقاء هناك قليلاً، والمشاركة سياسياً، لكن لا يمكن أن يكون تنظيم إرهابي هو مَن يدير غزة. لأنه، ببساطة، لن يكون ذلك مقبولاً بالنسبة لإسرائيل. وسنمر بنفس التجارب بالضبط. كل 5 أو 10 أو 15 سنة، سيكون لدينا 7 أكتوبر. هذا ما تريده (حماس)، وهذا غير ممكن».

وأضاف ويتكوف أن الحل ممكن لـ«حماس» عبر الحوار: «قلت للرئيس (دونالد ترمب): لا أعتقد أن (حماس) منغلقة جداً أيديولوجياً كما يُقال عنها. وقد توصلت إلى استنتاج أنهم يريدون بدائل. نحن الآن في مفاوضات، ربما لوقف بعض هذه الهجمات الإسرائيلية، وربما لإنهاء هذا النزاع من خلال الحوار».

واللجوء إلى الحوار مع «حماس» وهو أمر اختبرته الولايات المتحدة مباشرة، وعن طريق وسطاء، يأتي كما يبدو في ظل قناعة بأن إسرائيل لم تستطع القضاء على الحركة بالطريقة التي تنهي حكمها.

وقال شيلون إن «المطلب الإسرائيلي المتعلق بإنهاء حكم (حماس) مبرر من حيث المبدأ. المشكلة هي أن إسرائيل غير قادرة، من ناحية أخرى، على إجبار (حماس) على الاستسلام». وأضاف أن «منظمة مثل (حماس) التي كانت على استعداد للتضحية بعشرات الآلاف من سكان غزة والمخاطرة بتدمير القطاع، ليس لديها أي حافز لإعادة الرهائن إذا كان ما نعرضه عليها هو التخلي عن السلطة وتسليمها لكيان غير فلسطيني (...) وقد أدرك الأميركيون هذا الأمر».

يجمعون كتباً من بين أنقاض الجامعة الإسلامية في مدينة غزة بهدف إشعالها لطهي الطعام يوم الجمعة (أ.ف.ب)

لكن هل «حماس» مستعدة فعلاً للتنازل وهذا هو المفتاح؟

في إشارة مهمة، ردت «حماس» بسرعة على ويتكوف، مؤكدة عبر الناطق باسم الحركة عبد اللطيف القانوع أن مقترحه وبعض الأفكار تتم مناقشتها مع الوسطاء والاتصالات لم تتوقف لإتمام الاتفاق. وأضاف القانوع: «أي ترتيبات بشأن إدارة غزة وتحظى بالتوافق جاهزون لها ولسنا معنيين أن نكون جزءاً منها». وتابع: «وافقنا على تشكيل لجنة إسناد مجتمعي في غزة لا تتضمن الحركة ولا طموح لدينا لإدارة غزة وما يعنينا التوافق الوطني ونحن ملتزمون بمخرجاته».

وبحسب مصادر في السلطة وفي «حماس»، فإن موقف الأخيرة هذا نُقل مرات عدة للسلطة وللدول الوسيطة وحتى للأميركيين ولإسرائيل.

وتريد «حماس» بذلك منح الجميع الفرصة من أجل التقدم في إنهاء الحرب وإنهاء الذرائع الإسرائيلية حول ذلك.

وموقف «حماس» هو الذي سمح عملياً بدفع خطة مصرية عربية من أجل اليوم التالي.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد استعرض، في وقت سابق، الخطة المتكاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، التي تشمل تدريب مصر والأردن عناصر من الشرطة الفلسطينية، تمهيداً لنشرهم في قطاع غزة.

وأكد مصدر في «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحركة لا تريد فعلاً حكم غزة ولا تتسمك به، لكنها تريد تسليم الحكم بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي وليس قبل ذلك.

وأضاف المصدر: «نريد أن يكون الترتيب فلسطينياً خالصاً لأنه شأن فلسطيني وليس وفق شروط وإملاءات أميركية وإسرائيلية في مفاوضات متعلقة بالحرب».

وبحسب المصدر، «سلاح الحركة ليس للنقاش إلا في إطار يقود إلى دولة فلسطينية».

