«حرب التسريبات» الصوتية تفاقم مخاوف الأوساط السياسية في العراق

القضاء طالب المتضررين باللجوء إليه

القضاء العراقي طالب الأشخاص الذين يشعرون أنهم عرضة لعملية «تنصت» باللجوء إلى القضاء لإنصافهم (أ.ف.ب)
القضاء العراقي طالب الأشخاص الذين يشعرون أنهم عرضة لعملية «تنصت» باللجوء إلى القضاء لإنصافهم (أ.ف.ب)
TT

«حرب التسريبات» الصوتية تفاقم مخاوف الأوساط السياسية في العراق

القضاء العراقي طالب الأشخاص الذين يشعرون أنهم عرضة لعملية «تنصت» باللجوء إلى القضاء لإنصافهم (أ.ف.ب)
القضاء العراقي طالب الأشخاص الذين يشعرون أنهم عرضة لعملية «تنصت» باللجوء إلى القضاء لإنصافهم (أ.ف.ب)

أكدت مصادر نيابية متطابقة قيام القضاء العراقي بإرسال كتب رسمية إلى البرلمان، وجميع مؤسسات الدولة، تشجع وتطالب الأشخاص، الذين يشعرون أنهم عرضة لعملية «تنصت» على اتصالاتهم الخاصة، باللجوء إلى القضاء ورفع شكوى ضد الجهات والأشخاص المتورطين في ذلك.

ومنذ التسريب الصوتي الشهير لزعيم ائتلاف «دولة القانون»، نوري المالكي، منتصف يوليو (تموز) 2020، والقضية تثير مزيداً من القلق ومخاوف جدية لدى الشخصيات والأحزاب السياسية. ووقتذاك وصف المالكي في التسريب المنسوب إليه الحشد الشعبي بـ«أمة الجبناء»، ومقتدى الصدر بـ«الخائن»، وهدد بقتاله بالسلاح.

التسريب الصوتي لنوري المالكي أثار مزيداً من القلق ومخاوف السياسيين (غيتي)

ومع أن التحقيق المزعوم الذي أعلنته السلطات حينها لم يثبت، أو ينفي صحة التسجيل الصوتي للمالكي، أو الجهة التي قامت به، ولم يعلن أيضاً عن أي نتيجة تذكر، فإنه ومنذ ذلك الوقت بات المتخاصمون، سواء على المستوى السياسي أو الوظيفي، ينظرون إلى التسجيلات الصوتية بوصفها سلاحاً فتاكاً للإيقاع بالخصوم، وأداة لإخراجهم من حلبة العمل السياسي والإداري.

وينظر معظم المراقبين إلى العام الحالي، بوصفه أكثر الأعوام التي اشتعلت فيها «حرب التسريبات» الصوتية، خاصة بعد أن بدأ بفضيحة «التنصت»، التي يديرها مسؤول كبير في مكتب رئيس الوزراء، محمد السوداني، وشملت التنصت على معظم زعماء ورؤساء الكتل السياسية، لا سيما داخل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، وهو ما أحدث فجوة كبيرة في العلاقة بين السوداني وبعض قيادات الإطار، ما زالت قائمة بحسب مصادر مطلعة.

اشتعلت «حرب التسريبات» الصوتية بعد فضيحة «التنصت» التي يديرها مسؤول كبير في مكتب محمد السوداني (د.ب.أ)

والأسبوع الماضي، تحدثت مصادر قضائية عن ارتفاع عدد الدعاوى المقدمة للقضاء بشأن فضيحة «التنصت»، ضد المتورطين فيها بالمكتب الحكومي، وأكدت ارتفاع عدد الشكاوى إلى 80 دعوى، قدمت للقضاء من قبل نواب وسياسيين وشخصيات مختلفة.

ويعتقد مصدر مسؤول في قوى «الإطار التنسيقي» أن معظم التسريبات الصوتية، التي ظهرت للعلن، تستند إلى «أساس لا أخلاقي وغير مدفوعة بالرغبة في إحقاق الحق، أو بناء حكم رشيد».

ويقول المصدر، الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إن معظم التسريبات الصوتية، التي ظهرت للعلن خلال السنوات والشهور الأخيرة «صحيحة تقريباً، لكن الجهات التي قامت بذلك تستهدف الإطاحة بهذا السياسي، أو ذلك الموظف المسؤول للحلول محله، أو ابتزازه وإخراجه من مكانته الوظيفية».

في المقابل، والكلام للمصدر ذاته، فإن «الاستهتار وعدم الخشية من المساءلة يدفعان كثيراً من المسؤولين والسياسيين إلى عدم توخي الحذر في الاتصالات الهاتفية، التي يقومون بإجرائها، وقد وصل الأمر ببعض المسؤولين إلى طلب دفع الرشوة عبر الجوال».

