اللجنة الدولية للصليب الأحمر بسوريا: بعض المقابر الجماعية قد يبقى غير مكتشَف

رئيسها أكد لـ«الشرق الأوسط» أنها وثّقت 35 ألف حالة اختفاء

رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية ستيفان ساكاليان مع سوريَّين يبحثان عن مفقود (اللجنة الدولية)
رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية ستيفان ساكاليان مع سوريَّين يبحثان عن مفقود (اللجنة الدولية)
TT

اللجنة الدولية للصليب الأحمر بسوريا: بعض المقابر الجماعية قد يبقى غير مكتشَف

رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية ستيفان ساكاليان مع سوريَّين يبحثان عن مفقود (اللجنة الدولية)
رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية ستيفان ساكاليان مع سوريَّين يبحثان عن مفقود (اللجنة الدولية)

بينما يستمر آلاف السوريين في البحث عن أحباب فُقدوا خلال الحرب، التي امتدت طوال 14 عاماً، وصف ستيفان ساكاليان، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» من مكتبه في دمشق، قضية المفقودين والمغيبين السوريين بأنها «مأساة مروعة ستبقى مفتوحة» نظراً للصعوبة في تحديد العدد الإجمالي لمواقع المقابر الجماعية، كما أن اللجنة تخشى من أن كثيراً منها قد يظل غير مكتشف لفترة طويلة جداً.

كلام ساكاليان جاء بعدما كشف تقرير حقوقي صادر عن «المركز السوري للعدالة والمساءلة» أمس (الجمعة)، وجود أكثر من ألف معتقل سوري لاقوا حتفهم كانوا محتجزين في مطار المزة العسكري، على مشارف دمشق، يرجح أنه تم إعدامهم أو لقوا حتفهم جراء التعذيب وسوء المعاملة في هذا السجن الذي شكَّل على مدار سنوات مصدراً للخوف على نطاق واسع.

أحد عناصر الأمن السوري يمشي بين أطلال زنازين سجن صيدنايا العسكري على مشارف دمشق (أرشيفية - أ.ب)

وعلق ساكاليان على الأمر قائلاً: «اكتُشف بعض هذه المقابر بالقرب من أماكن الاحتجاز أو المؤسسات الأخرى، وعُثر على البعض الآخر في أماكن أقل وضوحاً، قد يستغرق الأمر شهوراً بل سنوات قبل الكشف عن الصورة الكاملة للمسألة».

حماية المقابر الجماعية

وأشار ساكاليان إلى أن الأولوية تتركز على تلبية احتياجات عشرات الآلاف من العائلات التي لا تزال تبحث عن أحبائها المفقودين، ومنذ اليوم التالي لسقوط النظام طلبت اللجنة الدولية تأمين المقابر المكتشَفة وحمايتها من العبث، وأجرت حوارات ثنائية مع الإدارة السورية «من أجل الوصول إلى عموم السكان بغية ثني الناس عن الاضطلاع بعمليات استخراج الجثث من تلقاء أنفسهم، كما تواصلنا مع كثير من أسر المفقودين ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية؛ لجمع معلومات مهمة تهدف إلى حصر جميع مواقع المقابر المعروفة».

رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية ستيفان ساكاليان يتفقد مشفى بمركز إيواء بريف دمشق (اللجنة الدولية)

ولا يخفي رئيس بعثة اللجنة الدولية أن عملية تحديد هويات الضحايا المفقودين قد تستغرق سنوات، ما يعني «أن الأسر ستضطر إلى الانتظار، فهدفنا هو مساعدة السلطات في محاولة تقديم إجابات لهذه الأسر مهما طال الوقت»، ويعزو السبب لوجود كثير من المقابر في مناطق مختلفة من البلاد، وأحياناً تكون في مناطق معزولة يصعب الوصول إليها، وأحياناً أخرى في مناطق حضرية.

وقال: «نحن باللجنة الدولية لن نستسلم أبداً في بحثنا عن الأشخاص المفقودين، قد تستغرق العملية وقتاً طويلاً في بعض الأحيان، ولكن لن يتم إغلاق أي حالة أبداً حتى نصل إلى إجابة نهائية قاطعة»، ولفت إلى أن كثيراً من العائلات قد لا تكتشف أبداً حقيقة ما حدث لأحبائها أو مكان دفن رفاتهم «لكننا سنواصل البحث بالتعاون مع السلطات والجهات الفاعلة الأخرى، ما دام هناك أشخاص نبحث عنهم، وعائلات نرافقها في هذا المسعى».

