ضرب وتعذيب... فلسطينيون مفرج عنهم يصفون انتهاكات السجون الإسرائيلية

سجن دون تهمة... وآثار نفسية وجسدية سترافقهم مدى الحياة

علامات التعذيب تظهر على جسد عبيات الهزيل (رويترز)
علامات التعذيب تظهر على جسد عبيات الهزيل (رويترز)
TT

ضرب وتعذيب... فلسطينيون مفرج عنهم يصفون انتهاكات السجون الإسرائيلية

علامات التعذيب تظهر على جسد عبيات الهزيل (رويترز)
علامات التعذيب تظهر على جسد عبيات الهزيل (رويترز)

كان لاعب كمال الأجسام الفلسطيني معزز عبيات مفتول العضلات قوي البنيان، لكن، وبعد الإفراج عنه في يوليو (تموز) عقب تسعة أشهر من الاحتجاز في سجن إسرائيلي، أضحى حتى عاجزاً عن المشي من دون مساعدة، وفق تقرير لـ«رويترز».

واعتقلت القوات الإسرائيلية عبيات مرة أخرى في مداهمة ليلية لمنزله في أكتوبر (تشرين الأول).

وقبل اعتقاله في المرة الثانية، شخص أطباء مستشفى بيت لحم للطب النفسي حالة الرجل البالغ من العمر 37 عاماً وهو أب لخمسة أبناء، باضطراب ما بعد الصدمة الشديد جراء احتجازه في سجن كتسيعوت النائي في النقب، وذلك وفقاً للملاحظات الطبية التي اطلعت عليها «رويترز» من المستشفى، وهو مركز طبي عام في الضفة الغربية المحتلة.

وجاء في الملاحظات أن عبيات عانى في محبسه من «عنف جسدي ونفسي وتعذيب»، وسردت أعراضاً من بينها القلق الشديد والابتعاد عن أسرته وتجنب مناقشة الأحداث المؤلمة والشؤون الجارية.

وتجدد التركيز على اتهامات الانتهاكات وإلحاق الأذى النفسي بالمعتقلين الفلسطينيين في السجون والمعسكرات الإسرائيلية وسط جهود مكثفة للوسطاء الدوليين خلال ديسمبر (كانون الأول) الجاري للتوصل لوقف لإطلاق النار قد يشهد الإفراج عن الآلاف من السجناء الذين جرى اعتقالهم أثناء حرب غزة وقبل ذلك، في مقابل الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة «حماس» في قطاع غزة.

وقال قدورة فارس رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية وهي هيئة حكومية بالضفة الغربية إنه في حال إطلاق سراح دفعات من المعتقلين في أي صفقة قادمة، فإن العديد منهم «سيكونون بحاجة إلى رحلة علاج طويلة كي يشفون مما تعرضوا له من تعذيب نفسي وجسدي»، مشيراً إلى أنه على علم بحالة عبيات.

عبيات عانى في محبسه من عنف جسدي ونفسي وتعذيب سببت أعراضاً من بينها القلق الشديد والابتعاد عن أسرته (رويترز)

ومن أجل هذه التغطية، تحدثت وكالة «رويترز» إلى أربعة فلسطينيين احتجزتهم إسرائيل منذ اندلاع الحرب التي أشعلتها هجمات «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. واحتجز الأربعة عدة أشهر بتهمة الانتماء إلى تنظيم غير قانوني، وأُفرج عنهم من دون توجيه اتهامات رسمية أو إدانتهم بأي جرائم.

وتحدث الجميع عن معاناتهم من آثار نفسية دائمة جراء ما قالوا إنها انتهاكات شملت الضرب والحرمان من النوم والطعام والتقييد لفترات طويلة في أوضاع مرهقة.

وتتفق رواياتهم مع نتائج تحقيقات متعددة أجرتها جماعات لحقوق الإنسان أفادت بحدوث انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين دخل مراكز احتجاز إسرائيلية.

وفي أغسطس (آب)، نشر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تحقيقاً وصف فيه تقارير موثقة عن انتشار «التعذيب والاعتداء الجنسي والاغتصاب، وسط ظروف وحشية غير آدمية» في السجون منذ اندلاع الحرب.

ويصف البيت الأبيض التقارير عن التعذيب والاغتصاب والانتهاكات بأنها «مقلقة للغاية».

