تحركات روسية لتعزيز مسار التعاون مع الأسد

شويغو يدعو لمساعدة الحكومة السورية في «ظروف إقليمية صعبة ومتوترة»

محمد بن زايد خلال استقباله سيرغي شويغو (وام)
محمد بن زايد خلال استقباله سيرغي شويغو (وام)
TT

تحركات روسية لتعزيز مسار التعاون مع الأسد

محمد بن زايد خلال استقباله سيرغي شويغو (وام)
محمد بن زايد خلال استقباله سيرغي شويغو (وام)

وجه سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، سيرغي شويغو، رسائل مهمة خلال زيارته أبوظبي، أمس الثلاثاء. ومع أن أجندة محادثاته مع رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، تطرقت إلى رزمة واسعة من الملفات التي تهم الطرفين، لكن التركيز على الملف السوري والدعوة لتعزيز مسار المصالحة والانفتاح على دعم الحكومة السورية، في الظروف الإقليمية الراهنة، حملت إشارات مهمة إلى أولويات موسكو حالياً، لجهة ضمان عدم انزلاق الوضع نحو انخراط سوريا في المواجهة المشتعلة في فلسطين ولبنان.

وقال المسؤول المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، إن «الوضع في منطقة الشرق الأوسط، لا يزال صعباً ومتوتراً للغاية، ومن المهم مواصلة إعادة دمج سوريا في البيئة الإقليمية».

قوات إسرائيلية تسير بدورية في هضبة الجولان السوري المحتل 22 اكتوبر (إ.ب.أ)

ونقلت الخدمة الصحافية لجهاز مجلس الأمن الروسي: «من المهم مواصلة إعادة الدمج النشط لسوريا في البيئة الإقليمية، وتعزيز العودة الكاملة لهذا البلد إلى الأسرة العربية، وتحفيز استثمارات دول الخليج الأخرى في الاقتصاد السوري».

ووفقاً للبيان، فإن شويغو ناقش في الإمارات العربية المتحدة، مع القيادة السياسية العليا في البلاد، رزمة من الملفات التي تتعلق بالعلاقات الثنائية والوضع في منطقة الشرق الأوسط، الذي «لا يزال صعباً ومتوتراً للغاية».

دخان يتصاعد وسط الأعمال العدائية المستمرة بين «حزب الله» والقوات الإسرائيلية بالقرب من الحدود مع إسرائيل يوم 26 أكتوبر (رويترز)

وأشار المكتب الصحافي، إلى أن سكرتير مجلس الأمن الروسي، الذي قام خلال الأسابيع الأخيرة بعدد من المهام الخارجية بتكليف مباشر من بوتين، رحب بالجهود الكبيرة التي تبذلها دولة الإمارات لمساعدة الجمهورية العربية السورية في التغلب على الأزمة الاقتصادية الحادة. ودعا شويغو، إلى تقديم مزيد من الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة السورية وتعزيز عمليات التطبيع معها على المستويين العربي والإقليمي.

وتطرقت نقاشات شويغو في أبوظبي، إلى «الوضع في سوريا ومكافحة الجماعات الإرهابية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والوضع في ليبيا، ومسائل التفاعل بين أجهزة الأمن في روسيا والإمارات بالتفصيل».

وقالت أوساط إعلامية روسية، إن تحركات شويغو خلال الأسابيع الأخيرة، ركزت على منع انزلاق الوضع في المنطقة إلى مواجهة كبرى، يمكن أن تسبب أضراراً فادحة للمصالح الروسية في المنطقة.

سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو مع الرئيس السوري العاصمة السورية دمشق سبتمبر الماضي (سانا)

وزار شويغو في 16 أيلول (سبتمبر) الماضي، دمشق، والتقى الرئيس بشار الأسد، وبحث معه «مجموعة من الملفات ذات الصلة بالأمن الدولي والإقليمي»، والعلاقات الثنائية بين سوريا وروسيا وآفاق تعزيزها.

وفي اليوم التالي توجه إلى طهران، في زيارة لم تكن معلنة مسبقاً على جدول أعماله. ورأى متابعون في موسكو، أنها هدفت إلى حث الإيرانيين على عدم توسيع نطاق المواجهة، كما حمل خلالها رسائل واضحة، بأن موسكو تعارض أي توجه لدفع الحكومة السورية للانخراط في المواجهة المتفاقمة في المنطقة.

هاربون من الحرب في لبنان الى سوريا عبر "المصنع" رغم دمار المعبر من القصف الاسرائيلي (رويترز)

ومع التحذيرات السياسية والرسائل التي حملتها جولات شويغو الإقليمية، فإن زيارته إلى أبوظبي تكتسب بعداً مهماً، لأنها تناولت إلى جانب تقييم الوضع السياسي والأمني في المنطقة، أهمية تنشيط الدعم الاقتصادي للحكومة السورية التي تواجه أزمة خانقة داخلياً، تضاعف من الصعوبات التي تمر بها بسبب الظروف الإقليمية المعقدة.

وكانت أوساط إعلامية تحدثت في الأيام الأخيرة، عن أن موسكو تبذل جهوداً سياسية كبرى من أجل تحييد سوريا عن الحرب الدائرة في الإقليم، ومن هذه الجهود الاتصالات مع دول عربية عديدة لتفعيل الوساطة والضغط على النظام السوري لعدم إظهار معالم واضحة لدخوله في المواجهة إلى جانب إيران.

