فصائل عراقية «تشتبك» في مناطق انسحاب الجيش السوري

«تقدير استخباري» نصح بغداد بعدم الانخراط في «فخ إقليمي»

منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)
منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)
TT

فصائل عراقية «تشتبك» في مناطق انسحاب الجيش السوري

منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)
منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)

تتعاطى بغداد مع وضع سوري غير مألوف، في مناخ سياسي تُسيطر عليه المخاوف من ارتدادات أمنية، في حين تنفلت فصائل عراقية موالية لإيران في اشتباكات مسلحة حدثت بالفعل، ليلة الاثنين، في مناطق رخوة جنوب حلب.

ولأول مرة منذ سنوات، يبحث صناع قرار عراقيون عن أجوبة لما يجري في سوريا دون معطيات حاسمة، ويتحفظون على إبداء مواقف علنية مما يجب فعله لدعم الرئيس السوري بشار الأسد.

وخلال العقد الماضي، كانت السلطات وأحزاب شيعية تدافع عن وجود مقاتلين عراقيين، إلى جانب «الحرس الثوري» الإيراني، في سوريا، دفاعاً عما يوصف بـ«الأمن القومي» المترابط بين البلدين. وتحوّل حشد هذه الجماعات المسلحة، تحت المظلة الإيرانية، إلى ما بات يعرف بـ«محور المقاومة»، وتفاقم نشاطه المسلح بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

«تقدير موقف»

أخيراً، أفيد في بغداد بأن «تقدير موقف» استخباري نصح الفاعلين في بغداد بأن المعارك الحالية في سوريا، مهما كانت جذورها، «التورط فيها سيعني السقوط السريع في فخ إقليمي شائك».

لكن التعاطي السياسي مع تقدير الموقف الاستخباري يعكس التباين الحاد بين القوى الشيعية بشأن رد الفعل المنتظر من بغداد لجهة الأسد في دمشق.

وتزامن التقدير، المتداول بين مكاتب أحزاب متنفذة ومسؤولين حكوميين، مع تدفق رسائل تحذيرية من واشنطن لبغداد فيما لو «سمحت أو تغاضت عن إرسال فصائل موالية لإيران مسلحيها» إلى سوريا.

ويخلص «تقدير الموقف» إلى أن «المعارك في سوريا لا تُشكل مصلحة أو خطراً على العراق، في الوقت الراهن على الأقل»، لكنه شدّد على مواصلة الانتباه إلى التطورات الميدانية.

وتعتقد الحكومة، حسب دبلوماسي عراقي، أن «الشيء الوحيد الذي يمكن القيام به الآن هو البقاء في خط لا يهدأ من الاتصالات الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري، بهدف اليقظة».

معبر البوكمال (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

رسالة أميركية

ورغم أن مسؤولاً بارزاً في الحكومة العراقية أكد لـ«الشرق الأوسط» منع تسلل مسلحين عراقيين إلى البلد الجار، أكدت مصادر ميدانية سورية عبور قوافل تحمل أعلاماً عراقية وأخرى تمثل فصائل شيعية الحدود السورية عبر منطقة البوكمال.

وقال المسؤول العراقي، الذي طلب عدم ذكر اسمه: «أستطيع الجزم بأن أي مسلح لن يتجاوز الحدود نحو سوريا». وأشار إلى أن «الأميركيين قدّموا تعهدات بمنع التسلل العكسي من سوريا نحو العراق، لكنهم لن يترددوا في معالجة الخروقات المحتملة من الفصائل العراقية».

لقد كان المسؤول العراقي واثقاً إلى حد بعيد بأن «التأمين العسكري للحدود، والحواجز الحرارية والخنادق على طول مئات الكيلومترات كافية لمنع المسلحين أكثر من المانع الأميركي»، لكن سياسيين عراقيين قالوا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لهجة التحذير الأميركي كانت حادة للغاية».

وامتنع المسؤول عن التعليق على معلومات كانت تفيد بأن أرتالاً عراقية كانت قد عبرت، اليومين الماضيين، الحدود بالفعل إلى سوريا.

كما نفى مصدر من «عصائب أهل الحق» الشيعية عبور المسلحين، وقال أحدهما، لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما جرى خلال الأيام الماضية هو (تبديل روتيني) للقطعات الموجودة أصلاً في حي السيدة زينب جنوب دمشق».

وقال مصدر آخر، من فصيل مسلح، إن «بعض الفصائل أرسلت دعماً لوجستياً للمجموعات المتمركزة في سوريا (...) ليس أكثر من هذا».

