إسرائيل تضغط على لبنان بـ«المجازر»

بند «حرية الحركة للجيش» يعوق وقف إطلاق النار

TT

إسرائيل تضغط على لبنان بـ«المجازر»

عناصر الدفاع المدني يحضرون أغطية لنقل طفل قتل في غارة إسرائيلية على منزل يأوي نازحين في علمات بجبل لبنان (د.ب.أ)
عناصر الدفاع المدني يحضرون أغطية لنقل طفل قتل في غارة إسرائيلية على منزل يأوي نازحين في علمات بجبل لبنان (د.ب.أ)

استأنف الجيش الإسرائيلي سياسة الضغوط القصوى على لبنان، باتباع استراتيجية ارتكاب المجازر التي أسفرت عن عشرات الضحايا في جبل لبنان وجنوبه وشرقه، بموازاة المراوحة الميدانية، ومحاولات نقل المعركة إلى الأحياء الخلفية لقرى الحافة الحدودية التي سبق أن فجّر أحياءها المتاخمة للشريط الحدودي.

وقضى 52 شخصاً، بينهم 10 مسعفين، خلال 24 ساعة، في غارات إسرائيلية استهدفت 5 محافظات لبنانية، في واحدة من أعنف الهجمات وأكثرها دموية في يوم واحد، وهو ما يَنظر إليه لبنان على أنه «محاولة للضغط» على مُفاوضِه، في ظل انغلاق المبادرات التي لا تزال عالقة عند شرط واحد، وهو حرية الحركة للجيش الإسرائيلي في لبنان، بعد أي اتفاق لوقف إطلاق النار. ويشمل ذلك حرية القصف في العمق، أو التوغل برياً، وهو ما يرفضه لبنان، وفق ما أكدته مصادر لـ«الشرق الأوسط».

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس: «هزمنا (حزب الله)، ومهمتنا الآن تغيير الوضع الأمني في لبنان». ونقلت عنه «القناة 12» قوله: «علينا أن نواصل العمل معاً، ونستثمر النتائج في تغيير الوضع بجبهة لبنان». وأضاف: «إن دورنا الآن يكمن في مواصلة الضغط على (حزب الله)».

عمال إنقاذ يعملون في موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في بلدة علمات بجبل لبنان (إ.ب.أ)

مجزرة في جبل لبنان

وبدا أن توسعة رقعة القصف واستهداف المسعفين، من أساليب الضغط، إذ أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن الجيش الإسرائيلي ارتكب مجزرة في بلدة علمات في جبل لبنان، ذهب ضحيتها 24 قتيلاً، بينهم 7 أطفال، وفق ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

وقالت إن طواقم الإنقاذ «رفعت أشلاء من المكان، ويجري التدقيق في هوية أصحابها، ما يرجح ارتفاع عدد الشهداء»، وأوضحت أن الهجوم أسفر كذلك عن إصابة 8 آخرين.

وعلمات هي بلدة تقطنها غالبية شيعية في قضاء جبيل ذي الغالبية المسيحية، وتقع على بُعد 30 كيلومتراً من العاصمة بيروت. وفي موقع الغارة، أظهرت صور عناصر إسعاف وهم يبحثون بين أنقاض المنزل المستهدف الذي سُويّ بالأرض، في حين عملت جرافة كبيرة على رفع الركام.

عناصر من الدفاع المدني التابع لـ«جمعية الرسالة» يبحثون عن مصابين تحت أنقاض مبنى استهدفته غارة إسرائيلية بدير قانون النهر جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت وسائل إعلام لبنانية إن المنزل كان يستضيف 35 شخصاً نازحاً من بعلبك، تربطهم صلة قرابة بأصحاب المنزل، وغالبيتهم من «الأطفال والنساء». وبيّنت اللقطات المسعفين وهم ينتشلون جثثاً من تحت أنقاض المنزل الواقع في منطقة جبلية نائية ووعرة، وقد لفّت ببطانيات، وحولهم سيارة إسعاف وآلية للدفاع المدني اللبناني، ولم يبقَ من المنزل سوى هيكل حديد لسقفه.