وفي رده على أسئلة «رويترز»، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في عدة اتهامات عن ضلوع عسكريين في انتهاكات بحق معتقلين في غزة، لكنه رفض «بشكل قاطع» اتهامات الإساءة الممنهجة داخل مراكز الاحتجاز التابعة له.

ورفض الجيش التعليق على حالات بعينها. وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية، التي تخضع لوزير الأمن الوطني اليميني المتطرف إيتمار بن جفير، وجهاز الأمن الداخلي إنه لا يمكن لهما التعليق على حالات فردية.

وقال مكتب بن غفير رداً لـ«رويترز»: «يحصل الإرهابيون في السجون الإسرائيلية على ظروف معيشية خاضعة للإشراف وإقامة مناسبة للمجرمين»، مضيفاً أن المرافق تعمل وفقاً للقانون. وقال مكتب بن غفير «انتهى المعسكر الصيفي».

وقالت تال شتاينر المديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، وهي جماعة حقوقية إسرائيلية، إن الأعراض التي وصفها الرجال كانت شائعة ويمكن أن تترك أثراً طوال حياتهم، وكثيراً ما تحطم أسرهم.

وأضافت: «لقد تفجر التعذيب في السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر. وسيكون له تأثير مدمر على المجتمع الفلسطيني، وقد حدث هذا بالفعل».

وفي حديثه من سريره في المستشفى في يوليو، وصف عبيات الذي يعاني من الهزال الشديد جراء المعاملة التي لاقاها هو وزملاؤه السجناء بأنها «مقززة»، وعرض ندوباً على ساقيه الهزيلتين ووصف العزلة والجوع والأصفاد وانتهاكات بواسطة قضبان معدنية، من دون إعطاء تفاصيل.

وفي المقابل، يظهر عبيات مفتول العضلات في صور التقطت له قبل سجنه.

معزز عبيات أثناء تدريبه في صالة ألعاب رياضية قبل الاعتقال كان يظهر مفتول العضلات (رويترز)

وفي 19 ديسمبر (كانون الأول)، أمرت المحكمة العليا في إسرائيل الحكومة بالرد على التماس رفعته جماعات حقوقية بشأن نقص الغذاء الكافي للسجناء الفلسطينيين.

وتتحدث إسرائيل هي الأخرى عن انتهاكات تعرض لها عدد من مواطنيها البالغ عددهم 251 الذين اقتيدوا إلى غزة بعد هجمات «حماس». وذكر تقرير لوزارة الصحة الإسرائيلية نُشر السبت أن الرهائن تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والنفسي. ونفت «حماس» مراراً إساءة معاملة الرهائن.

من دون تهمة

يقول نادي الأسير الفلسطيني إن عبيات معتقل حالياً في مركز احتجاز صغير في عتصيون جنوب بيت لحم.

وأوضح نادي الأسير أن عبيات محتجز لمدة ستة أشهر تحت «الاعتقال الإداري»، وهو شكل من أشكال الحبس من دون تهمة أو محاكمة، مشيراً إلى أن السبب الرسمي لاعتقاله غير معروف.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي ومصلحة السجون على أسئلة عن قضيته.

وقالت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل إن 56 فلسطينياً على الأقل لقوا حتفهم أثناء الاحتجاز خلال الحرب، مقارنة بواحد أو اثنين فقط سنوياً في السنوات التي سبقت الحرب. وقال الجيش الإسرائيلي إنه بدأ تحقيقات جنائية في جميع حالات وفاة الفلسطينيين أثناء احتجازهم.

الأسير الفلسطيني معزز عبيات المفرج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي يعجز عن السير بالقرب من الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وقد زاد عدد السجناء الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية أثناء الحرب إلى الضعف على الأقل ليبلغ أكثر من 10 آلاف، وفقاً لتقديرات اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، استناداً إلى وثائق قضائية وبيانات حصلت عليها عبر طلبات الحق في الوصول للمعلومات.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ«رويترز» إن نحو 6000 من سكان غزة اعتقلوا خلال الحرب. وعلى النقيض من فلسطينيي الضفة الغربية الذين يُحتجزون بموجب القانون العسكري، يحتجز الفلسطينيون من غزة في إسرائيل بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين.

