مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

«الشرق الأوسط» سألت عن تجارب لبنانية شائكة مع نظام الأسدين (1)

TT

مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)
مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)

على مدى نصف قرن، عاش لبنان في ظل حكم الأسدين الطويل في سوريا. أمسكت دمشق بالمصير اللبناني وساهم عهدها الطويل بلبنان في إنتاج رؤساء وزعماء كما ساهم في شطب رؤساء وزعماء. النائب والوزير السابق مروان حمادة يروي هنا تجربته مع العهدين.

في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، زار وفد درزي لبناني برئاسة وليد جنبلاط «سوريا الجديدة». كان مروان حمادة في عداد الوفد. استوقفه المشهد. يجلس الرئيس أحمد الشرع على الكرسي الذي كان يجلس عليه حافظ الأسد وابنه بشار من بعده في «قصر الشعب» الذي ساهمت شركة رفيق الحريري في بنائه.

مروان حمادة مرافقاً وليد جنبلاط خلال اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في ديسمبر الماضي

إبان الرحلة تذكر حمادة مصير رجال عاندوا أسداً أو اثنين وبينهم كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض ورفيق الحريري وسائر أعضاء القافلة. ضاعف من الذكريات أن حمادة نفسه نجا بأعجوبة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 من محاولة اغتيال أدمته وقتلت حارسه وجرحت سائقه. وساد يومها انطباع أن المحاولة كانت رسالة موجهة في الوقت نفسه إلى وليد جنبلاط ورفيق الحريري الذي يحيي أنصاره ذكرى اغتياله في 14 فبراير (شباط) 2005.

زارت «الشرق الأوسط» مروان حمادة المقيم منذ منتصف الثمانينات في مكتبه بصحيفة «النهار»، وسألته عن محطات لبنانية شائكة مع الأسدين. تذكر حمادة قول حافظ الأسد أمامه: «انسوا بشير» الجميل، واغتيال الرئيس المنتخب بعد 4 أيام من هذا الموقف، علماً أن منفذ الاغتيال يدعى حبيب الشرتوني الذي ينتمي إلى الحزب القومي السوري القريب من نظام الحكم في دمشق. لم يبرئ حمادة النظام السوري من اغتيال الرئيس رينيه معوض وقبله إخفاء الإمام موسى الصدر وصولاً إلى اغتيال الحريري.

سألته إن كان توقع فرار بشار الأسد وسقوط نظامه، فأجاب: «كنت ربما أتوقع أن يجري انقلاب معين. أي أن تتمرد وحدة من وحدات الجيش السوري كالفرقة الرابعة وتخرج على سلطة قائدها شقيقه ماهر الأسد. وقلت ربما يحركها الحرص على الدولة السورية الخاضعة للنفوذ الإيراني. لم أكن أتوقع هذا الانهيار الكامل الذي بدت بوادره في عدم الرد على إسرائيل على مدى أكثر من سنة. لم يصدر بيان عن غزة ولا قبل ذلك. غارات يومية على سوريا ولا رد».

تشعر أن هناك شيئاً أفرغ من الداخل. ما هو؟ لا أعرف. كنت أعرف بشار الأسد. آخر مرة رأيته كانت قبل محاولته هو وغيره اغتيالي بشهر. كنت وزير اقتصاد وحضرت افتتاح معرض دمشق الدولي. كنت على يمينه والعلاقات طبيعية بين لبنان وسوريا. إلا أن الصراع على التمديد لإميل لحود كان قد بدأ، وهو أصر على فرض هذا التمديد على رفيق الحريري ووليد جنبلاط، وحتى - استطراداً في مكان ما - على نبيه بري.

والحقيقة أن المشكلة لم تبدأ مع الأسد الابن. كان النظام السوري مهتماً دائماً بالسيطرة على قرارين حتى لا نقول جغرافيتين: القرار اللبناني المستقل والقرار الفلسطيني المستقل، وهذا هو سر العداء المستمر لقيام دولة متماسكة في لبنان. طبعاً أن يكون لبنان مقاطعة أو محافظة غربية لسوريا، هو حلم سبق الأسدين، ولم يكن هذا في ذهن حزب «البعث» فقط.

