بين الكوليرا والجـرَب... أمراض عدة تهدّد النازحين اللبنانيين في مراكز الإيواء المكتظة

نقيب أطباء لبنان لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف من تفشي الإنفلونزا و«كورونا» مع اقتراب الشتاء

أطفال نازحون بسبب الحرب يلعبون في ساحة مُجمّع تحول مركز إيواء وسط بيروت (أ.ف.ب)
أطفال نازحون بسبب الحرب يلعبون في ساحة مُجمّع تحول مركز إيواء وسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

بين الكوليرا والجـرَب... أمراض عدة تهدّد النازحين اللبنانيين في مراكز الإيواء المكتظة

أطفال نازحون بسبب الحرب يلعبون في ساحة مُجمّع تحول مركز إيواء وسط بيروت (أ.ف.ب)
أطفال نازحون بسبب الحرب يلعبون في ساحة مُجمّع تحول مركز إيواء وسط بيروت (أ.ف.ب)

يعيش لبنان تحت وطأة موجة هائلة من النزوح، مع انتقال أكثر من مليون شخص في البلاد من منازلهم ومدنهم إلى أماكن أخرى جراء تصاعد حملة القصف الإسرائيلي منذ أكثر من 3 أسابيع.

وتعج المدارس التي فتحت أبوابها لتصبح مراكز إيواء بأعداد ضخمة من النازحين، حيث يكثُر الحديث عن إمكانية تحولها بؤراً للأوبئة والأمراض حال غياب خطة حكومية وإجراءات أساسية لمواجهة التحديات.

«خطر الكوليرا المرتفع»

حذَّرت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، من أن خطر تفشي الكوليرا في لبنان «مرتفع جداً»، بعد تأكيد إصابة أولى بالعدوى البكتيرية الحادة في ظل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله». وأشارت المنظمة إلى خطر انتشار الكوليرا بين مئات الآلاف من الذين نزحوا منذ صعّدت إسرائيل حملتها العسكرية الجوية في البلاد، وبدأت عمليات برية في الجنوب.

وقال عبد الناصر أبو بكر، ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان، خلال مؤتمر صحافي عبر الفيديو: «في حال وصلت فاشية الكوليرا إلى النازحين الجدد، قد يكون انتشارها سريعاً».

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية عن التثبت من حالة محتملة للكوليرا لدى مواطنة لبنانية قصدت المستشفى، الاثنين، وهي تعاني إسهالاً حاداً. وأضافت الوزارة أن المريضة من بلدة السمونية في شمال لبنان.

والكوليرا عدوى حادة تسبب الإسهال وتنجم عن تناول أطعمة أو شرب مياه ملوثة ببكتيريا ضمات الكوليرا، وفق منظمة الصحة. أضاف أبو بكر أن المنظمة التابعة للأمم المتحدة حذَّرت من أن المرض قد يعاود الظهور في ظل «تدهور حالة المياه والنظافة» بين النازحين ومجتمعاتهم المضيفة.

وإلى جانب الكوليرا، كانت وزارة الصحة اللبنانية قد رصدت بعض حالات مرض الجرب بين النازحين داخل مراكز إيواء في بيروت، ومحافظة الشمال أيضاً.

وفي هذا السياق، يؤكد نقيب أطباء لبنان، الدكتور يوسف بخاش، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «رصد أول حالة كوليرا في لبنان لا تُنذر بالخير، ولكن المريضة التي دخلت المستشفى خضعت لكل الفحوص المطلوبة، وتم عزلها برفقة كل الأشخاص الذين كانت على اتصال وثيق معهم في الأيام الماضية».

ويتابع: «تحقق وزارة الصحة اليوم في ظهور الكوليرا لدى السيدة اللبنانية في الشمال، وتم أخذ عينة من المياه داخل منزلها لفحصها؛ بهدف تحديد مصدر المرض».

وعن انتشار «الكوليرا»، يشرح بخاش: «ينتقل المرض عبر المياه الملوثة أو الخضراوات والفاكهة الملوثة بحد ذاتها من مياه الري... كما أن المرض سريع الانتقال بدرجة عالية، ويحتاج إلى فترة حضانة تتراوح بين 5 و15 يوماً، أي قد لا يظهر على المصابين أعراض قبل ذلك».

