«الشرق الأوسط» ترصد عودة الحياة إلى حمص عاصمة الثورة السورية

أسواق مزدهرة وسط أحياء مدمرة وحملات مدنية لتأهيل الشوارع ورفع الأنقاض

عودة حركة البيع والشراء إلى السوق التاريخي القديم في حمص (الشرق الأوسط)
عودة حركة البيع والشراء إلى السوق التاريخي القديم في حمص (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد عودة الحياة إلى حمص عاصمة الثورة السورية

عودة حركة البيع والشراء إلى السوق التاريخي القديم في حمص (الشرق الأوسط)
عودة حركة البيع والشراء إلى السوق التاريخي القديم في حمص (الشرق الأوسط)

في ساحة الساعة الجديدة وسط مدينة حمص ثالث كبرى مدن سوريا، التي تتوسط مبنى محافظة حمص ونقابة المعلمين وبرج الأتاسي، عكس صخب الأسواق المزدهرة وحركة المارة والسيارات الحديثة بمجملها، عودة الحياة ولو بشكل تدريجي نسبي لهذه المحافظة، وعلى بُعد أمتار كانت التناقضات الصارخة وآثار الحرب شاهدين في أحياء الخالدية وجورة الشياح وبابا عمرو ودير بعلبة والبياضة، حيث شهد بعضها المظاهرات السلمية التي عجت بالغناء والرقص، ثم لاحقاً مع رفع حدة الملاحقة الأمنية، شهدت ضراوة المعارك التي دارت في الأحياء القديمة، مثل حي الوعر الذي خرجت منه آخر دفعة من المقاتلين، والثمن الذي دفعته المعارضة في سبيل إسقاط الرئيس المخلوع بشار الأسد.

دوار الساعة القديمة ومدخل سوق الحميدية الشهير في حمص (الشرق الأوسط)

عند تقاطع الحميدية وأسواق حمص التاريخية والساعة القديمة والخالدية، علت أصوات الباعة وكثافة المارة إياباً وذهاباً، وأبواق السيارات وأجراس الدراجات النارية مع ازدحام مروري خانق، وشاحنات وسيارات تدخل وتخرج من بوابات حمص القديمة لتعيدها إلى محط الأنظار وتكون إشارة على تعافي هذه المدينة من سنوات الحرب.

عودة من المخيمات

إياد عبد الله، المنحدر من حي بابا عمرو، وعائد للتو من لجوئه في تركيا بعد 13 عاماً. كان يتجول برفقة زوجته وأبنائه بالقرب من ساحة الساعة، فقال لـ«الشرق الأوسط» ومشاعر الفرحة على وجهه: «عندي ثلاثة أولاد صبيان وبنت هي البكر بعمر 12 سنة، جميعهم ولدوا خارج سوريا في المخيمات، أما اليوم، فنحن نتجول قرب ساحة الساعة وسنذهب للسوق القديمة، كل ذلك كان حلماً وقد تحقق».

أبنية مدمرة في حي الخالدية بحمص كما بدت الآن (الشرق الأوسط)

مخاوف من الشحن الطائفي

المهندس مهيار خضور، عابر آخر استوقفناه، فعبَّر لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفه من الشحن الطائفي الذي خلفه نظام البعث، حيث كانت حمص أحد مراكز الثورة ضد الأسد، وأكثر المدن التي استخدم النظام فيها القوة الساحقة لإخماد صوت المعارضة. ولفت المهندس خضور إلى «إنْ بقيت حمص أسيرة الشرخ الطائفي، فلن ننعم بالسلام. وإنْ تمكن أهلها من إعادتها كما كانت لتكون رمزاً للتعايش والتنوع، فهذا سيكون أكبر انتصار يحققه الشعب».

دمار بنسبة 60 في المائة

وتعد مدينة حمص من بين أكثر المحافظات التي دمرت جراء قصف قوات الرئيس المخلوع بشار الأسد، إذ تجاوزت نسبة الدمار في أحياء الخالدية ودير بعلبة والبياضة وجورة الشياح 60 في المائة، وصنفت ثالثة في نسبة الدمار نتيجة العمليات العسكرية، بعد تصنيف محافظة حلب الأولى، وغوطة دمشق بريفها الشرقي في المرتبة الثانية. دمار أحياء حمص يتجسد في ركام مبانيها التي لم يعد إليها ساكنوها إلا قلة منهم رغم مرور أكثر من شهرين على طرد النظام السابق منها.

