تركيا وإدارة دمشق تتفقان على عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة سوريا

الشيباني أكد أنه لن يتم السماح بأي تهديدات للجيران وحل مشكلة القوات الكردية بالتفاوض

وزيرا الخارجية التركي والسوري في مؤتمر صحافي في أنقرة الأربعاء (الخارجية التركية)
وزيرا الخارجية التركي والسوري في مؤتمر صحافي في أنقرة الأربعاء (الخارجية التركية)
TT

تركيا وإدارة دمشق تتفقان على عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة سوريا

وزيرا الخارجية التركي والسوري في مؤتمر صحافي في أنقرة الأربعاء (الخارجية التركية)
وزيرا الخارجية التركي والسوري في مؤتمر صحافي في أنقرة الأربعاء (الخارجية التركية)

أكدت تركيا والإدارة السورية عدم السماح بتقسيم سوريا أو أن تصبح أراضيها مصدراً لتهديد جيرانها، واتفقتا على البدء بعملية سياسية تمهد لاستقرار البلاد وتحتضن جميع أبناء الشعب بلا تفرقة على أساس طائفي أو ديني أو عرقي.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في مؤتمر صحافي مشترك عقد عقب اجتماع وزراء الخارجية والدفاع ورئيسي جهازي المخابرات في كل من تركيا والإدارة السورية بمقر وزارة الخارجية في أنقرة، الأربعاء: «الآن هو الوقت المناسب للتخلص من الإرهاب والأسلحة، وهو الوقت المناسب للسلام والتضامن والتنمية والازدهار ونبذ الصراعات الداخلية في سوريا».

عملية سياسية شاملة

وأضاف فيدان أن الوقت قد حان لعملية سياسية تشمل كل العناصر العرقية والدينية والطائفية في سوريا، لافتاً إلى أنه «لسوء الحظ، لا تزال العقوبات المفروضة على سوريا سارية المفعول، ومن الممكن للولايات المتحدة أن تمنح إعفاءً جزئياً، ونعلم أن الاتحاد الأوروبي يعمل على هذا الأمر أيضاً، إذا تم رفع العقوبات فإن العملية سوف تتسارع».

فيدان مصافحاً نظيره السوري خلال استقباله بالخارجية التركية في أنقرة (الخارجية التركية)

ولفت وزير الخارجية التركي إلى أن نظام بشار الأسد استضاف منظمات إرهابية في سوريا لسنوات، وأن سوريا ستزداد قدرة على محاربة المنظمات الإرهابية بعد سقوط هذا النظام.

وذكر فيدان أن الاجتماع مع الجانب السوري تناول تقديم الدعم من جانب تركيا للعمليات ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، مضيفاً: «لن نوافق على تقسيم سوريا، وقد حان الوقت لتطهيرها وتطهير المنطقة من الإرهاب والأسلحة، وحان الوقت للسلام والتضامن والتنمية والازدهار، ولم يعد هناك مكان للإرهاب في المنطقة».

وأشار فيدان إلى أن تركيا ستعمل على دعم الإدارة السورية في جميع المجالات سواء إعادة الإعمار أو التنمية وتمهيد الظروف المناسبة لعودة اللاجئين وسيعمل البلدان معاً على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة وغيرها من المجالات.

وأعلن أن القنصلية التركية في حلب ستبدأ العمل في 20 يناير (كانون الثاني) الحالي.

بدوره، أكد وزير الخارجية في الإدارة السورية، أسعد الشيباني أن الإدارة الجديدة لن تسمح بأن تكون الأراضي السورية مصدر تهديد لتركيا أو لأي دولة أخرى من جيرانها، مشيراً إلى حاجة سوريا إلى دعم حقيقي لإعادة إعمارها وتنميتها.

لا لتقسيم سوريا

وقال الشيباني إن الإدارة السورية ستعمل على عودة سوريا إلى دورها الفاعل البارز في المنطقة بما يحقق الأمن والاستقرار وحسن الجوار، ويد سوريا اليوم ممدودة للعالم أجمع وليست جزيرة منقطعة ضمن مشاريع مشبوهة كما أراد لها النظام السابق.

فيدان والشيباني خلال المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

وأضاف: «إننا نؤكد اليوم أكثر من أي وقت مضي ضرورة تآلف الشعب السوري وتوحده وعدم التفاته للدعوات الطائفية أو التي تسعى لتقسيم مجتمعنا، والتي تحاول تغيير هوية سوريا وحاضرها وماضيها، فسوريا لكل السوريين وليست مرتبطة بفئة من الشعب».