ومنذ بداية النزاع سَجَّلت اللجنة الدولية، بالتعاون مع جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، 35 ألف حالة لأشخاص فُقدوا في سوريا. وشدَّد ساكاليان على أن الأرقام «من المحتمل أن تكون أكبر بكثير، يعدّ حل حالات المفقودين أمراً معقداً وقد يستغرق سنوات في كثير من الأحيان، لكننا ملتزمون بدعم العائلات في بحثهم عن إجابات».

أشخاص يبحثون عن جثث في خندق يُعتقد أنه استُخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

آلاف المكالمات عن مفقودين

ولفت ساكاليان إلى أنه منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وردت آلاف المكالمات بشأن أشخاص مفقودين عبر الخطوط الساخنة التي أنشأتها اللجنة الدولية والهلال الأحمر السوري مضيفاً: «نعتقد أن كثيراً من الحالات لم تُسجَّل، ما يعني أن عدد المفقودين من المرجح أن يكون أعلى من ذلك بكثير».

ويتذكر ساكاليان مشاهده الأولى لدى زيارة سجن صيدنايا سيئ الصيت، قائلاً: «كانت لحظة صعبة للغاية ومشحونة بمشاعر جياشة بالنسبة لآلاف العائلات التي يُعتقد أن أحباءها المفقودين محتجزون هنا. رأينا مئات الأشخاص وهم ينتظرون في الخارج يصارعون القلق، يتوقون الحصول عن أي معلومات يمكن أن تساعدهم على تتبع أثر أحبائهم. لقد تحملت تلك العائلات معاناة لا تطاق لسنوات عدة، وشعورها بالغضب والإحباط مبرر؛ فلتلك العائلات الحق في معرفة مصائر ذويها».

كما لاحظ فريق اللجنة الدولية أن كثيراً من الوثائق المتعلقة بالمحتجزين في السجن قد تضررت وبعُثِرت في غرف مختلفة. وشدَّد ساكاليان على أن «المعلومات التي تحتويها يمكن أن تكون ذات أهمية بالغة لمعرفة مصائر المحتجزين في السجن، وهي معرضة لخطر الضياع، ومن المؤسف أن كثيراً من هذه الوثائق المهمة أخذها بالفعل أشخاص وعائلات يتوقون إلى العثور على أي أخبار عن مكان وجود أقاربهم».

ودعا السلطات الجديدة للعمل على كفالة حماية ومواقع القبور، وتأمين جميع السجلات ذات الصلة وصونها، وتدريب المتخصصين على مجموعة عريضة من المهارات و«وضع آليات التنسيق الشاملة بما يكفل قدرة جميع أصحاب المصلحة - في المجتمع المدني السوري والمنظمات الدولية مثل اللجنة الدولية أو المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين - على الإسهام في هذه المهمة الضخمة».

وناشد رئيس بعثة اللجنة الدولية كل شخص ومسؤول سابق يمكنه المساعدة على الكشف عن مواقع هذه القبور، أن يضع في اعتباره اليأس والألم اللذين تكتوي بهما عائلات المفقودين، لجهلها بمكان دفن أحبائها، وختم حديثه ليقول: «لهذه العائلات الحق في معرفة ما حدث لأحبائها، والذين دُفنوا بشكل غير رسمي يستحقون انتشال رفاتهم وصون كرامتهم بعد ما جرى لهم».


مقالات ذات صلة

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

المشرق العربي صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الأمن السياسي السابق في محافظة درعا جنوب سوريا عاطف نجيب يحضر الجلسة الأولى لمحاكمته في قصر العدل بدمشق 26 أبريل (أ.ف.ب)

نقيب المحامين في سوريا: قانون العدالة الانتقالية قريباً في مجلس الشعب

اعتبر نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل هذه المحاكمة «بداية الطريق للعدالة الانتقالية في سوريا»، حيث إن القانون ما زال يدرس وسوف يعرض قريباً على مجلس الشعب

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي ورود وأعلام سورية بعد الإعلان عن القبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في الحي جنوب دمشق الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

تشميع منزل المتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن»

أغلقت السلطات السورية منزل أمجد يوسف المتهم الرئيسي في «مجازر حي التضامن 2013» بالشمع الأحمر، فيما باشرت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عملها...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي قريبة أحد الموقوفين في إسرائيل ترفع لافتة تطالب فيه الحكومة السورية بإعادته (الإخبارية)

