«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

«مهرّب» ملفات التعذيب السورية لـ«الشرق الأوسط»: عشت مع الضحايا كأنهم أصدقائي (الحلقة الثالثة الأخيرة)

TT

«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)
من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

في الحلقة الأخيرة من مقابلته الموسّعة مع «الشرق الأوسط»، يروي أسامة عثمان، «مهرّب» ملفات التعذيب السورية المعروفة باسم «ملفات قيصر»، كيف عاش لسنوات مع صور الضحايا حتى باتوا «كأنهم أصدقائي».

ويحكي كيف كان يبكي في البداية أمام الصور «ثم تبلدت مشاعري». ويقول: «عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً، لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لأبحث عن صورة أحسست أنني غريب عن نفسي... بشار الأسد شوّه الضحايا من الخارج وشوّهنا من الداخل».

وقال عثمان الذي عُرف على مدى 11 عاماً باسمه الكودي «سامي» قبل أن يكشف عن هويته عبر «الشرق الأوسط»، إن «أكثر ما يؤلمك أن تسمع أقارب ضحية يتعرفون عليه من الصور ويقولون: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من آلام الانتظار... تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد».

وشارك «سامي» أبرز ما استوقفه في الصور التي بلغ عددها نحو 27 ألفاً، مثل «وجود أكثر من صورة يحمل فيها الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره»، أو ابتسامات عناصر الأمن أمام الجثث المشوهة بآثار التعذيب «وكأنهم في منطقة سياحية». وفيما يلي نص الحلقة:

«كأنهم أصدقائي»

* كيف استطعت احتمال رؤية هذا الكم الهائل من صور التعذيب؟

- أول صور وصلتني من «قيصر» كانت مؤلمة جداً. أنت لا تتصور. يمكنك أن ترى رجلاً أطلق عليه النار وقُتل في مواجهة عسكرية أو في جريمة جنائية عادية وتستطيع أن تتفهم الذي حصل. لكن أن تصل إلى يديك صور تظهر على صدور الضحايا آثار الحرق في مواضع متعددة!

عندما أرى هذه الصور أتعايش معها. أحس أن هذا الرجل هو أخي، هو أبي. ربما يتضاعف الألم هنا. أشعر بآثار الحرق على هذه الجثة وكأنه على صدري. ما الذي دفع المجرم إلى التنكيل بهذه الضحية بهذا الشكل؟ أقتله! أحكم عليه بالقتل! إذا كان دخل إلى السجن لكي يموت فيه، فاقتله. لماذا تقوم بالتعذيب بهذه الطريقة الهمجية؟ نحن لم نر عبر التاريخ نظاماً يصرف هذه الإمكانات لكي يقوم باحتجاز أعداد هائلة جداً من المواطنين، ويقوم بتعذيبهم بهذه الطريقة التي لا تستطيع العقول البشرية السوية أن تتخيلها.

* هل كنت تعاني من الأرق وقلة النوم. هل كنت تبكي مثلاً؟

- في المراحل الأولى لا تستطيع أن تمنع نفسك من البكاء، لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا مجرد أرقام. هؤلاء الأشخاص لديهم أمهات تنتظرهم. لديهم أبناء. لديهم إخوة. لديهم قصة حياة. بشار الأسد حوّل هؤلاء إلى صورة ورقم، وحتى الآن بعد 10 سنوات من خروجنا لسوريا لدينا آلاف الصور التي تحمل أرقاماً من دون أسماء. لا نستطيع أن نعرف صاحب هذه الصورة ما اسمه، وكان لدينا أمل أنه عندما يسقط النظام نستطيع أن نحصل على السجلات التي تربط أسماء هؤلاء بأرقامهم، ونحن حتى هذه اللحظة لم نحصل عليها.

لذلك نعمل الآن في منظمة «ملفات قيصر للعدالة» مع بعض الجهات كي يكون لدينا تطبيق يمكنه مقارنة صور المفقودين التي قد يقدمها الأهالي مع الصور التي لدينا بالطريقة التي تتبعها عادة أجهزة البحث الجنائي في الدول، وتعتمد ربما على قياسات الجمجمة وعلى بعض التفاصيل الأخرى التي لا يمكن للعين المجردة أن تقوم بملاحظتها.