كنا نشعر من الأنظمة السورية بأن شيئاً ما لم يتم هضمه في سوريا هو اقتطاع هذه الأقضية سنة 1920 من قبل فرنسا لإعلان جمهورية لبنان الكبير. وهذا الأمر كنا نشعر به ليس فقط عند العلوي. وربما العلوي، على العكس، كان يمكن أن يكون جزءاً من عملية التقسيم، أي أعطوا هذا القسم للدروز، وهذا القسم لغيرهم. ولكن في العمق السوري هناك شيء. حتى لدى الذين يعتبرون دائماً أن دمشق هي قلب العروبة النابض وأن سوريا هي العروبة المتجسدة على تخوم الإمبراطورية العربية و(يصفون أنفسهم بأنهم) حماة الثغور، كنت تشعر أيضاً بهذا الشيء. وكنت أشعر بهذا الشيء بالتفصيل. مثلاً، عندما نفتح موضوع اتفاق الطائف. وقبل هذا الاتفاق، «الاتفاق الثلاثي» الذي كنت أحد الذين اشتغلوا عليه.

طبخت هذا الاتفاق مع ألد أعدائي آنذاك: إيلي حبيقة الذي كان يمثّل «القوات اللبنانية»، مع ميشال سماحة الذي اشتهر لاحقاً بقصة القنابل الآتية من عند المسؤول الأمني السوري علي مملوك، وأسعد شفتري رئيس المخابرات في «القوات اللبنانية» مع حبيقة، ومحمد عبد الحميد بيضون الذي كان ممثلاً للرئيس نبيه بري وحركة «أمل» وكان نافذاً آنذاك، علماً بأنه يساري قديم والتحق بالحركة. ما حصل معه أتى في إطار النزوح التدريجي الذي شهدناه من اليسار ومن القوى التي كانت دائماً مع «فتح» والفلسطينيين نحو «أمل»، ثم «حزب الله».

جاء «الاتفاق الثلاثي» نتيجة فشل مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني وقد نجحا فقط في إسقاط اتفاق 17 مايو (أيار) اللبناني - الإسرائيلي الذي كان حافظ الأسد يسميه «اتفاق الإذعان». وقد أدى الاتفاق إلى الهجوم المضاد على النظام اللبناني وعلى (الرئيس) أمين الجميل وعلى القوة المتعددة الجنسيات، بدعم من الاتحاد السوفياتي بقيادة يوري أندروبوف.

جاء نتيجةَ رفض المؤسسة اللبنانية، خصوصاً المارونية، التخلي عن صلاحيات رئاسة الجمهورية وتوزيعها بين السلطة التشريعية والسلطة الإجرائية أي مجلس الوزراء. بعد ذلك، كان التركيز على هذا الأمر إلى أن وصلنا إلى «الاتفاق الثلاثي» الذي كان أول مبادرة مشتركة بين الرئيس رفيق الحريري الذي لم يكن تولى آنذاك رئاسة الحكومة - وكان وسيطاً سعودياً - وبين السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية. كان الهدف من الاتفاق الوصول إلى اتفاق بين الميليشيات بدل الاتفاق بين النواب، ولذلك سُمّي «الاتفاق الثلاثي». كان عملياً الإتيان بنوع من كونفدرالية فيها وزراء دولة من الطوائف الست، وفيها حقائب وزارية، وطبعاً يكون الحكم مداورة على غرار الكونفدرالية السويسرية. وهذا يعني عملياً وجود إدارة سورية دائمة وإلا فإن كل هذه الفسيفساء يمكن أن تنفرط.

إيلي حبيقة كان قد أخذ الخيار السوري. قيل في تلك الفترة إنه كان فتح (خطاً) على مخابرات دولتين: إسرائيل وسوريا، وهذا ربما ما يفسّر التساهل في اغتيال بشير الجميل ثم الانقلاب كلّياً إلى حضن المخابرات السورية. في النتيجة صارت هناك لعبة استخبارات نقلت إيلي حبيقة وجعلته في صفنا، في صف ما كان يُعرف بـ«القوى الوطنية» وحركة «أمل» وهذا التحالف الواسع الذي عاد في نهاية المطاف واصطدم ببعضه. في ظل هذا الاحتدام، نما «حزب الله» على حساب حركة «أمل»، وبطريقة ما على الجثث المتهاوية للقوى الحزبية الأخرى و«المقاومة الوطنية» التي حلت محلها ما سميت بـ«المقاومة الإسلامية».