ودخلت حركة «فتح»، التي يتزعّمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على هذا الخط اليوم، بدعوتها حركة «حماس» إلى التخلي عن السلطة. ودعا الناطق باسم «فتح» في قطاع غزة منذر الحايك «حماس» إلى أن «تغادر المشهد الحكومي، وأن تُدرك تماماً أن المعركة المقبلة هي إنهاء الوجود الفلسطيني». وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «على حركة (حماس) أن ترفق بغزة وأطفالها ونسائها ورجالها، ونحذِّر من أيام ثقيلة وقاسية وصعبة قادمة على سكان القطاع».

أطفال فلسطينيون في منطقة اليرموك بمدينة غزة السبت (د.ب.أ)

أحد الأسئلة التي لا توجد إجابات لها حتى الآن هو ما إذا كان هجوم 7 أكتوبر سيقرّب في نهاية المطاف قيام دولة فلسطينية، أو أنه سيحطم هذا الحلم؟

قبل 32 عاماً عندما وقّع الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي اتفاق أوسلو كانت ثمة رعاية أميركية كاملة، وإرادة دولية حقيقية، وسلطة فلسطينية قوية، ودول عربية داعمة، لكن إسرائيل التي عادة ما تبدأ أي مفاوضات من دون أن تنتهي، أدخلت الجميع في حلقة مفرغة ودوامة من الاتفاقات والمفاوضات والحروب، وعززت بشكل مقصود أو غير مقصود إضعاف السلطة وتقوية «حماس» في صالح إطالة أمد الانقسام الفلسطيني المدمر، الذي ارتد عليها في 7 أكتوبر.

ويظل السؤال: ماذا تعلمت واشنطن وماذا تريد؟ وماذا تعلمت تل أبيب وماذا تريد؟


مقالات ذات صلة

تشييع حاشد لثلاثة صحافيين قتلوا في غارة إسرائيلية على غزة

المشرق العربي جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)

تشييع حاشد لثلاثة صحافيين قتلوا في غارة إسرائيلية على غزة

تجمع الخميس مئات الفلسطينيين، بينهم العديد من الصحافيين، في باحة مستشفى ناصر في خان يونس بجنوب قطاع غزة لتوديع ثلاثة صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (خان يونس)
تحليل إخباري فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تعهدات «مجلس السلام»... هل تنهي خروقات «اتفاق غزة»؟

بات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة على أعتاب مرحلة جديدة بعد تدشين «مجلس السلام» من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دافوس الخميس وسط خروقات إسرائيلية مستمرة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

صدمت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي صورة عامة لمنازل مدمرة في مناطق حددها الجيش الإسرائيلي بـ«الخط الأصفر» شرق مدينة غزة 16 يناير 2026 (رويترز)

كيف نقلت إسرائيل «الخط الأصفر» إلى عمق حي مدمّر في غزة

أظهرت صور التقطتها أقمار اصطناعية أن إسرائيل نقلت كتلاً ترسم الخط الفاصل بموجب الاتفاق المبرم مع حركة «حماس» إلى عمق أحد أحياء المدينة في ديسمبر (كانون الأول).

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (رويترز) play-circle

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» متمسكاً بإعمار غزة ونزع سلاح «حماس»

دشّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مجلس السلام» الذي سيركّز في المرحلة الأولى على ترسيخ وقف إطلاق النار في غزة، وجهود إعادة إعمار القطاع، ونزع سلاح حركة «حماس».

نجلاء حبريري (دافوس)

سوريا: سنلجأ للخيار العسكري إذا رفضت «قسد» تنفيذ اتفاق الاندماج

جندي سوري يجلس فوق آلية عسكرية في محيط حقل العمر النفطي في دير الزور (أ.ب)
جندي سوري يجلس فوق آلية عسكرية في محيط حقل العمر النفطي في دير الزور (أ.ب)
TT

سوريا: سنلجأ للخيار العسكري إذا رفضت «قسد» تنفيذ اتفاق الاندماج

جندي سوري يجلس فوق آلية عسكرية في محيط حقل العمر النفطي في دير الزور (أ.ب)
جندي سوري يجلس فوق آلية عسكرية في محيط حقل العمر النفطي في دير الزور (أ.ب)

نقل تلفزيون «سوريا» عن وزارة الخارجية قولها، اليوم الخميس، إن الحكومة ستلجأ إلى الخيار العسكري إذا رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تنفيذ الاتفاق المبرم في 18 يناير (كانون الثاني) الجاري، بعد انتهاء مهلة الأربعة أيام الحالية.

