إيلي سالم: طلبت إسرائيل أبراج مراقبة ومناورات مشتركة... فقلنا إن التطبيع غير وارد

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب «الفرص الضائعة» لوزير الخارجية اللبناني السابق (1 - 2)

قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)
قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)
TT

إيلي سالم: طلبت إسرائيل أبراج مراقبة ومناورات مشتركة... فقلنا إن التطبيع غير وارد

قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)
قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم فصلاً من كتاب سيصدر قريباً لوزير الخارجية اللبناني السابق إيلي سالم بعنوان «الفرص الضائعة - من اتّفاق جلاء القوات الإسرائيلية إلى اتّفاق الطائف»، الذي يروي فيه تفاصيل ما عُرف بـ«اتفاق 17 أيار»/مايو الذي تم التوصل إليه عام 1983 بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام السابق. كان سالم وقتها نائباً لرئيس الحكومة وزيراً للخارجية في حكومة شفيق الوزان خلال حكم الرئيس أمين الجميّل. يصدر الكتاب عن دار «سائر المشرق» بالاشتراك مع الناشر والإعلامي أنطوان سعد.

 

عرفات وكاسترو وخدام

صباح يوم الاثنين الواقع فيه 7 مارس (آذار) 1983، كنا في العاصمة الهندية، نيودلهي، نحضر الجلسة العامة لمؤتمر دول عدم الانحياز الذي استمرّ حتى يوم الخميس. وبعدما استمعتُ إلى خطاب ياسر عرفات الذي قابله الحضور بتصفيق فاتر، اعتلى المنبر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، وألقى خطاباً طويلاً جداً استعاد فيه «الكليشيهات» البالية المعروفة، فأصابني الملل من الاستماع إليه ساعة كاملة ولا شيء كان يوحي أنه سينتهي بعد ثلاث ساعات، فأنا كأكاديمي يصحّح أوراقاً ويعتمد على مسؤولية الكلمة، قررت الخروج وأخبرت الرئيس الوزان بذلك، فرجاني أن أبقى معه لأنه في حاجة إلى رفيق في هذا المشهد المأسَوي، فقلت له إما أن أخرج خِلسة أو سأبقى وأصرخ عالياً. نصحني مهنئاً بالخروج وسيتحمل هو قدره.

بعد ظهر ذلك اليوم، التقيتُ وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام، للمرة الأولى. وجدتُه سريع الخاطر، وذهنه يركّز على إيجاد الفكرة التي تضع محاوِره في موقف الدفاع. بدا لي، في الوقت نفسه، آيديولوجياً، وبراغماتياً، منفتحاً ومتحفّظاً في آنٍ واحدٍ. ولعل أبرز ما يثبتُ براعته، عرضُه موقف الرئيس الأسد بأسلوبه الخاص، معتمداً باستمرار المسلك الأصعب كي يترك للأسد أسهل الطرق حتى يختار ما يجده مناسباً. خدّام يحب الصوت العالي، يحب التهديد وإرباك محاوِره.

عبد الحليم خدام (رويترز)

دخل خدّام في صلب الموضوع بالقول إنه كان يتمنّى لو أن لبنان اختار درب النضال في وجه إسرائيل، بدل درب التفاوض. أبدى استياءه من فيليب حبيب وخوفه من أن تفرض إسرائيل على لبنان شروطاً غير مقبولة سترفضها سوريا بشدة. وهاجم الجبهة اللبنانية لتعاونها مع إسرائيل لطرد الفلسطينيين والسوريين من لبنان: «والله، سيفتشون على رغيف الخبز، ولن يقدّمه لهم أحد. ونصيحتنا لكم فاوضوا إذا شئتم، لكن بصورة غير مباشرة. في أي حال، نتمنّى لكم النجاح شريطة ألاّ تحقّق إسرائيل أي مغانم. استعملوا سوريا ذريعةً لرفض كلّ ما يُطلب منكم من تنازلات».

أجبتُه بالمثل بمقدمة تاريخية، وعدت إلى التاريخ لشرح المآزق القائمة. وانطلقت من حواري أيام الدراسة الجامعية مع ميشال عفلق، ومن عدائي للصهيونية وحذري من توسّع إسرائيلي على حساب لبنان. استعرضت معه جميع الخيارات المتاحة أمامنا، فوجدنا أن الوساطة الأميركية أكثرها صدقية. لسنا واثقين من نجاحها، غير أننا اعتبرناها مجازفة تستحق أن تحظى بفرصة جدّية للنجاح. لسنا مستعدّين لاتّخاذ موقف آيديولوجي عالٍ لا يمكن تنفيذه، نريد أن نُخرج إسرائيل قبل أن تترسّخ في الأرض اللبنانية. نحن لا نملك القدرة العسكرية لإجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب بالقوة، نريد إخراجه بالدبلوماسية». ودار بيننا حوار، عندما أعدتُ على مسمعه:

- لا نريد أن نفقد لبنان.