من قاوم الأسدين؟

سألت مروان حمادة عمن قاوموا الأسد الأول أو الثاني، فقال إن «الشعب اللبناني قاوم الأسدين وعلى فترات متفاوتة وعلى حصص متفاوتة حسب مكونات الطوائف في المناطق. ولكن ليست هناك منطقة في النتيجة نجت من الأسدين الأول والثاني، وليست هناك طائفة وفّرت على نفسها غضب وتنكيل الأسدين، حتى الشيعة في مراحل معينة. قضية الإمام موسى الصدر يجب أن نعود إليها. نعود إلى الدور السوري مع بوادر الثورة الإسلامية في إيران. وأنا عندي شعور ومعلومات بأنهم شاركوا في إقصائه وفي إخفائه.

الليبيون يمكن أنهم كانوا ساحة وأداة. القرار لم يكن من عندهم. ليسوا هم من قرر. يمكن أن التنفيذ كان جزئياً منهم. لست أبرّئ الليبيين لأن (خطف الصدر) حدث عندهم وأكيد بموافقتهم. لكنني كنت (وقتها) رئيس تحرير (صحيفة) «لوريون لوجور» وذهبت إلى دمشق في اليوم التالي لاختفاء الإمام الصدر. سألت وزير الإعلام أحمد إسكندر أحمد الذي كان أحد أقرب الناس لحافظ الأسد، كان علوياً ومن ضمن العائلة. كنت أسأله وقتها إذ كانت هناك علاقة طيبة مهنياً، فقال لي: «لا تسأل يا مروان. فهذا (الصدر) عظامه صارت مكاحل»، أي أنه كان متأكداً من مقتله. حصل هذا في اليوم التالي لاختفائه. كنت عضواً في لجان البحث عن الإمام. المجلس الشيعي الأعلى ضمني إلى هذه اللجان. لم أستطع أن أحذف من ذهني أنه كان هناك دور سوري في إخفائه.

حافظ الأسد مع معمر القذافي (أ.ف.ب)

ربما السبب هو خوف النظام السوري من زعامة شيعية مستقلة تكون أكثر لبنانية وأقرب إلى العرب ومتمردة على الفلسطينيين عموماً وعلى تيار الرفض القريب من سوريا خصوصاً. ما أريد قوله هو إنه ليس هناك أحد نجا من الأسدين الأول أو الثاني. نبدأ بكمال جنبلاط الذي نعتبره المعلم والذي سحرنا بأفكاره الاجتماعية والاشتراكية ونزعته إلى القرار الوطني (اللبناني المستقل) والقرار الفلسطيني الوطني المستقل. وفي الحقيقة عوقب كمال جنبلاط على مساره هذا وعلى قوله للأسد في لقائهما الشهير والأخير: «لن أُدخل لبنان معكم في السجن العربي الكبير».

انفرط اللقاء. حاول بعض الأصدقاء، ومنهم الأستاذ محسن دلول واللواء العماد حكمت الشهابي (رئيس أركان الجيش السوري)، أن يقنعوا كمال جنبلاط بألا يعود إلى بيروت ويترك مجالاً للقاء ثانٍ في اليوم التالي، لكن كمال جنبلاط رفض. بعدها بدأ المسار الطويل. شعر كمال جنبلاط بأنه تُرك عربياً وسوفياتياً وحتى (من) الفلسطينيين.

وليد جنبلاط خلال تأبين والده كمال عام 1977 (غيتي)

أسرّ أحد المسؤولين الفلسطينيين القريبين من ياسر عرفات بأن حافظ الأسد أعطى لياسر عرفات لائحة بأسماء عدد من اللبنانيين المطلوب قتلهم وإزالتهم ومن بينهم طبعاً على رأس اللائحة كان كمال جنبلاط. ولكن لا يمكن أن ننسى لاحقاً موضوع بشير الجميل.

حين قال حافظ: «انسوا بشير الجميّل»

العداوة كانت معروفة، لكننا حضرنا بعد حصار بيروت وخروج أبو عمار ورفاقه إلى تونس... كانت إسرائيل تحاصر بيروت وكنا محاصرين في داخلها. كانت (المدينة المحاصرة) تحصل على القليل من الماء والقليل من الأغذية والقليل من الكهرباء نتيجة تدخلات المملكة العربية السعودية مع (الرئيس الأميركي رونالد) ريغان، ووقتها لعب رفيق الحريري أول أدواره كوسيط أو مبعوث. قلنا للأميركيين إنه إذا دخلت إسرائيل إلى بيروت فستقضي علينا؛ إذ كانت تعتبرنا وتصفنا بأعوان المخربين وأصدقاء المقاومة الفلسطينية. فالأميركيون، عبر فيليب حبيب مبعوثهم إلى لبنان، أمّنوا لنا خروجاً من بيروت إلى (بلدة) صوفر ومنها إلى دمشق عبر سيّارات للسفارة الأميركية والشعبة السادسة اللبنانية. كان هناك الأميركي رايان كروكر وجوني عبده مدير المخابرات في الجيش اللبناني.