توغل إسرائيلي جديد في ريف درعا الغربي

انطلقت القوات الإسرائيلية من ثكنة عسكرية تعرف بـ«الجزيرة»، 800 م غرب بلدة «معرية» بريف درعا الغربي، وتتمركز هناك منذ أواخر عام 2024.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي شرطيان ألمانيان يفتشان سيارة خلال عملية دهم بغاربسن في نوفمبر 2023 (أ.ب)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

«الشرق الأوسط» ( برلين)

السفارة الأميركية لدى العراق تهنئ رئيس الوزراء المكلّف

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

السفارة الأميركية لدى العراق تهنئ رئيس الوزراء المكلّف

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

هنأت السفارة الأميركية لدى العراق رئيس الوزراء المكلَّف علي الزيدي على تسميته لتأليف الحكومة، بعدما أدت الضغوط الأميركية إلى استبعاد نوري المالكي الذي «تنازل» عن الترشُّح.

وجاء في منشور للسفارة على منصة «إكس»: «تُعرب بعثة الولايات المتحدة في العراق عن أطيب تمنياتها إلى رئيس الوزراء المكلَّف علي الزيدي، في مساعيه لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين، لدعم مستقبل أكثر إشراقاً وسلاماً».

وكلَّف الرئيس العراقي نزار آميدي، الاثنين، علي الزيدي، تأليف الحكومة الجديدة. وأتت الخطوة بُعيد إعلان «الإطار التنسيقي»، وهو الكتلة الأكبر في البرلمان: «تنازل» نوري المالكي عن السعي للعودة إلى رئاسة الوزراء، بعدما قوبل ترشيحه في وقت سابق من هذا العام، بمعارضة أميركية حازمة.


لبنان: دعم واسع لمواقف عون التفاوضية


عون مستقبلاً رياشي موفداً من جعجع (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً رياشي موفداً من جعجع (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان: دعم واسع لمواقف عون التفاوضية


عون مستقبلاً رياشي موفداً من جعجع (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً رياشي موفداً من جعجع (الرئاسة اللبنانية)

حظي الرئيس اللبناني جوزيف عون بدعم داخلي واسع لمواقفه حول التفاوض مع إسرائيل وعقب موقفه الذي اتهم فيه «حزب الله» بأخذ لبنان إلى الحرب خدمةً لمصالح خارجية.

ونقل النائب ملحم رياشي دعم رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، مؤكداً التوافق الكامل مع توجهات الرئاسة، قائلاً: «أبدينا تأييداً كاملاً لخطوات فخامته، ودعماً كاملاً لأدائه، وللعمل الذي يقوم به».

ورأى حزب «الكتائب» أن موقف عون يعكس رفض اللبنانيين لهيمنة «حزب الله»، مؤكداً أهمية المسار التفاوضي المدعوم عربياً ودولياً لوقف النار، وانسحاب إسرائيل، واستعادة الاستقرار.

جاء ذلك في وقت تبدو فيه إسرائيل قلقة من مسيّرات «حزب الله» الجديدة، وهو ما عبّر عنه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو محذراً من تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وداعياً إلى مواجهتهما عبر الدمج بين العمل العسكري والتكنولوجي.

وفيما استمر التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، نفّذ الجيش الإسرائيلي مساء أمس تفجيراً ضخماً في القنطرة، مستهدفاً نفقاً قال إنه لـ«حزب الله»، ما أحدث اهتزازات قوية في الجنوب.


العراق: انطلاق ماراثون الحقائب الحكومية

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
TT

العراق: انطلاق ماراثون الحقائب الحكومية

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

بدأ المكلف تشكيل الحكومة الجديدة في العراق، علي الزيدي، ماراثون توزيع الحقائب الوزارية بين قوى تتنافس بشدة على النفوذ.

وقالت مصادر عراقية، إن الزيدي الذي اختاره تحالف «الإطار التنسيقي»، ولا يملك ملامح سياسية واضحة، بدأ مشاورات أولية لتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً، مشيرة إلى أن «الوقت مبكر للتأكد من نجاحه في هذه المهمة، رغم الدعم الذي حصل عليه منذ لحظة تسلمه كتاب التكليف الرسمي».

وأوضحت المصادر، أن «ترشيح الزيدي جاء بعد تسوية بين رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني».

ورحبت لندن وباريس بتكليف الزيدي، أمس (الثلاثاء)، إلا أن واشنطن «ترهن موقفها من بغداد بحسم ملفات أساسية على رأسها سلاح الفصائل من دون النظر إلى خلفية الأشخاص»، وفق مصادر أميركية.