ومن مكان الغارة في علمات، قال النائب رائد برو، ممثل «حزب الله» عن منطقة جبيل: «إن الشخصيات المهمة العسكرية والأمنية عادة تكون بالجبهة، وأهميتها أن تكون بالجبهة وليس أن تكون في الخطوط الخلفية». وأضاف: «لا يوجد تحت الأنقاض إلا الأطفال والشيوخ والنساء».

سيارة متضررة إلى جانب مبنى مدمر في بلدة حدث بعلبك شرق لبنان (أ.ف.ب)

غارات الجنوب والشرق

وفي الجنوب، أعلن «مركز عمليات طوارئ الصحة العامة»، التابع لوزارة الصحة اللبنانية، حصيلة غير نهائية لغارات إسرائيلية استهدفت نقاط تجمع مسعفين، ليل السبت، في دير قانون رأس العين بقضاء صور.

وأدت الغارات إلى سقوط 14 قتيلاً، بينهم 7 مسعفين، وذلك «في تمادٍ إسرائيلي واضح لجريمة الحرب المتمثلة في استهداف فرق الإنقاذ والإسعاف بما يخالف كل القوانين الإنسانية الدولية»، وفق ما قالت وزارة الصحة.

وأفادت أيضاً بمقتل 4 أشخاص، وإصابة 6 مصابين، في غارات ليل السبت على بلدتي مشغرة وسحمر في البقاع.

كما أفيد، الأحد، بمقتل شخص في بعلبك، و3 مسعفين من الدفاع المدني لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» جراء غارة استهدفت بلدة عدلون قضاء صيدا بالجنوب، فضلاً عن مقتل شخص في غارة استهدفت بلدة المروانية مساء، و4 آخرين في الهرمل بشرق لبنان.

سكان يتفقدون مواقع القصف الإسرائيلية بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

ويتزامن هذا القصف الجوي الموسع، مع مراوحة في العملية البرية، تحاول القوات الإسرائيلية الانتقال فيها من الأحياء الشرقية المواجهة للشريط الحدودي، إلى الأحياء الخلفية ضمن القرى نفسها التي تعرّضت لتدمير واسع في منازلها القريبة من الشريط الحدودي عبر تفخيخها وتفجيرها.

وأعلن «حزب الله» عن استهداف لتجمعات إسرائيلية في بلدة مركبا (الحدودية) وبين مركبا وحولا، كذلك تحدّث عن استهداف تجمع لقوات إسرائيلية في ‏مرتفع كحيل عند الأطراف الشرقيّة لبلدة مارون الراس، وأخرى قرب بوابة حسن، في محيط بلدة شعبا، وتدمير جرافة عسكرية إسرائيلية قرب الجدار الحدودي في بلدة كفركلا، و«قتل وجرح طاقمها».

كما أعلن الحزب عن مواجهات مع قوة إسرائيلية حاولت التسلّل باتّجاه بلدة عيناثا، عند الأطراف الجنوبية الغربية لبلدة عيترون، فضلاً عن استهداف تجمعات أخرى في مواقع عسكرية قرب الحدود اللبنانية، وقصف مستوطنات وبلدات إسرائيلية بالشمال.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بإصابة 3 أشخاص جراء سقوط صاروخ في منطقة مفتوحة شرق نهاريا. كما تحدّثت عن إصابة بقذيفة مضادة للمدرعات في المطلة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد 10 قذائف صاروخية أُطلقت من لبنان صوب الجولان، وجرى اعتراض بعضها وسقط الباقي في مناطق مفتوحة. وقال الحزب إنه استهدف موقع «أفيتال» (مركز استطلاع فني وإلكتروني) في الجولان السوريّ المُحتل، للمرة الأولى، بصلية صاروخية.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق...