- نحن كذلك، نحن معكم، ونريد تقديم المساعدة. ربما عليكم أن تنظروا في خيارات أخرى.

- أنا على استعداد للنظر في خيارات أخرى. أعطني خياراً واحداً.

- جامعة الدول العربية.

- إنك غير جاد، بالطبع. أنت أكثر من غيرك تعرف مصير الفلسطينيين الذين اعتادوا الاتّكال على جامعة الدول العربية. هل تريد لنا أن نعاني المصير نفسه؟

- أخي إيلي، تعلَّم من محمد علي كلاي. تحرّك بطريقة تخلق معها فرصاً جديدة. لا تتفاوض، انظرْ كيف يلاكم.

- لكن يا عبد الحليم، الملاكمون يتلامسون ويتحسّس الواحد منهما الآخر من مسافة قريبة، وهذا أسوأ من التفاوض.

- لكن لا تتفاوض، قالها وهو يضحك قبل أن يضيف: يجب أن تخرجوا من المفاوضات من دون أن تقدّموا أي شيء للإسرائيليين.

- لولا وجود سابقة فشل وإذلال فيما أصاب القضية الفلسطينية لكنتُ وافقتُك. أنا أمام واقع لا يمكن أن أقبل به. وسأختار الحل العملي الأفضل. جامعة الدول العربية ليست خياراً جدّياً يؤدّي إلى خروج إسرائيل من لبنان.

عندها انتقد خدّام العديد من الدول العربية التي تكلّمت ضد الصهيونية من غير أن تفعل شيئاً لمواجهتها. واقترح تعزيز الصفوف اللبنانية الداخلية والشروع في مقاومة مكثَّفة، ولو استغرقت زمناً طويلاً، ضد إسرائيل. فأجبتُه بأنني لا أعتقد أن النضال وحده يُخرج إسرائيل، وأننا نحتاج إلى دولة عظمى تساعدنا في التوصّل إلى اتّفاق يُخرجها ويضمن سلامة حدودنا والاستقرار في بلدنا. وأنهيتُ كلامي بالقول: «ثقوا بالحكومة اللبنانية، امنحوها ثقتكم كاملة. لبنان بلد معقّد واللبنانيون وحدهم يحسنون التعامل مع مثل هذا الوضع. سنحاول حلّ أزمتنا بالدبلوماسية. طريقتنا في معالجة الأمور تختلف عن طريقتكم. قد نتباين معكم في اختيار الوسيلة، لكننا لن نختلف حول الأهداف. أعطوا الحكومة الدعم الذي تحتاج إليه، ثم حاسبوها في وقت لاحق».

من جهته، ختم وزير الخارجية السوري كلامه بالقول: «لا مشكلة في ذلك. إننا ندعمكم. بالنسبة إلى ابنَي الشيخ بيار، أحببنا أمين، ولم نحب بشير. أردنا لأمين أن يكون رئيساً للبنان، وأن يكون رئيساً قوياً. الرئيس الضعيف يخلق المشاكل لكم ولنا».

لقد التقيتُ خدّام مراراً بعد ذلك الاجتماع، وأذكر أنّني سألته في إحدى المرّات: «لماذا تؤيدون تحريك جبهتنا مع إسرائيل وأنتم لا تحرّكون جبهتكم معها؟ فأجابني من دون تردّد: «لأنّ الأسد يحترم اتّفاق الهدنة معها، أمّا أنتم فجبهتكم مفتوحة».

- من فتحها؟ أنتم وحلفاؤكم.

- نحن نناضل في المكان المناسب.

- للحديث صلة.

اختلفتُ مع خدّام كثيراً في العديد من اللقاءات، ووصلتِ المشادة بيننا مرة إلى حدّ عنيف لم أكن أتمناه، لكن العلاقة الشخصية التي نشأت بيني وبينه لم تفتر (...).

اكتشاف شخصية الأسد

أما لقائي الأول مع الرئيس السوري حافظ الأسد، فكان خلال تناول الغداء في جناحه في الفندق في نيودلهي، والذي أعدّه طبّاخه الخاص وكان من ألذ الأطباق الدمشقية. وجدتُه مرحاً للغاية وهو يحدثّنا، بلا تكلُّف، كشاب ثوري على مقاعد الجامعة. نظر إليّ وهو يقول لي: «نحن نعرف الكثير عنك من أصدقائك أيام الجامعة الأميركية، جورج حبش، هاني الهندي، وحسّان مريود وغيرهم، وبعضهم أقرب أصدقائي إليّ». ثمّ وزّع نظره بيني وبين الرئيس الجميّل وأضاف، غامزاً من قناة الأخير، لكن بشكل فكاهي ومرح لإعطاء طابع شخصي وحميم: «أنت، بقدر ما نعلم عنك، عربي جيّد، ماذا يفعل ثائر عربي مثلك مع عائلة الجميّل الانعزالية؟»، وكي يزيد من الالتباس حول ما إذا كان ما يقوله يقصده بالفعل أم مجرّد مزاح، ضحك الأسد عالياً. والنكتة جزء لا يتجزّأ من الدبلوماسية الأسدية، بها يوصل ما يريد إلى الطرف الآخر، تاركاً خط العودة عما قاله مفتوحاً. يحب أن يريح ضيفه كي يخفّف من حذره فيتكلّم بانسياب. يلعب أوراقه بسخاء، أما الورقة الحاسمة فيحتفظ بها لنفسه بحرص شديد جداً، إلى أن يلعبها حين يعتبر أن الوقت الملائم قد حان. وما قاله للرئيس الجميّل كان بالنسبة إلى الأسد شكلاً من أشكال التقرّب، وما كان يقصد بذلك أي تجريح، وإن كان لا يمانع بأن يُصاب بشيء من الإرباك، فردّ الجميّل: «لمعلوماتك إيلي أكثر لبنانية من بيار الجميّل، إذا كان ذلك ممكناً». وضحك الأسد بعدما شعر بأن نكتته قد تكون فعلت فعلها.