في اليوم التالي، في 10 سبتمبر (أيلول) 1982، التقينا بالرئيس حافظ الأسد. كانت الساعة 9 صباحاً. وليد جنبلاط وأنا وكنت وقتها ما زلت وزيراً في حكومة إلياس سركيس، ومحسن دلول وعبد الله الأمين وحكمت العيد. في سياق حديث الأسد عن صداقاته مع أندروبوف وأنه سيقوم بهجوم مضاد ضد أميركا والقوة المتعددة الجنسيات و(قوله لنا) سأزودكم بالطبع بالسلاح أيضاً كي تدافعوا عن الجبل. كان الحديث في هذا الإطار لكنني أتذكر ملاحظة للأستاذ وليد جنبلاط الذي قال إن في لبنان نظاماً سياسياً وقد تم انتخاب رئيس للجمهورية (بشير الجميل)، فيجب أن نتعاطى مع هذا الواقع الجديد، كما يحصل في كل مرة. فسأل حافظ الأسد أمامنا: «عمن تتحدثون؟ عن بشير الجميل؟» قلنا: «طبعاً فقد انتخب». فقال (ملوحاً بيده): «انسوا بشير الجميّل، انسوه». حصل هذا في 10 سبتمبر 1982 وكان بشير منتخباً رئيساً للجمهورية قبل أيام وما زال يحتفل بانتخابه. بعد 4 أيام من كلام الأسد اغتيل بشير، وكنا لا نزال في دمشق بينما انتقل وليد إلى عمّان لزيارة عائلته. هكذا عرفنا باغتيال بشير.

نعش بشير الجميل خلال جنازته في سبتمبر 1982 (غيتي)

استهدفت موجة الاغتيالات لاحقاً الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية. كما تم استهداف قيادات فلسطينية. طبعاً إسرائيل كانت لها المسؤولية الكبرى في اغتيال الفلسطينيين ولاحقتهم حتى تونس، لكن النظام السوري لم يقصر في طرابلس وغيرها. حصلت (الاغتيالات) مع آخرين. مع محمد شقير مستشار الرئيس أمين الجميل، والشيخ صبحي الصالح، والنائب ناظم القادري الذي أُطلقت عليه النيران وهو عند الحلاق. حصلت لاحقاً مع الرئيس رينيه معوض.

سوريا واغتيال رينيه معوض

سألته: «هل أفهم أنك تتهم النظام السوري باغتيال معوض؟» فأجاب: لا أبرئه أبداً من قتل رينيه معوض. قد يكون آخرون شاركوا النظام السوري (في الاغتيال). ففي كل مرة يكون هناك عمل مشترك (جوينت فنتشر) في الاغتيالات. هذا ما حصل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولكن بالنسبة لرينيه معوض، في يوم من الأيام، استُدعينا كـ«حركة وطنية» إلى دمشق وكانت القيادة السورية موجودة وعلى تواصل مع الرئيس حافظ الأسد بالهاتف. كان موجوداً خدام والشهابي وعلي دوبا رئيس المخابرات وهو من القتلة.

كان ذلك بعد الانتهاء من اتفاق الطائف، والنواب اللبنانيون كانوا يقومون بزيارات للمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب لشكر الدول التي شاركت في اللجنة الثلاثية العربية التي رعت الاتفاق. طُرح السؤال: «من تريدون رئيساً للجمهورية؟» وكان الاسم المطروح رينيه معوض. بالإجماع، من جورج حاوي الشيوعي إلى أعوان سوريا مثل عاصم قانصوه ومحسن دلول وغيرهم، وإلى نبيه بري ووليد جنبلاط وأنا ومحمد بيضون. كلنا قلنا: «نريد رينيه معوض». فهو بمثابة «حفر وتنزيل» وأفضل تعبير عن اتفاق الطائف وخير من سيطبقه. فالاتفاق فيه كثير من الأمور التي تحتاج إلى دقة ودبلوماسية ومعرفة بالتركيبة اللبنانية. لكن لم يكن أحد منهم، من المسؤولين السوريين الثلاثة، يريد رينيه معوض. كانوا يعودون خلال الاجتماع إلى حافظ الأسد ثم يقدمون أسماء أخرى منها اسم الرئيس (إلياس) الهراوي.