ووفقاً لنيف غوردون، وهو باحث إسرائيلي متخصص في حقوق الإنسان والقانون الدولي في جامعة كوين ماري في لندن، فقد تم استخدام القانون لاحتجاز الناس بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمانهم من حقوقهم كأسرى حرب أو سجناء تحت الاحتلال العسكري، وسجنهم لشهور من دون اتهامات أو محاكمات.

وشبه نادي الأسير الفلسطيني الاعتقالات بالاختفاء القسري.

ورفضت مصلحة السجون الإسرائيلية التعليق على أعداد السجناء والوفيات.

معتقل سدي تيمان

كان فادي أيمن محمد راضي (21 عاماً) وهو طالب هندسة سابق من خان يونس بغزة، واحداً من بين نحو 24 فلسطينياً أُفرج عنهم عند معبر كرم أبو سالم إلى غزة في 20 أغسطس.

وصف راضي معاناته لتمديد أطرافه بعد أن جرى تكبيله وتقييده بالسلاسل لمدة أربعة أشهر في معتقل سدي تيمان العسكري الإسرائيلي، وهو منشأة مؤقتة لفرز السجناء. وقال: «هم ما حققوا معنا، هم دمرونا».

ووفقاً لمبلغين عن المخالفات من بين حراس المعسكر، كان سدي تيمان الواقع في صحراء النقب مسرحاً لانتهاكات جسيمة بما في ذلك الاغتصاب.

وتحقق إسرائيل حالياً فيما وصفتها الأمم المتحدة بأنها «حالة مروعة بشكل خاص» تتعلق باتهامات بانتهاك جنسي في سدي تيمان حيث يواجه خمسة جنود اتهامات.

وقال راضي إنه تعرض للضرب بشكل متكرر وتعسفي، وجرى تقييده على نحو دائم وتعصيب عينيه، وتعليقه في أوضاع مجهدة، وأجبر على الجلوس على الأرض بشكل شبه مستمر من دون أن يتحرك.

وفي إحدى المرات، قال إنه حرم من النوم لمدة خمسة أيام متتالية في مكان قال إن جنود الاحتلال أطلقوا عليه اسم «غرفة الديسكو»، حيث تعرض لموسيقى صاخبة. ولم يصف راضي العنف الجنسي الذي تعرض له.

وقال راضي إنه يجد صعوبة في النوم، وإن مجرد الحديث عن محنته يجعله يعيشها من جديد.

وأضاف الشاب الذي اعتقله جنود إسرائيليون في غزة يوم الرابع من مارس (آذار): «كل مرة أنا بكرر هاي الكلمات بتخيل التعذيب وكأنه بيحصل الآن».

وقالت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل إنه رغم قرار الحكومة بالتخلص التدريجي من سدي تيمان، فإن المعتقل لا يزال يعمل.

عوفر وكتسيعوت

وردت تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق في مرافق أقدم مثل سجن كتسيعوت في النقب، ومعسكر عوفر العسكري بجنوب رام الله في الضفة الغربية.

وبعد جمع الأدلة وشهادات 55 سجيناً فلسطينياً سابقين، أصدرت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسيلم» في وقت سابق من هذا العام تقريراً يتهم إسرائيل بتحويل نظام السجون عمداً إلى «شبكة من معسكرات التعذيب».

وباستخدام تشريع طارئ جرى إصداره بعد هجوم «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أمر بن غفير، الوزير المتشدد، بتقليل ظروف احتجاز «السجناء الأمنيين»، وهي فئة تضم الفلسطينيين بالكامل تقريباً.

وشبه نيف غوردون ما قاله عن استخدام التعذيب في سجون إسرائيل بالإرهاب.

وقال غوردون، الذي شارك في تحرير كتاب عن الانتهاكات في نظام السجون الإسرائيلية «الإرهاب عادة ما يكون عملاً محدوداً في عدد الأشخاص المتأثرين به بشكل مباشر، لكن التأثير النفسي الاجتماعي كبير للغاية. الأمر نفسه ينطبق على التعذيب».