الرئيس حافظ الأسد مودعاً الرئيس أمين الجميل في مطار دمشق (أرشيفية)

بهذه الأجواء المرحة تعلّمنا المزيد عن شخصية الأسد، إنّه مُضحك لكنّه صارم، مُتساهل ظاهرياً، لكن لا يتغيّر في المضمون. استدار ثانية صوبي، وقال: «نقدّر تصريحاتك وسياستك. الظاهر أن الكورة، أو ربما الأرثوذكسية، تنتج رجالاً عظاماً. لا، لا، ليس على الدوام. دعني أتذكّر. لقد أنتجتْ شارل مالك، فيلسوف جيّد لكنه سياسي سيّئ؛ وأعطتْ أيضاً أنطون سعادة، أرثوذكسي ولكن ليس من الكورة، والذي كان قائداً عظيماً وله أتباع كثيرون في سوريا، غير أنه لم يفهم القومية العربية حق الفهم».

شعرتُ يومذاك أن الأسد يحب أن يتكلّم، بل يستمتع في الكلام والمناقشات. كان يعير اهتمامه الكبير للقضايا الكبيرة، ويفضّل ألاّ يناقش تفاصيلها. أدهشتني إحاطته بجوانب السياسة اللبنانية ومنعرجاتها. كان هو وخدّام، كمن يقرأ في كتاب واحد، وضعاه معاً. يستذكران الأسماء والأحداث، من غير أن يحاولا أن يخفيا دورهما فيها. وأظهر الرئيس السوري اهتمامه الكبير بلبنان وبتوازن القوى فيه، وبواقع التطورات الجارية فيه على إيقاع سير الأحداث الدائرة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على المستقبل.

بدا الأسد في هذا اللقاء معنا تواقاً لمعرفة أمر واحد بالتفصيل، وهو اتّجاه المفاوضات الصعبة التي كانت، في تلك الأثناء، تجري بيننا وبين الإسرائيليين. وحرص على أن يؤكّد لنا رفضه أي اتّفاق مع إسرائيل يمكن أن يسيء إلى سيادة لبنان واستقلاله، طبعاً من منظوره، مشيراً إلى أنه مستعد لمغادرة لبنان إذا تمّ التوصل إلى اتّفاق مناسب. وخرجنا من الاجتماع بانطباع أن الأسد بالفعل قائد مجرّب وسياسي محنّك، ولاعب بارع على مسرح الشرق الأوسط، كما كانت صورته السائدة في ذلك الحين في العديد من الأوساط اللبنانية والعربية والدولية. وهذا ما جعلنا نشعر بأننا مقبلون على شدّ حبال معه غير سهل.

كانت قمة عدم الانحياز مناسبة للاجتماع بالعديد من الوفود والشخصيات العربية. وإذا كان الفلسطينيون أبدوا استعدادهم لانسحاب قواتهم من لبنان، غير أنهم رفضوا تحديد مهل محدّدة. وأبدى الوفد دعمه القوي لجهودنا الرامية إلى إخراج الإسرائيليين عبر المفاوضات الجارية، محجمين عن إعطاء نصائح بوجوب وقف التفاوض واعتماد النضال المسلّح لإخراج المحتلّين بالقوة العسكرية، كما فعل السوريون. لقاء آخر تستحق الإشارة إليه كان بين الرئيسَين الجميِّل والوزّان مع الرجل الثاني في النظام الليبي عبد السلام جلّود الذي بدأ حديثه باتّهام الجميّل بالخيانة بسبب قبوله التفاوض مع الإسرائيليين، وخرج من اللقاء موافقاً تمام الموافقة على الموقف اللبناني؛ ما حدا بالرئيس الوزّان إلى التعليق على التحوّل في موقف جلّود من النقيض إلى النقيض بأنه أفضل حتى من اهتداء شاول وهو على طريق دمشق، وأضاف أن الجميّل «جَلَدَ جلّود». واتّخذتُ قول الوزان شعاراً ألجأ إليه كلما تعقّدت الأمور مع أي قائد عربي آخر، محدِّثاً نفسي: «لا تنسَ جَلْدَ جلّود».