آثار الانفجار الذي قتل الرئيس السابق رينيه معوّض عام 1989 (أ.ف.ب)

عندما رجعنا إلى بيروت في الليلة نفسها عبر الخط العسكري - نعم كان هناك خط عسكري نرجع فيه من سوريا غير الخط المفتوح الذي استخدمناه في زيارتنا الأخيرة لدمشق (للقاء الرئيس أحمد الشرع) - جاء اتصال هاتفي من باريس أخبروني به بالتفصيل بما جرى. كانوا (أي المسؤولين السوريين) يحرضون النواب ضد خيارنا وبالتالي ضد رينيه. كانوا من الشام يتصلون بالنواب اللبنانيين الموجودين في باريس ويحرضون ضد انتخاب رينيه معوض. من هؤلاء نواب موارنة مستقلون كانوا زملاء رينيه ومنافسيه. بعد 15 يوماً ونحن نهنئ رينيه بعيد الاستقلال، لنذهب إلى بيته كي نتناول الغداء، تصل منه خرقة متبقية من بزته مبللة بالدم. فقد اغتيل.

طبعاً هناك آخرون اصطدموا بسوريا. ميشال عون كان في البداية متفقاً معهم (مع السوريين). كان متفقاً معهم على أساس أن يترك البلد في الوضع الذي يعيش به، وضع يلبي من جهة طموحاته بأن يكون رئيساً في بعبدا ولو على مزبلة صغيرة ومن جهة ثانية يتباهى بأنه قاوم سوريا برغم أن المازوت كان يأتي من سوريا والسلاح يأتي من العراق. كانت خلطة عجيبة.

جعجع و«فخ» تفجير الكنيسة

سمير جعجع في البداية طمأنوه بعدما مشى والبطريرك الماروني (نصر الله صفير) في اتفاق الطائف، ما يعني أن هذا الجناح المسيحي قد تم تأمينه (في مقابل الجناح الرافض لاتفاق الطائف بقيادة ميشال عون). ولكن بعد ذلك بدأ إعداد الحفرة له. أتوا به إلى الحكومة، فاعتذر. كان سليمان فرنجية مطروحاً ولم يكونا قادرين على الجلوس مع بعضهما. جاءوا لجعجع بقصة تفجير الكنيسة.

لا علاقة لجعجع أبداً بتفجير الكنيسة. كنت وزير صحة وذهبت مع الرئيس رفيق الحريري، رئيس مجلس الوزراء. كنا أول من وصل إلى الكنيسة. بدا أن كل شيء كان مدبراً لتفجير الكنيسة، ثم محاولة إغلاق جسر نهر الكلب ونفقه، بهدف لصق الاتهام بأن هناك عملية إرهابية وبأن هناك محاولة تقسيمية، ولحقتها أيضاً محاولة ضد زميلنا في الحكومة نائب رئيس مجلس الوزراء ميشال المر وأُلصقت بسمير جعجع. كثيرون نبهوا جعجع ومنهم إلياس الهراوي أن الأفضل له أن يخرج من لبنان، لكن سمير جعجع رفض الخروج. التفجير دُبّر من المخابرات السورية واللبنانية آنذاك، والرئيس الحريري على علم بذلك. تبيّن ذلك معنا. لذلك أُسديت النصيحة لسمير جعجع بأن يطلع (من لبنان) لأنهم ينوون عليه. لم يقبل أن يغادر فجلس 11 سنة في السجن.

مروان حمادة مع وليد جنبلاط وسمير جعجع ومحمد الصفدي (أ.ف.ب)

علاقة وليد جنبلاط مع دمشق لم تكن سهلة أبداً. قاوم الأسد الأول مراراً. قاومه منذ لحظة توقيع «الاتفاق الثلاثي». قال إن هذا الاتفاق يُطبق في أيام تيمور ويقصد نجله الذي كان طفلاً وعمره سنتان. قاومه بعمليات عدة قام بها في الشوف، وبعدم مجاراة أمين الجميل عندما كان الأسد يريد صفقة مع الرئيس الجميل. قاومه مراراً. أذكر الهجوم على إقليم الخروب الذي كان حافظ الأسد قد أعطى ضمانات لأمين الجميل بأنه لن يحصل هجوم على المنطقة، وجاء ذلك بعدما تبين (لجنبلاط) أنه إذا لم يحصل الهجوم على إقليم الخروب فإن الجنوب ليس فقط لن يتحرّر، بل إن الشوف وعالية قد يسقطان مجدداً في يد إسرائيل وأعوانها في لبنان.