عبد الباسط الفرواتي يقع محله في السوق التاريخية بحمص (الشرق الأوسط)

لكن عودة الاستقرار لهذه المدينة فتحت باباً جديداً أمام أصحاب المحال التجارية والحرف الصناعية، للعودة إلى أعمالهم التي توارثوها عبر الأجيال. ونقل عبد الباسط الفرواتي الذي يمتلك محلاً في سوق الفرو العربي التراثي، أن الكثير من أصحاب المحال والمهن عادوا بعد سقوط النظام. وأضاف: «مررنا بأيام وشهور صعبة، قلة شغل وصعوبة شراء الجلود من الخارج أو شحنه من دمشق. أما اليوم، فالأسواق مفتوحة على بعضها والتاجر يقدر يبيع ويشتري في كل سوريا وفي الجوار».

حملة «حمص بلدنا»

بلغ عدد سكان حمص قبل الحرب نحو 800 ألف شخص لكن نصفهم نزح أو هاجر خلال 14 عاماً، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، وبقيت آثار الدمار مسيطرة على معظم الأحياء التي شهدت القصف العنيف. وكانت أبرز سمة مشتركة بينها انهيار أسقف كثير من مبانيها وتهاوت على بعضها، المحال التجارية سُوّي بعضها بالأرض، شبكات أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء لم تعد صالحة للتشغيل. لذا فإن كبرى أمنيات سكانها التخلص من الأنقاض وفتح الطرقات.

حي الخالدية خلال حملة «حمص بلدنا» (الشرق الأوسط)

وبهدف ‏إعادة إحياء المدينة وتخديمها من مختلف القطاعات وعبر مجموعة تطوعية ومبادرات محلية؛ أطلقت محافظة حمص بالتعاون مع الدفاع المدني السوري ومشاركة منظمات أهلية والفرق التطوعية ورجال الأعمال حملة «حمص بلدنا»، بداية الشهر الحالي.

وقال منسق الحملة، إسماعيل ألفين، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة تضمنت ثلاث ‏مراحل، «مرحلة إعادة التأهيل التي جرى العمل فيها على فتح الطرقات المغلقة وإنارتها، وإزالة السواتر ‏والكتل الأسمنتية، وتركزت الثانية على تشكيل لجان ‏الأحياء، والتنسيق لمتابعة وإدارة المرافق التي جرى تأهيلها، والثالثة ستتابع الأعمال وتطويرها».

حي الخالدية خلال حملة «حمص بلدنا» (الشرق الأوسط)

وبحسب هذا المسؤول الإداري، شملت الحملة كل أحياء المدينة، ولفت ألفين إلى إنها «انطلقت من حي ‏الخالدية الأكثر تضرراً، وحي الغوطة لاكتظاظه بالسكان وحاجته إلى الخدمات، وشملت حي الوعر وباقي الأحياء التي تعرضت للدمار».

وحرص المدنيون من سكان الأحياء المدمرة على تفقد منازلهم وإزالة قسم من الركام بجهود ذاتية. بعضهم عاد على متن سيارات وآخرون على آليات محمّلة ببعض من حاجاتهم، في حين يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم أو انهيار جدار، أما أصحاب المحال التجارية فسارعوا إلى فتحها مع انتعاش حركة الأسواق واستقرار الليرة السورية.

ياسر الطيباني صاحب محل لبيع الأحذية في السوق التاريخية بحمص (الشرق الأوسط)

وفي السوق، يقول ياسر الطيباني، تاجر للأحذية يقع محله في السوق التاريخية بحمص، إن «الوضع تحسن عما كان عليه سابقاً، فقد نزلت الأسعار، مثلاً (البوط) كنا نبيعه بـ150 ألف ليرة أو أكثر، لكن اليوم 70 في المائة من السلع سعرها أقل من 100 ألف ليرة». ولفت إلى أن استقرار الليرة أمام الدولار والعملات الأجنبية أسهم في تحسن حركة البيع والشراء كثير‏اً، مضيفاً: «قبل سقوط النظام كان يعاملنا تجار الجملة بالدولار بالمخفي، أما اليوم صار علناً ونأخذ بسعر أفضل».