في نهاية أعمال القمة، وزّعت الأمانة العامة لمنظّمة دول عدم الانحياز البيان الختامي، ففوجئتُ بأن القرار المتعلّق بلبنان مختلف عن النص الذي أعددتُه وأرسلتُه بناءً على طلب من السفير الهندي، بعد اعتراضي عليه والنقاش الذي دار بيننا، كما سبق وذكرتُ. وفي حين كنتُ أسجّل اعتراضي وأطلب اعتماد النص الذي أرسلناه، قال لي خدّام إن الهيئة العامة أقرّتْ بالإجماع القرار المتعلّق بلبنان، وإنه النص الصحيح وهو مناسب وجيّد، فأجبتُه: «لا، ليس الصحيح، ولا المناسب وهو مرفوض. فلنعد إلى النص الذي أعددته، وهكذا كان». وهنا علمتُ أن خدّام كان مطّلعاً على مسألة استبدال فقرة لبنان في البيان الختامي، إن لم يكن هو بنفسه وراءها، إعداداً وتنفيذاً ومضموناً يتوافق مع توجّهات النظام السوري. وفي كلّ مرة أتطرّق إلى هذه الحادثة في نيودلهي، أتذكّر حديثاً لاحقاً بيني وبين خدّام، قال لي فيه: «نحن في سوريا، لسنا دولة. نحن نظام له رأس واحد وهو الرئيس حافظ الأسد... وأنا الرجل الثاني. والقانون عندنا هو ما يتناسب مع النظام». فقلتُ له: «والحقيقة كمان»، فضحك ضحكته العالية الشهيرة.

الرئيس اللبناني أمين الجميل مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز في قصر بعبدا في 28 أبريل 1983 (غيتي)

عندها أشرفت على توزيع البيان المتضمِّن القرار الصحيح بشأن لبنان. ولعدم ترك أي مجال للتلاعب؛ أرسلتُ القرار الذي وضعنا مسودّته إلى جميع سفاراتنا، وطلبتُ منها أن توزّعه على نطاق واسع، باعتباره القرار الرسمي الذي تبنّته قمة دول عدم الانحياز، بالإجماع.

خلال أعمال المؤتمر، زارني السفير الأميركي في نيودلهي، بمقر إقامتي، وأخبرني أن وزيره جورج شولتز، اتّصل به وطلب منه أن ينقل دعوة شولتز لي لزيارة واشنطن، واجتمع به قبل أن يلتقي وزير الخارجية الإسرائيلية إسحق شامير يوم الأحد، في 13 مارس. فأجبتُه بأني على استعداد لذلك؛ شرط ألاّ يكون شولتز في صدد التفكير بعقد لقاء يجمعني بشامير. ولمّا تأكّدتُ من أنّه لا نيّة لدى الوزير الأميركي بمثل هذا اللقاء، قررتُ أن ألّبي الدعوة، وأبلغتُ سفير الولايات المتّحدة بأنني سأكون في واشنطن يوم السبت في 12 مارس، للاجتماع بشولتز.

القلق من بطء المفاوضات وتعثّرها

لسخرية القدر، كانت الغالبية الساحقة من القوى التي تقاتلت في أبريل (نيسان) 1975، بمن فيهم قادة منظّمة التحرير الفلسطينية، من الداعمين لنجاح المسار التفاوضي مع إسرائيل الذي انطلقنا فيه لإخراج ليس فقط قواتها المحتّلة، بل أيضاً جميع القوات غير اللبنانية. بعضهم أعرب عن موقفه بشكل علني، وشكّل مظلّة وطنية حقيقية، مثل الرئيس صائب سلام، وبعضهم في السرّ، وشكّل دافعاً قوياً لنا، لكي نثق بأنفسنا وبصوابية خياراتنا وما نعمل له، ونمضي قدماً، رغم كلّ المخاطر والمطبّات والتهديدات التي أخذت سوريا تمررها من وقت إلى آخر، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتزداد وتيرتها مع اقتراب المفاوضات من نهايتها.

لعل أبرز المواقف غير المُعلنة، موقف رئيس الحكومة السابق رشيد كرامي، الذي قال لي في جلسة خاصة: «رجاءً، أسرعوا. ما دام الأميركيون مصمّمين على نحو كهذا، ينبغي عدم تفويت فرصة استعادة لبنان سيادته على كلّ أراضيه. تجب الاستفادة من الدعم الأميركي؛ إذ لا شيء يضمن مستقبلاً خروج الجيش السوري».

آرييل شارون مع قواته في جنوب لبنان عام 1982 (غيتي)

نقلتُ هذا الموقف المتقدِّم إلى رئيس الجمهورية، ولم أطلِع عليه سوى قلّة قليلة جداً، من بينها رئيس الحكومة شفيق الوزّان؛ حفاظاً على سلامة الرئيس كرامي. حتى عندما اضطُر الأخير برأيي، بنتيجة الضغط السوري وظروف حضوره في طرابلس، إلى أن يعلن موقفاً ضد الاتّفاق، ارتأيتُ أن أبقي كلامه طيّ الكتمان.