كنا نذهب إلى الشام للدفاع عن وليد. أنا قمت بعدة مهمات للدفاع عنه. وعندما حصل الخلاف الكبير بين «أمل» و«الاشتراكي» ببيروت (في ثمانينات القرن الماضي) كانت هناك نية سورية للتخلص من نبيه بري ووليد جنبلاط معاً. كانوا (أي السوريين) قد أمّنوا البديل لبري عبر «حزب الله»، بينما وليد جنبلاط كانوا يحرضون ضده. حاولوا تحريض أصدقائه ضده. طبعاً رفضنا ذلك وبقينا صامدين بجانب وليد ولم يجدوا عن الدروز سوى بعض الناس أي النتوءات التي ظهرت لاحقاً وقفزت من مكان إلى آخر عند المخابرات السورية.

بشار الأسد مستقبلاً وليد جنبلاط (أ.ف.ب)

وهناك اغتيال إيلي حبيقة. ماذا كان دورهم (أي السوريين) في قتل إيلي حبيقة؟ هل حبيقة اغتيل فلسطينياً لأنه كان له يد في جرائم صبرا وشاتيلا؟ هل اغتيل إسرائيلياً لأنه كان سيذهب للشهادة أمام المحكمة في بروكسل (ضد إسرائيل)؟ هل اغتيل لأن السوريين اعتبروا أنه صار كنز أسرار ويجب أن نتخلص منه؟ تبخّر حبيقة. وفي هذه الأثناء ذهب كثير من الناس. خطفوا أو قتلوا، من «الكتائب» ومن «القوات»، ومنهم أشخاص ما زال يتم البحث عنهم مثل بطرس خوند الذي ما زالت القوى المسيحية تطالب بالكشف عنه. اليوم هناك الرئيس أحمد الشرع ويقولون له إن خوند كان في السجون السورية ويسألون عما حصل له.

أختصر عهد الأسدين بالقول إنه كان هناك أسدان مجرمان. أسد مجرم ولكن عنده رؤية للحكم ولديه القليل من الثقافة العربية اختزنها من «البعث» ومن أيام الوحدة السورية - المصرية (الجمهورية العربية المتحدة) وغيرها، وهناك أسد مجرم ولكن بلا رؤية وهو بشار. جاءا بعد بعضهما. كان من الطبيعي أن الأسد الثاني بلا رؤية وبنفس الإجرام سيقضي على التركيبة الكبرى التي أخذت هذه العائلة 50 سنة كي تقيمها، مع أولاد عمومتهم وأولاد عشيرتهم ولكن ليس كلهم.

اليوم مثلاً تُلقى الملامة على كل العلويين، وهذا خطأ. هناك عائلات علوية دفعت ثمناً غالياً جداً، منها عائلة جديد، صلاح وغسان، البعثي والقومي السوري. ومنها عائلة عمران، وهي عائلة كبيرة بين العلويين. محمد عمران اغتيل في طرابلس. لحقوا به إلى هناك وقتلوه. ومنها عائلة الشيخ. حتى بعض رفاقه دفعوا ثمناً. علي دوبا أُبعد. بقي فقط المصون لكن المبعد وهو رفعت الأسد. تركوه يذهب وأخذ معه كنزه من الأسرار والخيانات.

كنز من الأسرار والخيانات؟ الخيانات لمن؟

- خيانات لكل الناس ولأخيه (حافظ) أيضاً. ألم يجرب عام 1983 (الاستيلاء على السلطة)؟ استفاد من مرض حافظ الأسد واضطراره إلى أن يدخل للمستشفى فنزل بالدبابات و«الفهود الحمر». كانت لديه فرقة على غرار الفرق الطائفية والحزبية الضيقة من قماشة الجيوش الموازية.


مقالات ذات صلة

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

المشرق العربي عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في منطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة في قصر العدل بدمشق سوريا اليوم الأحد (أ.ب)

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

حدَّدت محكمة الجنايات السورية موعد المحاكمة العلنية الثانية لكبار رموز نظام بشار الأسد يوم العاشر من شهر مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قضاة خلال جلسة محاكمة المسؤول الأمني السوري السابق عاطف نجيب في قصر العدالة بدمشق (رويترز)

بدء محاكمة بشار الأسد غيابياً في دمشق

عُقدت الأحد أوّل جلسة محاكمة غيابية للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر مع عدد من رموز الحكم السابق، من أبرزهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب) p-circle

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب

«الشرق الأوسط» (لندن)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.