مقالات ذات صلة

غارات إسرائيلية على 4 معابر على الحدود السورية - اللبنانية

المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على قرية قناريت اليوم (أ.ب)

غارات إسرائيلية على 4 معابر على الحدود السورية - اللبنانية

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، أنه ضرب أربعة معابر على طول الحدود السورية اللبنانية، متهماً «حزب الله» باستعمالها لتهريب الأسلحة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط) play-circle

منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

نشرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية التي تُعنى بحقوق الإنسان تقريراً جديداً لها حول ما يحدث في السجون مع الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقضايا أمنية

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)

إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

كثفت إسرائيل في الأسبوعين الأخيرين وتيرة استهدافاتها لمناطق شمال الليطاني في جنوب لبنان، حيث باتت تنفذ غارات بمعدل مرتين على الأقل في الأسبوع.

نذير رضا (بيروت)
خاص جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة) play-circle 00:30

خاص «اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

قال المتحدث باسم اللجنة المصرية الإغاثية في قطاع غزة محمد منصور إن 3 مصورين صحافيين استهدفتهم إسرائيل كانوا في مهمة إنسانية داخل "مخيم نتساريم".

أحمد جمال (القاهرة)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان

شن الطيران الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، غارات استهدفت بعض ⁠المباني ​في ‌قرى قناريت والكفور وجرجوع بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

أعلن القضاء العراقي أنه سيباشر التحقيق مع مئات المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش»، بعد يوم من وصول دفعة أولى منهم من مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية، في عملية جرت بالتنسيق مع «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة.

وقال مجلس القضاء الأعلى، في بيان، إن جميع الموقوفين «سيُودَعون المؤسسات الإصلاحية الحكومية المختصة، وسيخضعون للإجراءات القضائية؛ وفقاً للدستور والقوانين الجزائية العراقية النافذة، وبما يضمن حقوق الضحايا وعدم إفلات أي متهم من المساءلة».

إجراءات قانونية

ووفقاً للبيان، فقد أكد المجلس أن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وستُطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء، وبما يحفظ حقوق الضحايا ويكرس مبدأ سيادة القانون في العراق».

وكان المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي قد وافق، خلال اجتماع طارئ، على تسلم معتقلي التنظيم من السجون التي كانت تحت إدارة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مبرراً الخطوة بتطورات الوضع الأمني في سوريا وعدم قدرة الجانب السوري على الاستمرار في تأمين حمايتهم.

وأوضح بيان صادر عن مكتب القائد العام للقوات المسلحة أن الدفعة الأولى تضم نحو 150 شخصاً من العراقيين والأجانب، وأنهم نُقلوا إلى سجون تابعة لوزارة العدل العراقية، مضيفاً أن تحديد أعداد الدفعات اللاحقة «سيجري وفق التقدير الأمني والميداني».

ووفق تقديرات رسمية عراقية، فإن العدد الإجمالي لمعتقلي تنظيم «داعش» الموجودين في تلك السجون، ومن بينهم محتجزون في «مخيم الهول»، يبلغ نحو 7 آلاف شخص، سيُنقلون تدريجياً إلى العراق ويودَعون منشآت احتجاز حكومية.

سجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

أماكن الاحتجاز... وإيواء العائلات

وقال مسؤول أمني عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «إيواء هؤلاء في سجون وزارة العدل لا يتعارض مع محاكمتهم، فجميعهم مطلوبون للقضاء العراقي، وقد نُقلوا بسبب قلق الجانب السوري من عدم توفير الحماية بعد التطورات الأخيرة».

وأضاف المسؤول، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية الذين سُلّموا «من الجنسيات الأجنبية، فيما يشكل العراقيون نسبة أقل»، موضحاً أن بعضهم «من قيادات الصف الأول في التنظيم، بمن فيهم أمراء وخلفاء محتملون».

وبشأن عائلات الموقوفين، فقد قال الخبير الأمني، فاضل أبو رغيف، إن «العائلات ستُفصَل عن المقاتلين، وسيجري إيواؤها في مراكز خاصة بعيدة عن المدن»، مشيراً إلى أن «قسماً منهم سيُنقل إلى مناطق قرب الموصل على الحدود، فيما سيُودَع آخرون مخيم الجدعة، وربما محافظات مثل ذي قار أو السليمانية، وفق حسابات أمنية وإنسانية».

وأضاف أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه ليست أول مرة يتسلم فيها العراق عناصر من التنظيم، لافتاً إلى أن بغداد تسلمت منذ عام 2018 نحو 3 آلاف موقوف من قبل «قوات سوريا الديمقراطية»، وأن عملية النقل الحالية «جاءت بطلب عراقي مسبق وبموافقة ودعم مباشر من (التحالف الدولي)».

