ما خيارات «حماس» العسكرية بعد استئناف حرب غزة؟

مصادر من الحركة: ندرس كل الخيارات بما فيها السياسية لتجنيب أهل غزة عملية عسكرية أوسع

TT

ما خيارات «حماس» العسكرية بعد استئناف حرب غزة؟

فلسطينيون أجبرتهم إسرائيل يوم الثلاثاء على الفرار من منازلهم في شمال غزة (رويترز)
فلسطينيون أجبرتهم إسرائيل يوم الثلاثاء على الفرار من منازلهم في شمال غزة (رويترز)

حتى اللحظات الأخيرة من استئناف إسرائيل لعملياتها القتالية ضد قطاع غزة، كانت حركة «حماس» تتلقى دعوات لمواصلة التفاوض، وتأكيدات على أن تل أبيب تُفضِّل راهناً المسار السياسي لا العسكري بغرض إعادة رهائنها؛ غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبدعم أميركي، وجَّه ضربة مباغتة للحركة الفلسطينية، بتنفيذ قصف جوي كبير واسع، طال عشرات الأهداف، وقَتَل مئات.

وحرصت «حماس» منذ انتهاء المدى الزمني الرسمي لوقف إطلاق النار في الأول من مارس (آذار) الجاري، على إصدار تعليمات لقياداتها وعناصرها باتخاذ إجراءات أمنية، والتحرك بحذر، والامتناع عن استخدام العربات ووسائل الاتصال الحديثة، واللجوء لأساليب قديمة في عمليات التواصل.

وخلال فترة ما قبل استئناف الهجمات الكثيفة، كثَّفت إسرائيل عملياتها الاستخباراتية في غزة، وهو ما أكدته سابقاً مصادر من الفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط» بهدف تحديث بنك أهدافها، وأظهرته العملية التي جرت ليلاً وطالت قيادات كبيرة وميدانية من «حماس» بكل أذرعها، إلى جانب بعض قيادات الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي».

ورغم الهجوم الإسرائيلي الكبير؛ فإن «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، لم ترد عسكرياً بعد... فما خياراتها؟

خيارات صعبة

يبدو أن «حماس» في ظل هذا التصعيد الإسرائيلي الجديد، تواجه خيارات صعبة في آليات الرد العسكري على هذه العملية؛ فإن مصادر من «حماس» تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، قالت إن «الحركة تدرس كل الخيارات، بما فيها المسار السياسي، لتجنيب أهل القطاع عملية عسكرية أوسع، مع إتاحة الفرصة أمام جناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام) لأخذ زمام المبادرة من جديد، بالرد على تلك المجازر»، كما وصفتها.

ووفقاً للمصادر، فإن الحركة «ما زالت تمتلك بعض القدرات العسكرية لتوجيه ضربات للقوات الإسرائيلية». وقالت المصادر: «آلية الرد وتوقيته تحددهما القيادة العسكرية لـ(كتائب القسام)، وفق الظروف الميدانية وتطورات الاتصالات التي تُجرى مع الوسطاء لمحاولة احتواء الموقف؛ خصوصاً أننا في شهر رمضان المبارك ومقبلون على عيد الفطر، وليس لدى الحركة أي نيات للتصعيد، كما ادعت إسرائيل قبل ساعات من هجومها، لتبرير جرائمها»، وفق قولها.

وحسب المصادر، فإنه خلال الساعات المقبلة سيتم تحديد رؤية وموقف «حماس» فيما إذا كانت سترد على هذا التصعيد، بترك المجال أمام القيادة العسكرية لـ«القسام» لتحديد نقطة الصفر، أو أن تكون هناك جهود حقيقية من الوسطاء تضمن فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية فوراً، من دون تأخير.

ماذا تبقى من القدرات؟

وخلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت 15 شهراً، فقدت «حماس» كثيراً من قدراتها العسكرية؛ خصوصاً الصواريخ بعيدة المدى التي كانت تطلقها تجاه القدس وتل أبيب، وغيرها من المدن التي تقع في عمق إسرائيل، وقد ظهر ذلك جلياً في الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحرب، بتراجع إطلاقها للصواريخ.

