لبنان يختبر استئناف التصعيد إثر «صواريخ مجهولة» على إسرائيل

«حزب الله» ينفي مسؤوليته ويؤكد أنه «يقف وراء الدولة» للمعالجة

TT

لبنان يختبر استئناف التصعيد إثر «صواريخ مجهولة» على إسرائيل

لبنانيون يساعدون في انتشال المصابين من مبنى استهدفته غارة اسرائيلية في بلدة تولين بجنوب لبنان (د.ب.أ.)
لبنانيون يساعدون في انتشال المصابين من مبنى استهدفته غارة اسرائيلية في بلدة تولين بجنوب لبنان (د.ب.أ.)

طوَّقت السلطات اللبنانية، السبت، أول اختبار أمني جدي يهدد باستئناف إسرائيل لحربها على لبنان، بعد إطلاق صواريخ «مجهولة الهوية» من جنوب لبنان باتجاه مستعمرة المطلة الإسرائيلية الحدودية مع لبنان، وردَّت إسرائيل بحملة قصف جوي طالت مناطق شمال الليطاني بشكل أساسي، بعد نحو 4 أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

وجدد سلاح الجو الإسرائيلي غاراته على لبنان، مساء (السبت)، شملت مدينة صور ومناطق واسعة في الجنوب وشرق لبنان، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة 8 على الأقل بجروح.

وأفاد مكتب وزير الدفاع الإسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس وجّها الجيش للبدء بـ«موجة ثانية» من الهجمات‬⁩ على أهداف لـ«حزب الله». وقال المكتب إن «حكومة لبنان تتحمل المسؤولية عما يجري على أراضيها».

وقالت إسرائيل إنها اعترضت 3 صواريخ أُطلقت، السبت، من جنوب لبنان، باتجاه شمال أراضيها. ولم تتبنَّ بعد أي جهة عمليات إطلاق الصواريخ. وقال مسؤول إسرائيلي إنّ «6 صواريخ أُطلقت صباح اليوم (السبت) على الجليل، 3 منها دخلت الأراضي الإسرائيلية واعترضتها قوات سلاح الجو الإسرائيلي».

وعلى أثر إطلاق الصواريخ، أجرى الجيش اللبناني عمليات مسح وتفتيش. وأعلنت قيادة الجيش في بيان أن وحداتها «عثرت، نتيجة المسح، على 3 منصات صواريخ بدائية الصنع في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني بين بلدتَي كفرتبنيت وأرنون - النبطية، وعملت على تفكيكها». وأكدت القيادة أن الوحدات العسكرية «تستمر في اتخاذ التدابير اللازمة لضبط الوضع في الجنوب».

وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن وحدات الجيش رفعت عينات من منطقة الإطلاق، وبدأت بتحليلها، وكذلك تحليل المعطيات الأمنية المتوفرة، وسترفع تقريرها للسلطة السياسية فور جهوزها. ورفض مسؤول لبناني (رفض ذكر اسمه) تحديد المسؤوليات «بتسرع»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة التي انطلقت منها الصواريخ استعملت خلال ما عُرف بـ«حرب الإسناد» من قبل منظمات فلسطينية أطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل. ومع هذا قال المسؤول اللبناني إن هناك أكثر من جهة غير لبنانية قد تُوجَّه لها أصابع الاتهام.

«حزب الله» وإسرائيل

ونفى «حزب الله» أن تكون له «أي علاقة» بإطلاق الصواريخ، وأكد في بيان أنّ «ادعاءات العدو الإسرائيلي ‏تأتي في سياق الذرائع لاستمرار اعتداءاته على ‏لبنان التي لم ‏تتوقف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار».‏ وجدّد الحزب تأكيد التزامه باتفاق وقف النار، ‏وأنّه «يقف خلف الدولة اللبنانية في ‏معالجة هذا التصعيد الصهيوني ‏الخطير على لبنان».

وبمجرد إطلاق الصواريخ، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الجيش، بضرب «عشرات الأهداف الإرهابية» في لبنان، رداً عليه. وأعلن الجيش الإسرائيلي في بيان عن شنّ ضربات ضد أهداف لـ«حزب الله» في جنوب لبنان. وقال في تصريح لاحق إنه ضرب عدداً من منصات إطلاق الصواريخ في لبنان، مضيفاً: «قبل فترة وجيزة، ضرب الجيش الإسرائيلي عشرات منصات إطلاق الصواريخ لـ(حزب الله) ومركز قيادة كان إرهابيو (حزب الله) ينشطون منه في جنوب لبنان».