* قلت إنك كنت تبكي في البداية وتتأثر كثيراً بالصور. ماذا حدث لاحقاً بعد سنوات من العيش مع صور الضحايا والتعذيب؟

- بشكل طبيعي عندما يتكرر تصفح هذه الصور عشرات المرات - وهذه آلاف الصور - فأنت تمر أمامك الصورة. عندما سألتني عن موضوع الجثث والضحايا، فأنا في ذهني مباشرة الفرع 227 بعدّه الفرع الذي تكثر فيه حالات اقتلاع العيون. هذا لأنني شاهدت هذه الصور مئات المرات. الفرع 215 هو الفرع الذي قام بأكبر عدد ممكن من الانتهاكات تجاوزت نصف إجمالي هؤلاء الضحايا. هذه الأرقام حُفِرت بذاكرتي، كما حُفِرت صور الضحايا في السنوات الأولى. وصلت إلى مرحلة ربما إذا رأيت صورة أقول لك هذه من الفرع الفلاني.

سورية ضمن مجتمعين أمام سجن في دمشق غداة سقوط الأسد أملاً بجلاء مصير ذويهم المفقودين (أ.ف.ب)

أصبح هؤلاء كأنهم أصدقائي. بعض الصور كان يبدو فيها على الضحية أنه في اللحظة الأخيرة كان يصرخ. مات وفمه مفتوح. هذه الصرخة التي لم يسمعها سوى الله وصلت إلينا عبر الصورة. أحسست أنني كنت أعيش معه، أحسست أنه يطلب شيئاً ويكلفنا ويحملنا أمانة.

في السنوات التالية، وكأن مشاعرنا قد تبلدت. وهذا كان أمراً محزناً. يعني، عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً. لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لكي أبحث عن صورة، أحسست أنني غريب عن نفسي. بشار الأسد جعلنا نتشوه، ليس من الخارج فقط كما فعل بهؤلاء الضحايا، ولكن من الداخل أيضاً.

* جرت عمليات قتل في المستشفيات كما سمعنا... هل ضلع أطباء في عمليات التعذيب؟

- من خلال الملف الذي خرجنا به من سوريا، كانت لدينا صور كما ذكرت قبل قليل لأشخاص لا تزال الأنابيب في أذرعهم واللصقات الطبية على أجسادهم. الكثيرون ممن يتضح أنهم كانوا في المستشفيات وانتُزعوا منها وكانوا يتعالجون بطريقة أو بأخرى لا أعرف ما الذي حصل لهم بالتحديد. هل هم اعتقلوا وأخذوا إلى المشفى أو هم مرضى ودخلوا المشفى ثم اعتقلوا من هناك؟

لا أستطيع أن أجزم بهذا الأمر ولا أبت في هذه التفصيلة لأنها تحتاج إلى أدلة أخرى لا أملكها بالتأكيد. شهدنا بعض المحاكمات في ألمانيا لأطباء اتهموا بارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين، وهذا الأمر - إذا خرجنا من إطار البحث الحقوقي الصارم والذي لا يأخذ إلا بالأدلة - نجد كثيرين من الناحية الشعبية يتداولون هذه القصص حوله. ولكن كما ذكرت قبل قليل أي تداول إعلامي أو شعبي لعمليات القتل والتعذيب لا يكون له سند قانوني حقيقي لا يصمد للأسف أمام أي قاضٍ في أي محكمة في العالم.

التعرف على الضحايا وآلام الانتظار

* كشفت الصور عن مصير حالات مفقودين. هل اتصل بك أقارب لأصحاب الصور، وماذا كان شعورك تجاه هؤلاء؟

- على فترات متقاربة أو متباعدة كانت تأتيني صور بعض الأشخاص يشتبه ذووهم بأنهم قد يكونون من الضحايا الذين وردوا في ملف قيصر، وأحاول بالوسائل الطبيعية مساعدتهم. أقوم بتصفح آلاف الصور والمقارنة. أتنقل بعيني بين الصورة التي أرسلها الإخوة وصور «قيصر» وأحاول أن أجد ملامح الشبه. هذا الأمر كان يستغرق مني وقتاً طويلاً جداً حتى أستطيع أن أجد صورة فعلاً مشابهة لتلك الملامح في غالب الأحيان.