وتابع «أننا نفتح صفحة جديدة بين الشعب السوري ومحيطه ونعمل على بناء الصورة الحديثة القائمة على الأسس الحضارية والأخلاقية لبلادنا، ونعمل كذلك على استكمال وحدة الأراضي السورية وجعلها تحت إشراف الحكومة المركزية في دمشق، فسوريا لا يمكن أن تقسم، ولن يقبل شعبها بذلك، وهذا هو المسار الوحيد لصون سوريا واستعادة سيادتها».

وأكد أن العلاقات بين بلاده وتركيا ستشهد في الفترة المقبلة آفاقاً واسعة للتعاون مع تركيا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وتعزيز الروابط الشعبية والبناء على الإرث المشترك.

ولفت إلى أن «الأمن والاستقرار والازدهار مرتبطة بشكل مشترك بين بلدينا ونتطلع لأن تكون العلاقات بينهما نموذجاً صادقاً في العلاقات بين الدول يقوم على احترام سيادة الدولتين ووحدة أراضيهما».

وشدد على أن الإدارة السورية الجديدة لن تسمح بأن تستخدم الأراضي السورية منطلقاً لتهديد الأراضي التركية والشعب التركي، و«سنعمل على إزالة هذه التهديدات عبر العديد من الوسائل، ونشكر تركيا على وضع ثقتها في قدرة الإدارة السورية على معالجة هذه التهديدات، خاصة فيما يتعلق بمنطقة شمال شرقي سوريا».

وأضاف: «إننا نعمل الآن على معالجة هذه القضايا بالتفاوض والحوار ونعتقد أننا سنصل إلى نتائج ملموسة في القريب العاجل».

مباحثات تركية سورية

وعقدت بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة الأربعاء مباحثات تركية مع الإدارة السورية، بصيغة 3+3، شارك فيها وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني، والدفاع التركي يشار غولر والسوري مرهف أبو قصرة، ورئيسا جهازي المخابرات التركي إبراهيم كالين والسوري أنس خطاب.

وزراء خارجية ودفاع ورئيسا مخابرات تركيا وسوريا قبل انطلاق مباحثاتهما بمقر الخارجية التركية في أنقرة الأربعاء (الخارجية التركية)

وبحث الاجتماع التطورات في سوريا، وبخاصة وضع وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والاشتباكات المستمرة بينها وبين فصائل «الجيش الوطني السوري»، المدعومة من تركيا في شرق حلب، وموقف الإدارة السورية منها، حيث ترغب تركيا في حلها وإلقاء أسلحتها وخروج عناصرها الأجنبية من سوريا، وانخراط العناصر السورية في الجيش السوري الموحد.

وبحسب ما ذكرت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، تناولت المباحثات أيضاً ملفات التعاون الأمني والتعاون في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب الملف الأمني والتعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية.

كما تناولت المباحثات ملف العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، وجهود رفع العقوبات المفروضة على دمشق.

وقالت المصادر إن الجانب التركي أكد مجدداً دعمه للإدارة السورية في مختلف المجالات لإنجاز المرحلة الانتقالية وتحقيق الأمن والاستقرار في سوريا.

واستقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعضاء الوفد السوري بالقصر الرئاسي في أنقرة.

وكان إردوغان استبق المباحثات بإعلان أنها ستركز عل سبل دعم سوريا وإعادة الإعمار.

تحذير لـ«قسد»

وحذر من أن أنقرة لديها القوة والقدرة على سحق كل التنظيمات الإرهابية في سوريا، بمن فيهم مقاتلو تنظيم «داعش» ووحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

إردوغان متحدثاً أمام نواب حزبه بالبرلمان (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان، الأربعاء: «لن نسمح بحدوث أي شكل من أشكال الفوضى في سوريا، ولن نسمح بزرع بذور الفتنة بيننا وبين الشعب السوري».

وأضاف أن مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية يمثلون أكبر مشكلة في سوريا الآن بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، وإن لم تلق تلك الوحدات أسلحتها فلن تتمكن من الإفلات من نهايتها المحتومة.

وتابع: «إذا كانت سوريا والمنطقة تتخلصان من تهديد (داعش)، فإن تركيا هي القوة العظمى التي لديها القدرة على حل هذه القضية».

وقال إردوغان: «يجب على الجميع أن يرفعوا أيديهم عن المنطقة ونحن قادرون مع إخواننا السوريين على سحق تنظيم (داعش) و(الوحدات الكردية)، وجميع التنظيمات الإرهابية في وقت قصير».