وشاهدت «الشرق الأوسط» كيف وضعت «إدارة العمليات العسكرية» وقوى الأمن الداخلي كتل أسمنتية ومتاريس من الباطون المسلح عند مداخل الأحياء ذات الغالبية العلوية، ونصبت عشرات الحواجز ونقاط التفتيش، ومسلحين مدججين بلباسهم العسكري، بحجة حمايتها من التجاوزات والانتهاكات التي سجلت مؤخراً.

عنصران من قيادة العمليات العسكرية بجانب ساعة حمص (الشرق الأوسط)

وفي هذه الأحياء تواصل إدارة العمليات العسكرية الحملات الأمنية فيها، ويطلب من عناصر النظام السابق والمسلحين وكل من عمل في أجهزة الأمن، تسليم السلاح وإجراء التسوية والإدلاء بكل المعلومات والوثائق الخاصة بعمله السابق.

وانتشرت عناصر «إدارة العمليات العسكرية» عند الساحات العامة ومفارق الطرق الرئيسة لتنظيم حركة المرور، وسير العمل حتى عودة عناصر شرطة المرور التي بدأت العمل منذ أيام.

ويقول براء مأمون، الذي كان يقف بجانب عناصر يرتدون بذات عسكرية حاملين أسلحة رشاشة، وكانوا مقنعين: «نحن لدينا محبة لبلدنا، ونقوم بتنظيم السير حتى عودة شرطة المرور التي عادت بشكل قليل، أصبحت حمص وكل سوريا لنا جميعاً بعد أن كانت لشخص الأسد المخلوع».


مقالات ذات صلة

تركيا تنفي أي وجود عسكري لها بمطار أبو الظهور قبل أو في أثناء هجوم إسرائيل

شؤون إقليمية شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة على القاعدة الجوية في «مطار أبو الظهور العسكري» شمال غربي سوريا بزعم استخدامه قاعدةً تركية (رويترز)

تركيا تنفي أي وجود عسكري لها بمطار أبو الظهور قبل أو في أثناء هجوم إسرائيل

أكدت تركيا أنها ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها العسكرية، نافية وجود أي وفد لها بالقاعدة الجوية بمطار أبو الظهور العسكري قبل أو في أثناء الهجوم الإسرائيلي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

المعطيات المتاحة تشير إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنة لمنظمة الحظر من النظام، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي مدارج قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب السورية تظهر بعد هجوم إسرائيلي (رويترز)

الرئاسة التركية: أنقرة «لن تقع بالفخ» الذي نصبه نتنياهو في سوريا

كشفت الرئاسة التركية، الخميس، عن أن أنقرة «لن تقع في الفخ» الذي نصبه لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي غلاف الكتاب

مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

كيف انتقل «ملف لبنان» من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام إلى بشار الأسد، نجل الرئيس السابق حافظ الأسد؟ وما قصة اللقاء الشهير بين بشار الأسد ورئيس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي اللواء السوري السابق عادل عيسى (وزارة الداخلية السورية)

لبنان يسلم سوريا لواء من عهد الأسد في أول عملية من نوعها منذ سقوطه

قالت وزارة الداخلية السورية إن السلطات اللبنانية سلمت دمشق، الأربعاء، ضابطاً كبيراً سابقاً في الجيش السوري لمواجهة تهم تشمل القتل والتعذيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الفاتيكان يعرب عن قلقه حيال «صعوبات» تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية)
البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية)
TT

الفاتيكان يعرب عن قلقه حيال «صعوبات» تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية)
البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية)

أعرب الفاتيكان، الخميس، عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان والذي تمّ التوصل إليه في يونيو (حزيران) بوساطة الولايات المتحدة، وذلك خلال استقبال البابا ليو الرابع عشر الرئيس اللبناني جوزيف عون.