كان الأميركيون أيضاً قلقين جداً من مراوحة المفاوضات مكانها، وبخاصة جورج شولتز، الذي كان مهتماً بإيجاد مخارج للنقاط العالقة في مفاوضاتنا الدائرة مع إسرائيل والتي كانت تعيق تقدّمها، نتيجة إصرار إسرائيل عليها: مثل مستقبل سعد حدّاد والمناورات المشتركة بين الجيشَين اللبناني والإسرائيلي، وأبراج المراقبة، خصوصاً في الباروك، وتطبيع العلاقات. استمعت إليه ثم شدّدت أولاً على أن مشكلة الرائد في الجيش اللبناني سعد حدّاد هي مشكلة لبنانية، وسنحلّها في إطار لبناني كما نريد. وبالنسبة إلى المناورات المشتركة، لا يمكننا التفكير بها؛ لأننا لسنا في صدد عقد معاهدة سلام، وبالتأكيد لسنا حلفاء لنقوم بنشاطات مشتركة، خصوصاً في قضايا حسّاسة كالتعاون العسكري والأمني. ولا يمكننا ثالثاً أن نستجيب لرغبة آرييل شارون في إنشاء أبراج مراقبة على أراضينا، «لا في الباروك ولا في مكان آخر؛ لأننا بذلك نعرّض سلامتنا وسلامة أشقائنا، وفي مقدّمتهم سوريا، للخطر. والتطبيع أيضاً غير وارد، ولا يمكن أن يتحقّق إلاّ في إطار سلام شامل بين إسرائيل والدول العربية. وبما أنني كنتُ في صدد ترك انطباع إيجابي لديه، قلتُ له أن ينقل إلى شامير أن لبنان لن يسمح بعد الآن بأن تكون أراضيه قاعدة عمليات ضد إسرائيل، لا من قِبل منظّمة التحرير الفلسطينية ولا من قِبل أي فصيل آخر. وأكّدتُ عزم الحكومة اللبنانية على تعزيز الجيش اللبناني وتقويته وتسليحه لتمكينه من القيام بدوره كاملاً، مستفيداً من دعم «اليونيفيل»، ومؤازرتها له.

رغم تأكيد شولتز أن لا نية لديه في جمعي بشامير، فإنه ألمح لي بأن اجتماعاً بيني وبين وزير الخارجية الإسرائيلية من شأنه أن يحلّ إشكالات عدة ويسهّل مسار المفاوضات، «وقد يُعطي الإسرائيليين الثقة التي يحتاجون إليها للسير بالاتّفاق». فأجبتُه بأن الأمر غير وارد على الإطلاق، وشرحتُ له مطوَّلاً الأسباب التي تمنعني من ذلك، وهو من دون شك لم يكن غريباً عنها. وكما توقّعتُ، سُرّ شولتز بما قلتُه له عن عدم السماح لأحد باستغلال الأراضي اللبنانية لمهاجمة إسرائيل، وفي ظنّي أعطاه دفعاً لمحادثاته في اليوم التالي مع شامير. فقد أسرّ إليّ في وقت لاحق بأن الإسرائيليين ارتاحوا إلى هذا الموقف، وتوقّفوا عنده بإيجابية.

يبقى همّنا التواصل المستمر مع سوريا والتخفيف من حدة الموقف الإيديولوجي الذي اتخذه الأسد.

أراد الرئيس الجميل أن يظهر لأميركا دعم المسلمين له. وقرّر إرسال صائب بك سلام، الزعيم السني البارز، للقاء الرئيس ريغان بوفد يضم سالم و(غسان) تويني و(جان) عبيد. وفي اجتماعنا معه في البيت الأبيض بحضور كبار معاونيه، سأل شولتز الرئيس سلام عن مشاعر المسلمين في لبنان نحو منظّمة التحرير الفلسطينية، فأجابه بأن المسلمين ملتزمون بالقضية الفلسطينية، ويدعمون منظّمة التحرير في نضالها، لكنهم لا يدعمون قيامها بنشاط عسكري يعرّض لبنان للخطر، وأنه يعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأن لبنان سيقوم بهذا التطبيع بعد مبادرة الدول العربية إلى ذلك، لا قبله.

نحن في سوريا لسنا دولة... نحن نظام له رأس واحد هو الرئيس حافظ الأسد وأنا الرجل الثاني

عبد الحليم خدام

الإسرائيليون مفاوضون في منتهى الصعوبة

أمضينا أسبوعاً مثمراً في واشنطن، فقد تمكّنا من أن ننقل للأميركيين، ومن خلالهم للإسرائيليين، وجهة نظرنا. وخلال مأدبة عشاء في دار الأمير بندر بن سلطان، سفير السعودية لدى واشنطن، مساء الخميس في 17 مارس، التقينا مجدّداً الوزير جورج شولتز الذي حذّرنا من أن الإسرائيليين مفاوضون في منتهى الصعوبة، ويحاولون انتزاع كلّ شيء من لبنان. وأضاف: «لكننا نقف إلى جانبكم لحماية حقوقكم». أثناء العشاء، أخبرت بندر بأنني أترك غداً إلى لندن، فأجابني: «وأنا كذلك، تعالَ معي في طائرتي الخاصة وأنا أقودها أتحدّث معك».. فوافقتُ، وأخذنا الطائرة في الليلة نفسها. غير أنني سرعان ما ندمتُ، لأن الأمير محدّث لبق وصاحب نكتة، وأبقاني صاحياً طوال الليل، وهو يروي لي تجاربه كطيار مقاتل، في حين كنتُ أحاول عبثاً أن أختلس بضع دقائق للنوم، بعد أسبوع حافل مرهق.