وأضافت الوزارة: «هناك مهلة منحت لـ(قسد) مدتها 4 أيام للاندماج في الحكومة. اليومان الماضيان شهدا خروقاً واسعة لـ(قسد) لوقف إطلاق النار»، مشيرة إلى أن دمشق تحاول ضبط النفس على أمل التزام «قسد» بالاتفاق الجديد والاندماج.

وأكدت الخارجية السورية أنها تعول على نجاح الوساطات التي تقوم بها القيادة الكردية في أربيل من أجل أن تنفذ «قسد» اتفاق 18 يناير.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، يوم الثلاثاء، عن وقف إطلاق النار مع «قسد» ولمدة أربعة أيام، وذلك التزاماً بالتفاهمات المعلنة من قبل الدولة «وحرصاً على إنجاح الجهود الوطنية المبذولة».

ووقّع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، بنود اتفاق جديد مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) يقضي بوقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة و«قسد».

وتنص الاتفاقية على «دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ(قسد) ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجيستية أصولاً، وحماية خصوصية المناطق الكردية».


تشييع حاشد لثلاثة صحافيين قتلوا في غارة إسرائيلية على غزة

جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)
جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)
TT

تشييع حاشد لثلاثة صحافيين قتلوا في غارة إسرائيلية على غزة

جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)
جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)

بعيون دامعة ووجوه مرهقة، تجمع الخميس مئات الفلسطينيين، بينهم العديد من الصحافيين، في باحة مستشفى ناصر في خان يونس بجنوب قطاع غزة لتوديع ثلاثة صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية في اليوم السابق.

وقُتل الصحافيون محمد قشطة وأنس غنيم، وعبد الرؤوف شعث الذي تعاون بانتظام مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، وسط قطاع غزة في غارة شنها الجيش الإسرائيلي الذي قال إنه استهدف مشغلي طائرة مسيّرة عدّها مشبوهة.

تجمّع المشيعون حول الجثامين في أثناء خروجها من المشرحة باتجاه فناء المستشفى، حيث اصطف الرجال في صمت لأداء صلاة الجنازة.

وقال إبراهيم قنن، أحد الصحافيين المخضرمين في القطاع، للحشد: «اليوم نحن أمام جريمة إعدام منظمة تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق زملائنا الصحافيين».

وسجيت جثة عبد الرؤوف شعث على نقالة، وعليها سترة واقية من الرصاص تحمل كلمة «صحافة»، ووضعت فوقها زهرات.

وقال والده سمير شعث: «كان عبد يعشق الصحافة، يحب الصحافة كثيراً لأنها تثبت الحقيقة».

وتابع: «عبد ليس أول صحافي يستهدفونه»، مضيفاً: «الصحافي لا يملك مدفعاً ولا صاروخاً، يملك الكاميرا التي توثق الجريمة بالصوت والصورة، والاحتلال لا يريد توثيق الجرائم بالصوت والصورة، لأنها تثبت الحقيقة».

وبحسب منظمة مراسلون بلا حدود فقد «قُتل ما يقرب من 220 صحافياً في غزة على يد الجيش الإسرائيلي منذ بدء هجومه قبل أكثر من عامين، بما في ذلك 71 صحافياً على الأقل استُهدفوا أو قُتلوا في أثناء قيامهم بعملهم».

جانب من تشييع الصحافيين (أ.ف.ب)

لطالما أكد الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف الصحافيين عمداً. ومع ذلك، فقد أعلن مسؤوليته عن قتل عدد من الإعلاميين اتهمهم بأنهم «إرهابيون» ينتمون إلى الجناح العسكري لـ«حماس» أو فصائل فلسطينية أخرى.

وإسرائيل ليست طرفاً في البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1979 الذي وضع القواعد الحديثة لقانون الحرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهو ينص على أن الصحافيين في مناطق النزاع المسلح يُعدّون مدنيين و«يتمتعون بالحماية بصفتهم مدنيين... شرط ألا يقوموا بأي عمل يضر بوضعهم كمدنيين».