وقال الفاتيكان، في بيان: «أعرب الكرسي الرسولي، الذي رحّب بتوقيع هذه الوثيقة، عن قلقه العميق إزاء الصعوبات التي تواجه تطبيقها، وأكد دعمه الجهود المبذولة في هذا الاتجاه».

وأعلنت الرئاسة اللبنانية أنه في اليوم الأول من زيارته لإيطاليا، عقد عون مع البابا «خلوة لمدة نصف ساعة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأضافت أنه دعا البابا والمسؤولين في الفاتيكان إلى «إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود صيغة الإطار... ووقف اعتداءاتها اليومية... ودعم لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة».

وينص اتفاق الإطار الذي أُبرم بين لبنان وإسرائيل بعد خمس جولات تفاوض برعاية أميركية، على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».

ورغم إعلان وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل شنّ غارات دامية في جنوب لبنان، حيث أنشأت ما تسمّيها «منطقة أمنية»، وهي شريط بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود حيث تعمل القوات الإسرائيلية.

ومن المقرر أن يلتقي عون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الجمعة، لمناقشة مستقبل قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، والتي تنتهي ولايتها في نهاية عام 2026.


نتنياهو ينفي السماح بدخول قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو ينفي السماح بدخول قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الخميس)، أن تل أبيب لم توافق على دخول قوة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة.

ونفى مكتب نتنياهو صحة تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت بأن المجلس الوزاري الأمني قرر السماح لجزء من القوة ببدء العمل في منطقة محدودة من القطاع الساحلي.

ونُشرت تقارير بشأن هذا القرار قبل وقت قصير من زيارة نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترمب أواخر يوليو (تموز) الماضي، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

كان ترمب قد اقترح العام الماضي تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحفظ السلام في إطار خطة للسلام في قطاع غزة.

وقال مكتب نتنياهو، اليوم (الخميس): «أوضحت إسرائيل أنه لن تكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح (حماس) بالكامل».

ودخل وقف لإطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، رسمياً، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ولكن الهجمات الدامية لا تزال مستمرة. وقد صعَّدت إسرائيل غاراتها الجوية من جديد في الآونة الأخيرة، فيما قال الجيش إنه استهدف قادة بارزين من حركة «حماس»، على وجه التحديد.

وعلى النقيض من «حماس»، رفض نتنياهو حتى الآن خريطة طريق أعدّها «مجلس السلام» الذي شكَّله ترمب بشأن ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة المدمر، ونزع سلاح الحركة.

وتتمثل إحدى نقاط الخلاف في بند ينص على وضع الأسلحة التي تسلمها «حماس» في مستودعات، مع بقائها تحت السيطرة الفلسطينية. وفي المقابل، تطالب إسرائيل بإخراج الأسلحة كاملة من قطاع غزة، خشية أن تقع في يد «حماس» من جديد.


عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
TT

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

مع انهيار نظام الأسد ليلة الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، نفَّذ عشرات من كبار القادة الأمنيِّين والعسكريِّين عملية فرار جماعية وسريعة من سوريا إلى دول مجاورة وأجنبية، ومَن لم يتمكَّن من الهروب بقي في البلاد متوارياً عن الأنظار.

وفي 15 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية، القبض على العقيد أحمد حبيب علي، وهو ثالث ضابط بارز مرتبط بملف الأسلحة الكيميائية يقع في قبضة الدولة، بعد اعتقال اللواء عدنان عبود حلوة، والعميد الركن خردل أحمد ديوب، في إطار حملة تستهدف المسؤولين عن البرنامج الكيميائي للنظام البائد.

وقال مصدر رسمي في وزارة العدل السورية لـ«الشرق الأوسط»، إن الضباط المتورطين أو المرتبطين بملف السلاح الكيميائي الذي استخدمه نظام بشار الأسد السابق خلال سنوات الحرب التي شنَّها على السوريِّين وألقي القبض عليهم، ستتم محاكمتهم حين الانتهاء من المرحلة الأولية المتمثلة بالتحقيق والاحالة.