في غالب الأحيان عندما نرسل صورة الجسد الكامل للضحية إلى الأهل، لا يكون هو. وفي حالات قليلة يكون هو، وأكثر ما يؤلمك أن تسمع كلمة «الحمد لله. الحمد لله». لماذا؟ لأنه مات. الحمد لله تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد. أهل الضحية يقولون لك: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من حالة الانتظار وآلام الانتظار. هذا ينقلك إلى التفكير بمن أوصلهم إلى هذه الحالة، أن تصل الأم أن ترى ابنها معذباً بهذا الشكل وميتاً وتقول الحمد لله.

لدينا صور لبعض الأشخاص الذين فقدوا عيونهم. هناك صورة لضحية في فرع المخابرات الجوية، وهناك وشم على أسفل الصدر إلى ما فوق السرة بقليل لبشار الأسد وتحته مكتوب سوريا الأسد. هذا الرجل تم قتله تحت التعذيب في فرع المخابرات الجوية في دمشق.

في صورة أخرى عدد كبير من الضحايا من الجثث الملقاة في العربة وتنتمي إلى عدد من الفروع وليست من فرع واحد. وفي خلفية الصورة هناك جثث تم صفها بجانب بعضها وجثث ألقيت في العراء خارج المرأب، وهناك بعض الأعضاء المتعفنة. ما يثير الحسرة في هذه الصورة هو جندي تابع للنظام يبتسم ابتسامة تجعلك تشك في مشاعرك تجاه هذا المنظر بالكامل. هل هذا الشخص يبتسم سعادة أو هو يبتسم نتيجة أنه فقد الإحساس بما يجب أن يفعله حيال منظر بهذه القسوة؟

لدينا صورة لعناصر في أحد المشافي يبتسمون في صورة تذكارية كما لو أنهم في منطقة سياحية. وفي الخلفية نرى جثثاً يتم تغليفها بالنايلون، وهناك جثث أيضاً على الطاولات، وهذه جثث في الأرض، ويبدو من الطرف الآخر بعض الأطراف. ففعلاً كان ممرات المشافي تستخدم لتغليف الجثث.

لدينا صور ذات دقة عالية للعيون المفقودة بحيث يستطيع الطبيب الجنائي أو الطبيب الشرعي أن يحدد مدى الإصابة وما التلف الذي قامت به الحشرات على الجثة التي بين يدينا. لا أريد أن أستعرض الكثير، ولا أريد أن أزيد على هذه الصور أكثر من ذلك لأن الأمر مؤلم لمن يشاهدونه ومؤلم لأقارب هؤلاء الضحايا. وصلت رسالتنا إلى العالم وفهم العالم مؤخراً مدى إجرام هذا النظام الذي كشفت عنه صور «قيصر» قبل 10 سنوات. واليوم، كشفت عنه المؤسسات الأمنية والسجون ومن كانوا فيها، قبل أن يصبحوا في مرحلة هذه الصور.

محاكمة بشار الأسد

* حين سمعت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منح بشار الأسد اللجوء الإنساني، بماذا شعرت؟

- من بداية التدخل الروسي في سوريا في 2015، كان النظام الروسي شريكاً في جرائم النظام السوري. وكانت نظرتنا إلى المسؤولين الروس على أنهم شركاء حقيقيون للنظام وربما تقع على عاتقهم مسؤولية أكبر من مسؤولية النظام نفسه، لذلك لم نستغرب أن يلجأ بشار الأسد إلى روسيا ولا أعتقد أن هذا اللجوء سيستمر طويلاً، لأننا سنسعى بكل قوة إلى استعادة بشار الأسد واستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمته في دمشق.

* هل تتوقع أن تأتي ساعة تقف فيها في المحكمة ويكون بشار الأسد في القفص؟

- أرجو أن أعيش حتى أرى هذه اللحظة كما أمد الله بعمري حتى سمعت خبر سقوط بشار الأسد وتحرر دمشق.

