تركيا طالبت خلال محادثات مع بريطانيا برفع كامل للعقوبات الغربية

إردوغان: لا يمكن لأي دولة تحمل عبء ما مرت به سوريا بمفردها

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
TT

تركيا طالبت خلال محادثات مع بريطانيا برفع كامل للعقوبات الغربية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

كررت تركيا مطالبتها برفع كامل للعقوبات الغربية المفروضة على سوريا، دعم شعبها في المرحلة التي تسعى فيها إلى استعادة عافيتها. خلال لقاء تشاوري عُقد في الخارجية التركية مع مسؤولين بريطانيين، في حين قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن تكلفة الصراع في سوريا، الذي استمر أكثر من 13 عاماً، بلغت مليون قتيل وفاتورة ضخمة تقترب من 500 مليار دولار، وإنه من غير الممكن لأي دولة في العالم أن تتحمل مثل هذا العبء الثقيل بمفردها.

وأكد إردوغان أنه يتعين على الجميع أن يدعموا بقوة جهود الشعب السوري لاستعادة بلادهم عافيتها. ولفت في كلمة خلال الإفطار السنوي الـ16 الذي نظمه حزب العدالة والتنمية الحاكم للسفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في تركيا ليل الاثنين - الثلاثاء، إلى أن حقبة جديدة بدأت في سوريا مع إطاحة نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأن أعظم أمنياتهم هي بناء سوريا التي حققت وحدة أراضيها ووحدتها السياسية، حيث تعيش الهويات المختلفة جنباً إلى جنب وتكون مصدر ثقة واستقرار لجميع جيرانها.

وعبر إردوغان عن تقدير تركيا جهود الإدارة الجديدة في سوريا لإنشاء دولة جديدة قائمة على هذه المبادئ، وتقدم لها كل الدعم الذي تحتاج إليه، مشيراً إلى أن من يسعون إلى استغلال حالة عدم الاستقرار في سوريا من خلال إثارة الانتماءات العرقية والدينية، يجب أن يعلموا أنهم لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم. وقال: «لن نسمح بإعادة تصميم منطقتنا أو تقسيمها أو فصلها على أساس خرائط جديدة كما كانت قبل قرن من الزمان».

في السياق ذاته، كررت تركيا مطالبتها برفع كامل للعقوبات الغربية المفروضة على سوريا، خلال لقاء تشاوري عُقد في الخارجية التركية مع مسؤولين بريطانيين.

وبحث وفدان من وزارتي الخارجية التركية والبريطانية برئاسة نائب وزير الخارجية التركي نوح يلماظ، ووزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، هاميش فوكونر، في أنقرة مساء الاثنين، ملف العقوبات المفروضة على سوريا في عهد نظام بشار الأسد، وسبل دعم إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في البلاد.

وقالت بريطانيا، الشهر الماضي، إنها ستعدّل أنظمة العقوبات المفروضة على سوريا بعد سقوط الأسد، لكنها ستضمن استمرار تجميد الأصول وحظر السفر المفروض على أعضاء الحكومة السابقة.

إفطار رمضاني جماعي وسط مدينة معرة النعمان شمال سوريا دمرتها الحرب في السنوات الماضية (إ.ب.أ)

وقالت مصادر دبلوماسية تركية، الثلاثاء، إن تركيا طرحت خلال الاجتماع ملف رفع العقوبات الغربية عن سوريا بشكل كامل ودون شروط مسبقة، مع ضرورة ضمان تدفق الموارد المالية إلى سوريا، باعتبار ذلك خطوة أساسية لدعم الاستقرار والنهوض بالاقتصاد السوري.

