غزة... من «حرب انتقام» دامت 16 شهراً إلى «حرب تهجير»

الفارق بين الحربين أن نتنياهو الآن يجد دعماً أقوى من واشنطن

مخيم النصيرات في غزة وسط استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع 20 مارس 2025 (أ.ف.ب)
مخيم النصيرات في غزة وسط استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع 20 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

غزة... من «حرب انتقام» دامت 16 شهراً إلى «حرب تهجير»

مخيم النصيرات في غزة وسط استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع 20 مارس 2025 (أ.ف.ب)
مخيم النصيرات في غزة وسط استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع 20 مارس 2025 (أ.ف.ب)

هناك فارق كبير بين الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة قبل 16 شهراً، والحرب التي تشنها اليوم؛ ففي الأولى كانت إسرائيل تنطلق من جرح عميق لهيبتها، من جراء هجوم «حماس» المباغت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فجعلت حربها على غزة انتقاماً، لكنها اليوم تدير حرباً ذات هدف استراتيجي واضح، هو تصفية القضية الفلسطينية وتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وليس فقط من غزة، كما أن لديها جيشاً ذا قيادة موالية عديمة الاستقلال، وإدارة أميركية غاضبة على «حماس».

فإذا كانت الإدارة الأميركية السابقة بقيادة الرئيس جو بايدن، قد ساندت إسرائيل في حربها الانتقامية بدعوى إعادة قوة الردع لها في مواجهة «محور المقاومة»، وساعدتها بقوة على توجيه ضربات قوية لـ«حماس» و«حزب الله» ومهاجمة إيران والحوثيين مباشرة، فضلاً عن التغيرات في سوريا، وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية، إلا أن واشنطن آنذاك وضعت بعض القيود على تل أبيب؛ إذ طالبتها بالالتزام بقواعد القانون الدولي، واحتجت على مقتل عدد كبير من الأطفال والنساء والمدنيين.

كما أن إدارة بايدن أدارت الأزمة مع ترك آفاق سياسية مفتوحة تجاوباً مع المطلب العربي بضرورة إنهاء الحرب بشكل ينهي الصراع، بحيث لا تعود تنشب حرب أخرى تلحق الدمار. وكان واضحاً لإدارة بايدن أن حكومة نتنياهو ليست ملائمة لمشروع سلام شامل، لذلك انتظرت سقوطه السريع المتوقع بعد انتهاء الحرب، وتعاملت مع القوى السياسية التي تعمل في إسرائيل على إسقاطه.

إدارة مختلفة تماماً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

لكن، في هذه الحرب الحالية توجد إدارة مختلفة تماماً في واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترمب المؤيدة بالكامل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحيث أصبح يتصرف من دون رادع من واشنطن الجديدة الغاضبة على «حماس» ليس فقط بسبب هجومها في 7 أكتوبر، بل لأنها لم تفهم جيداً سياستها ومراميها، وبالتالي فإن الفارق بين الحربين أن نتنياهو الآن يجد دعماً أقوى من واشنطن.

فإدارة ترمب فتحت قناة اتصال مباشرة مع «حماس» رغم الامتعاض الإسرائيلي، وحاولت إقناعها بتمديد المرحلة الأولى من وقف النار كحل وسط يبقي إسرائيل في الهدنة ويتيح لأميركا إدارة الأزمة بطريقتها. كما أن الإدارة الأميركية تنتمي إلى القاعدة الآيديولوجية اليمينية نفسها لحكومة نتنياهو، وتريد لهذه الحكومة أن تبقى، وتتفق معها على ضرورة التخلص ليس فقط من «حماس» بل أيضاً من أكبر عدد من الفلسطينيين، وتبنت مشروع اليمين المتطرف الذي يدعو إلى تهجير الفلسطينيين «بإرادتهم»، حتى أصبح يعرف بمشروع ترمب.

وتعرف إدارة ترمب أن بقاء حكومة نتنياهو غير ممكن من دون التجاوب مع مطالب اليمين المتحكم بخيوطها، وليس فقط حزبي بن غفير وسموتريتش، بل أيضاً من قبل تيار متزمت عقائدياً موجود في حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو.

تصفية القضية الفلسطينية

فلسطينيون يُسرعون بنقل رجل مصاب في غارات إسرائيلية لتلقي العلاج في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة (أ.ف.ب)

وهذه قوى ترى في الحرب فرصة لتصفية القضية الفلسطينية تماماً، وفق «خطة الحسم» التي نشرها سموتريتش في عام 2017، وتقضي بنشر الفوضى في المناطق الفلسطينية، وإسقاط السلطة، وتصفية الحركة الوطنية الفلسطينية، وتخيير الفلسطينيين في جميع المناطق ما بين الولاء لإسرائيل والخدمة في جيشها أو الهجرة.

لذلك، فإنها وفي الوقت الذي كانت فيه تفاوض «حماس» على اتفاق لوقف النار كانت تخطط لاستئناف الحرب. وكانت طول الوقت تراهن على أن «حماس» ستوفر لها الحجج التي ستتذرع بها لإجهاض الاتفاق والعودة إلى الحرب لتحقيق الهدف الأكبر، وهو تصفية القضية الفلسطينية بالاحتلال والتهجير.

وتم تغيير رئيس أركان الجيش هيرتسي هاليفي، برئيس أركان جديد، إيال زامير، الذي أعلن عن 2025 بوصفها سنة حرب ضد غزة وإيران. ووضع زامير خطة عسكرية علنية جديدة لغزة تتصاعد بشكل تدريجي، تبدأ بضربات حربية محدودة وقد تصل إلى عمليات ترحيل وفقاً لمشروع الرئيس ترمب.