العقيد أحمد حبيب علي ألقت السلطات السورية القبض عليه منتصف يوليو الماضي وقد شغل منصب رئيس مركز الدراسات والبحوث العلمية وكان مسؤولاً عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي (وزارة الداخلية)

وبينما لم ترد وزارة الداخلية على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» إن كان هناك آخرون مرتبطون ببرنامج الأسلحة الكيميائية قد أوقفوا، يشدِّد مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فضل عبد الغني، على أنَّ القضية لا تتوقف عند عدد الموقوفين، بل في الوصول إلى سلسلة المسؤولية كاملة، مَن خطَّط وأصدر الأوامر، ومَن أشرف على التصنيع أو التخزين أو التجهيز أو النقل، ومَن نفَّذ أو سهَّل التنفيذ، ومَن حاول إخفاء الأدلة أو طمسها.

الإفلات من العقاب

يشدِّد عبد الغني على أهمية أن تتم التحقيقات وفق معايير الاستقلال والحياد والمحاكمة العادلة، مع حفظ الأدلة، وضمان حقِّ الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف، وبالتعاون الفني مع منظمة الحظر. ويؤكد أن «الأولوية يجب أن تبقى لمنع الإفلات من العقاب»، بتحديد المشتبه بهم على أساس الأدلة وحفظ المواقع والوثائق، واستكمال التعاون مع منظمة الحظر، ثم إحالة مَن تثبت الأدلة مسؤوليته إلى إجراءات قضائية عادلة وشفافة.

مع انطلاق الحراك السوري في عام 2011 كان نظام الأسد قد شكَّل «خلية مركزية لإدارة الأزمة»، عدّت الموجه والصانع الرئيسي لكل سلوكياته العسكرية والأمنية.

إحياء الذكرى الـ12 للهجوم الكيميائي في بلدة زملكا 2025 عندما أمر الأسد في أغسطس 2013 بشنِّ هجمات على منطقتين في ضواحي دمشق احتوت على غاز السارين وعُدَّ الهجوم أكثر حوادث استخدام الأسلحة الكيميائية فتكاً منذ الحرب الإيرانية - العراقية (غيتي)

مدير مكتب المعلومات والبيانات السابق في «خلية الأزمة»، عبد المجيد بركات، الذي انشق عن النظام مبكراً، يبيِّن لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ برنامج الأسلحة الكيميائية عدّه رأس النظام سلاح ردع طوَّره مع بداية حكمه، وعمل على إبقائه خارج نطاق المؤسسات العسكرية الرسمية، وربطه مباشرة بنفسه وأخيه ماهر، والعميد محمد كامل سليمان الذي قُتل في ظروف غامضة في طرطوس عام 2008، واستمرَّ البرنامج بعد مقتله.

لذلك، لا يمكن حسب بركات، «حصر ذلك البرنامج بعدد من الضباط أُلقي القبض عليهم، إنما يمكننا القول إن منظومة متكاملة مرتبطة برأس النظام حتى أصغر مسؤول في هذا البرنامج تتحمَّل المسؤولية الكاملة القانونية والأخلاقية عن استخدام هذا السلاح ضد المدنيِّين».

بركات أوضح، أنَّه لم يستطع خلاله عمله الذي استمرَّ حتى بداية 2012 الحصول على وثائق أو أوامر رسمية ورقية لاستخدام السلاح الكيميائي، مما يؤكد ارتباط هذا الملف برأس النظام بشكل مباشر، ويؤكد أهمية الأوامر الشفهية بين قيادات معينة خارج السياقات الرسمية.

زيارة 25 موقعاً مشتبهاً

لا يمكن الجزم، في هذه المرحلة، بأنَّ الحكومة السورية وضعت يدها على جميع المواقع أو المواد المرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام السابق بحسب الحقوقي فضل عبد الغني، الذي لفت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّه جرى تسهيل زيارات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً، لكن عمليات التفتيش والتقييم لم تُستكمَل بعد، ولا يجوز اعتبار أن ملف المواقع قد أُغلق.