ويؤكد المصدر ذاته أن «الكثير من القيادات السياسية أوشكت على التخلي عن هواتفها الخاصة، خشية عمليات التنصت، ولا تستخدمها إلا في نطاق ضيق جداً، ومن جوالات بديلة في بعض الأحيان». مضيفاً: «المؤسف هو أن غياب الردع والمحاسبة يؤدي غالباً إلى تنامي فضائح التسجيلات الصوتية، التي قد تؤدي في مرحلة من المراحل إلى تقويض العملية السياسية برمتها».

بدوره، حذر القيادي في «ائتلاف النصر»، عقيل الرديني، الجمعة، من افتعال أزمات مختلفة في العراق خلال المرحلة المقبلة مع قرب انتخابات مجلس النواب. وقال في تصريحات صحافية: «هناك من يفتعل الأزمات السياسية بهدف الإساءة، ولهذا برزت قضية ما تسمى التسريبات، التي تقف خلفها جهات سياسية داخلية تريد الابتزاز». مضيفاً أن «هناك خوفاً من تزايد هذه الأزمات بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع قرب انتخابات مجلس النواب».

وخلال الشهرين الأخيرين تفجرت ثلاث فضائح «تسريب» رئيسية، أدت الأولى إلى اعتقال عضو مجلس محافظة ذي قار الجنوبية، على خلفية عمليات ابتزاز قام بها عبر تسجيلات صوتية. وقبل أسبوعين انتشر تسريب صوتي لرئيس هيئة الضرائب، علي علاوي، وهو يتحدث عن رغبته في الحصول على مبالغ مالية ضخمة من أحد الأشخاص، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء إلى سحب يده من المنصب وإحالته إلى التحقيق.

وما زال التسريب الصوتي المنسوب لرئيس هيئة المستشارين في مجلس الوزراء، عبد الكريم الفيصل، يحظى بمزيد من الاهتمام الشعبي والرسمي، ويعرض حكومة رئيس الوزراء لانتقادات شديدة، رغم نفيها صحة التسجيل الصوتي المنسوب إليه.


مقالات ذات صلة

برلمان العراق يتجاوز أزمة سياسية... ويفتح الترشح لـ«رئيس الجمهورية»

المشرق العربي أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد (أ.ف.ب)

برلمان العراق يتجاوز أزمة سياسية... ويفتح الترشح لـ«رئيس الجمهورية»

أنهى مجلس النواب العراقي، الثلاثاء، جدلاً سياسياً بانتخاب قيادي في «الديمقراطي الكردستاني» نائباً ثانياً لرئيس البرلمان.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)

تسوية حسمت رئاسة البرلمان العراقي في جلسة «انسيابية»

طويت واحدة من أكثر العقد السياسية في العراق، مع انتخاب مجلس النواب، الاثنين، النائب هيبت حمد عباس الحلبوسي رئيساً للبرلمان للدورة السادسة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي الجديد هيبت الحلبوسي (أ.ب)

مَن هو رئيس البرلمان العراقي الجديد؟

انتُخب النائب هيبت حمد عباس الحلبوسي، القيادي في حزب «تقدم»، الاثنين، رئيساً لمجلس النواب العراقي للدورة البرلمانية السادسة بعد جلسة افتتاحية سلسة وحاسمة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

هيبت الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي

يعقد البرلمان العراقي الجديد في دورته السادسة، ظهر اليوم (الإثنين)، أولى جلساته بعد مصادقة المحكمة الاتحادية العليا في البلاد على نتائج الانتخابات البرلمانية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)

أحزاب عراقية تحت الضغط قبل تجاوز المدد الدستورية

تعتمد القوى العراقية في مفاوضاتها على ما يُعرف بمعادلة النقاط مقابل المناصب، وهي آلية غير رسمية تقوم على تحويل عدد المقاعد البرلمانية رصيداً من النقاط.

حمزة مصطفى (بغداد)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
TT

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد، بما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.

كما أعلنت الوزارة في بيان استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمل البيان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) «المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، وتعتبر ذلك خرقا أمنيا خطيرا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي».

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقالت الوزارة إنها أتمت تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأكدت الوزارة رفضها القاطع لما وصفتها «محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى ‘خطر السجون‘».

كان الجيش السوري أعلن قبل قليل السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر داعش الفارين الذين أطلقت «قسد» سراحهم.

وقالت قسد في وقت سابق إن سجن «الشدادي»، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق. وذكرت أيضا أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل تابعة للحكومة قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش.


استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
TT

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها، في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية متواصلة على الجنوب.

وفي سياق مواصلة الجيش اللبناني تعزيز انتشاره الميداني وتثبيت نقاط تموضع جديدة في بلدات الحافة الأمامية، عمد الاثنين إلى تثبيت نقطة جديدة في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، مقابل الجدار الحدودي لمستعمرة مسكاف عام، وذلك بعد تثبيت نقطة سابقة في وسط بلدة كفركلا.

عسكري لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تقوم بإزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه أثناء عملية تثبيت النقطة الجديدة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر تمثّل في تحريك دبابة «ميركافا» خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة واضحة للضغط عليهم ودفعهم إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة، إلا أن الجيش اللبناني واجه هذا التهديد باستنفار مماثل رافضاً التراجع، وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة.

تصعيد جوي إسرائيلي

ويأتي هذا التوتر الميداني بالتوازي مع تصعيد جوي؛ إذ شنّ الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة غارات على جنوب لبنان، حيث قال إنها تستهدف مواقع يستخدمها «حزب الله» لتدريب عناصره. وقال في بيان إنه يهاجم «أهدافاً تابعة لـ(حزب الله) في الجنوب»، مشيراً إلى أن «هذه المواقع كانت تُستخدم لإجراء تدريبات تمهيداً لمهاجمة قوات إسرائيلية ومدنيين»، من دون أن يحدد مواقع هذه الغارات.

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات أنصار والزرارية، ومجرى نهر الشتى عند أطراف بلدة اللويزة في منطقة إقليم التفاح، إضافة إلى بلدة كفرملكي، ما أدى إلى حالة من الخوف والقلق في صفوف الأهالي.

وتواصل إسرائيل شن غاراتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرت أكثر من عام، وتقول إن اعتداءاتها تستهدف «حزب الله»، وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني الأسبوع الماضي إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن إسرائيل شككت بهذه الخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطالبتها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية، خارج قراهم الجنوبية؛ نتيجة الوضع الأمني الهشّ وعدم حصولهم على أموال إعادة الإعمار، وهم اليوم مهددون بخسارة سكنهم المؤقت إذا لم يحصلوا على بدل إيواء جديد؛ مما سيضاعف معاناتهم أكثر.

وبدل الإيواء هو مبلغ مالي دفعه «حزب الله» للنازحين الذين دُمرت منازلهم؛ كي يتمكنوا من دفع إيجار مسكنهم المؤقت لمدة عام، وهم الآن يحتاجون إلى مبلغ مالي إضافي حتى تؤمَّن عودتهم إلى قراهم وتُبنى منازلهم الخاصة من جديد.

في انتظار العودة البعيدة

«محمد.ح» (56 سنة) أحد هؤلاء النازحين، الذين نزحوا قبل عامين، أيّ منذ دخول «حزب الله» حرب «الإسناد» في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحت وعائلتي المؤلفة من 6 أشخاص، ولا نزال ننتظر عودتنا حتّى اللحظة؛ لدينا أمل، ولكنه ضئيل راهناً. أعتقد أن العودة وإعادة الإعمار تحتاجان مزيداً من الوقت!».

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ومحمد ابن بلدة شيحين الجنوبية التي تقع على الحدود اللبنانية الجنوبية، وهو أب لأربعة أولاد، ونازح يقيم في مدينة صور (جنوب لبنان)، دمرت إسرائيل منزله... يقول: «خسرت منزلي. أدفع نحو ثلثي راتبي؛ بدل إيجار وخدمات أساسية؛ الوضع الاقتصادي، كما الأمني، صعب للغاية هنا».

ومحمد أحد الآلاف من أبناء قرى حدودية عدة ما زالوا نازحين قسراً خارج قراهم؛ يعانون ظروفاً حياتية صعبة وغير طبيعية، وهم مهددون اليوم بخسارة مأواهم إذا لم يحصلوا على بدل إيواء مرة أخرى.

ووفق أرقام «اتحاد بلديات صور»، فإن أعداد النازحين المسجلين لديه تبلغ 15 ألفاً و600 شخص؛ هم 4500 عائلة. في حين تشير أرقام «مجلس الجنوب» إلى أن عدد النازحين من القرى الحدودية والخلفية بلغ 9585 عائلة، من أصل 17 ألفاً و106 عائلات، كانت تسكن بلدات الحافتين الأمامية والخلفية وعددها 40.