* هل تعتقد أن بشار الأسد كان يعرف ما يجري في السجون السورية؟

- إذا كنت تسألني عن رأيي الشخصي، فنحن في سوريا لا يحصل شيء لا يعلم به الرئيس. هذا نظام قمعي أمني يجلس على رأس الهرم شخص اسمه بشار الأسد أو حافظ الأسد سابقاً، ولا يمكن أن يقوم موظف في الأجهزة الأمنية التابعة لهذا النظام بتصرف لا يرضى عنه رئيس هذا النظام.

ليس لدينا في ملفنا أي وثيقة تحمل توقيع بشار الأسد، لذلك من الناحية القانونية تقع المسؤولية على عاتق رؤساء الأجهزة الأمنية بشكل مباشر كتسلسل أوامر. لكن في سوريا الجميع يعلم أن ما يحصل في أصغر فرع أمني وسجن هو أمر ممنهج ومخطط يعلم به ويرضى عنه رأس النظام.

* هل لاحظتم أن الضحايا ينتمون إلى منطقة معينة أو طائفة معينة أو انتماء ما؟

- الضحايا في ملف قيصر هم سوريون، ونحن ندافع عن كل السوريين. إذا كانت الضحايا لدينا تحمل أرقاماً وليس أسماء فكيف لي أن أعرف أن هؤلاء ينتمون إلى طائفة معينة وهؤلاء ينتمون إلى طائفة أخرى.

هناك مؤشرات يمكن أن نأخذ بها. لدينا صور تحمل أوشاماً على أجساد الضحايا. وقد تفاجأ إذا قلت لك إن هناك أكثر من صورة، يحمل الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره. فأنت تقول هذا الرجل من مؤيدي بشار الأسد. لا أعلم من أي طائفة، لكن هذا الرجل وصل إلى مرحلة أن يضع وشماً على كامل جسده بصورة بشار الأسد فأكيد أنه يحب بشار الأسد.

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

هناك أوشام أيضاً لغير سوريين - ربما - وأقول ربما لأن وشم خريطة فلسطين مثلاً ليس خاصاً بإخوتنا الفلسطينيين لأننا جميعاً نحب فلسطين، لكن يغلب الظن هنا أن تقول ربما هذا الرجل فلسطيني من إخوتنا الفلسطينيين في سوريا.

من خلال هذه الأوشام يمكن لك أن تظن أو تتنبأ بأن هذا الرجل لديه الميل السياسي الفلاني أو ينتمي إلى الدولة الفلانية. لكن لا أستطيع ولا أزعم أن هؤلاء الضحايا كانوا من طائفة معينة لأنني لا أملك الدليل. عندما أستطيع ربط الأسماء مع الأرقام وينتهي هذا العمل الشاق، أستطيع أن أقول إن نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا من الطائفة الفلانية أو لا.

المعركة الحقيقية في سوريا

* هل تعتقد أن سوريا جديدة في طريقها إلى الولادة قريباً؟

- إن شاء الله، ولكن أنا لا أريد أن أكون متشائماً. المعركة الحقيقية لبناء سوريا بدأت يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 بسقوط الأسد وتحرير دمشق. المعركة بدأت الآن، وما سبق كان فقط كسراً لهذا النظام القمعي وإزاحة رأس النظام فقط.

* متى سترجع إلى سوريا؟

- أنا أتحين الفرصة لكي أرجع إلى سوريا في أقرب وقت ممكن. لدي بعض الترتيبات الإدارية. إجراءات إدارية فقط. لو كان الأمر متاحاً ربما كنت من اليوم الأول قد ذهبت إلى سوريا، لكن هناك عقبات إدارية كثيرة تحول الآن بيني وبين الذهاب.