وحمل الجيش الإسرائيلي الدولة اللبنانية مسؤولية إطلاق الصواريخ. وقتل 4 أشخاص، بينهم طفلة، جراء القصف. وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة تولين أدَّت أيضاً إلى إصابة 8 بجروح»، بينما تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بشكل أساسي مناطق شمال الليطاني.

أخطر الاختبارات

ويُعدّ هذا الاختبار الأمني الأكثر خطورة منذ وقف إطلاق النار، في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ كونه للمرة الأولى منذ ذلك الوقت، تُطلق صواريخ «مجهولة الهوية» باتجاه بلدة إسرائيلية، علماً بأنه، في مرتين سابقتين، كان «حزب الله» تبنى إطلاق صواريخ باتجاه موقع إسرائيلي رداً على غارات إسرائيلية، بعد 5 أيام على وقف إطلاق النار، كما أعلنت إسرائيل عن تسلُّل طائرة من دون طيار إلى الأجواء الإسرائيلية، لكن لم تتبنّه أي جهة.

الدخان يتصاعد جراء غارات اسرائيلية استهدفت بلدة سحمر بالبقاع الغربي بشرق لبنان (د.ب.أ.)

تحركات لبنانية

وأمام خطورة هذا التصعيد، تحركت السلطات اللبنانية أمنياً ودبلوماسياً لتطويق تداعيات هذا التصعيد. وقالت مصادر مواكبة للحراك إن الاتصالات الرسمية سلكت طريقها باتجاه الجيش اللبناني للتحرك واتخاذ الإجراءات العاجلة، وباتجاه مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وباتجاه «يونيفيل»، فضلاً عن الاتصالات السياسية على أعلى المستويات. وكان أبرزها بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

وحض الناطق الرسمي باسم «يونيفيل»، أندريا تيننتي، جميع الأطراف «بشدة على الامتناع عن اتخاذ أي خطوات قد تعرَّض التقدم المحرز للخطر؛ خصوصاً في ظلّ تهديد أرواح المدنيين والاستقرار الهش الذي شهدته المنطقة في الأشهر الأخيرة».

وتابع تيننتي: «أي تصعيد إضافي في هذا السياق المتقلب قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنطقة. لا يزال الوضع هشاً للغاية، ونشجع الطرفين على الوفاء بالتزاماتهما. ويواصل جنود حفظ السلام التابعون لـ(يونيفيل) أداء مهامهم في جميع مواقعهم».

وصمد اتفاق وقف إطلاق النار عموماً رغم الاتهامات المتبادلة بحصول انتهاكات، فيما أبقى الجيش الإسرائيلي على قواته في 5 مواقع استراتيجية بجنوب لبنان، على طول الحدود مع شمال إسرائيل.

تهديدات إسرائيلية

على الجانب الإسرائيلي، تعهَّد قائد أركان الجيش الإسرائيلي بأن الجيش «سيرد بشدة» على إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل. وأوضح الجنرال إيال زامير الذي عقد اجتماعاً لتقييم الوضع أنه «سيرد الجيش بشدة على هجمات هذا الصباح»، مضيفاً في بيان: «يتحمل لبنان مسؤولية احترام اتفاق» الهدنة.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «لا يمكننا السماح بإطلاق صواريخ من لبنان على بلدات الجليل»، مضيفاً: «تتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية عمليات الإطلاق من أراضيها. أمرتُ الجيش بالرد». وأضاف: «وعدنا بلدات الجليل بالأمن. وهذا ما سيحصل. مصير المطلة هو نفسه مصير بيروت».

ودوّت صافرات الإنذار في ساعات مبكرة من صباح السبت في بلدة المطلة الواقعة قرب الحدود اللبنانية. وقال رئيس بلدية المطلة، ديفيد أزولاي، إنّ 8 في المائة فقط من السكان عادوا إلى المطلّة منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، مضيفاً أنّ بعض السكان غادروها، السبت، بعد الهجمات الصاروخية.