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

منظمة دولية تحذّر من مؤشرات «مقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان

حذّرت مديرة المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، من مؤشرات «مُقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان جراء الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من الانفجارات خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية بقرية الطيبة جنوب لبنان 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دول أوروبية تدعو إسرائيل و«حزب الله» إلى «وقف الأعمال العسكرية»

دعت 18 دولة أوروبية، الخميس، إسرائيل و«حزب الله» إلى وقف القتال، مع دخول الحرب بينهما شهرها الثاني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
المشرق العربي آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

تتقدم القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله»، في مناطق لبنانية محاذية لحدودها؛ ما يثير مخاوف من عزمها على احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة الحركة منذ أكثر من أسبوع، بهدف نزع سلاح قطاع غزة بشكل كامل، ومن دون أي استثناءات.

ويجري وفد من «حماس»، وصل منذ أيام إلى العاصمة المصرية، القاهرة، سلسلة من اللقاءات الثنائية والجماعية مع فصائل فلسطينية عدة أرسلت وفوداً إلى مصر، وبعضها يقيم بشكل شبه دائم هناك. كما أن وفد الحركة ووفود الفصائل تلتقي، وستعقد مزيداً من اللقاءات مع مسؤولين مصريين وجهات أخرى، في حين ستعقد لقاءات أوسع مع ممثلين عن «مجلس السلام»، ومن بينهم ميلادينوف، الذي التقى مجدداً مع قيادة «حماس»، كما علمت «الشرق الأوسط».

مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (رويترز)

وقال مصدر قيادي من «حماس»، موجود في القاهرة، وفضل عدم ذكر هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة ما زالت تجري نقاشات داخلية، وكذلك مع الفصائل، حول الخطة المطروحة، مؤكداً أنه تم نقل رسالة واضحة للوسطاء ولممثل «مجلس السلام» بأن ما طُرِح غير مقبول فلسطينياً، وأنه يجب إدخال تعديلات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ بنود ما تبقى من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن يكون هناك إلزام جدي لها بتنفيذ بنود المرحلة الثانية، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب الكامل والفوري، وفق ما تنص عليه خطة الـ20 بنداً التي قدمها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، في سبتمبر (أيلول) الماضي.

ووفقاً للمصدر، فإنه يتم تشكيل موقف فلسطيني موحد من خلال المناقشات التي تجري في القاهرة.

وقال المصدر إن الحركة ما زالت في طور المناقشات والمحادثات مع جميع الأطراف، ولم يتم اتخاذ موقف نهائي مما طُرِح بشأن قضية السلاح تحديداً، مشيراً إلى أن التصور الخاص بالسلاح سيتم إجراء مزيد من المناقشات الداخلية والفصائلية بشأنه قبل تقديم رد واضح عليه، مبيناً أن ذلك سيكون مرهوناً، من جانب آخر، بما سيتم من إجراء تعديلات على الخطة المطروحة بشأن إلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها المتكررة وخرقها لوقف إطلاق النار بحجج واهية، إلى جانب استمرارها في منع دخول البضائع والمساعدات الإنسانية بشكل غير كافٍ، والعمل على هندسة تجويع غزة بطرق مختلفة، إلى جانب استمرار تلاعبها بفتح معبر رفح وتقليص حركة المسافرين من وإلى القطاع، واستخدامها للعصابات المسلحة في تفتيش وإهانة المسافرين.

ولفت إلى أن المحادثات مع الوسطاء وممثل «مجلس السلام» تهدف بشكل أساسي للضغط باتجاه إحداث التعديلات اللازمة على الخطة المطروحة.