ورغم ذلك، فإن «كتائب القسام» وخلال محاولاتها التعافي، تمكنت فيما يبدو من تصنيع عدد محدود جداً من تلك الصواريخ، وأطلقت صاروخين تجاه القدس في الثامن والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2024، قبل نحو 21 يوماً من التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، وكانت المفارقة أنها أطلقتهما من بلدة بيت حانون أقصى شمال قطاع غزة، والتي كانت تعمل فيها القوات البرية الإسرائيلية؛ كذلك نجحت في إطلاق صواريخ قصيرة المدى تجاه أهداف مستوطنات غلاف غزة، وتحديداً من المنطقة الجنوبية للقطاع.

صواريخ أطلقتها «حماس» وفصائل فلسطينية باتجاه إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

وتقول مصادر ميدانية، بعضها من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قيادة (القسام) تمكنت خلال فترة وقف إطلاق النار من استخراج بعض الأدوات وأجهزة التصنيع التي كانت موجودة في أنفاق أو أماكن مخصصة للتصنيع، استهدفتها ودمرتها إسرائيل. وأعادت (القسام) تأهيلها، ووجدت بعضها سليماً لم يتضرر من الغارات الجوية».

ووفقاً للمصادر، فإن قيادة «القسام» كانت تعول على إمكانية «استمرار وقف إطلاق النار لتصنيع الصواريخ والعبوات الناسفة وغيرها من جديد»؛ مشيرة إلى أنها «بدأت ذلك بشكل محدود جداً بسبب عدم توفر المواد الخام لاستعادة عمليات التصنيع».

ولفتت المصادر إلى أن «كثيراً من الصواريخ، وكذلك الصواريخ الموجهة، مثل: (الكورنيت) وقذائف (الياسين 105)، وغيرها، تم العثور عليها في أماكن تخزينها أو منازل قيادات وعناصر (القسام)، وحتى في أنفاق، بعد أن بدأت عملية بحث واسعة عنها تحت الركام».

وعلى مستوى العناصر، ذكرت المصادر أن «القسام» عملت على «إعادة هيكلة الكتائب العسكرية التابعة لها، وتجنيد مزيد من المقاتلين الجدد، تحسباً لخيار عودة القتال، وهو أمر فعلته في خضم الحرب شمال القطاع».

الدخول البري

ولا تستبعد المصادر الميدانية أن تنفذ إسرائيل عمليات برية محدودة ومفاجئة في بعض المناطق، مشيرة إلى أن «هذا السيناريو دفع الفصائل الفلسطينية للاستعداد، خلا فترة وقف إطلاق النار، وتفعيل عمليات التنسيق وتبادل المعلومات بين عناصرها».

وأشارت إلى أن «هناك عمليات رصد دائمة من قبل المسلحين الفلسطينيين لتحركات الجيش الإسرائيلي في المناطق الحدودية».

وقد تمنح محاولات إسرائيل الدخول براً لبعض المناطق، حركة «حماس»، الفرصة لتوجيه ضربات قوية للقوات البرية الإسرائيلية.

ولكن في المقابل، فقدت «حماس» ميزة مهمة بإعلان الجيش الإسرائيلي عن تحديد المناطق الحدودية لقطاع غزة بأنها مناطق عازلة، وإجبار سكان بعض المناطق على إخلائها، مثل خزاعة وعبسان وبيت حانون؛ إذ كان من بين خيارات «القسام» تنفيذ «عمليات قنص قرب الحدود، أو إطلاق صواريخ مضادة للدروع، أو حتى ربما مهاجمة قوات إسرائيلية من قبل مسلحين بالاشتباك المباشر معهم قرب الحدود».

دبابة إسرائيلية يوم الثلاثاء قرب الحدود مع غزة (رويترز)

وخلال الأشهر الأخيرة، قبل إعلان الهدنة في يناير (كانون الثاني) الماضي، ومع تراجع القدرات الصاروخية لـ«القسام» ركزت على استهداف القوات البرية الإسرائيلية، الأمر الذي مكَّنها من إيقاع خسائر بشرية كبيرة بين الإسرائيليين؛ كما جرى في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، وخسرت إسرائيل ما لا يقل عن 42 ضابطاً وجندياً، رغم أن تلك المناطق كانت إسرائيل قد عملت فيها عدة مرات.