الصواريخ الإسرائيلية استهدفت مؤخرا شاحنات داخل معمل للسيارات الإيرانية وسط سوريا (المرصد السوري)

لكن وفقاً لمصادر المعارضة السورية، فإن هذه الجهود الروسية لم تحقّق المأمول منها، خاصة بعد أن انتقلت المعارك إلى جنوب لبنان الذي يسيطر عليه «حزب الله»، حيث زاد استخدام طهران للأراضي السورية من أجل تمرير الدعم للحزب.

وقبل يومين، نقلت قناة «سوريا» التلفزيونية القريبة من المعارضة، معلومات خاصة تشير إلى إجراء روسيا محادثات مستمرة مع الجانب الإيراني بهدف ضبط تحركاته وتمركز الفصائل التابعة له على الأراضي السورية، من أجل تجنب مزيد من التصعيد الإسرائيلي.

ميليشيات إيرانية في سوريا (المرصد السوري)

وقالت، إن لدى روسيا مخاوف حقيقية من توسع الضربات الإسرائيلية لتشمل مواقع عسكرية تتبع النظام السوري، أو أن تتخذ «تل أبيب» قراراً بتوسيع توغلها جنوب سوريا، في وقت لا تستطيع فيه موسكو إظهار رفضها العلني للنشاط الإسرائيلي، تجنباً لعدم دفع الأخيرة للانحياز أكثر لصالح أوكرانيا، وتوسيع الدعم لها رداً على أي سلوك روسي قد تفسره تل أبيب أنه دعم لإيران في مواجهتها.

في هذا الإطار، فإن التحركات الروسية النشطة، بما فيها الزيارة الأخيرة إلى أبوظبي، تسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين، وفقاً لمصادر في موسكو، الأول، هو تأكيد تطابق وجهات النظر مع الشركاء في المنطقة بضرورة منع انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، والثاني ضمان استقرار الوضع السياسي والاقتصادي في سوريا خلال هذه المرحلة المعقدة.

على صعيد آخر، حملت زيارة وزير الخارجية والمغتربين بسام صباغ، إلى بيلاروسيا، الحليف الأقرب إلى موسكو، نتائج مهمة على صعيد تعزيز تنسيق دمشق مع الجانب البيلاروسي.

وقال الوزير إنه ناقش مع نظيره البيلاروسي، مكسيم ريجينكوف، في مينسك، تعزيز التنسيق بين البلدين بشأن المسائل السياسية، بما في ذلك الدعم المتبادل في المحافل الدولية، إضافة إلى بحث تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية والإنسانية. الزيارة جاءت في إطار مشاركته بالمؤتمر الدولي الثاني للأمن الأوراسي في مينسك.

وعقب المحادثات الثنائية، أدلى وزيرا الخارجية بتصريح صحافي، وأوضح صباغ أنه أجرى تبادلاً مثمراً وبناءً لوجهات النظر مع نظيره البيلاروسي إزاء العديد من المسائل، كما استعرضا مختلف جوانب التعاون الثنائي. وأشار وزير الخارجية والمغتربين، إلى أنه جرى التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن المشاورات السياسية بين وزارتي الخارجية في كلا البلدين، إضافة إلى بحث تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية والإنسانية.

عناصر أمن ومن الدفاع المدني تعاين حطام السيارة التي انفجرة في حي المزة بدمشق أمس (أ.ف.ب)

وقال صباغ، إنه أطلع وزير الخارجية البيلاروسي على تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، وكذلك العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين واللبنانيين، مؤكداً موقف سوريا الثابت بضرورة وقف هذا العدوان فوراً، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي العربية المحتلة، بما فيها الجولان السوري المحتل، وإدانة جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.


مقالات ذات صلة

مباحثات إماراتية بريطانية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية

الخليج علما الإمارات وبريطانيا (الشرق الأوسط)

مباحثات إماراتية بريطانية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية

بحث الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، مع إيفيت كوبر، وزيرة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة، سبل تعزيز العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
خاص محاولات إماراتية لإثناء الحكم عن قراره بعدم احتساب هدف شباب الأهلي في شباك ماتشيدا (الشرق الأوسط)

خاص مصدر مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: لجنة الانضباط الآسيوية ترفض احتجاج شباب الأهلي الإماراتي

أكد مصدر مسؤول لـ«الشرق الأوسط» أن لجنة الانضباط في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أقرت رسمياً، عصر الخميس، رفض الاحتجاج المقدم من نادي شباب الأهلي.

بدر بالعبيد (الرياض)
رياضة عربية محاولات إماراتية لإثناء الحكم عن قراره بعدم احتساب هدف شباب الأهلي في شباك ماتشيدا (الشرق الأوسط)

مصادر «الشرق الأوسط»: لجنة الانضباط الآسيوية لن تُعيد مباراة شباب الأهلي وماتشيدا

قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن لجنة الانضباط في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم لن تعيد مباراة شباب الأهلي الإماراتي وماتشيدا زيلفيا الياباني.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اللقاء في أبوظبي (وام)

محمد بن زايد والشرع يبحثان تعزيز العلاقات والتطورات الإقليمية

بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
عالم الاعمال مركز دبي المالي العالمي يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي

مركز دبي المالي العالمي يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي

كشف مركز دبي المالي العالمي عن مبادرة استراتيجية لدمج قدرات الذكاء الاصطناعي في منظومته.

«الشرق الأوسط» (دبي)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.