أرشيفية لمسلّحين من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وقال مصدر ثانٍ من الفصائل الفلسطينية مطلع على التفاصيل، إن الخطة مجحفة بحق الفلسطينيين، ولذلك هناك تعديلات مهمة، ويجب أخذها في الاعتبار، ليس فقط فيما يخص السلاح ومحاولات ربط نزعه بباقي البنود، وإنما بنقاط أخرى، منها ما يتعلق بآليات الانسحاب وإعادة الإعمار، وأن يكون هناك حكم وطني فلسطيني خالص من دون تدخل أجنبي، ومحاولات فرض الوصاية، كما يسعى «مجلس السلام» وإسرائيل والولايات المتحدة، بحسب حديثه مع «الشرق الأوسط».

ورأى أن محاولات ربط نزع السلاح بكل بنود المرحلة الثانية، مثل إعادة الإعمار في المناطق التي يُنزع منها فقط السلاح، بمثابة ابتزاز للفلسطينيين في حقوقهم، مؤكداً على رفض الكل الفلسطيني لمثل هذا الربط، الذي يشير إلى محاولة المساومة على حقوقهم الحياتية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وفلسطيني، أن «حماس» أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها من دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، وفق ‌المنصوص عليه في خطة نزع السلاح التي وضعها «مجلس السلام»، مقدمة مجموعة من المطالبة والتعديلات على الخطة، منها وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ جميع البنود وانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وتقديم توضيحات لها بشأن توسيع إسرائيل المستمر لرقعة سيطرتها على مناطق إضافية بالقطاع.

وأحجم مسؤولان من «حماس» عن التعليق بشأن فحوى الاجتماعات، فيما لم ترد الحكومة الإسرائيلية ولا ممثلو مجلس السلام على طلبات للتعليق، وفق «رويترز».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نيكولاي ملادينوف في القدس - 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتصرّ إسرائيل على نزع سلاح غزة بشكل كامل، بما في ذلك الخفيف والثقيل، فيما تنص خطة «مجلس السلام» الجديدة على موافقة «حماس» والفصائل على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح.

وغرَّد ميلادينوف، في منشور على منصات التواصل ⁠الاجتماعي، أول من أمس (الأربعاء)، بأن جميع الأطراف الوسيطة أيَّدت الخطة، وهو أمر كانت أكدته مصادر لـ«الشرق الأوسط»، منذ أيام، وأنها شاركت حتى في صياغة الخطة، وأدخلت على بعض بنودها بعض الملاحظات والتعديلات، بهدف تطويرها قبل تقديمها لـ«حماس».

وقال ملادينوف في منشور على منصة «إكس»: «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

يرتفع منسوب المخاوف اللبنانية حيال إصرار إسرائيل، مع دخول حربها مع «حزب الله» شهرها الثاني، على المضي في تدمير البلدات الواقعة على الحافة الأمامية وتحويلها إلى منطقة محروقة لا يصلح العيش فيها بذريعة أنها -كما تبلّغ من الولايات المتحدة الأميركية- تحتضن البنية التحتية العسكرية التابعة لـ«حزب الله»، وأن معظم هذه البلدات تحولت لمخابئ لتخزين السلاح لتهديد أمن المستعمرات الإسرائيلية.

وأكدت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل ماضية في تدميرها البلدات الأمامية على مدى يتراوح عمقه بين 4 و5 كيلومترات في جنوب الليطاني من دون أن تتجاوب الولايات المتحدة مع إلحاح الحكومة اللبنانية، للضغط عليها لوقف هذا التدمير.

ولفتت إلى أن إسرائيل بتدميرها هذه القرى تحظى بضوء أخضر أميركي لاستئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» من جنوب الليطاني، ونزع سلاحه على خلفية عدم تجاوبه مع خطة الحكومة الرامية لحصر السلاح بيد الدولة.

وسألت عن مصير الضمانات التي تعهّدت بها واشنطن، والقاضية بمنع إسرائيل من استهداف البنى التحتية الواقعة خارج المنطقة الممتدة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، بما في ذلك مطار رفيق الحريري الدولي، والمنشآت الحيوية لتوليد الطاقة، وشبكات الاتصالات، والطرقات، والمياه، وما إذا كانت هذه الضمانات لا تزال سارية المفعول، رغم تهويل إسرائيل، بين حين وآخر، باستهدافها.