 

(...)

كان لي أيضاً في مدينة الضباب، في 19 مارس، اجتماع مهم وممتع كالعادة مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الذي كانت صداقتي الشخصية معه تزداد في كلّ لقاء. فإضافة إلى تفهّمه أوضاع لبنان وظروفه، والضغوط التي كان يتعرّض لها، كان الفيصل رجلاً مثقّفاً ومنفتحاً على العالم والأفكار والناس. وكلّما ازداد معرفة وثقة بمن يلتقي بهم، كان الأمير يكشف عن ذاته ورؤيته ونظرته إلى الحياة أكثر.

كما اجتمعتُ في عاصمة المملكة المتّحدة بالوزير خدّام وأطلعتُه على موقف واشنطن من المفاوضات وثقتهم بأنها ستفضي إلى نتيجة رغم تعنّت الإسرائيليين. وهنا نصحني خدّام بأن تكون محادثاتنا الجدّية مع جورج شولتز؛ لأنه رجل مسؤول وواقعي. غير أن للرجل مشكلة واحدة هي أنه يصغي أكثر مما يتكلّم، فعلّقتُ ممازحاً: «يا عبد الحليم، أنت ما عندك هالمشكلة». ثم طلب بإلحاح أن نطلعه خطّياً على ما يجري في المفاوضات، فجان عبيد «لا يقول لنا سوى ما ترفضونه أثناء المحادثات، وهذا أمر جيّد، لكننا نود أن نعرف أيضاً بماذا قبلتم. جان يخبرنا بالعموميات، لكنني أريد أن أعرف التفاصيل بصورة خطيّة. نحن في لبنان لمساعدتكم. استعملونا وسيلةَ ضغطٍ على الإسرائيليين. وحين تتوصّلون إلى اتّفاق خالٍ من التنازلات مع إسرائيل، تعالوا إلى دمشق. وخلال نصف ساعة، نتّفق على سحب قواتنا من لبنان. فالأميركيون يسألوننا دائماً: متى ستنسحبون؟ ماذا يريدون مني؟ هل يريدون أن أسجّل لهم شريطاً؟ طيّب، سأفعل ذلك وأقول فيه: (سننسحب، سننسحب، سننسحب!) وأبلغتُ خدّام:

- قلنا للإسرائيليين، بواسطة الأميركيين، إن الجيش اللبناني الجديد قادر على حفظ الأمن في جنوب لبنان، وتأمين الاستقرار فيه، ومنع التسلّل عبر الحدود للقيام بأعمال عدائية ضد إسرائيل.

- هل قبلتم بتطبيع العلاقات؟

- لا، لن نفتح حدودنا مع إسرائيل، ونغلقها بالتالي مع شقيقاتنا الدول العربية الأخرى. هل يمكن أن نحصل على تعهّد بجدول الانسحاب السوري من لبنان؟

- هذا أمر تقني، خارج عن صلاحياتي.

- هل ستقبل سوريا باستقبال بعض مقاتلي منظّمة التحرير الذين سينسحبون من عندنا؟

- يجب أن يذهبوا إلى الجزائر أو المغرب أو السعودية. ومَن سيبقى من الفلسطينيين في لبنان يجب تجريدهم من سلاحهم. هل صحيح أن لبنان توصّل إلى اتّفاق مع إسرائيل؟ لقد قال لي السفير الفرنسي في نيودلهي شيئاً من هذا القبيل.

- حين نقترب من الاتّفاق مع الإسرائيليين، وقبل التوقيع على أي شيء، سآتي إلى دمشق، وأقدّم لك المسودة، وسأبحثها معك، وستكون أول من يعلم بها، لا سفير هذه الدولة أو تلك (...)

- سوريا ستبذل ما في وسعها لتحقيق هذا الهدف. لبنان دولة مستقلّة، ومن الطبيعي أن تفعل ما يصبّ في مصلحتها. أما سوريا، فتنظر إلى المسألة من منظور الصراع العربي - الإسرائيلي. إننا ندعم جهودكم، لكننا أيضاً مقيّدون بمنظورنا. آمل ألاّ يصطدم الأمران.