وأكدت مصادر عسكرية مطلعة على خطط الجيش الإسرائيلي أن العمليات الحربية تستهدف ليس فقط قادة «حماس» السياسيين والعسكريين، بل أيضاً الأجهزة المدنية والمدنيين الفلسطينيين، بدعوى أن هذا الشكل من العمليات هو أنجع وسيلة لتحقيق النصر. ويندرج في هذا التوجه، التهديد الذي أطلقه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بتهديد الفلسطينيين في القطاع بمزيد من الدمار والتهجير، إذا لم يتم إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وإزاحة حركة «حماس» عن الحكم.

تطبيق خطط زامير

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (الجيش الإسرائيلي)

وكان كاتس، قال في رسالة مصورة موجهة إلى سكان غزة، الأربعاء، فيما وصفه بـ«التحذير الأخير»، إن «الهجوم الذي نفذته القوات الجوية الإسرائيلية ضد (حماس) كان مجرد الخطوة الأولى، وما سيأتي سيكون أشد قسوة، وستدفعون الثمن بالكامل». وفي الوقت الذي يشير فيه أهل غزة بأن الترحيل بدأ بالفعل في شمال القطاع، حيث نشر الجيش تحذيراً لهم بإخلاء المناطق التي يسكنون فيها بين الأبنية المدمرة، فرحل عنها نحو 100 ألف مواطن إلى مدينة غزة جنوباً، وتوعد كاتس قائلاً: «قريباً سيُستأنف إخلاء السكان من مناطق القتال».

وأثبت الجيش هذا النهج، عندما باشر الاجتياح البري من جديد في غزة، وهو يطبق خطط زامير بسرعة مذهلة، فيما تدعم الإدارة الأميركية هذا الاتجاه بشكل تام، حتى الآن، بوصفه وسيلة ضغط على «حماس».

ونشر المراسل العسكري لـقناة «نيوز 24» العبرية، يانون شالوم ييتاح، تقريراً ليلة الأربعاء - الخميس، كشف فيه عن أن الجيش الإسرائيلي يعتزم استخدام المناورة البرية في غزة، من بين أمور أخرى، لدفع خطة ترمب لتهجير الفلسطينيين. وقال إن «الأمور لا تزال قيد التجهيز، وما زلنا لا نعرف إلى متى ستبقى قوات الجيش الإسرائيلي في الداخل، ولكن بالإضافة إلى تدمير الذراع العسكرية والسلطوية لـ(حماس)، فقد تكون هناك أيضاً خطط بعيدة المدى».

فالقضية إذن لا تقتصر على اتفاق لوقف النار وتبادل الأسرى، ولا حتى تصفية حركة «حماس». فمن جهة نتنياهو، كان ينتظر فرصة وينصب الكمائن حتى ترفض «حماس» مقترح التمديد الأميركي للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، فينقلب على الاتفاق ويباشر تطبيق الخطة الأكبر، وهي السعي لتصفية القضية الفلسطينية، ليس لأن هذا هدفه الآيديولوجي بل لأنه السبيل للحفاظ على ائتلافه والبقاء في رئاسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.


هدنة لبنان أمام امتحان إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
TT

هدنة لبنان أمام امتحان إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

باتت الهدنة الممددة 3 أسابيع إضافية في جنوب لبنان تحت امتحان إسرائيل و«حزب الله»، حيث اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الحزب، بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان، مشيراً إلى «أننا نحتفظ بحرية العمل الكاملة ضد أي تهديد».

في المقابل، قال «حزب الله»: «كل اعتداء إسرائيلي ضد أي هدف لبناني، مهما تكن طبيعته، يعطي الحق للمقاومة بالرد المتناسب وفقاً للسياق الميداني».

في غضون ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باشروا إعداد وثيقة جديدة لـ«توسيع نطاق التفاهمات» التي وزَّعتها وزارة الخارجية الأميركية في ختام الجولة الأولى من المحادثات التمهيدية، الأسبوع الماضي؛ تمهيداً لإنجاز «خريطة طريق للخطوات التنفيذية» الواجب اتخاذها من كل من الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية للوصول إلى اتفاق سلام.


فرحة سورية باعتقال المتهم بـ«مجزرة التضامن»

سوريون يحتفلون بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)
سوريون يحتفلون بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)
TT

فرحة سورية باعتقال المتهم بـ«مجزرة التضامن»

سوريون يحتفلون بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)
سوريون يحتفلون بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)

علت تكبيرات العيد في شوارع «حي التضامن» الدمشقي، ووزعت النساء الحلوى، وذلك بعد إعلان السلطات إلقاء القبض على «المجرم أمجد يوسف» (40 عاماً)، وهو عضو سابق بالمخابرات العسكرية في عهد بشار الأسد، المتهم الأول بارتكاب «مجزرة التضامن» خلال السنوات الأولى للثورة.

وتوجه المشاركون في مسيرة شعبية من أمام الجامع، رافعين رايات «الله أكبر» والعلم الوطني السوري باتجاه مكان المجزرة الواقع في أقصى شرقي الحي. وامتدت الفرحة إلى محافظات أخرى.

ورأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، أن اعتقال يوسف يمثل «خطوة قوية نحو المساءلة بعيداً عن الإفلات من العقاب، ويجسد النموذج الجديد للعدالة الناشئ في سوريا ما بعد الأسد».


مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
TT

مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الجمعة، مقتل ستة أشخاص بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان، وذلك رغم سريان وقف إطلاق نار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة في بيان «غارات العدو الإسرائيلي على جنوب لبنان اليوم 24 أبريل (نيسان)، أدت إلى استشهاد 6 مواطنين وجرح اثنين» آخرين.