وقالت المصادر إن الجانبين ناقشا تحديات إعادة الإعمار، وشدد الجانب التركي على أهمية تسهيل الاستثمار الأجنبي، وإتاحة الفرصة للشركات الدولية للمشاركة في إعادة تأهيل البنية التحتية في سوريا، بما يساعد في تحقيق التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

جانب من المباحثات التركية - البريطانية في أنقرة (الخارجية التركية)

وقدم نائب وزير الخارجية التركي، نوح يلماظ، تقييماً شاملاً للجانب البريطاني، خلال الاجتماع، حول الوضع الراهن والجوانب الأمنية والإنسانية والاقتصادية في سوريا.

وعلى الرغم من تعليق بعض العقوبات الأوروبية وتخفيف أخرى، فإن العقوبات الغربية لا تزال تشكل عائقاً رئيسياً أمام جهود النهوض بسوريا، حيث تؤثر على القطاعات الحيوية مثل النقل والطيران والطاقة.

ولا تزال العقوبات الأميركية سارية؛ ما يحدّ من قدرة الإدارة السورية الجديدة على الحصول على الاستثمارات والتمويلات الدولية، ويؤثر بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد.

وأكد يلماظ أن العقوبات الغربية المفروضة على سوريا تعرقل عمليات التعافي وإعادة الإعمار، وأن هناك أهمية للتعاون الدولي لدعم السوريين في هذه المرحلة الانتقالية، وضرورة رفع العقوبات بشكل كامل وغير مشروط من أجل دفع جهود إعادة إعمار سوريا وتنميتها الاقتصادية.

وتناولت المباحثات أهمية دعم المجتمع الدولي لخطوات الإدارة في سوريا لتحقيق المصالحة الوطنية ضمن حكومة مركزية، وتم التأكيد على أنه لا مكان للإرهاب في مستقبل سوريا.

وشدد يلماظ على ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة ضد السيادة السورية، باعتبارها أحد العوامل التي تعرقل جهود الاستقرار في المنطقة.

واتفق الجانبان التركي والبريطاني على مواصلة المشاورات بشأن القضايا الإقليمية، ولا سيما الوضع في سوريا؛ بهدف تنسيق الجهود الدولية لدعم الحلول السياسية والاقتصادية.


مقالات ذات صلة

تصاعد الجدل بشأن الانتخابات المبكرة في تركيا

شؤون إقليمية تجمع لأنصار المعارضة التركية في نيفشهير (وسط) السبت للمطالبة بتنظيم انتخابات مبكرة (حساب حزب الشعب الجمهوري في «إكس»)

تصاعد الجدل بشأن الانتخابات المبكرة في تركيا

تصاعدت حدة الجدل حول دعوة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، أوزغور أوزيل، لإجراء انتخابات فرعية بالبرلمان من شأنها أن تقود إلى توجه البلاد إلى انتخابات مبكرة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان يُحذّر من «استفزازات محتملة» بعد وقف النار بين واشنطن وطهران

رحبت تركيا بإعلان وقف إطلاق المؤقت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأكّدت ضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذه.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ) p-circle

إردوغان يحذر في اتصال مع ترمب من تخريب مسعى السلام

ذكر ​مكتب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اليوم الأربعاء ‌أنه ‌أبلغ ​نظيره ‌الأميركي ⁠دونالد ترمب ​بضرورة عدم ⁠منح أي فرصة لتخريب عملية ⁠وقف ‌إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل خلال لقائه الاثنين الرئيسين المشاركين لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري وتونجر بكيرها لبحث خطة الانتخابات الفرعية بالبرلمان التركي (حساب «الشعب الجمهوري» في إكس)

تركيا: المعارضة تتأهب لانتخابات مبكرة... والحكومة تستبعدها

بدأت المعارضة التركية تحركات لإجراء انتخابات مبكرة عبر طلب إجراء انتخابات فرعية للمقاعد الشاغرة بالبرلمان، وأعلن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم رفضه.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)

وبّخ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «المحكمة العليا» بشدة، وأبلغها في ردٍّ رسمي، الأحد، بأنها «لا تملك أي صلاحيات للنظر في إقالة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير».