«التحالف الدولي» وانتقادات داخلية

وكانت «القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)» قد أعلنت أنها بدأت «مهمة جديدة» لنقل معتقلي «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق؛ لضمان بقائهم في مراكز احتجاز آمنة، مؤكدة نجاحها في نقل 150 مقاتلاً من الحسكة إلى موقع آمن داخل العراق.

في المقابل، انتقدت كتلة «حقوق» البرلمانية، المرتبطة بـ«كتائب حزب الله» العراقي، العملية ووصفتها بأنها «خرق للسيادة العراقية». وقال النائب قحطان الخفاجي إن التطورات الأخيرة «تنذر بمخاطر أمنية»، داعياً إلى رفع الجاهزية تحسباً لعمليات تهريب محتملة.

أطفال ونساء من عائلات عناصر في تنظيم «داعش» يظهرون داخل «مخيم الهول» بالمنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

إطار قانوني

من جهته، قال الخبير القانوني، علي التميمي، إن «القانون العراقي يتيح محاكمة المتهمين؛ سواء أكانوا عراقيين أم أجانب، إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت داخل العراق، أو كان لها تأثير على أمنه القومي». وأضاف أن رفض دول بعض الموقوفين تسلمهم «يعزز اختصاص القضاء العراقي بمحاكمتهم».

وأوضح التميمي أن مسألة الإنفاق على احتجازهم ومحاكمتهم «تتعلق بالتنفيذ وليس بالقضاء»، مشيراً إلى أن للعراق الحق في المطالبة بتغطية تلك التكاليف من دولهم الأصلية. أما عائلاتهم، فقال إن وضعهم القانوني «سيحدده التحقيق، وفي حال ثبوت المشاركة أو المساعدة في الجرائم، فإنهم يحاسَبون بوصفهم شركاء؛ وفق القانون العراقي».


لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
TT

لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)

باتت الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا الخاصة بتسليم المحكومين في حكم الناجزة، وقاب قوسين أو أدنى من توقيعها بين البلدين، بعد سدّ الثغرات التقنية والقانونية التي كانت تعتريها.

ويأتي هذا التطور ثمرة مشاورات مكثفة بين اللجنتين القضائيتين اللبنانية والسورية، عُقد آخرها مساء الثلاثاء في اجتماع افتراضي عبر تطبيق «زوم»، جرى خلاله وضع اللمسات الأخيرة على الصيغة شبه النهائية للاتفاقية.

تبديد الهواجس

وأكد مصدر قضائي لبناني بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن التعديلات التي أُدخلت على الاتفاقية «أخذت في الاعتبار ملاحظات الجانب السوري، ونجحت في تبديد هواجسه، ولا سيما تلك المتعلقة بشروط التسليم وضمانات ما بعد نقل المحكومين».

وأوضح أن نقاشات الاجتماع الأخير «تركزت على بندين أساسيين شكّلا في السابق نقطة تباين بين الجانبين، الأول يتعلق بالشرط الذي كان لبنان قد أدرجه، والذي يمنحه صلاحية استنسابية بعدم تسليم محكومين محددين من دون تقديم تبرير واضح للجانب السوري بذلك.

ووفق المصدر، فقد «جرى تجاوز هذا الشرط وإلغاؤه بالكامل، في خطوة عُدّت بمثابة تنازل لبناني يهدف إلى تسهيل إقرار الاتفاقية وتفعيلها، مقابل الحصول على ضمانات أخرى تتعلق بمصير المحكومين بعد تسليمهم إلى بلادهم».

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري في قصر الشعب في شهر نوفمبر الماضي (سانا)

أما البند الثاني، الذي يكمن في الفقرة العاشرة من الاتفاقية التي نصّت في صيغتها الأولى على منع السلطات السورية من منح المحكومين عفواً عاماً أو خاصاً بعد تسلمهم، فشكّل مصدر قلق لدى السلطات السورية، ما استدعى إدخال تعديل جوهري عليه.

وحسب المصدر نفسه، جرى الاتفاق على «صيغة جديدة تتيح للسلطات السورية منح عفو للمحكومين بعد تسلمهم، شرط أن يكون المحكوم قد أمضى أكثر من 7 سنوات من مدة عقوبته في السجون اللبنانية، وألا يشمل العفو ثلث العقوبة الصادرة بحقه عن القضاء اللبناني».