وشدد إردوغان على أن تركيا تتابع وتدعم حل كل قضايا الإخوة الأكراد في سوريا، وأن تركيا هي الضامنة لأمن الأكراد.

بدوره، قال وزير الدفاع يشار غولر، رداً على سؤال حول عملية عسكرية تركية محتملة ضد «قسد» في شرق الفرات، إن العمليات والضربات مستمرة، لافتاً إلى تنفيذ عدد كبير من الضربات، الثلاثاء، مضيفاً: «مكافحة الإرهاب مستمرة».


مقالات ذات صلة

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية قصف إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سوريا واتهاماتها لتركيا رفعت حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب (رويترز)

حليف لإردوغان يدعو لـ«موقف قوي» من إسرائيل بعد هجوم «أبو الظهور»

تعتقد أنقرة أن استفزازات نتنياهو لتركيا هدفها محاولة اصطناع عدو جديد لإسرائيل لأهداف تتعلق بالانتخابات المقبلة التي لو خسرها فسيحاكم مباشرة بتهم الفساد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية نقطة عسكرية تركية في إدلب (أرشيفية - إعلام تركي)

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

رفضت تركيا مزاعم إسرائيل بشأن وضعها العسكري في سوريا وتبرير غاراتها على مطار أبو الظهور العسكري باتجاه دمشق للسماح لها بنشر قواتها هناك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)

على مدى 3 عقود ونيّف، تبدّلت مقاربات رؤساء الجمهورية في لبنان تجاه «حزب الله» وسلاحه، تبعاً لتبدّل موازين القوى الداخلية والظروف الإقليمية والدولية. وشكّل استثناء سلاح «الحزب» بوصفه «مقاومة» فرضها الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، أول خرق فاضح لـ«اتفاق الطائف»، الذي قضى بحلّ كل الميليشيات التي تقاتلت إبان الحرب الأهلية ونزع السلاح.

لم يكن عهد الرئيس اللبناني الراحل إلياس الهراوي قادراً على المساواة بين «حزب الله» والميليشيات التي حُلّت ونُزع سلاحها؛ لأن الوصاية السورية التي كانت تمسك بقرار لبنان بالتفاهم مع النظام الإيراني، أوعزت بترقية «الحزب» من «ميليشيا» إلى «مقاومة»، وبقيت هذه المعادلة قائمة حتى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000، حينها دخل لبنان مرحلة جديدة بقي فيها «الحزب» لاعباً سياسياً عسكرياً يتجاوز في قدرته مؤسسات الدولة.

لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار (الشرق الأوسط)

من «ميليشيا» إلى «مقاومة»

مع انتخاب قائد الجيش، إميل لحود، رئيساً للجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1998، بتزكية من النظام السوري، تعزز نفوذ «حزب الله» في الدولة، خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي، حيث رُسّخت معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، خصوصاً بعد حرب إسرائيل على لبنان في يوليو (تموز) 2006، وهذا الأمر انسحب أيضاً على معظم عهد ميشال سليمان الذي تعامل مع «الحزب» بوصفه «مقاومة»، رغم التحولات الداخلية والخارجية؛ وأبرزها انسحاب الجيش السوري من لبنان في 25 أبريل (نيسان) 2005 تحت الضغط الأميركي، واغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري.

في قراءته هذا المسار، يَعدّ رئيس «لقاء سيدة الجبل»؛ النائب السابق فارس سعيد، أن «الاحتلال الإسرائيلي لجزء من جنوب لبنان، وإمساك سوريا بخيوط اللعبة الداخلية، فرضا تمييزاً بين (حزب الله) وسائر الميليشيات اللبنانية التي كانت موجودة خلال الحرب الأهلية». ويؤكد أن تلك الظروف «أدت إلى ترقية (حزب الله) من رتبة (ميليشيا) إلى رتبة (مقاومة)، في حين حُلّت الميليشيات الأخرى ونُزع سلاحها».

مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (إ.ب.أ)

التحول مع نداء المطارنة التاريخي

ويستعيد فارس سعيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، محطة عام 2000، حين انسحبت إسرائيل من الجنوب، بالتزامن مع وفاة الرئيس السوري، حافظ الأسد، في يونيو (حزيران) من العام نفسه. ويقول إن «هذه التطورات شجعت مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الماروني الراحل، نصر الله بطرس صفير، على رفع سقف موقفه والمطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان». ويضيف: «هذا الموقف التاريخي والشجاع، ارتكز على منطق واضح: (بما أن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان، فلماذا لا تنسحب سوريا أيضاً؟ ولم يعد هناك من داعٍ لبقائها في لبنان)».

البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير (أ.ف.ب - أرشيفية)

شكّل هذا النداء التاريخي محطة أساسية في إعادة فتح النقاش بشأن الوجود السوري ومستقبل الحياة السياسية اللبنانية، ومهّد، مع عوامل أخرى، لولادة «لقاء قرنة شهوان»، الذي لعب دوراً بارزاً في المعارضة السياسية للوجود السوري.

ويؤكد سعيد أن «(لقاء قرنة شهوان) بدأ في تلك المرحلة بتقديم النصائح لـ(حزب الله) كي ينضم إلى المطالبة بخروج النظام السوري من لبنان، وكان ذلك في ظل عهد الرئيس إميل لحود، الذي ربط لبنان بشكل وثيق بسوريا والمحور الإيراني»، عادّاً أن «الظروف السياسية والأمنية في تلك المرحلة لم تكن تسمح بتغيير المعادلة القائمة، وبالتالي بقي سلاح (الحزب) خارج إطار النقاش الفعلي بشأن حصرية السلاح بيد الدولة».

«المعادلة الخشبية»

لم يكن مقدراً للعهود الرئاسية منذ «اتفاق الطائف» حتى إدخال لبنان في أتون حرب إسناد غزّة، أن تتجاوز «حزب الله» حتى في أدق التفاصيل الداخلية، حتى إن الرئيس ميشال سليمان، انتُخب رئيساً في نتيجة أولى لـ«اتفاق الدوحة»، الذي أتى عقب احتلال «الحزب» العاصمة بيروت في 7 مايو 2008. ويشدد النائب السابق فارس سعيد على أن وصول سليمان إلى قصر بعبدا «لم يؤدِّ إلى تغيير جوهري في مقاربة سلاح (الحزب)؛ إذ استمر التعامل معه بوصفه مقاومة». ويشير إلى أن سليمان «لم يدخل في مواجهة مباشرة مع (الحزب) خلال معظم عهده، باستثناء المرحلة الأخيرة عندما أطلق على ثلاثية (الجيش والشعب والمقاومة) اسم (المعادلة الخشبية) وكان ذلك تحولاً أساسياً في النقاش اللبناني بشأن شرعية سلاح (الحزب)».

فشل الرهان على الرئيس ميشال عون

مع انتهاء ولاية الرئيس سليمان في 25 مايو 2014 دخل لبنان في فراغ رئاسي، بسبب إقفال أبواب البرلمان اللبناني، بضغط من «حزب الله» الذي وضع معادلة «إما ميشال عون رئيساً وإما فلا رئيس». انتخب الأخير في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، ليعلن «الحزب» انتصاره في هذه المعركة، عادّاً إياها «تتويجاً لانتصار محور إيران في سوريا والعراق، والانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن». ولا يخفي فارس سعيد أن «رهان البعض على قدرة ميشال عون على لبننة (حزب الله) فشل فشلاً ذريعاً؛ لأن عون وإثر انتخابه حصل بمساعدة (الحزب) على مكاسب في السلطة والتعيينات والصفقات، وسلّم البلد لـ(الحزب) وإيران».

مواقف الرئيس جوزيف عون... انقلاب على العهود السابقة

يعدّ خطاب الرئيس الحالي جوزيف عون انقلاباً على كل العهود السابقة التي خضعت لإرادة «حزب الله» وإيران، ولعلّ الكلمة التي ألقاها قبل يومين لمناسبة «العيد الـ81 للأمن العام»، ذروة الهجوم على «الحزب»، حيث قال: «بالإضافة إلى الصراع مع إسرائيل، نعيش حرباً داخلية مع فئة نقيض الدولة ومؤسساتها، ونقول لهم: مهما فعلتم، فنحن مستمرون من أجل الوطن».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الرئيس اللبناني جوزيف عون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 21 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي تقييمه هذا الخطاب، يرى رئيس «لقاء سيدة الجبل» فارس سعيد، أن الاختلاف الأساسي اليوم «يكمن في الظروف التي تحيط برئاسة جوزيف عون». ويؤكد أن «الجرأة التي يظهرها الرئيس جوزيف عون في مقاربة سلاح (حزب الله) تنطلق، في جانب منها، من معرفته بطبيعة (الحزب) ونياته حيال الدولة اللبنانية، ومن إدراكه محاولاته السابقة للهيمنة على قرار الدولة». ويشدد على «أهمية المتغيرات الكبيرة التي طرأت؛ بدءاً من هزيمة (الحزب) عسكرياً مع إسرائيل، حتى سقوط نظام بشار الأسد، وانهيار جزء أساسي من محور إيران في المنطقة».