وبكت في التشييع صحافية شابة وهي تلمس بيدها أحد أكياس الجثث.

في زاوية من المشرحة، أخفى أحد الأقارب عينيه خلف ساعده، وبكى بصمت.

بات هذا المشهد مألوفاً، وهو يذكّر كثيرين بيوم 25 أغسطس (آب) 2025، عندما أسفرت غارات إسرائيلية على مستشفى بجنوب القطاع عن مقتل خمسة صحافيين.

وقال الصحافي عدلي أبو طه: «هذه جريمة جديدة تضاف إلى سجل طويل ارتكبه الاحتلال بحق الصحافيين».

وأضاف: «الاحتلال لم يأبه بكل القوانين والأعراف الدولية التي تكفل حماية الصحافيين، واستهدفهم بشكل مباشر».

وطالبت «وكالة الصحافة الفرنسية» بإجراء تحقيق في ملابسات مقتل شعث، مضيفة في بيان: «لقد قُتل عدد كبير من الصحافيين المحليين في غزة خلال العامين الماضيين، بينما لا يزال الوصول الحر للصحافيين الأجانب مستحيلاً» إلى القطاع المحاصر والمدمر.

من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه يحقق في ملابسات الغارة التي أسفرت عن مقتل الصحافيين الثلاثة. وعندما تواصلت معه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أفاد بأنه لا يملك أي معلومات إضافية للإدلاء بها في هذه المرحلة.

بعد الدفن، حملت والدة عبد الرؤوف شعث سترة ابنها الواقية من الرصاص.

وأحاطت نساء أخريات بنور الهدى بوجوه حزينة وسط بحر من الخيام في مخيم بمنطقة المواصي، حيث يعيش مئات الأشخاص الذين نزحوا بسبب القتال والقصف في ظروف محفوفة بالمخاطر.


منظمة أممية تُحمّل قوات الأسد مسؤولية هجوم كيميائي في 2016

مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
TT

منظمة أممية تُحمّل قوات الأسد مسؤولية هجوم كيميائي في 2016

مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)
مقر «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» في لاهاي بهولندا (رويترز)

خلصت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الخميس، إلى أن القوات السورية في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد استخدمت غاز الكلور في هجوم عام 2016 أسفر عن إصابة 35 شخصاً، على الأقل.

كانت تقارير سابقة قد تناولت الهجوم الذي وقع قرب مستشفى ميداني على مشارف بلدة كفر زيتا في غرب سوريا، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تتهم فيها المنظمة قوات الأسد بالضلوع فيه.

وقالت المنظمة، في تقرير لها: «هناك أسباب وجيهة لاعتقاد أن مروحية من طراز (مي 17) تابعة للقوات الجوية العربية السورية، ألقت عبوة صفراء مضغوطة واحدة على الأقل»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلص محققو المنظمة، ومقرها لاهاي، إلى أنه «عند الارتطام، انفجرت العبوة وأطلقت غاز الكلور الذي انتشر في وادي العنز، ما أسفر عن إصابة 35 شخصاً جرى التعرف عليهم، في حين تأثّر العشرات غيرهم».

وقد أجرى فريق المنظمة مقابلات مع عشرات الشهود، وحلَّل عيناتٍ، وفحص صوراً للأقمار الاصطناعية.

ووُجّهت اتهامات متكررة للأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية، خلال النزاع الذي استمر 13 عاماً. ويُعدّ مصير مخزونات الأسلحة الكيميائية السورية مصدر قلق بالغ منذ الإطاحة به في نهاية عام 2024.

وتعهدت السلطات الجديدة، على لسان وزير الخارجية أسعد الشيباني، العام الماضي، بتفكيك كل مخلفات برنامج الأسلحة الكيميائية في عهد الأسد.

ورحّبت المنظمة بالوصول الكامل وغير المقيد الذي منحته السلطات السورية الجديدة لمحققيها. وذكرت أن هذا «أول مثال على التعاون من جانب الجمهورية العربية السورية، خلال تحقيق».

وتبدي المنظمة رغبتها في إقامة وجود دائم لها في سوريا لوضع قائمة بمواقع الأسلحة الكيميائية والشروع في تدمير المخزونات.