وتقول مصادر من «حماس» إن الحركة «تسعى بكل قوة لتلافي الحرب، ولكن في حال فُرضت عليها فإنها جاهزة».

أهداف إسرائيل

وظهر من خلال العملية الإسرائيلية الأحدث، أنها تركز على اغتيال كل هدف ممكن بالنسبة لها، بما في ذلك العاملون في المجال الحكومي في غزة، من بينهم رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي، وعضو المكتب السياسي لـ«حماس» عن منطقة وسط قطاع غزة، عصام الدعليس، الذي كان يحاول خلال الأسابيع القليلة الماضية إعادة هيكلة الوزارات الحكومية في القطاع، كما أنه قد تعرض لعملية اغتيال خلال الحرب وأُعلن عن مقتله، ولكن تبين أنه أصيب فيها، لتعلن «حماس» مقتله مؤخراً.

كما حاولت إسرائيل اغتيال محمد الجماصي، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، في عملية استهدفته وعائلته بحي الصبرة، وسط تضارب الأنباء عن مصيره، فيما إذا كان قد قُتل وظلت جثته تحت الركام، أم أصيب، أم نجا.

وقتلت إسرائيل ياسر حرب، أحد أعضاء المكتب السياسي لـ«حماس»، بعد أن استهدفته بشقة سكنية في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، ليلحق بأربعة من أبنائه الذين قُتلوا خلال هذه الحرب نتيجة غارات أو اشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

أبرز قادة حركة «حماس» الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية على غزة (يديعوت أحرونوت)

واغتالت وكيل وزارة الداخلية التابعة لـ«حماس»، محمود أبو وطفة، ورئيس جهاز الأمن الداخلي بهجت أبو سلطان، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس.

ومن أبرز الشخصيات العسكرية التي تم اغتيالها من «كتائب القسام»، جميل الوادية الذي كان مسيِّراً لكتيبة الشجاعية، وأصبح مسؤولاً عنها بشكل رسمي بعد وقف إطلاق النار، وكان يقف خلف تسليم 3 مجندات إسرائيليات في ميدان فلسطين، خلال دفعات تسليم الرهائن الإسرائيليين مؤخراً.

كما اغتالت إسرائيل قيادياً يطلق عليه محمد أبو عجوة، وهو من القادة الميدانيين لـ«كتائب القسام» بحي تل الهوى.

واغتيل خلال الهجمات، حسن الناعم، قائد الوحدة الصاروخية في «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، إثر قصف استهدفه في خان يونس، وهي المرة الثالثة التي يتم خلال هذه الحرب استهدافه، كما جرت خلال جولات تصعيد سابقة قبيل الحرب محاولات لاغتياله، وجميعها فشلت.

وخلال غاراتها، استهدفت إسرائيل مراكز للشرطة تابعة لـ«حماس» ونقاطاً طبية، وشققاً سكنية ومنازل، وأراضي خالية يُعتقد أن بداخلها منصات لإطلاق الصواريخ، وغيرها.


مقالات ذات صلة

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

تواجه فرق الإغاثة بقطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب في ظل وجود جثامين وذخائر غير منفجرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

«حماس» تواجه أزمة نقود في قطاع غزة

أظهرت إفادات لمتعاملين بالأسواق في قطاع غزة، وكذلك عناصر من «حماس» وجود أزمة لدى منسوبي الحركة في تصريف رواتبهم بصورتها النقدية، في ظل لجوء تجار كثر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة أغسطس 2025 (أ.ب) p-circle

نشطاء «حماس» يواجهون صعوبات في تصريف رواتبهم «الكاش»

يبدو أن حركة «حماس» باتت فعلياً تواجه أزمة كبيرة فيما يتعلق بتوافر «الكاش» لدى نشطائها وموظفيها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خلال حضوره اجتماعاً للحزب نُظّم على تلة تطل على بلدة مجد الكروم العربية في شمال إسرائيل وذلك في 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يدعو إلى «حرب» في الضفة وضمّ «مناطق» من لبنان وغزة