عناصر الدفاع المدني يبحثون بين الأنقاض عن ناجين تحت مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر أن التطمينات الأميركية للحكومة في هذا الخصوص ما زالت قائمة ولا عودة عنها، وأن واشنطن ترفض الاستجابة لطلب إسرائيل باستهداف المنشآت ذات الصلة بالبنى التحتية وتأمين الخدمات للمواطنين للضغط على الحكومة للتسليم بشروطها.

وقالت إن واشنطن تغض الطرف عن الغارات التي تشنّها إسرائيل على بعض الأحياء الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لبيروت الكبرى، بذريعة أنها تأتي في سياق ملاحقتها لقادة وكوادر «حزب الله» واغتيالهم، فيما لا تكف عن تهديدها لضرب الضاحية الجنوبية بتوجيه إنذارات لسكانها لإخلائها.

وأفادت بأن واشنطن وإن كانت ترفض ربط لبنان بإيران، وهي على تفاهم مع إسرائيل بهذا الشأن، فإنها تبقي على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معلقة على ما ستؤول إليه الحرب المشتعلة على الجبهة الإيرانية التي لن تتوقف، من وجهة نظرها، ما لم تسلم إيران بشروطها للبدء بمفاوضات من بنودها وقف دعمها لأذرعها في الإقليم، وأولاها الجناح العسكري لـ«حزب الله».

ورأت أن إضعاف القيادة الإيرانية الجديدة سينسحب تلقائياً على الحزب، بحيث لم يعد له من خيار سوى الانخراط في مشروع الدولة، وإلا ستبقى يد إسرائيل طليقة لاستئصاله، ليس من الجنوب فحسب، وإنما من كل لبنان لبسط سلطة الدولة على كل أراضيها.

ورغم أن واشنطن تعوّل على دور فاعل لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، ولا تُحبّذ الدعوات لانقطاع التواصل معه، فإنها في المقابل، وإن كانت تؤيد دعوة عون للتفاوض مباشرة مع إسرائيل، فهي تشترط أن يضم الوفد اللبناني المفاوض مَن يُمثل بري لتوفير الغطاء السياسي المطلوب لوضع ما ستؤدي إليه المفاوضات على سكة التنفيذ.

اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

فواشنطن، في رهانها على المفاوضات للتوصل إلى تسوية تقوم ركائزها الأساسية على إنهاء حال الحرب بين البلدين، ليست في وارد إعطاء الضوء الأخضر لانطلاقها، كما تقول المصادر، في غياب ممثل وازن عن الطائفة الشيعية يحظى برضا بري؛ إذ إنّها، من دونه، لا يمكن أن ترى النور فعلاً لا قولاً، حتى لو أفضت إلى اتفاق. وهذا ما يفسّر انفتاحها عليه، بالتوازي مع إسدائها النصائح لخصومه بوجوب التعاون معه، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لإنقاذ لبنان وإخراجه من أزماته.

لكن العطلة الميلادية ستُعيد الحرارة للاتصالات الرئاسية، وتحديداً بين رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بعد أن أدى المخرج الذي تم التوصل إليه بعد اعتبار السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني غير مرغوب فيه، قراراً نافذاً مع وقف التنفيذ، ما أدى إلى كسر الجليد الذي كان وراء الفتور الذي شاب العلاقات بينهم.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

وعليه، تدخل العلاقات الرئاسية مرحلة «غسل القلوب»، وهو ما يفسّر عدم إدراج قضية الشيباني على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي شارك فيها وزراء «الثنائي الشيعي». كما تجنّب هؤلاء إثارتها من خارج الجدول، وكأنهم على علم مسبق بعدم إقحام الجلسة فيها، إفساحاً في المجال أمام سريان مفعول المخرج المؤقت لطيّ صفحة الفتور الذي أصاب العلاقات الرئاسية. وذلك رغم أن سبب هذا الفتور يعود، وفق مصدر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، إلى عتب بري على عون لعدم التشاور معه، وهو ما كان وراء معاودة تواصله مع «حزب الله» بعد انقطاع بينهما، تسبب به تَفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهّده بعدم التدخل عسكرياً إسناداً لإيران.