مقالات ذات صلة

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

المشرق العربي مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

دعت إندونيسيا، اليوم السبت، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق عاجل في الهجمات المتكررة ضد قوات حفظ السلام الدولية في لبنان.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي جمال الحجار إلى التقاعد، لتبدأ معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مركبات تابعة لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

إسرائيل تدمّر 17 كاميرا مراقبة تعود لـ«يونيفيل» بجنوب لبنان في 24 ساعة

دمّرت القوات الإسرائيلية 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل) في غضون 24 ساعة، وفق ما ذكره مصدر أمني في الأمم المتحدة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي يتلو رسالة عيد الفصح (الوكالة الوطنية للإعلام)

الراعي يتّهم «حزب الله» وإيران باستباحة سيادة لبنان

حمَّل البطريرك الماروني بشارة الراعي بشكل مباشر «حزب الله» وإيران مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
TT

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)

دعت إندونيسيا، اليوم (السبت)، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق عاجل في الهجمات المتكررة ضد قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، وذلك بعد إصابة 3 من أفرادها في انفجار وقع في الثالث من أبريل (نيسان) الحالي في منطقة العديسة بجنوب لبنان.

وأعربت وزارة الخارجية الإندونيسية، في بيان لها، اليوم (السبت)، عن «قلقها البالغ» إزاء الحادث، مشيرة إلى أنه يمثل الهجوم الخطير الثالث الذي تتعرض له القوات الإندونيسية التابعة لـ«اليونيفيل» في أقل من أسبوع، وفقاً لـ«وكالة أنباء أنتارا الإندونيسية».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان - 19 مارس 2025 (أ.ب)

وقالت الوزارة في بيانها: «تدعو إندونيسيا مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذا الأمر بشكل عاجل، كما تدعو الدول المساهمة بقوات عسكرية وشرطية في اليونيفيل إلى عقد اجتماع فوري لمراجعة وتعزيز تدابير حماية القوات».

وأكد البيان أن «سلامة وأمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أمر غير قابل للتفاوض، وأن أي ضرر يلحق بهم يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ولا يجب أن يمر دون رد».


لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
TT

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلى التقاعد في 25 أبريل (نيسان) الحالي، لتبدأ معها معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية وأكثرها حساسية وتأثيراً في البلاد. ولا تنحصر أهمية هذا المنصب في كونه رأس النيابات العامة ومرجعيّة الضابطة العدلية؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبعاده السياسية والأمنية، حيث يشكّل نقطة تقاطع دقيقة بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي، فضلاً عن كونه المرجع المخوّل إدارة التعاون القضائي الدولي.

ملفات كبرى ذات بعد دولي

في السنوات الأخيرة، تعاظم دور النائب العام التمييزي بشكل ملحوظ، خصوصاً في الملفات الكبرى ذات البعد الدولي، وفي مقدّمتها التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، حيث كان له دور محوري في تلقي الاستنابات القضائية من الخارج والرد عليها، كما برزت مهمته في التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظيراتها في الخارج، لا سيما في الدول العربية، في إطار مكافحة شبكات تهريب المخدرات، خصوصاً شحنات «الكبتاغون» التي شكّلت مصدر توتر دائماً بين لبنان ودول الخليج العربي.

موقع انفجار مرفأ بيروت - 4 أغسطس عام 2020 (أرشيفية)

والمرحلة المقبلة على النائب العام الجديد دقيقة ومعقّدة، في ظل ترقب القضاء اللبناني ورود طلبات تعاون قضائي وأمني من دول خليجية، عقب اكتشاف خلايا أمنية مرتبطة بـ«حزب الله» كانت تخطط لعمليات في عدد من هذه الدول، بينها الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وتؤكد مصادر مواكبة لهذا الملفّ، أن المدعي العام الجديد «تنتظره كرة نار سيتلقفها، وتشكل اختباراً حقيقاً لأدائه، وترقب دوره في تتبع خيوط هذه الشبكات داخل لبنان، والتحقيق في صلات محتملة لأفراد مقيمين فيه بإدارة أو دعم تلك الخلايا». وشددت على أن «الامتحان الأهم يكمن في كيفية استكمال إدارة الملفات الأمنية والقضائية العائدة لعناصر ومسؤولين في (حزب الله)، بعد قرار الحكومة حظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية، واعتبارها خارجة عن القانون».