أخبرت بندر بأنني أترك غداً إلى لندن فأجابني: «وأنا كذلك... تعالَ معي في طائرتي الخاصة وأنا أقودها»... وافقتُ غير أنني سرعان ما ندمتُ

إيلي سالم

احتمالات الخلاف مع سوريا

لقد بدأنا نتلمّس بوضوح عبر اتّصالاتنا المباشرة وغير المباشرة مع السوريين أن احتمالات الخلاف معهم قائمة. لقد كانت لهم أولوياتهم واهتماماتهم الإقليمية والدولية، ومن الصعب عليهم أن يقبلوا بأن نفاوض لعقد اتّفاق يمكن أن تكون له انعكاسات على دورهم ومصالحهم الوطنية والقومية، وفق نظرتهم لها، والتي يمكن ألاّ تنسجم مع أولوياتنا الرامية إلى إنهاء كلّ ما من شأنه أن يعطي إسرائيل ذريعة لعدم انسحاب قواتها من لبنان.


مقالات ذات صلة

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

المشرق العربي طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

تتداخل مسارات التصعيد الميداني الواسع مع مؤشرات سياسية حذرة على وقفٍ محتمل لإطلاق النار، في مشهد جنوبي مفتوح على كل الاحتمالات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رجل يقف على جزء متضرر من جسر القاسمية الذي استُهدف بغارة إسرائيلية بالقرب من مدينة صور بجنوب لبنان 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

الجيش اللبناني: تدمير إسرائيل جسر القاسمية عزَل جنوب الليطاني عن بقية البلاد

أعلن الجيش اللبناني أن الضربات الإسرائيلية التي دمّرت جسر القاسمية الرئيسي عند أطراف مدينة صور، تسبّبت بعزل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني عن بقية البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

يتحرّك سكّان بيروت وضاحيتها الجنوبية داخل هامشٍ ضيّق من الأمان المعلن والخطر الفعلي، حيث لا تُقاس الحياة بعودة الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
TT

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقاء خطابه أمام الأمة بشأن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام بدءاً من الساعة 12:00 منتصف ليل الخميس - الجمعة بالتوقيت المحلي، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ سعياً إلى اجتماع بينهما قريباً في البيت الأبيض، والى إحداث اختراق في المحادثات الوليدة للسلام بين البلدين.

وسبق إعلان ترمب هذا اتصالات صباحية أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، مع عون الذي أبلغه أنه يرفض التحدث مع نتنياهو، مكرراً أن لبنان يرفض إجراء مفاوضات إضافية، بعد المحادثات التمهيدية التي أجريت برعاية روبيو بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذا لم توافق إسرائيل على وقف القتال الدائر مع «حزب الله».

مواطنون هرعوا إلى سيارة تعرضت لضربة إسرائيلية على طريق بلدة الجية جنوب بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الاطلاع أن روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقلا إلى الرئيس ترمب هذا الموقف الذي يركز على ضرورة أن يحتذي لبنان وإسرائيل بما فعلته الولايات المتحدة وإيران لجهة وقف النار قبل الشروع في المفاوضات. وأضاف المصدر أن الرئيس ترمب «وافق على هذه المقاربة»، ولكنه شدد على «عدم تلازم المسار اللبناني - الإسرائيلي مع المسار الأميركي - الإيراني» على رغم «أهمية التزامن بينهما».

وعلى الأثر، اتصل ترمب بنتنياهو، طالباً منه وقف النار. وحذّره من أنه إذا لم يفعل فإنه (ترمب نفسه) سيعلن ذلك.

الحرب العاشرة

وفي ضوء هذا التطور، كتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «أجريت للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واتفق الزعيمان على بدء وقف النار لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:00 منتصف الليل بتوقيت بيروت)؛ وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما». وأضاف: «الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ووجهت نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كاين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم». وزاد: «كان لي شرف المساهمة في حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون الحرب العاشرة، فلنعمل معاً على إنجازها!».

وبعد دقائق، كتب ترمب مجدداً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض «لإجراء أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، أي منذ زمن طويل». وأضاف أن «كلا الجانبين يرغب في تحقيق السلام، وأعتقد أنه سيتحقق سريعاً!».

وقبل ذلك، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً عن الاتصال بين الرئيسين ترمب وعون. وأضاف أن الرئيس عون «جدد شكره للجهود التي يبذلها ترمب من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار بشكل دائم؛ تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة. وتمنى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت ممكن». ونقل عن ترمب «رده بدعمه للرئيس عون ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في اسرع وقت».

وكان ترمب كتب الأربعاء أنه «يحاول إيجاد متسع من الوقت بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أن عون ونتنياهو سيتحدثان عبر الهاتف الخميس. غير أن عون رفض ذلك.

وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

سيدة إلى جانب قبر أحد أقربائها في مدينة صور (رويترز)

وكانت الرئاسة اللبنانية أصدرت بياناً آخر بُعيد الاتصال من روبيو، الذي أكد استمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف النار تمهيداً لاتفاق طويل الأمد من أجل السلام والأمن والاستقرار في لبنان.