نساء يفرزن البقدونس في أحد ممرات مدرسة تستضيف عائلات نازحة في منطقة الشوف (رويترز)

وفي حين يرتبط بمرض الجرب، وهو غزو طفيلي تسببه حشرات دقيقة تخترق الجلد وتضع البيض؛ مما يسبب حكة شديدة وطفحاً جلدياً، بحسب منظمة الصحة العالمية، يوضح نقيب الأطباء لـ«الشرق الأوسط»: «تم رصد بعض البؤر في مراكز الإيواء في بيروت بالفعل، لكن الوضع أصبح تحت السيطرة، حيث تمكنت وزارة الصحة من معالجة التفشي عبر توزيع الأدوية اللازمة على النازحين، ومتابعة الحالات بدقة».

طفل نازح يعيش في مأوى مؤقت مع عائلته في بيروت (رويترز)

خطة لمواجهة الأمراض

وضعت وزارة الصحة العامة في لبنان، بالتعاون مع المرافق الصحية والهيئات المتخصصة، خطة لمواجهة تفشي الأمراض وسط الاكتظاظ الذي سببه النزوح إلى المناطق الآمنة في البلاد، مثل بلدات في جبل لبنان وشماله، حيث يشرح بخاش «عملنا منذ بداية التصعيد على خطة تضمن تنقل فرق من الأطباء والممرضين بين مراكز الإيواء لفحص النازحين وتحديد أي أمراض قد تكون منتشرة بينهم».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك فِرق متخصصة تقوم بزيارات دورية إلى المدارس ومراكز الإيواء لضمان سلامة النازحين، وفحص المرضى منهم، ومحاولة عزل الأشخاص الذين تظهر عليهم أي أعراض غريبة».

ويشير نقيب الأطباء إلى أن حملة التطعيم ضد مرض الكوليرا من المفترض أن تنطلق مجدداً، كما أن الوزارة تدرس القيام بحملات تطعيم ضد فيروسات الجهاز التنفسي، مثل الإنفلونزا و«كورونا».

مراهقة تقبع في مدرسة تستضيف عائلات نازحة في منطقة الشوف بجبل لبنان (رويترز)

تحذيرات من أمراض محتملة أخرى

يشدد نقيب الأطباء في لبنان على أن الأمراض الرئيسية التي قد تنتقل بين النازحين قريباً هي تلك المرتبطة بفيروسات الجهاز التنفسي، مثل الإنفلونزا و«كورونا»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الخوف الأكبر في المستقبل القريب، وهو برأيي أمر مؤكد، إننا سنشهد موجات من تفشي الإنفلونزا الحادة و(كورونا)، بسبب الاكتظاظ الهائل في مراكز الإيواء وغياب سبل التهوية اللازمة أو مستلزمات النظافة الشخصية».

ويتابع: «تحتوي بعض مراكز الإيواء في لبنان على أكثر من ألف شخص، يعيشون معاً تقريباً؛ فالأمر قد يخرج عن السيطرة من دون حملات التطعيم اللازمة مع اقتراب فصل الشتاء».

من جهته، يشرح الدكتور مارسيل الأشقر، اختصاصي علوم مخبرية سريرية، ومدير مختبر مستشفى النيني في طرابلس بشمال لبنان، حيث يقبع أعداد ضخمة من النازحين، ان الأمراض المعدية التي تهدد الهاربين من الحرب قد تنتشر نتيجة لغياب إجراءات النظافة الشخصية، ويقول: «رصدنا نحو 86 حالة جرب بين النازحين في 66 مركز إيواء، أغلبيتها في عكار، والمرض ينتشر بسرعة عالية».

ويضيف: «إن غياب التهوية الصحية وعدم الحفاظ على النظافة الشخصية وغياب القدرة على تعقيم الملابس والأغطية التي تُستخدم داخل المدارس على درجة حرارة تصل إلى 55 درجة مئوية، وعدم توافر المياه الساخنة في الحمامات بمراكز الإيواء، كلها عوامل تساهم في انتشار الجرب وغيره من الأمراض الجلدية».