أكياس تحتوي على حبوب «كبتاغون» معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)

تجاذب سياسي حول الشخصية

تتصاعد حدة التجاذب السياسي حول الشخصية القضائية التي ستتولى هذا المنصب، في ظل سعي كل طرف إلى ترجيح كفة مرشحه. ووفق المصادر المواكبة لهذا الملفّ، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون «يميل إلى دعم تعيين رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع الحسامي، فيما يُنسب إلى مقربين من رئيس الحكومة نواف سلام، أن الأخير يفضّل تعيين المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج». أما في كواليس مجلس القضاء الأعلى، فثمّة من يزكّي اسم القاضية رولا عثمان، التي تشغل حالياً منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت، بوصفها خياراً محتملاً يعكس توجهاً نحو تعزيز حضور المرأة في المواقع القضائية العليا. لكن المصادر لفتت إلى أن تأثير مجلس القضاء الأعلى «يبقى محدوداً، خصوصاً بعد أن أبطل المجلس الدستوري قانون استقلالية السلطة القضائية، الذي كان يمنح مجلس القضاء حق اقتراح 3 أسماء لهذا الموقع، وتكون الحكومة ملزمة باختيار أحدهم».

وأمام غياب تأثير مجلس القضاء، يبقى التعيين رهن التوافق السياسي، على الأقل بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مع مراعاة التوازنات الطائفية، إذ جرت العادة أن يكون النائب العام التمييزي من الطائفة السنيّة، ما يمنح رئيس الحكومة هامشاً أوسع في عملية الاختيار. ولا تستبعد المصادر بروز أسماء من خارج لائحة المرشحين الأساسيين، من بينها رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي أسامة منيمنة، ومدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، إضافة إلى القاضي علي عواجي.

وتشير المعطيات المتداولة الأوساط القضائية إلى أن «حظوظ القاضي محمد المصري تقدمت نسبياً في الأيام الأخيرة، نظراً لكونه الأعلى درجة بين القضاة السنّة، وهو عامل يلعب دوراً في الترجيح داخل الجسم القضائي». وترجّح أن يكون القاضي أسامة منيمنة مرشحاً بارزاً لتولي رئاسة هيئة التفتيش القضائي، خلفاً للقاضي أيمن عويدات الذي سيحال إلى التقاعد في يوليو (تموز) المقبل.


تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي، في تطور ميداني يعكس توسيع رقعة المواجهة. وبرز في هذا التصعيد استهداف البنى التحتية الحيوية، ولا سيما تدمير الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني، بالتوازي مع سقوط قتلى وجرحى في عدة مناطق، مقابل ردّ صاروخي من «حزب الله» استهدف مواقع وتجمعات إسرائيلية في الجليل الأعلى.

هذا في وقت استكمل فيه الجيش الإسرائيلي استهداف قوات الـ«يونيفيل» بتدمير 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي للقوة في جنوب لبنان، في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبنى متضرر جراء قصف استهدف منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

الضاحية الجنوبية: غارات مركّزة ورسائل تصعيدية

وتعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لسلسلة غارات عنيفة بلغ عددها ست غارات على الأقل خلال ساعات الفجر، في واحدة من أشد الضربات التي تستهدف المنطقة في الفترة الأخيرة. واستهدفت إحدى الغارات محطة وقود في تحويطة الغدير.

عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الضربات في سياق إنذارات إسرائيلية مسبقة تهدف بشكل أساسي إلى تهجير أبناء المنطقة ومنع عودتهم إلى منازلهم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ، الجمعة، موجة غارات في بيروت «استهدفت مقرات تُستخدم من قبل فيلق لبنان التابع لفيلق القدس».

الجنوب: دمار واسع واستهداف مستشفى

في الجنوب، توسّعت رقعة الغارات لتشمل عشرات البلدات في قضاء صور والنبطية، بعد تحذيرات من الجيش الإسرائيلي بالإخلاء قبل استهداف مبانٍ سكنية ومرافق مدنية، ما أدى إلى دمار كبير وسقوط ضحايا.