دعا وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، اليوم (الأحد)، إلى ضم مناطق في جنوب لبنان وقطاع غزة إلى السيطرة الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية فلسطينيون يتجمعون بموقع تعرض لضربة إسرائيلية في حي الشيخ رضوان بقطاع غزة الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل «مسلح شارك في هجوم 7 أكتوبر»

أعلن الجيش و«جهاز الأمن العام (شين بيت)» الإسرائيليان «مقتل مسلح شارك في هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)» 2023...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
TT

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

تواجه فرق الإغاثة في قطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب، في ظل وجود جثامين يُعتقد أنها لا تزال مدفونة تحت الأنقاض، إلى جانب الذخائر غير المنفجرة والمباني المتضررة التي قد تنهار في أي لحظة.

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، تقدر الأمم المتحدة أن التخلص من الجزء الأكبر من الركام قد يستغرق بين 7 و10 سنوات ويكلف مليارات الدولارات، ما يجعل العملية واحدة من أكبر عمليات إزالة الأنقاض في التاريخ الحديث.

«نحاول إفراغ البحر بملعقة»

في حي تل الهوى بمدينة غزة، يعمل مهندسو الأمم المتحدة على فتح الطرق التي أغلقتها أكوام الحجارة وبقايا المنازل والمتاجر المدمرة. ووصف المهندس أحمد عليان، الذي يعمل ضمن فريق تابع لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) حجم المهمة قائلاً: «أشعر وكأننا نحاول إفراغ البحر باستخدام ملعقة».

وحسب جاكو سيلييرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، فإن كمية الركام المقدرة في غزة تبلغ 61 مليون طن، أي ما يقارب 20 ضعف كمية الركام الناتجة عن جميع الحروب في العالم خلال السنوات الـ18 الماضية.

ورغم مرور أكثر من عامين على بدء عمليات الإزالة، لم يتم التخلص سوى من نحو 907 آلاف طن، مع إعادة تدوير أكثر من 300 ألف طن، وهو ما يمثل نحو 1.5 في المائة فقط من إجمالي الركام.

مبانٍ مدمرة في قطاع غزة (رويترز)

الركام يخفي آلاف الجثامين

ولا تقتصر صعوبة المهمة على ضخامة كمية الركام، إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى احتمال وجود ما بين 8 آلاف و10 آلاف جثمان لا تزال مدفونة تحت الأنقاض.

وقالت نهال أبو حسن، وهي من أعضاء فريق برنامج الأغذية العالمي: «الركام في بعض المناطق لا يمثل مجرد أنقاض بالنسبة إلى الناس، بل يمثل حياتهم وذكرياتهم بالكامل. وفي بعض الحالات، قد تكون هناك جثامين لا تزال تحت الركام، ولهذا فإن إزالته قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأسر والمجتمعات».

وتعمل الجهات الأممية بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تحديد أماكن وجود الجثث وترتيب أولويات انتشالها.

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمرها القصف الإسرائيلي في شمال قطاع غزة (رويترز)

قنابل غير منفجرة ومبانٍ مهددة بالانهيار

وتواجه فرق إزالة الأنقاض خطر الذخائر غير المنفجرة المنتشرة بين الركام وعلى الطرق. ولذلك تنسق فرق الأمم المتحدة مع الجهات المختصة بإزالة الألغام ومنظمات دولية لتحديد المناطق الخطرة ووضع علامات تحذيرية قبل بدء العمل.

وإلى جانب خطر المتفجرات، قد تحتوي الأنقاض على مواد خطرة أخرى، بما في ذلك مادة الأسبستوس، التي يمكن أن تشكل خطراً صحياً جسيماً عند استنشاق أليافها، في حين تشكل المباني المتضررة جزئياً خطراً إضافياً، إذ قد تنهار بصورة مفاجئة بعد عودة السكان إليها.