وعدّ نتنياهو أن نظر المحكمة لأمر يتعلق بمصير بن غفير «محاولة غير دستورية للتدخل في تشكيل الحكومة». ووجه نتنياهو رداً إلى المحكمة قدمه عبر محاميه قبل جلسة استماع مطوّلة سيعقدها قضاة «المحكمة العليا» يوم الأربعاء للنظر في إقالة بن غفير.

ووصف نتنياهو تدخل المحكمة بأنه «متطرف»، ورأى أنه «يجب على المحكمة رفض الالتماسات (التي تُطالب بإقالة الوزير) رفضاً قاطعاً، لا يوجد أي أساس قانوني لهذا التدخل غير المألوف والمتطرف في عمل دستوري بالغ الأهمية، متعلق بتشكيل الحكومة».

وأضاف: «قبول الالتماسات سيؤدي إلى تجاوز السلطة، ويعني أن المحكمة تمنح نفسها دوراً حاسماً في الساحة السياسية، دون أي سند قانوني». وتابع: «ووافق الكنيست على تعيين الوزير بن غفير. وليس للمحكمة أي سلطة على ذلك. سلطة إقالة أي وزير هي من اختصاص رئيس الوزراء وحده، وهو يتحمل المسؤولية أمام الكنيست والشعب».

كما رفض نتنياهو الادعاءات الموجهة أصلاً ضد بن غفير، وقال إن «تصريحات الوزير ليست مبرراً لإقالته»، بل قدّم له الدعم، وأكد أن «له الحق في وضع سياسات الشرطة».

واستعاد نتنياهو في رده موقفاً سابقاً، وجّه فيه انتقادات حادة للمستشارة القضائية للحكومة غالي بهراف ميارا، على خلفية دعمها إقالة بن غفير، واعتبر أن تدخلها يمس بالنظام الديمقراطي ومبدأ فصل السلطات.

وتقول المستشارة القضائية الداعمة لإقالة بن غفير إنه يُسيء استخدام صلاحياته بشكل منهجي، عبر التدخل غير المناسب في عمليات الشرطة من خلال نظام متواصل (وأحياناً معقد) للضغط على ضباط الشرطة في مسائل تشمل معاملة المتظاهرين المناهضين للحكومة، والوضع القائم في الحرم القدسي، وحماية شاحنات المساعدات المتجهة إلى غزة، والتعيينات داخل صفوف الشرطة.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (أرشيفية - رويترز)

وفيما يتعلق بقضية المسجد الأقصى، قال نتنياهو إن «قرارات الوزير بن غفير اتُّخذت بالتنسيق مع رئيس الوزراء»، وانتقد عدم ذكر ذلك صراحةً. وهاجم بن غفير كذلك المحكمة والمستشارة على خطى نتنياهو، وقال ساخراً منها إنها تتصرف مثل «مافيا»، وتتهمه بأنه تصرف دون تنسيق، ووضع السياسة بمفرده بشأن الأقصى.

وفيما بدا تأكيداً على سياسته، اقتحم بن غفير المسجد الأقصى برفقة مجموعة من المستوطنين، يوم الأحد، وشوهد وهو ينشد ويؤدي رقصات احتفالية، فيما أدى المستوطنون طقوساً تلمودية داخل باحات المسجد.

وقال بن غفير مبتهجاً لأحد المستوطنين «تشعر بأنك صاحب البيت الآن، كل شيء تغير... كنت في عمر 15 سنة عندما آتيت إلى هنا (كانوا) يحيطونا بهتافات الله أكبر، وإذا همس اليهودي يتم اعتقاله... الآن انظر، تغيير كبير من النقيض للنقيض، المكان لنا فعلاً».

بن غفير خلال اقتحامه المسجد الأقصى (وكالة الأنباء الفلسطينية)

ويعتبر بن غفير أول وزير في حكومة إسرائيلية يؤدي طقوساً ذات طابع ديني في الأقصى، منذ اتفقت إسرائيل والأردن على إبقاء الوضع الراهن كما هو في المسجد بعد احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والذي كان يُسمح فيه لليهود وغيرهم من غير المسلمين بالتجول في الأقصى خلال ساعات معينة، شريطة أن يكون العدد محدداً ودون أي طقوس دينية أو صلوات.