وتشير المعطيات الرسمية المتاحة إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنةً لمنظمة الحظر، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة، وهذا يؤكد أنَّ الإفصاح الذي قدَّمه النظام السابق عن برنامجه الكيميائي لم يكن كاملاً. لكن ذلك، وفق عبد الغني، «لا يبرِّر الجزم بوجود مخازن أو مواد محددة في مواقع بعينها قبل أن تتحقَّق منها الجهات الفنية المختصة، والمطلوب اليوم هو استكمال الحصر، وتأمين المواقع، والحفاظ على الوثائق والأدلة، ثم الإعلان بشفافية عن أي مواد أو ذخائر يُعثَر عليها».

وفد وزارة الداخلية السورية شارك في دورة تدريبية تخصصية استضافتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمدينة لاهاي الهولندية... 4 يوليو الماضي (وزارة الداخلية)

وكانت منظمة الحظر قد أعلنت في التاسع من يوليو الماضي، منح سوريا مجدداً كامل حقوق عضويتها، مشيرة إلى «تغير جوهري في الظروف» منذ إطاحة الأسد أواخر 2024، و«تدابير ملموسة» اتُّخذت لتفكيك ترسانة المواد المحظورة، في قرار رحَّبت به دمشق. جاء ذلك بعد تجريد المنظمة عام 2021، سوريا من حقها في التصويت، بعدما خلصت إلى أنَّ سلاح الجو السوري استخدم غاز السارين، وغاز الكلور ضد السكان المدنيِّين.

وكانت سوريا قد انضمَّت إلى المنظمة عام 2013، ووافقت على الكشف عن مخزوناتها من المواد السامة وتسليمها تمهيداً لتدميرها، وذلك تحت ضغط من روسيا وأميركا، وبهدف درء تهديد واشنطن وحلفائها بتوجيه ضربات جوية، عقب هجوم كيميائي في الغوطة الشرقية لدمشق، أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص وفقاً للاستخبارات الأميركية، ونُسب الهجوم إلى النظام السابق.

وبعد الإطاحة به، تعهَّدت السلطات الجديدة التعاون مع المنظمة لتدمير الأسلحة الكيميائية. وأعلن خبراء من ‌المنظمة، أنَّ هناك حاجة إلى تفتيش 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

الحقوقي عبد الغني ذكر أنَّ المنظمة بدأت بالفعل عملها الميداني، لكن لا يمكن القول إنَّ عملية التفتيش شملت جميع المواقع المحتملة، فالحديث يدور عن أكثر من 100 موقع قد تكون مرتبطةً بأنشطة البرنامج الكيميائي السابق. وأضاف: «لقد سُهّلت زيارات للمنظمة إلى أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً، إلى جانب فحص آلاف الوثائق وإجراء مقابلات مع أشخاص ذوي صلة بالبرنامج. وعليه، فالجواب الدقيق هو أنَّ عمليات التفتيش والتقييم بدأت وتتقدَّم، لكنها لم تُستكمَل بعد».

مركز البحوث ومستودعات السارين

كان «مركز الدراسات والبحوث العلمية» مؤسسةً محوريةً في البرنامج الكيماوي، وارتبط اسم «الوحدة 417»، وفق المعلومات المعلنة، بالتصنيع الكيميائي ومستودعات السارين.

يوضِّح مدير الشبكة السورية، أن هذا البرنامج كان منظومة متعددة الحلقات تشمل الإدارة العلمية والفنية، والتصنيع أو التجهيز، والحماية والتخزين والنقل، والوحدات العسكرية ذات الصلة بوسائط الإيصال، فضلاً عن حلقات القيادة التي تملك سلطة القرار والإشراف.

ووثَّقت «الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان» 217 هجوماً كيميائياً نفَّذه النظام السابق منذ أول استخدام للأسلحة الكيميائية في 23 ديسمبر 2012 وحتى 8 ديسمبر 2024. وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل 1514 شخصاً، وإصابة 11080 شخصاً. وحسب الشبكة، فإنَّ قرابة 80 في المائة من ضحايا الكيمياوي سقطوا في هجوم غوطتي دمشق الشرقية والغربية.