عبور واشتباك

مع ذلك، قالت مصادر سورية: «إن أرتالاً تضم عشرات العجلات تحمل مسلحين عراقيين مع عتادهم دخلت، ظهر الاثنين، الأراضي السورية، وتجمّعت في نقطة جنوب البوكمال، قبل أن تتحرك على الطريق المؤدي إلى دير الزور».

وأكدت المصادر، أن «طيراناً مجهولاً عالج الأرتال، وكبح مسارها عند منطقة الميادين».

ولم يؤكد متحدثون من الفصائل واقعة «الميادين»، لكن المصادر السورية تحدثت عن أن «الجماعات العراقية المسلحة الموالية لإيران كانت تحاول التمركز في نقطة إثريا، على الطريق الرابط بين الرقة وحماة، في الجنوب الغربي».

وتشكل إثريا نقط اشتباك استراتيجية، لأنها ملتقى الطرق الواصلة من دير الزور والرقة وحلب وحماة.

واستناداً للمصادر، فإن وحدات الجيش السوري انسحبت من الطريق الذي كانت تسلكه الجماعات الموالية لإيران، لتشغله الأخيرة حتى نقطة إثريا، غير أن المخاطر تتزايد الآن مع اقتراب الفصائل المسلحة السورية المعارضة من هذه النقطة.

وتزداد شكوك سياسيين عراقيين من أن يكون انسحاب الجيش السوري من الطريق الاستراتيجي، «فخاً للجماعات العراقية»، التي ستكون مكشوفة أمام أطراف عدة، بينها الولايات المتحدة، والمسلحون المحليون.

وبالفعل، تجمّعت وحدات من مقاتلي فصائل عراقية موالية لإيران في إثريا، ولم يتسنّ التحقق من أنها حصلت بالفعل على تعزيزات عسكرية من العراق، أخيراً.

وأفادت المصادر السورية، بأن المسلحين العراقيين سلكوا الطريق من إثريا في محاولة للوصول إلى حلب، لكنهم اشتبكوا، ليل الاثنين - الثلاثاء مع الفصائل السورية المعارضة عند بلدة خناصر، جنوب حلب.

«الإطار التنسيقي» حذّر من تداعيات المعارك الدائرة في سوريا (إكس)

حرب للجميع

في الساعات الأولى للمعارك في سوريا، حصلت قنوات متنفذة في بغداد، لا سيما في الحكومة، على انطباعات بأن طهران المعنية بالملف السوري أكثر من غيرها مترددة في التعاطي مع الأحداث، كما كانت تفعل منذ عام 2012.

وقال مصدران سياسيان، لـ«الشرق الأوسط»، إن مسؤولين إيرانيين من الصف الثاني تحدثوا باقتضاب مع المسؤولين العراقيين، «نحتاج إلى مزيد من الوقت لتقييم الوضع في سوريا». وأضاف مصدر: «كان هذا كافياً لفهم التعقيد».

وخلال اجتماع سياسي للتحالف الحاكم، يوم الاثنين في بغداد، تعرّض رئيس الحكومة محمد شياع السوداني إلى «سيل من الأسئلة» طرحها قادة أحزاب شيعية.

ويشعر زعيم ائتلاف «دولة القانون»، نوري المالكي بعدم الارتياح من «تردد» الحكومة العراقية في إظهار دعم جدي لحكومة بشار الأسد.

وقال قيادي في حزب «الدعوة الإسلامية»، لـ«الشرق الأوسط»: «إن العراق سيدفع ثمن غموض الموقف الرسمي تجاه القضايا الأمنية الخطيرة».

ووصف القيادي بأن «ما يحصل صراع دولي يمكن أن يمتد بسهولة إلى العراق، الذي لا يمكنه عزل نفسه عن الحرب التي يشترك فيها الجميع»، ويرجح هذا القيادي «انتقال العراق من التردد إلى التدخل، لكن الصيغة محل نقاش مع فاعلين في الملف السوري».


مقالات ذات صلة

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

المشرق العربي قاعدة التنف في جنوب شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ب)

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

تمكّنت وحدات الجيش العربي السوري من التصدي لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تغلق أحد الشوارع في بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة النطاق لحفظ الأمن الأربعاء والخميس (أ.ف.ب)

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

سلَّم القيادي السابق في الجنوب السوري، أحمد العودة «رجل التسويات» نفسه إلى السلطات السورية وظهر في شريط مصور، الأحد،

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي عناصر من القوات السورية يحرسون منطقة قرب سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرق سوريا (ا.ف.ب)

«قسد» تنسحب من سجن الأقطان باتجاه عين العرب شرق حلب

أعلن الجيش السوري، بدء انسحاب مقاتلي «قسد» من سجن الأقطان في ريف الرقة باتجاه عين العرب (كوباني).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ) p-circle

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد.

«الشرق الأوسط» (القامشلي)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.