الشيباني: متمسكون بالحل الدبلوماسي رغم استمرار «اعتداءات» إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
TT

الشيباني: متمسكون بالحل الدبلوماسي رغم استمرار «اعتداءات» إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)

أكّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اليوم (الثلاثاء) أن بلاده ما زالت منخرطة في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية ومتمسكة بخيار «الحل الدبلوماسي»، رغم «الاعتداءات المستمرة» من قبل إسرائيل.

وقال الشيباني في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن الذي يزور دمشق إن «الاعتداءات ما زالت مستمرة»، موضحا أن سوريا رصدت «65 توغلا في شهر يوليو (تموز) وحده و52 في الأيام الثمانية عشر الأولى من أغسطس (آب)» و«147 حالة اعتقال منذ مطلع العام، لا يزال 49 منهم رهن الاحتجاز فضلاً عن حملات مداهمة للمنازل في القنيطرة في ريف دمشق».

وأضاف «رغم هذه التحديات ما زلنا متمسكين بخيار الحل الدبلوماسي ونعمل بجد لتحقيقه، ونحن منخرطون في مفاوضات بوساطة الولايات المتحدة الأميركية»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ إطاحة حكم بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت إسرائيل مئات الغارات على سوريا، تركزت على أهداف عسكرية قالت إن ضربها يهدف إلى منع السلطات الجديدة من الاستحواذ على ترسانة الجيش السابق. وتوغلت قواتها خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ العام 1967، وصولا إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا، وأعلنت عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا. ويكرر مسؤولون إسرائيليون أن قواتهم لا تعتزم الانسحاب من المنطقة.

واستنكر الشيباني التصريحات الإسرائيلية بهذا الصدد، وقال إن الهدف من المفاوضات «وقف الاعتداءات والاعتقالات والانسحاب إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 مع العودة الكاملة للالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتكريس سيادة سوريا على جولانها المحتل وحقنا السيادي المطلق في بناء جيشنا الوطني».

وتأتي تصريحات الشيباني بعد أكثر من أسبوع على إعلان سوريا إجراءها محادثات رفيعة المستوى مع إسرائيل في الأردن تناولت خفض التصعيد عقب ضربات إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا قالت الدولة العبرية إنها هدفت لمنع نشر قوات تركية هناك. وقد نفت أنقرة إرسال أي وفد للقاعدة.

والتقى الشيباني خلال المحادثات رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان بحسب ما أفاد مصدران دبلوماسي وحكومي سوري حينها وكالة فرانس برس.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أجرى زيارة لقواته في جنوب سوريا الأسبوع الماضي قلّما يجري مثلها، مجددا تعهده إبقاءها في المنطقة طالما ظلت هناك «تهديدات» لأمن بلاده.

اتفاقية شراكة مع الدنمارك

إلى ذلك، قال الشيباني إن الدنمارك تعد نفسها صديقة للشعب السوري، وقد أثبتت حضورها حين كانت المواقف مكلفة، . ‏وأضاف الشيباني مخاطباً نظيره الدنماركي: «إن دعمكم الإنساني كان حاضراً في سنوات الثورة السورية، وكنتم في طليعة ‏المبادرين»، كما أعرب الوزير عن تقديره لاستمرار الحضور الميداني للمجلس الدنماركي للاجئين، وجهوده في ‏نزع الألغام، وتأمين المياه، ودعم الزراعة، وسبل العيش». ‏

وتابع الشيباني: «نثمّن مواقف الدنمارك الداعمة لوحدة سوريا، واستقلالية قرارها الوطني في ‏مجلس الأمن». ‏

وكشف الشيباني عن العمل على اتفاقية شراكة تمثل إطاراً مؤسسياً للتعاون بين البلدين ‏في كل المجالات، إلى جانب دفع مجلس الأعمال السوري - الدنماركي من حيز الاتفاق النظري ‏إلى واقع التطبيق العملي. ‏

وجاءت التصريحات بعد لقاء جمع الوزيرين في قصر تشرين بدمشق، حيث تضمن اللقاء بحث تعزيز العلاقات الثنائية، ‏ومجالات التعاون بين البلدين.

واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع أمس (الاثنين) وزير خارجية مملكة الدنمارك، والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في قصر الشعب بدمشق.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، ومناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب التعاون في مجالات التعافي، وإعادة الإعمار، بما يسهم في دعم الاستقرار في سوريا.

وشارك الشيباني وراسموسن أمس في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في دمشق، بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا بعد إغلاق دام 14 عاماً.


كاتس يعلن اعتقال قيادي بارز في «حماس» بغزة

تصاعُد الدخان من سيارة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في حي تل الهوى بمدينة غزة (د.ب.أ)
تصاعُد الدخان من سيارة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في حي تل الهوى بمدينة غزة (د.ب.أ)
TT

كاتس يعلن اعتقال قيادي بارز في «حماس» بغزة

تصاعُد الدخان من سيارة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في حي تل الهوى بمدينة غزة (د.ب.أ)
تصاعُد الدخان من سيارة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في حي تل الهوى بمدينة غزة (د.ب.أ)

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، اليوم الثلاثاء، أن الجيش الإسرائيلي نجح في إلقاء القبض على قيادي بارز في حركة «حماس»، خلال غارات جوية استهدفت عدة مواقع بقطاع غزة، وذلك ردا على تهديدات تم توجيهها للقوات الإسرائيلية، بحسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت».
وقال مسؤول إسرائيلي لـ«جيروزالم بوست»، إن «الارهابي الذي تم إلقاء القبض عليه، هو رئيس جهاز الأمن العام لدى حماس».
ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن كاتس القول: «تم إلقاء القبض على قيادي بارز لدى حماس، قبل قليل، وهذه هي سياستنا: لا ننتظر التهديدات، بل نلاحق عناصر حماس ونمنع مخططاتهم وندمر بنيتهم التحتية الإرهابية»، مضيفا: «لقد أقمنا منطقة أمنية قوية وغير مسبوقة في غزة لحماية السكان وجنود الجيش الإسرائيلي».
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي: «تم تدمير ما يقرب من 70% من قطاع غزة، حيث لا يوجد سكان ولا أنفاق ولا منازل، ويسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي على القطاع. لن نغادر غزة حتى يتم نزع السلاح من القطاع، ونزع السلاح من حماس، وتدمير جميع أنفاق الإرهابيين».
وأضاف: «حتى بعد ذلك، سيظل جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة على طول خطوط الدفاع، لضمان أمن المجتمعات في غرب النقب. وأي محاولة لتجاوز المنطقة الأمنية عبر عمليات الإطلاق الجوي، ستُقابل برد صارم»>

إلى ذلك، قال مسؤولون ‌بمجال الصحة في غزة إن نيران وغارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل، بينهم ثلاثة أطفال، في القطاع الفلسطيني، اليوم (الثلاثاء)، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وقال شهود إن طائرات حربية إسرائيلية أطلقت ما لا يقل عن 12 صاروخاً بالقرب من منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، وهي منطقة مكتظة بالعائلات النازحة.

وقال إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الذي تديره حركة «حماس»، إن قوة إسرائيلية خاصة حاولت تنفيذ عملية في مدينة غزة، لكن تم اكتشافها في أثناء المهمة.

وقال مسعفون إن ثلاثة أشخاص على الأقل -طفلان وامرأة- لقوا حتفهم وأُصيب عدة أشخاص آخرون في القصف المكثف بشكل غير معتاد. واستهدفت القذائف مركبتين وحولتهما إلى ‌حطام.

وفي واقعة منفصلة، قال ‌مسعفون إن فتاة تدعى إسراء الهسي قُتلت وأصيب شخصان ‌آخران عندما فتحت القوات الإسرائيلية، التي كانت تتحرك شرق دير البلح في وسط قطاع غزة، النار على المنطقة.

وأدى وقف إطلاق النار الذي تسنى التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول) ‌2025 بدعم من الولايات المتحدة، إلى وقف الأعمال القتالية الكبيرة في القطاع المدمر، لكنه ⁠لم ⁠يضع حداً لهجمات الجيش الإسرائيلي، الذي يقول إن الغارات تهدف إلى إحباط هجمات حركة «حماس» وغيرها من الفصائل في غزة.

وتتهم «حماس» إسرائيل بانتهاك وقف إطلاق النار وتقويض الجهود الرامية إلى تنفيذ خطة أشمل وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في غزة، والتي تشمل أيضاً انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح الحركة.

ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن أكثر من 1300 فلسطيني قُتلوا في غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وفي المقابل يقول الجيش الإسرائيلي إن أربعة جنود إسرائيليين لقوا حتفهم خلال نفس الفترة.