امرأة وشاب يسيران إلى جانب ملابس معلقة على حبل في ساحة مركز إيواء وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومثل بخاش، يحذّر الأشقر أيضاً من أمراض وفيروسات أخرى قد تظهر قريباً، مثل الـ«كورونا» والإنفلونزا، والسل.

ويشدد الدكتور بشكل خاص على خطورة انتشار مرض السل؛ بسبب صعوبة الشفاء منه، والأعراض الحادة التي ترافقه، بالإضافة إلى سهولة انتقاله بين الناس.

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: «السل عبارة عن مرض معدٍ يصيب الرئتين ويسببه في الغالب أحد أنواع البكتيريا - Mycobacterium tuberculosis - وينتقل عن طريق الهواء عندما يسعل المصابون به أو يعطسون أو يبصقون. من أبرز أعراضه الحرارة المرتفعة والسعال مع ملاحظة بقع من الدم، تعب وضعف شديد في الجسم، وخسارة الوزن بشكل حاد».

ومن بين الأمراض الأخرى التي قد تنتشر في ظل اكتظاظ النزوح، بحسب الأشقر، حمى التيفوئيد، والتهابات المعدة والأمعاء، والتهابات المسالك البولية.

حملات محلية لرصد الأوبئة

يتحدث الدكتور مارسيل الأشقر عن حملات محلية مخصصة للعناية الصحية بالنازحين، في محاولة لكشف أي أمراض قد تكون معدية أو خطرة.

ويوضح: «يقوم فريق من مستشفى النيني في طرابلس، جنباً إلى جنب مع جمعية (أجيالنا)، بزيارة النازحين عبر عيادات متنقلة؛ بهدف معاينتهم والاهتمام بوضعهم الصحي».

ويشير الأشقر إلى أن مستشفى النيني يساهم في الحملة عبر مشاركة أطبائه وممرضيه في الجولات، أما جمعية «أجيالنا»، فتتولى توزيع الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية على النازحين بهدف تفادي أي أوبئة محتملة في الشمال اللبناني.


مقالات ذات صلة

الرئيس اللبناني يزور روما للقاء البابا والضغط على إسرائيل

المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني يزور روما للقاء البابا والضغط على إسرائيل

جدد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسُّك لبنان بتطبيق «اتفاق الإطار»، مطالباً بالضغط على إسرائيل للالتزام ببنوده

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)

لبنان يدرس إلغاء 600 ألف مذكرة أمنية بحقّ سوريين

في خطوة تعكس إصراراً لبنانياً على إعادة تنظيم العلاقة مع سوريا، بدأت السلطات إعادة النظر في القيود الأمنية التي حالت دون دخول مئات آلاف السوريين إلى لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
تحليل إخباري مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري تهديد «حزب الله» بتحريك الشارع: تنفيس غضب أم ورقة ابتزاز؟

هدّد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأسبوع الماضي بتحريك الشارع، قائلاً: «هذا الغضب له وقت، ويمكن أن ينفجر»...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي ناشطون أمام القصر العدلي بدمشق في يونيو الماضي يطالبون بتجريم رموز حقبة الأسد (فيسبوك)

لبنان لتسليم لواء سابق إلى دمشق لمحاكمته

قرر النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، تسليم اللواء بالنظام السوري السابق عادل عيسى، الموقوف في لبنان، للسلطات السورية لمحاكمته على جرائمه.

«الشرق الأوسط» ( بيروت - دمشق)
خاص غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)

خاص لبنان بين انكماش 9% وفاتورة إعمار بـ5 مليارات دولار

يتواصل تدفق المؤشرات الاقتصادية السلبية في لبنان على منواله الحاد مع تمدّد حال «عدم اليقين» واستمرار تراكم الخسائر المالية والإعمارية الناجمة عن الحرب

علي زين الدين (بيروت)

الرئيس اللبناني يزور روما للقاء البابا والضغط على إسرائيل

الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني يزور روما للقاء البابا والضغط على إسرائيل

الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)

جدد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون تمسُّك لبنان بتطبيق «اتفاق الإطار»، مطالباً بالضغط على إسرائيل للالتزام ببنوده، لا سيما وقف تفجير المنازل والممتلكات وتدميرها وجرفها واستهداف المواطنين، كما حصل في بلدتي أنصار والزهراني قبل أيام.