وكان بن غفير قد تعهد منذ توليه منصبه في الحكومة عام 2022 بتغيير هذا الوضع وصولاً لـ«الصلاة في المكان»، واقتحم الأقصى 16 مرة منذ توليه منصبه.


مفاوضات لبنان وإسرائيل تعمّق أزمة «حزب الله» مع الدولة

مناصرون لـ «حزب الله» يتظاهرون في محيط السراي الحكومي رفضا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل (د ب أ)
مناصرون لـ «حزب الله» يتظاهرون في محيط السراي الحكومي رفضا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل (د ب أ)
TT

مفاوضات لبنان وإسرائيل تعمّق أزمة «حزب الله» مع الدولة

مناصرون لـ «حزب الله» يتظاهرون في محيط السراي الحكومي رفضا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل (د ب أ)
مناصرون لـ «حزب الله» يتظاهرون في محيط السراي الحكومي رفضا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل (د ب أ)

يترقب لبنان الرسمي والشعبي؛ بحذر، الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي ستنطلق في وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء، وسط تخوّف من فشلها بفعل تمسّك كل طرفٍ بشروطه، وانعكاس أي تسوية محتملة على الداخل اللبناني في حال نجاحها؛ بسبب رفض «حزب الله» المطلق أي اتفاق يقيّد حركته ويرمي إلى نزع سلاحه أو فرض معادلات جديدة على الأرض.

ويتمسّك كلّ من لبنان وإسرائيل بشروطهما التفاوضية، فبيروت تضع أولوية تتمثّل في وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني في مناطق الاشتباك، ثمّ الانتقال إلى المسار السياسي، فيما تشترط إسرائيل أن تجرى المفاوضات تحت النار وتبدأ بنزع سلاح «حزب الله». وهذا مما ينذر بإفشال المفاوضات قبل بدئها.

آليات عسكرية عند الحدود مع لبنان (أ ف ب)

تصعيد ميداني

صحيح أن لبنان وإسرائيل قبلا بمبدأ التفاوض المباشر لأول مرة منذ عام 1982، أي منذ «اتفاق 17 مايو (أيار)»، إلّا إن ذلك لا يعني الوصول إلى نتائج ملموسة، ما دام «حزب الله» قادراً على إفشالها فوراً. ورأى الوزير السابق رشيد درباس أن «(الحزب) قد يلجأ إلى تصعيد ميداني عبر إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما قد يستدرج ردوداً إسرائيلية أوسع على الأراضي اللبنانية».

وأوضح درباس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة اللبنانية «تمسك لأول مرة بزمام المبادرة وتحاول اتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ»، داعياً إلى «منح الحكومة الفرصة الكاملة للعمل، بدل عرقلتها داخلياً»، عادّاً أن «المفارقة تكمن في أن (الحزب) يربط تسليم سلاحه بقيام الدولة، لكنه في الوقت نفسه يعرقل بناءَ الدولة وأيَّ مسار فعلي يؤدي إلى ترسيخ مؤسساتها».

ودعا درباس مختلف القوى السياسية إلى «الالتفاف حول الحكومة، لتمكينها من إدارة المفاوضات مع إسرائيل والوصول إلى نتائج حاسمة».

موقف متقدّم

يتعامل «حزب الله» بحذرٍ شديد مع التفاوض، ويرفض أي صيغة تُفسَّر على أنها تنازل استراتيجي، خصوصاً بشأن وجوده العسكري ونزع سلاحه، خصوصاً أنه يربط مسار المواجهة مع إسرائيل بالحرب الأميركية ـ الإيرانية، لا سيما بعد فشل مفاوضات إسلام آباد. لكنّ موقف «الحزب» لا يلغي التفاؤل بالقرار الرسمي الذي اتخذته الدولة بالجنوح نحو العملية السياسية مع إسرائيل رغم تعقيداتها.