إعادة تدوير الركام لسد احتياجات السكان

مع صعوبة إدخال المعدات ومواد البناء إلى القطاع، بدأت الجهات الأممية في إعادة استخدام الركام بدلاً من التخلص منه بالكامل. ويجري فرز الأنقاض لإزالة المعادن وقضبان الحديد، ثم تُكسّر الكتل الخرسانية إلى أحجام أصغر لاستخدامها في إصلاح الطرق وردم الحفر ورفع الخيام والملاجئ عن مياه الأمطار والصرف الصحي.

ويعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على سبع كسارات صخور موجودة أصلاً في غزة، بسبب عدم القدرة على إدخال معدات جديدة.

وقالت نهال أبو حسن: «لا يمكن مقارنة هذه المواد بالمواد الطبيعية المستخدمة عادةً في رصف الطرق. جودتها أقل، ومن الصعب التعامل معها، لكن لا يوجد بديل. هذه الحلول فرضها علينا الواقع الذي نعيشه».


إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
TT

إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)

لم يمنع القصف اليومي لمحيط مدينة النبطية وبلدة كفر رمان من أن تطلق عائلة آل الزين ورشة لترميم «ما تستطيع ترميمه» من منزل يوسف بك الزين الذي تضرر بفعل غارات إسرائيلية مكثفة قبل أشهر. يرى أحفاد أشهر عائلة سياسية في النبطية أن الحفاظ على الإرث هو فعل تحدٍّ لإسرائيل التي تمحو الآثار والذكرى من الأرض، وتسعى للقضاء على المنازل التاريخية ذات العمارة الخاصة والبيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية في جنوب لبنان بكافة أشكالها.

منزل عبد العزيز الزين قبل تدميره (أرشيف سعد الزين)

وخلال الحربين الواسعتين اللتين شنتهما إسرائيل على جنوب لبنان، قضت الغارات والتفجيرات على عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت السياسية التي توثق بعمارتها ومكتباتها حقبات من تاريخ جبل عامل السياسي في القرنين الماضيين. ففي مدينة النبطية وحدها، دمر القصف الإسرائيلي 147 منزلاً يتراوح عمرها بين 80 سنة و110 سنوات، وبعضها توسع من منازل بُنيت قبل 200 عام، وهي ممتلكات تراثية عائدة لزعامات محلية، ووزراء ونواب مروا في النبطية ومحيطها خلال العقود الماضية. كما شمل التدمير بيوتاً سياسية في محيط النبطية، من بينها دارة آل الأسعد في بلدة الطيبة، وجُرِفَ معها الكثير من البيوت القديمة، بحسب ما يقول ناشطون محليون، منها مثلاً دارة خليل العبدالله في الخيام، أحد أبرز القيادات التاريخيّة في المنطقة، والتي شُيدت عام 1862.

منزل عبد العزيز الزين: دور ثقافي

منزل يوسف بك الزين، الذي أصيب بأضرار كبيرة جداً بفعل القصف الإسرائيلي، يكاد يكون من آخر المعالم التراثية والشواهد العمرانية المتبقية في منطقة النبطية، بعد تدمير دارة عبد العزيز الزين التي تحولت في السنوات الماضية إلى حاضرة ثقافية في المنطقة، ووسّعها نجله الدكتور سعد الزين لإحياء النشاطات الثقافية والشعبية.

يقول الدكتور سعد الزين لـ«الشرق الأوسط»: «منزل عائلتي (دارة عبد العزيز الزين) يتجاوز عمره الثمانين عاماً. دمرت غارة إسرائيلية المنزل بشكل كامل، وقضت على كل معالمه ليست العمرانية فقط، بل على دور المنزل الثقافي». وشرح الطبيب أن المنزل كان مساحة لاستضافة وإقامة نشاطات ثقافية واجتماعية منذ عام 2000 على الأقل، وكان أنشأ فيه متحفاً صغيراً يوثق تاريخ جبل عامل، وقد «صار مقصداً ثقافياً في المنطقة»، ثم خضعت الدارة لتوسعة لجهة الحدائق والديوانية، وهي من جوهر البناء الجنوبي في لبنان، وباتت معروفة في السنوات الأخيرة بـ«منزل سعد الزين».