يروي محمد كيف تبدو البلدة راهناً: «مدمرة بنسبة 90 في المائة، ولا يقطنها أحد؛ غالبية أهلها نازحون قسراً ويقيمون في صور وضواحيها». ويقول: «محزِن جداً أننا لا نقصد بلدتنا سوى للضرورة؛ لدفن أحد موتانا أحياناً كثيرة»، علماً بأن بعض الأهالي يقصدون البلدة لأخذ حاجياتهم التي لم تتضرر جراء الاستهدافات الإسرائيلية.

ويضيف: «وُعدنا ببدل إيواء جديد، ربما في الأشهر الثلاثة المقبلة؛ صرفنا أموال الإيواء في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يبق منها أي شيء».

حُرمنا أبسط متطلبات الحياة

وعن المساعدات العينية التي تصل إلى النازحين، يقول محمد: «عادة ما نحصل عليها من جمعيات بالتنسيق مع (اتحاد بلديات صور)؛ لكنها باتت شحيحة للغاية في الأشهر الأخيرة، وغير ذلك، فهي عبارة عن مواد غذائية (كالمعلبات والحبوب) وأدوات تنظيف، ولا تكفي وحدها».

ويُعلق: «بالتأكيد نعاني راهناً من تبعات النزوح... بعض الناس حُرم أبسط متطلبات الحياة والأساسية منها، كاللباس الجيد والطعام الجيد، بحيث بات معظمهم يأكلون ويلبسون بهدف البقاء على قيد الحياة؛ ليس أكثر».

جانب من مبنى مستهدف في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ويضيف: «نأمل دائماً أن نعود إلى قرانا وحياتنا السابقة رغم الوضع الأمني المأزوم»، علماً بأن عودة النازحين تحتاج إلى أموال لإعادة الإعمار وتجهيز بنى تحتية، من مياه وكهرباء وطرقات؛ كي تكون الحياة ممكنة في تلك البلدات والقرى. ويختم: «نعلم أن منح لبنان الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أمرٌ مشروط، ويتطلب تنازلات جمّة؛ لذا لا يمكننا تحميل الدولة مسؤولية ما نحن عليه اليوم، إذ إن هناك واقعاً يفرض نفسه».

من جانبه، يقول محسن عقيل، نائب رئيس بلدية جبين، إحدى قرى قضاء صور: «مرّ أكثر من عام وأنا أعيش تجربة النزوح مع عائلتي، وعائلة ابني أيضاً، وعددنا 9 أفراد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نسكن جميعاً في منزل واحد بمنطقة برج الشمالي (صور)؛ بسبب بدلات الإيجار المرتفعة نسبياً بالنسبة إلينا».

مناطق جنوب لبنان تتعرض لقصف إسرائيلي دائم رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وعقيل عسكري متقاعد في الجيش اللبناني... «بنيتُ منزلي في قريتي عام 2009، وبقيت منذ ذلك هناك أنا وزوجتي وخلال (حرب الإسناد)، إلى أن خرجنا منها قبل قليل من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان». ويقول: «نهاية العام قبل الماضي حصلنا على بدل إيواء؛ لا نعلم أين ستذهب الناس في حال لم يُدفع هذا البدل مرة أخرى».

أمنية العودة ولو إلى خيام...

ويتحدث عقيل عن أقصى أمنياته وأمنيات جميع النازحين في العام الجديد بالقول: «نتمنى أن تحمل لنا السنة الجديدة عودة قريبة، حتى ولو اضطر بعضنا إلى السكن في خيام بقريته»... سئم النازحون العيش حياة غير مستقرة ومؤقتة بعيداً عن أرضهم: «كنا نعيش حياة كريمة في منازل واسعة شيدناها من طوابق عدّة، وكانت لنا متاجر وممتلكات خاصة، لكن للأسف أعادتنا إسرائيل إلى نقطة الصفر راهناً».

وعن البلدة المهجورة حالياً، التي لطالما اشتهرت بزراعة التبغ والحنطة سابقاً، يقول عقيل: «تمّ جرف جميع منازل البلدة المهدمة بالتنسيق مع (مجلس الجنوب)، باستثناء 13 منزلاً بقيت على حالها قيد الإنشاء؛ لأنها كانت سكناً للجيش الإسرائيلي»...

يزور عقيل البلدة بشكل شبه يومي، وحينما تتطلب الحاجة، بمؤازرة الجيش، ويقول: «نعوّل على الدولة اللبنانية، خصوصاً رئيس مجلس النواب، نبيه بري؛ كي تتأمن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية... دمرت إسرائيل منازلنا وقرانا وهجرت سكانها، حتى إننا حُرمنا أولادَنا الذين سافروا خارج البلاد بحثاً عن مكان أفضل أماناً».