مبنى مدمر في بلدة البازورية في جنوب لبنان إثر تعرضه لقصف إسرائيلي (أ ف ب)

ويرى النائب السابق فارس سعيد أن مسار التفاوض مع إسرائيل «يرتبط بمبدأين أساسيين: الأول هو القبول بمبدأ التفاوض للوصول إلى حل سياسي. والثاني هو آلية هذا التفاوض». وأشار سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لبنان الرسمي «انتزع (لأول مرة منذ عام 1983)، موقفاً متقدماً، بحيث بات مبدأ التفاوض مع إسرائيل مقبولاً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب؛ مما يجعل هذا الخيار متاحاً من حيث المبدأ».

وقال سعيد: «الإشكالية تكمن في الآلية؛ إذ تسعى إسرائيل إلى فرض التفاوض تحت النار، فيما يتمسك لبنان الرسمي بإجرائه بعد انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة ووقف إطلاق النار بشكل كامل».

التباين الداخلي

لا تكمن المشكلة في التباعد بين المطالب اللبنانية والإسرائيلية، بل في التباين داخل البيت اللبناني نفسه، فالدولة، التي تفاوض رسمياً، لا تملك عملياً القرار الكامل في ملف الحرب والسلم، في ظل سطوة «حزب الله» بوصفه قوة عسكرية وسياسية فاعلة، وإصراره على إجراء مفاوضات غير مباشرة تتحقق عبرها شروط أساسية، هي: وقف النار نهائياً، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية التي تحتلها، وعودة النازحين إلى مناطقهم، وإطلاق سراح الأسرى، وترسيم الحدود، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، والانتقال بعدها إلى البحث في الاستراتيجية الدفاعية على قاعدة التمسّك بثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، أي بما يُبقي السلاح في يده.

عناصر الدفاع المدني ينقلون قتلى وجرحى سقطوا في قصف على بلدة قانا جنوب لبنان (أ ف ب)

وحذّر الوزير رشيد درباس بأن «شروط (حزب الله) يستحيل تحقيقها؛ لأن ميزان القوة يميل بشكل واضح لمصلحة إسرائيل، التي تستبيح الجو والبحر والبر في لبنان؛ مما يمنحها أوراق ضغط أكبر خلال أي عملية تفاوضية».

سيناريو الشارع

وعن إمكانية لجوء «الحزب» إلى تحركات في الشارع أو محاولة فرض وقائع سياسية بالقوة، استبعد درباس هذا السيناريو، عادّاً أن الشارع «لا يستطيع إسقاط اتفاق». وقال: «يستطيع (الحزب) أن يستعرض في الشارع ويلوّح باحتلال السراي الحكومي ومؤسسات الدولة، لكنّ تحقيق هذا الهدف دونه مخاطر داخلية وخارجية»، مذكراً بأن «إسرائيل التي ترفض وجود (الحزب) ومقاتليه في الكهوف والخنادق لن تقبل بوجودهم في السراي الحكومي».

ترتيبات مرحليّة

ويتهم «الحزب» رئيسَيْ؛ الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نوّاف سلام، بالخضوع للشروط الإسرائيلية، والرغبة في «إبرام معاهدة سلام مع الإسرائيلي الذي يمعن في قتل اللبنانيين».

ولفت النائب السابق فارس سعيد إلى أنه «ليس بالضروري أن تفضي المفاوضات سريعاً إلى اتفاق سلام، بل يمكن أن تبدأ بترتيبات مرحلية، مثل اتفاقية أمنية، أو العودة إلى اتفاقية الهدنة، أو أي صيغة تنظيمية للعلاقة مع إسرائيل».