منزل عبد العزيز الزين بعد تدميره (أرشيف سعد الزين)

وإثر قصف المنزل الكبير أصيبت «دارة آل الزين» الملاصقة بأضرار بدورها. تلك الدارة كانت مركز زعامة سياسية واجتماعية تمتد لأكثر من مائة عام، وأُنشئت (الدارة) قبل 150 عاماً، وسكنها الوالي العثماني في القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل ملكيتها إلى آل الزين، ويسكنها يوسف بك الزين.

المدافن لم تسلم

كان الزين دخل الندوة البرلمانية بعد إعلان لبنان الكبير في عام 1924، وباتت عائلته إحدى أبرز العائلات السياسية في جبل عامل في القرن الماضي، ولم ينقطع تمثيلها في البرلمان حتى عام 2018.

يقول الدكتور سعد الزين: «دارة يوسف بك الزين تضررت بشكل فادح، وطالت الأضرار السقف والساحة ومدافن العيلة، بما فيها مدفن يوسف بك. الآن نعمل على ترميم المنزل بشكل حثيث وسريع، ليعود صالحاً ويبقى شاهداً على حقبة سياسية، بالنظر إلى أن العائلة هي من العائلات المؤسسة في جبل عامل، وحاضرة على المستوى الثقافي والتنموي والمجتمعي، وهو دور متواصل ومستمر معي ومع عمي». ويرى الزين أن القضاء على البيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية «يستهدف محو الآثار والذكرى من الأرض كي يقطع اللبناني العلاقة ببيته وأرضه وإرثه».

دارة آل العبدالله في الخيام قبل تدميرها... وشُيدت في الداخل ضمن طراز حجر «العقد» (متداولة)

تدمير متعمَّد وممنهج

تجمع الفعاليات الثقافية والاجتماعية في مدينة النبطية على أن ما جرى خلال حربَي 2024 و2026 هو عملية «تدمير ممنهج للذاكرة من دون أي مبرر فعلي»؛ فالقصف والتدمير المركّز لبيوت عريقة تقف تاريخياً على النقيض السياسي مع «حزب الله»، ينفي ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطول منشآت الحزب ومقراته فقط.

وكان لافتاً جداً في هذا السياق تدمير منزل مؤسس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» النائب السابق حبيب صادق في بلدة الكفور، الواقعة غرب النبطية.

ويعدّ صادق من أشهر الناشطين السياسيين والثقافيين في الجنوب، وكان عضواً في البرلمان في دورة عام 1992، وكان من أبرز المؤرخين للانتهاكات الإسرائيلية بحق الجنوب منذ أربعينيات القرن الماضي، وشجع على إصدار مؤلفات تبناها «المجلس الثقافي»، وجمع في مسيرته تجربة سياسية، إضافة إلى كونه أديباً وشاعراً ومفكراً.

منزل عدنان الشريف في النبطية قبل تدميره (أرشيف كامل جابر)

مخطوطات توثق الانتهاكات

يقول رئيس فرع النبطية في «المجلس الثقافي» كامل جابر لـ«الشرق الأوسط»: «بعد تدمير منزل حبيب صادق في مدينة الخيام في عام 1977، ووقوع المنطقة تحت الاحتلال حتى عام 2000، واضطرار العائلة للإقامة بين بيروت ومدينة النبطية، كان هناك إصرار لدى العائلة على بناء منزل خارج المدينة يشبه منازل الجنوبيين؛ بمعنى أن يكون فيه حديقة تحيط بها أشجار الصنوبر، وتزهر فيها الورود».

منزل حبيب صادق بعد تدميره بغارة إسرائيلية في أغسطس 2026 (متداولة)

ويضيف جابر: «اهتم صادق بديوانية في أسفل المنزل، أودع فيها الكثير من مخطوطاته التي كان يقدمها عبر برامج إذاعية متعددة، وكتابات من الستينيات والسبعينيات، وأنشأ مكتبات ضخمة في الديوانية تتضمن كتباً ومخطوطات وسائر الإرث الثقافي»، مشيراً إلى أن صادق «كان من أبرز الفعاليات الثقافية التي ألّفت ونشرت إصدارات وكتباً عن الجنوب، تؤرخ الانتهاكات وأشكال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، سواء من المطامع بالمياه أو الجغرافيا أو غيرهما، وأصدر دراسات تظهر الإساءة للجنوب عبر الاحتلال».