إسرائيل: نزع سلاح «حزب الله» من دون غزو شامل للبنان غير واقعي

يتصاعد الدخان والنيران من مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من السفارة الإيرانية (د.ب.أ)
يتصاعد الدخان والنيران من مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من السفارة الإيرانية (د.ب.أ)
TT

إسرائيل: نزع سلاح «حزب الله» من دون غزو شامل للبنان غير واقعي

يتصاعد الدخان والنيران من مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من السفارة الإيرانية (د.ب.أ)
يتصاعد الدخان والنيران من مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من السفارة الإيرانية (د.ب.أ)

في حين أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الجمعة)، أنه يعتزم قصف جسرين في منطقة البقاع الغربي بشرق لبنان، أقر بأن هدفه المتمثل في نزع سلاح «حزب الله» في لبنان «غير واقعي»، حيث يتطلب الأمر شن غزو عسكري شامل للأراضي اللبنانية، وهو ما لن يفعله، وفقاً لما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية» عن صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية اليوم الجمعة.

وأشار الجيش الإسرائيلي أيضاً إلى أنه لم يتمكن من نزع السلاح بشكل كامل في مناطق جنوب لبنان في أواخر عام 2024، بيد أنه يبذل جهوداً لتحقيق ذلك في الوقت الحالي.

ووفقاً للصحيفة، يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي في نزع سلاح «حزب الله» يتمثل في مخابئ الصواريخ ذاتية الدفع المنتشرة شمال نهر الليطاني.

ومن المتوقع أن تنهي الفرق العسكرية الإسرائيلية في لبنان السيطرة على مناطق تبعد ما بين 8 إلى 10 كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل خلال الأسبوع المقبل، وهي خطوة تهدف إلى تقليص قدرات «حزب الله» على إطلاق الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات باتجاه إسرائيل، وإطالة مدة الإنذار المبكر للصواريخ المنطلقة من لبنان.

كان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قد أعلن يوم الثلاثاء الماضي أنه يعتزم تدمير جميع المنازل في القرى الواقعة بالقرب من الحدود في جنوب لبنان.

ووفقاً لمكتبه، قال كاتس إن الهدف هو «القضاء بصورة نهائية» على التهديد الذي يشكله «حزب الله» على سكان شمال إسرائيل.

وأشار إلى بلدتي رفح وبيت حانون في قطاع غزة - اللتين تم تدميرهما بقدر كبير في حرب غزة - كنموذج.

وتعتبر العديد من البلدات في جنوب لبنان، معاقل لجماعة «حزب الله».

وسبق تصريح كاتس، إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع نطاق غزو بلاده لجنوب لبنان.

قصف جسرين

إلى ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يعتزم قصف جسرين في منطقة البقاع الغربي بشرق لبنان، متهماً «حزب الله» باستخدامهما لأغراض «إرهابية».

وقال الجيش في بيان إنه يعتزم «مهاجمة جسري سحمر-مشغرة»، وذلك «نظراً لأنشطة (حزب الله) ونقل عناصر إرهابية إلى جنوب لبنان برعاية السكان المدنيين».

ومنذ اندلاع الحرب الراهنة بين إسرائيل و«حزب الله» في الثاني من مارس (آذار)، دمّرت الدولة العبرية عدداً من الجسور التي تربط منطقة جنوب الليطاني المحاذية لحدودها، بسائر أنحاء لبنان، متهّمة كذلك «حزب الله» باستخدامها لغايات عسكرية.