* هل لا يزال لديك خوف بسبب دورك في ملفات قيصر؟

- الخوف الذي كان قائماً ربما هو الآن مستمر، والمبررات التي دفعتنا لأن نخفي أسماءنا لأننا نخشى على أنفسنا وعائلاتنا ربما لا تزال قائمة. المخاطر أصبحت أكبر لأن النهج أو المبدأ الذي نسير عليه الآن هو المطالبة بمحاسبة ومساءلة كل من ارتكب جرائم ضد أبناء الشعب السوري. هذا الأمر يعني أن هناك الآلاف من الأشخاص الذين لا يعجبهم هذا النهج أو هذا المبدأ الذي نسعى إليه، لذلك نعم هناك خطورة كبيرة، وأنا مدرك لحجم هذا الخطر. وأنوي أن أسير في هذا الطريق وأتحمل النتائج كافة التي تترتب على القرار الذي اتخذته. لو كان بإمكاني أن أحقق شيئاً وأنا مختفٍ لفعلت، ولكن وصلنا إلى مرحلة بات ظهورنا وتقدم الملف أمرين متلازمين.

* يعني هل قيصر يفكر في الرجوع إلى سوريا؟

- أترك إجابة هذا الأمر له.

سيرة ذاتية

* أين ولدت وماذا درست؟

- أنا ولدت في سوريا في مدينة التل من ريف دمشق عام 1966. درست في سوريا. أول سنوات دراستي الابتدائية كانت في ليبيا في مدينة بنغازي التي أحبها كثيراً. أكملت دراستي بعد ذلك في مدينة التل ودرست في جامعة دمشق الهندسة المدنية.

* أين عملت بعد تخرجك؟

- عندما تخرجت كان هناك قانون فرضه حافظ الأسد أن كل مهندس يتخرج يجب أن يخدم في مؤسسات الدولة لمدة 5 سنوات، فكان لابد من أن تكون موظفاً في هذا النظام، وأنا أقول النظام لأنني أعتقد أن نظام بشار الأسد ليس فقط المؤسسات الأمنية بل كل مؤسسة خدمية في سوريا هي مؤسسة تنتمي إلى نظام الأسد وتجري عليها الأحكام الأمنية نفسها وكذلك الرقابة الأمنية الشديدة. بالنهاية كلها مؤسسات أمنية. لذلك كنت مضطراً أن أمضي فترة خدمة في إحدى مؤسسات الدولة في محافظتنا. كنا على الأغلب بصفتنا مهندسين مدنيين نذهب إلى وزارة الإدارة المحلية ويتم توزيعنا على البلديات فبدأت في بلدية رنكوس في القلمون بريف دمشق.

بعد ذلك، حصلت مشكلة مع رئيس البلدية ومع المحافظ في ذلك الوقت كان المجرم علي زيود، وتم نفينا إلى بلديات أبعد فخدمت أيضاً، لعام تقريباً أو أقل، في بلدية قرية في أعالي القلمون اسمها حوش عرب.

* مشكلة سياسية؟

- لا، لا. مشكلة إدارية. نحن عندما تسلمنا العمل في هذه البلدية أنا وزملائي المهندسون، وللصدفة كلنا من مدينة التل، كنا نسيّر شؤون الناس، يعني أنت تحتاج إلى ترخيص وأمورك نظامية فخذ ترخيصك واذهب وابن. عندك مشكلة أو تجاوز، نحلها بإنسانية ونحلها بأبسط الطرق. هذا الأمر لم يكن يناسب جو العمل في البلديات التي تقوم على دائرة من الرشوة والابتزاز. رئيس البلدية في النهاية قال: «إذا أنا لم آخذ أموالاً من الناس، فكيف أستطيع أن أعطي المال للمحافظ؟ يعني ببساطة إذا أنتو ما خليتوني آخذ رشوة من الناس، شلون بدفع الرشوة للمحافظ؟».

* هل كان يفترض أن تنتمي إلى حزب «البعث» مثلاً؟

- ليس بشكل إلزامي، ولكن لن تكون أمورك بخير إذا لم تكن منتمياً إلى الحزب. في الصف العاشر طلبني مدير المدرسة رحمه الله، وقال لي: أنت من الأوائل أنت وفلان، ويجب أن ندخل في «شبيبة الثورة» ونصبح أعضاء في حزب «البعث»، لأن عدم دخولكم سيجعل الآخرين يدخلون ونحن نريد عناصر جيدة، ومن هذا الكلام. رفضت والآخر الذي كان معي رفض. هو اعتقل بعد أسبوع ومات. بعد عدة سنوات عرفنا أنه قُتل من دون أن نعرف الملابسات.