صورة غير مؤرخة لحبيب صادق في جلسة مع أصدقائه (متداولة)

ومن هذا الجانب، يرى جابر أن استهداف المنزل «هو استهداف لحبيب صادق ودوره وإرثه ومسيرته»، مستبعداً أي أبعاد أمنية لاستهداف المنزل «المغلق والذي يتفقده حارس بشكل يومي».

محو إرث معماري وسياسي

يمثل هذا التدمير جزءاً من خطة القضاء على الإرث الحضري والعمراني والسياسي في مدينة النبطية. بعد حرب عام 2024 نشأت مبادرة من فعاليات المدينة الثقافية، شاركت فيها جمعيات أهلية بالتعاون مع البلدية، لتوثيق المباني التراثية التي دمّرها القصف الإسرائيلي، وتم تحديثها قبل أسبوعين فقط من الكتابة. وتوصل الإحصاء إلى تدمير 147 منزلاً تدميراً كاملاً بحيث لم يبقَ إلا عدد قليل جداً من تلك المنازل.

قصر محمد الفضل في حي الراهبات بالنبطية (أرشيف كامل جابر)

وفي حرب عام 2026 تم تدمير ما تبقى من منزل فضل الفضل في منطقة المنشية، وهو منزل يعود بناؤه إلى أواخر القرن الماضي، وأشرف على تصميمه مهندس مصري، وزاره الجنرال غورو في عشرينيات القرن الماضي إثر زيارته إلى الجنوب عندما كان المفوض السامي الفرنسي في لبنان.

أما منزل النائب السابق محمد بك الفضل، فقد دمرت الغارات التي أصابت محيطه أجزاء كثيرة منه في 2024، وهو منزل يبلغ من العمر مائة وسنتين. ويقول كامل جابر، الذي يوثق الذاكرة عبر جمعية أهلية في النبطية، إن من اشترى المنزل اتخذ قراراً بإعادة ترميمه.

دارة الطبيب بهجت الميرزا في النبطية (أرشيف كامل جابر)

القضاء على الذاكرة الثقافية

ينظر أبناء النبطية إلى أن التدمير يستهدف العمارة التي تؤشر إلى الإرث الثقافي والذاكرة الاجتماعية والسياسية والحضرية للمكان. في النبطية مثلاً، دمرت الغارات الإسرائيلية بشكل كامل دارة الوزير والنائب الراحل رفيق شاهين، كذلك منزل سعيد شاهين والد النائبين والوزيرين غالب وفهمي شاهين. إضافة إلى ذلك، تبرز منازل كانت تعتبر تحفة عمرانية، مثل قصر الدكتور بهجت الميرزا الذي كان يُصنف من أجمل البيوت؛ كون واجهاته كانت تحتوي على منحوتات بالحجر الصخري، وكان الميرزا من أوائل الأطباء في النبطية في القرن العشرين الذين فتحوا منازلهم لتقديم الطبابة للسكان.

دارة سعيد شاهين والد غالب وفهمي شاهين التي دُمرت بالكامل في مدينة النبطية (أرشيف كامل جابر)

كذلك، دُمر منزل محمود شاهين في عام 2026. وهذا المنزل كان بمنزلة مدرسة في القرن الماضي، وهو من البيوت التي بُنيت على آثار بيوت قديمة كانت بُنيت قبل مائتَي عام.

وفي 6 سبتمبر (أيلول) 2026 قضت غارة إسرائيلية على منزل الدكتور عدنان الشريف، وهو تحفة عمرانية شُيّدت قبل مائة عام، كما تم تدمير منزل النائب السابق أنور الصباح، والد مدير شركة «الصباح للإنتاج التلفزيوني» صادق الصباح، وهو منزل بُني على تلة مدينة النبطية مطلع التسعينيات، في حين بقيت دارة العائلة في مدينة النبطية صامدة. كما دمرت الغارات «مستشفى غندور»، أحد أبرز المستشفيات التي قدمت خدمات طبية لمنطقة النبطية خلال فترة الاحتلال منذ الثمانينيات.