وأكد أن الدولة «مطالبة برسم حدود المصلحة الوطنية، بما يوازن بين مصلحة غالبية الشعب اللبناني من جهة؛ ومصلحة (حزب الله) من جهة أخرى». وختم سعيد قائلاً إن «محاولات إقناع (الحزب) بالانخراط الكامل في مشروع الدولة اللبنانية لم تنجح حتى الآن»، عادّاً أن «(الحزب) يجد ضمانته في سلاحه وعلاقته مع إيران، فيما ترى غالبية اللبنانيين أن ضمانتهم الحقيقية تكمن في بناء الدولة».

Your Premium trial has ended


الجيش الإسرائيلي يضيّق الخناق على بنت جبيل

عناصر الدفاع المدني يبحثون عن القتلى والجرحى تحت أنقاض مبنى استهدف في بلدة قانا في جنوب لبنان ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى (أ.ف.ب)
عناصر الدفاع المدني يبحثون عن القتلى والجرحى تحت أنقاض مبنى استهدف في بلدة قانا في جنوب لبنان ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يضيّق الخناق على بنت جبيل

عناصر الدفاع المدني يبحثون عن القتلى والجرحى تحت أنقاض مبنى استهدف في بلدة قانا في جنوب لبنان ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى (أ.ف.ب)
عناصر الدفاع المدني يبحثون عن القتلى والجرحى تحت أنقاض مبنى استهدف في بلدة قانا في جنوب لبنان ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى (أ.ف.ب)

تسارعت التطورات الميدانية في الساعات الأخيرة مع اقتراب الجيش الإسرائيلي من محاصرة مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، حيث تتواصل الاشتباكات العنيفة داخلها وعلى محاورها تحت غطاء ناري كثيف. ويترافق ذلك مع تصعيد جوي ومدفعي واسع طال بلدات الجنوب، وأوقع قتلى وجرحى، بينما تواصل الضاحية الجنوبية لبيروت التعامل مع تداعيات الغارات السابقة، وسط هدوء حذر يخيّم على المنطقة.

حصار واشتباكات عنيفة

واقترب الجيش الإسرائيلي من فرض حصار كامل على مدينة بنت جبيل، بعد اشتباكات عنيفة دارت داخلها وعلى أطرافها، تركزت خصوصاً عند محور الطيري باتجاه دوار صفّ الهوا، وكذلك في مثلث عيناتا – بنت جبيل – عيترون، لا سيما في محيط المهنية ومجمع التحرير.

وقد أسفرت هذه المعارك عن إقفال معظم منافذ المدينة، بينما بقي منفذ وحيد غير محكم الطوق من جهة عيناتا – كونين، عند المحور الشمالي الغربي، وفق ما قالت مصادر محلية لـ «الشرق الأوسط».

وبينما أشارت وسائل إعلامية إلى أن الجيش الإسرائيلي تمكن من محاصرة المدينة، وأغلق منافذها، قال إعلام إسرائيلي بأن عشرات من مقاتلي «حزب الله» محاصرون داخل أحيائها. وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن «القوات الإسرائيلية تحاول التوغل والسيطرة على ما تبقى من أحياء في مدينة بنت جبيل، حيث تدور اشتباكات عنيفة يتكبد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر جسيمة».

كما شهدت المدينة قصفاً بالقذائف الفوسفورية، بالتزامن مع عمليات تمشيط كثيفة؛ ما يعكس شدة المعركة ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة.

مدخل بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها عقب انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

في المقابل، قالت قناة «المنار»، التابعة لـ«حزب الله»، إن الجيش الإسرائيلي يحاول استكمال تطويق بنت جبيل عبر قطع الطرق الرئيسية والفرعية المؤدية إليها، مع اعتماد انتشار محدود للقوات لتقليل الخسائر، مشيرة إلى «مواصلة عناصر (حزب الله) استهداف هذه التموضعات بصواريخ دقيقة ومسيّرات هجومية وقذائف مدفعية؛ ما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية».