واستهدف منزل في عين بعال قضاء صور، ما أدى إلى مجزرة بحق عائلة قتل فيها اثنان وجرح آخر، فيما الزوجة مفقودة، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أن فرق الإسعاف تتابع عمليات البحث، كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن وقوع مجزرة أيضاً في حبوش في قضاء النبطية، حيث قُتل طفلان وجرح 22 شخصاً.

وأدت الغارات إلى أضرار جسيمة في ميناء الصيادين في صور والمستشفى اللبناني الإيطالي، ما من شأنه أن يفاقم الوضع الإنساني في المنطقة والضغط على القطاع الصحي في لبنان بشكل عام.

مواطن يتفقد الأضرار في ميناء الصيادين في صور (أ.ف.ب)

تدمير جسر استراتيجي وتصعيد متبادل

في البقاع الغربي، دمّر الطيران الإسرائيلي الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني بعد استهدافه للمرة الثالثة، ما أدى إلى قطع شريان حيوي لحركة المدنيين بين القرى. كما طالت الغارات بلدات سحمر ويحمر ومشغرة، وسط تسجيل إصابات وأضرار مادية.

ويأتي استهداف الجسر في سياق تكتيك عسكري يهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد والتنقل لـ«حزب الله»، كما فرض نوعاً من العزل الجغرافي على المناطق المستهدفة، ويزيد في الوقت عينه الضغط على سكان المنطقة الذين يعتمدون عليه في تنقلاتهم.

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة هجمات صاروخية استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى، مؤكداً إصابة أهداف عسكرية بينها آليات ودبابة ميركافا.

ويعكس هذا التصعيد المتبادل اتساع رقعة الاشتباك وتزايد حدّته، في ظل مؤشرات إلى مرحلة مفتوحة على مزيد من التدهور الميداني.

تدمير 17 كاميرا مراقبة للـ«يونيفيل»

وفي تطور غير مسبوق، وفي سياق الضغط الإسرائيلي المستمر على قوات الـ«يونيفيل» بإبعادها عن المنطقة الحدودية، دمّرت القوات الإسرائيلية 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وقال المصدر، متحفظاً عن ذكر اسمه: «دمّر الجيش الإسرائيلي منذ يوم الجمعة 17 كاميرا تابعة للمقر العام لقوة (يونيفيل)» في بلدة الناقورة الساحلية. وفي وقت سابق، أبلغت المتحدثة باسم القوة الدولية، كانديس أرديل، الوكالة، الخميس، أن جنود حفظ السلام عاينوا منذ مطلع الأسبوع «جنوداً إسرائيليين ينفذون عمليات هدم واسعة النطاق» في الناقورة. وقالت إن تلك العمليات «لم تدمر منازل المدنيين ومتاجرهم فحسب، بل ألحق عصفها أضراراً بمقر قيادة (يونيفيل)».

دورية لـ«يونيفيل» على طريق بلدة القليعة في جنوب لبنان (رويترز)

مع العلم أنه منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، تحاصر النيران مقر ومواقع قوة حفظ السلام، مع شنّ «حزب الله» هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية من جهة، وتوغل وحدات عسكرية إسرائيلية في بلدات حدودية.

ونعت القوة الدولية، في وقت سابق، ثلاثة جنود إندونيسيين قضوا في حادثين منفصلين، يومي الأحد والاثنين، في جنوب لبنان. كما أعلنت، الجمعة، جرح ثلاثة جنود، إصابة اثنين منهم خطيرة، جراء «انفجار» داخل أحد مواقعها قرب بلدة العديسة، من دون أن تحدد مصدره.

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» بأنه «أطلق قذيفة صاروخية سقطت داخل موقع (يونيفيل)». ومنذ انتشارها عام 1978، قتل 97 من قوة «يونيفيل» جراء أعمال عنف في جنوب لبنان، بحسب الأمم المتحدة.

وقالت المتحدثة باسم القوة، في بيان، الجمعة: «لقد كان هذا الأسبوع صعباً على قوات حفظ السلام». وذكّرت «جميع الأطراف بالتزاماتها بضمان سلامة وأمن قوات حفظ السلام، بما في ذلك تجنب أي أنشطة قتالية قريبة قد تعرّضهم للخطر».