أنا أصبحت متوتراً، فلدينا ضابط تدريب عسكري في المدرسة ولدينا موجه ولدينا المدير. هذا يرسلني إلى هذا لكي يقنعني ثم يعود إلى هذا لكي يقنعني، وفي آخر المطاف أنا أتحجج بأن أبي مسافر. قلت له: أسأل أبي، أسأل فلاناً، أسأل... في النهاية، قال لي: الآن هل ستكون معنا في حزب «البعث» أو لا؟ قلت له: لا. قال لي «اطلع برا». كلمة «اطلع برا» معناها أن لها ما بعدها، وأنا قلق. كنت طفلاً. كان عمري 16 سنة.

* لم تنتمِ إلى الحزب قطّ؟

- نعم، لم أنتمِ إلى الحزب قطّ. بعد ذلك مرت الأمور رغم هذه التوترات. كانوا يعتقلون الأساتذة. ونحن في المدرسة كنا في طابور الصباح عندما دخلت دورية من الأمن السياسي واعتقلوا أستاذ مادة التربية الدينية أمام أعيننا، ثم ما علمناه فيما بعد أنه قُتل.

* بأي تهمة؟

- في ذلك الوقت، كنا نعيش مرحلة «الإخوان المسلمين» والصراع ما بين النظام و«الإخوان»، و«الطليعة المقاتلة» في تلك الفترة كانت تعمل في دمشق وفي المدن السورية الأخرى، لذلك كانت أول تهمة لأي شخص «أنت إخوان... أبوك إخوان... قريبك إخوان». جو أمني نعيشه في المدرسة ونحن صغار. لم أنتم إلى الحزب، ولم أكن قط - لا في المدرسة ولا في الجامعة ولا بعد ذلك - في هذا الحزب ولا في غيره.

* انتميت إلى أي حزب آخر؟

- مطلقاً. أنا اليوم أنتمي إلى منظمة «ملفات قيصر للعدالة». وهذا العمل الحقوقي يجب أن يكون منزهاً عن أي انتماء سياسي آخر مهما كان واسع الطيف. هذه المنظمة كي تدافع عن جميع السوريين فيجب ألا يسيّس هذا الملف الإنساني أبداً.


مقالات ذات صلة

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

المشرق العربي عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز) p-circle

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء الخارجية والدفاع السوريون والأتراك خلال لقائهم في دمشق (الدفاع التركية - إكس)

سوريا وتركيا تتهمان «قسد» بالمماطلة بتنفيذ اتفاق الاندماج وسط تصعيد في حلب

اتهمت أنقرة ودمشق «قسد» بالمماطلة في تنفيذ اتفاقية الاندماج في الجيش السوري الموقعة في 10 مارس الماضي، وأكدتا رفض أي محاولات للمساس بوحدة سوريا واستقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

الرئيس السوري يهنئ الشعب برفع عقوبات «قيصر» ويؤكد بدء مرحلة البناء

رحّب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الجمعة، برفع الولايات المتحدة نهائياً العقوبات المفروضة على سوريا، في خطوة تمهّد لعودة الاستثمارات إلى البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تجمع الناس خلال مسيرة إحياءً للذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في إدلب (إ.ب.أ) p-circle

سوريا تُرحّب بإلغاء «قانون قيصر»: خطوة نحو التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

رحّبت وزارة الخارجية السورية، اليوم (الخميس)، بتصويت مجلس النواب الأميركي أمس لصالح إلغاء «قانون قيصر».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مجلس الشيوخ الأميركي (أ.ف.ب) p-circle

«النواب الأميركي» يقرّ إلغاء «عقوبات قيصر» المفروضة على سوريا

أقر مجلس النواب الأميركي، الأربعاء، مشروع قانون يتضمن إلغاء عقوبات «قيصر» التي كانت مفروضة على سوريا، وذلك ضمن مناقشته مشروع موازنة الدفاع للعام 2026.

واشنطن بوست

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».