معقل «حزب الله»

وتبرز أهمية بنت جبيل بوصفها هدفاً عسكرياً مركزياً لإسرائيل في أي عملية برية نظراً لقربها من الحدود وموقعها المشرف، كما أن السيطرة عليها تحمل بعداً رمزياً كبيراً بعد معارك حرب 2006، وقد تفتح المجال أمام توسيع العمليات داخل الجنوب، وتقليص قدرة الحزب على العمل قرب الحدود.

في المقابل، تمثل المدينة بالنسبة لـ«حزب الله» معقلاً أساسياً ونقطة دفاع متقدمة تُعرف بـ«عاصمة المقاومة»، وتستمد أهميتها من طبيعتها العمرانية التي تسهّل القتال داخل الأحياء، إضافة إلى رمزيتها الناتجة عن صمودها في مواجهات سابقة؛ ما يجعل المعركة فيها ذات أبعاد عسكرية ومعنوية في آن واحد.

القرى المحيطة

في موازاة ذلك، سجل عمليات عسكرية في القرى المحيطة ببنت جبيل التي تشكّل عمقاً ميدانياً وخطوط إمداد للمواجهة. وأفادت «الوطنية» بأن قوة إسرائيلية قامت بتفجير 7 منازل في بلدة دبل بعد تفخيخها؛ ما رفع عدد المنازل المدمرة إلى 18 منزلاً، في إطار الضغط على محيط المدينة، وعزلها عن امتدادها الجغرافي.

وبالتوازي، تعرضت أطراف الخيام لقصف مكثف من مروحيات «أباتشي»؛ ما أدى إلى سقوط ضحية، ما يعكس توسيع نطاق العمليات لتشمل محيط بنت جبيل وخطوط الدعم المرتبطة بها، في محاولة لتضييق الخناق على المدينة ومسرح الاشتباكات داخلها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» في بيانات متتالية استهداف تجمعات لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في عدة نقاط داخل بنت جبيل ومحيطها، بينها صف الهوا ومحيط مدرسة الإشراق وشرق المدينة، إضافة إلى مناطق في الخيام، عبر صليات صاروخية ومسيّرات انقضاضية؛ ما يؤكد استمرار المواجهة المفتوحة.

وأكد «حزب الله» بحسب بيان له، أن عملياته تأتي رداً على ما يعده خرقاً لوقف إطلاق النار، في إشارة إلى التفاهم الذي أُعلن بين إيران والولايات المتحدة، والذي كانت طهران قد قالت إنه يشمل لبنان، في حين نفت واشنطن ذلك، ما يعكس استمرار الخلاف حول سريان التهدئة على الساحة اللبنانية.

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

في موازاة ذلك، تواصل القصف الإسرائيلي على نطاق واسع في جنوب لبنان، حيث استهدفت الغارات بلدات القليلة، قبريخا، عيتيت، الشهابية، البازورية، الرمادية، صديقين، دير قانون رأس العين، الحنية، خربة سلم، كونين، تبنين، إضافة إلى مناطق في صور والنبطية والبقاع الغربي.

وفي قانا، أدت غارة على منازل وبنى تحتية إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة 25 آخرين، بينما سقط قتلى وجرحى في معروب من عائلة واحدة، كما استهدفت غارة مبنى في الزرارية، وأدت أخرى إلى اندلاع النيران في مولدات كهرباء في جويا.

بيروت... حذر وبحث

في بيروت، يسود هدوء حذر، خصوصاً في الضاحية الجنوبية، حيث تتواصل عمليات البحث عن مفقودين تحت أنقاض الغارات السابقة، لا سيما في منطقة حي السلم، وسط صعوبات لوجيستية ناجمة عن طبيعة المنطقة وكثافة الأبنية.

ويأتي هذا الهدوء في ظل معلومات عن اتفاق بتحييد العاصمة بانتظار انطلاق المفاوضات في واشنطن، يوم الثلاثاء، للبحث في وقف إطلاق النار لتبدأ بعدها المباحثات حول وقف الحرب، والتوصل إلى حل بين البلدين.