حرب على التاريخ

لم تكتفِ الغارات الإسرائيلية بتدمير المنازل والقصور، بل شملت المعالم الأثرية في الجنوب؛ فقد تعرضت سوقٌ تعود إلى العصر المملوكي في مدينة النبطية لقصفٍ عنيف أدى إلى تدمير جزء منها. واقتُلِع تاجٌ من أعلى عمود أثري في موقع مُدرَج على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان. كما دُمِّر موقع ديني يحمل اسم «شمعون الصفا»، يرتاده المسلمون والمسيحيون على حد سواء في بلدة شمع الجنوبية، كما تم تدمير قلعة شمع الصليبية.

إضافة إلى ذلك، تغيب أي معلومات عن «العين الفوقا» في بلدة الطيبة التي دُمر محيطها في ساحة البلدة، وهي عين لتجميع الماء بُنيت على شكل حلزوني، وتتضمن عناصر معماريّة تتقاطع مع نماذج تعود إلى الحقبتين الرومانيّة والبيزنطيّة، وخضعت لترميم في الحقبة العثمانية.

العين الأثرية في بلدة الطيبة (متداولة)

وقال وزير الثقافة غسان سلامة في تصريح لـ«رويترز» في الشهر الماضي، إن بلدات تاريخية خارج نطاق المنطقة المذكورة تعرضت لغارات جوية مكثفة، من بينها صور والنبطية. وأوضح أن القصف العنيف طال بلدة تبنين، ما أثار مخاوف من أن تكون أضرار لحقت بالقلعة الصليبية هناك. وتابع: «التراث ليس فقط الآثار الرومانية والفينيقية، التراث هو أيضاً الأبنية التراثية، الأماكن الأثرية، الأبنية ذات الوظيفة الثقافية». وأعرب سلامة عن خشيته من أن تمحو الحملة الإسرائيلية تماماً قروناً من التاريخ اللبناني.

وعبَّرت «اليونيسكو» في بيان عن قلقها إزاء وضع مدينة صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة من قبل المنظمة. وقالت أيضاً إنها «تشعر بقلق بالغ» حيال تقارير تفيد بدمار لحق بقلعة شمع بجنوب لبنان، ووقوع معارك قرب قلعة الشقيف، منددة بما وصفته بـ«هجمات غير قانونية على الممتلكات الثقافية».


العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
TT

العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)

صرح الناطق الرسمي رئيس خلية الإعلام الأمني بالعراق الفريق سعد معن، بأن تسلم العراق المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد الدولي، والاتفاق مع تركيا على انسحاب القوات العسكرية التركية من قاعدة بعشيقة في محافظة نينوى، يؤكدان إمكانية استمرار التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين على أساس الاحترام المتبادل وبما يحفظ استقلال القرار العراقي.

وقال معن، في تصريحات لوسائل إعلام حكومية، اليوم (الاثنين): «إن الحكومة باتت صاحبة الكلمة العليا والقرار الخالص في تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على أراضي البلاد».

وأضاف أن «تعزيز سيادة العراق ووحدة أراضيه إلى جانب إدارته المستقلة لملفه الأمني يشكلان الدعامة الأساسية لاستقرار البلاد ودفع عجلة علاقتها الإقليمية والدولية نحو آفاق أرحب من التعاون المثمر»، وفقاً لما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ومن المنتظر أن يطوي العراق في الـ30 من الشهر الحالي، صفحة التعاون مع التحالف الدولي لدعم العراق في محاربة «داعش»، وإنهاء هذا الوجود للقوات القتالية، والانتقال إلى علاقات ثنائية تقوم على أساس اتفاقيات ثنائية مع بعض دول التحالف، لدعم برامج التسليح وتدريب القوات الأمنية ورفع جاهزيتها في مواجهة التحديات.