ويحقق هذا التعديل الشرط اللبناني الأساسي، والمتمثل في عدم إطلاق المحكومين فور تسليمهم إلى سوريا، وفي الوقت نفسه يراعي الاعتبارات القانونية والسيادية للجانب السوري. وبرأي المصدر القضائي اللبناني، فإن هذه الصيغة «ستشمل نحو 90 في المائة من المحكومين السوريين الموجودين في السجون اللبنانية، بالنظر لأن معظمهم تجاوز توقيفه مدة السنوات السبع».

موافقة مبدئية

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر معنية بهذا الملفّ، أن رئيس الجمهورية جوزيف عون «اطّلع على نص الاتفاقية بصيغتها شبه النهائية، وأبدى موافقة مبدئية عليها»، مشيرة إلى أن الرئيس عون «حضّ اللجنة اللبنانية على العمل بجدية، وبالسرعة الممكنة على إنجاز هذه الاتفاقية، وإيفاء لبنان بالتزاماته بهذا الموضوع، بما لا يتعارض مع السيادة اللبنانية والقوانين المرعية الإجراء».

ومن المتوقع، وفق المصادر، أن «يُعقد لقاء قريب بين وزير العدل اللبناني عادل نصار ونظيره السوري مظهر الويس لتوقيع الاتفاقية رسمياً، على أن تُحال لاحقاً إلى مجلس الوزراء اللبناني لإقرارها وفق الأصول الدستورية، قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً نائب رئيس الحكومة طارق متري في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)

وحسب المعطيات المتوافرة، فإن عدد السجناء السوريين الذين يُتوقع أن يستفيدوا من هذه الاتفاقية يتراوح بين 270 و300 سجين، ما من شأنه أن يُخفف الضغط عن السجون اللبنانية، ويُشكّل خطوة متقدمة على طريق تنظيم التعاون القضائي بين بيروت ودمشق، في ملف طال انتظاره، وشكّل لسنوات موضع تجاذب قانوني وسياسي.

الوزير طارق متري مستقبلاً الوفد السوري في بيروت مطلع سبتمبر 2025 (إكس)

وتلفت المصادر إلى أن ملف الموقوفين السوريين الذين يتجاوز عددهم الـ1500 «سيبقى معلقاً بانتظار صدور قانون عن المجلس النيابي يسمح بتسليمهم إلى بلادهم». وتتخوف المصادر نفسها من أن «يتسبب حل أزمة المحكومين السوريين في أزمة جديدة ومرتقبة مع السجناء اللبنانيين، الذين يرفضون حلولاً مجتزأة على حسابهم». وتؤكد أن «الحلّ النهائي لأزمة السجون لا تكون إلا عبر قانون عفو عام، وهذا غير متاح، أقله في المرحلة الراهنة».


«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عبّرت حركة «حماس»، اليوم الخميس، عن استنكارها الشديد لضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، واصفة ذلك بأنه «مؤشر خطير يتعارض مع مبادئ العدالة والمساءلة».

وذكرت «حماس»، في بيان، أن نتنياهو «ما زال يعمل على تعطيل اتفاق وقف الحرب على غزة، ويمارس أبشع الانتهاكات عبر استهداف المدنيين العُزل وتدمير الأحياء والمرافق العامة واستهداف مراكز الإيواء، رغم الإعلان عن سريان وقف إطلاق النار قبل أكثر من ثلاثة أشهر».

وشدّدت الحركة على أن أولى خطوات إحلال الاستقرار تكمن في «وقف انتهاكات الاحتلال وإنهائه بلا رجعة، ومحاسبة كل المسؤولين عن الإبادة الجماعية وسياسة التجويع المُمنهج».

كان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال، أمس الأربعاء، إن نتنياهو قَبِل دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام»، وهي مبادرة تهدف مبدئياً لإنهاء الصراع في غزة، لكن يمكن توسيع نطاقها لاحقاً للتعامل مع الصراعات في أماكن أخرى.

ووقَّع ترمب، اليوم، ميثاق «مجلس السلام» في دافوس، بحضور عدد من قادة العالم. وأعلن البيت الأبيض أن المجلس أصبح، الآن، «منظمة دولية» نشطة، وأن الميثاق دخل حيز التطبيق.