وقبل إعلان ترمب، أفاد مسؤول دفاعي إسرائيلي بأنه يمكن إعلان وقف النار الخميس. وقال: «نحن أمام مفترق طرق. لا شيء نهائياً، لكن من الممكن أن يحدث ذلك».

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة النادرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.

وهددت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بتقويض وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ينتهي الأسبوع المقبل. وأصرت إيران مراراً على توسيع الهدنة لتشمل لبنان، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.


الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة، والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية تنظّم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، من محدودية الخيارات السياسية وصعوبة التصويت في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ما يقلّل من حماستهم للمشاركة.

في 25 أبريل (نيسان)، يختار الناخبون ممثليهم في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية وفي مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية في رام الله إن نحو مليون ونصف مليون شخص سجلوا للتصويت في الضفة الغربية، مقابل 70 ألفاً آخرين في دير البلح.

ويبدي كُثر خيبة أمل من قانون انتخابي جديد صدر بناء على مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشترط على جميع المرشحين الموافقة على ميثاق وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية من أجل التسجيل.

وقال خوميني سليمان، وهو تاجر قطع سيارات من قرية بيت عور قرب رام الله، إن «مسألة (التزام المرشحين) بالاتفاقيات التي تلتزم بها منظمة التحرير (مع إسرائيل)، موضوع لا أتفق معه نهائياً».

ورغم أن بعض المرشحين قالوا إن القوانين الجديدة منعتهم من الترشح، أشار مراقبون إلى تراجع عام على المستوى السياسي.

عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

وقال خبير فلسطيني في شؤون الانتخابات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «الحقيقة أن الأحزاب السياسية اختفت فعلياً من المشهد السياسي الفلسطيني».

أما المواطن محمد التاج، وهو من سكان رام الله، ورغم أنه «فخور» بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رأى أن دعم ميثاق المنظمة الذي يعترف بإسرائيل، يجب ألا يكون شرطاً للترشح.

وأكد التاج أنه لن يصوت في الانتخابات قائلاً: «أعتبر نفسي مقاطعاً للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وأدعو الآخرين إلى مقاطعة هذه الانتخابات».

ولفت إلى أن هذا الاقتناع تولّد لديه بسبب تواصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وينظم الفلسطينيون الانتخابات المحلية بشكل منتظم. أما آخر انتخابات تشريعية جرت فكانت في عام 2006، عندما حققت حركة «حماس الإسلامية» فوزاً ساحقاً على حساب حركة «فتح» بزعامة عباس.

وغالباً ما يدعو المجتمع الدولي عباس (90 عاماً) الذي انتُخب في عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، إلى إجراء انتخابات رئاسية.

وتوزعت القوائم التي ترشحت للانتخابات المحلية في الضفة الغربية بين تابعة لحركة «فتح» أو مستقلة، فيما غابت القوائم التابعة لحركة «حماس».

ولاحظ عارف جفال، وهو خبير فلسطيني آخر بشؤون الانتخابات، أن هناك بعض «العوامل الإيجابية» في القانون الجديد الذي خفّض سن الترشح إلى 18 عاماً، ورفع حصة تمثيل النساء إلى 25 في المائة.

لكنه انتقد نقل بعض صلاحيات البلديات إلى وزارة الحكم المحلي، مما يعزز سلطة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

وستتنافس قوائم حركة «فتح» والقوائم المستقلة التي يقودها مرشحون من فصائل فلسطينية أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في معظم المدن.

أما في مدينة رام الله، فلم تترشح سوى قائمة واحدة ما يعني أنها ستفوز بالتزكية.

وبدت رائدة البرغوثي (49 عاماً) متحمسة للانتخابات، خصوصاً أن قريتها كوبر ستشهد معركة انتخابية لأول مرة منذ عقد، بعد سنوات فازت فيها قائمة واحدة بالتزكية.

وأملت البرغوثي أن يكون هناك «دور للمرأة على صعيد المشاركة في العرس الديمقراطي... فمن حقنا أن نصوّت».

وفي قطاع غزة الذي تدير حركة «حماس» شؤونه، تُجري السلطة الفلسطينية الانتخابات فقط في منطقة دير البلح «كتجربة (لاختبار) نجاحها أو فشلها؛ لأنه لا توجد استطلاعات رأي بعد الحرب»، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في القاهرة جمال الفادي.

وقال الفادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخيار وقع على دير البلح؛ لأنها من المناطق القليلة في غزة التي «بقي سكانها إلى حد كبير في أماكنهم، ولم يتعرضوا للنزوح» جراء أكثر من عامين من الحرب مع إسرائيل.

وبحسب المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، استعانت اللجنة بموظفي اقتراع من منظمات المجتمع المدني، واستأجرت «شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع» في غزة.

ورغم أن اتفاق الهدنة أوقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن نحو نصف قطاع غزة لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين.

ولدى سؤاله عن التنسيق مع إسرائيل أو «حماس»، قال طعم الله إن اللجنة تتواصل بشكل غير مباشر مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، و«دون مشاركة أطراف أخرى».


مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».