عون إلى روما

يأتي موقف عون عشية زيارته المقررة إلى روما، التي استضافت جولتي المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية السادسة والسابعة، في إطار المساعي الرامية إلى تثبيت الاتفاق والبحث في آليات تطبيقه، إلى جانب ملف الجنوب ووجود قوات «اليونيفيل».

غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وقالت مصادر مقربة من الرئاسة لـ«الشرق الأوسط» إن عون يبدأ زيارته إلى إيطاليا بلقاء البابا ليو الرابع عشر، الخميس، على أن يلتقي الجمعة الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، مشيرة إلى أنه سيعرض أمام البابا الذي سبق أن عبّر عن قلقه حيال الأوضاع اللبنانية، مختلف المعطيات السياسية والاجتماعية، كما سيطلب دعمه للبنان، انطلاقاً من التأثير المعنوي الذي يتمتع به على المستوى الدولي.

أما لقاءات عون مع المسؤولين الإيطاليين، فستكون مناسبة، بحسب المصادر، كي يشكرهم على استضافة إيطاليا جولات المفاوضات، وأن يبحث معهم الوضع في الجنوب وملف قوات «اليونيفيل»، لا سيما أن روما وباريس سبق أن طرحتا مبادرة بشأن قوة بديلة في حال عدم التمديد للقوات الدولية. كما سيطلب عون استمرار الدعم الإيطالي للبنان، في ظل الدور البارز لإيطاليا داخل «اليونيفيل»، سواء من خلال قيادة القوة أو حجم المشاركة الإيطالية فيها.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

دعوة إلى كندا ودعم لعودة الجنوبيين

في موازاة ذلك تلقى عون دعوة لزيارة كندا خلال استقباله في القصر الرئاسي وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي، في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان.

وأكد ساراي دعم بلاده للبنان واستعدادها للمساعدة في المجالات الإنسانية والتنموية، فيما عرض عون أهمية المساعدات الكندية، خصوصاً لمساعدة الجنوبيين على العودة إلى قراهم وتأمين مساكن مؤقتة لهم في البلدات التي دمرتها إسرائيل، بانتظار بدء عملية إعادة الإعمار التي تتولاها الدولة اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية.

وشدد عون على أهمية تفعيل التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، معتبراً أن «الاستقرار الأمني والسياسي ينعش الاقتصاد والسياحة ويجذب الاستثمارات»، ومنوهاً بدور أبناء الجالية اللبنانية في كندا في دعم لبنان واللبنانيين.

كذلك، شرح عون موقف لبنان من المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية التي أنتجت «اتفاق الإطار»، مؤكداً تمسك لبنان بتطبيقه، ومشدداً على ضرورة ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات التي تخالف بنوده.

«الكتائب» يُحذر من عودة الحرب

في المقابل، حذر حزب «الكتائب» اللبنانية، «(حزب الله) من مغبة إعادة توريط لبنان في دوامة التصعيد والحرب»، معتبراً أن تهديدات أمينه العام ومحاولات تعطيل المسار الذي تقوده الدولة تهدد جهود إنقاذ لبنان من تداعيات الحروب التي «أقحم فيها».

وربط «الكتائب» في بيان إثر اجتماع مكتبه السياسي برئاسة النائب سامي الجميل، ذلك بما كشف عنه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن استمرار تواصله المباشر مع مقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان، معتبراً أن الأمر يشكل «تأكيداً إضافياً على حجم التدخل الإيراني في الشأن اللبناني، وعلى استمرار التعاطي مع لبنان كساحة نفوذ إيرانية».


مستوطن إسرائيلي يتعرض لأميركي فلسطيني في منزله المحاصر بالضفة الغربية

رجل فلسطيني أميركي حاصر المستوطنون المسلحون منزله في الضفة الغربية لأكثر من أسبوع يعلق العلم الأميركي بعد تمكنه من الوصول إلى منزله المحاصر في قصرة بالضفة (رويترز)
رجل فلسطيني أميركي حاصر المستوطنون المسلحون منزله في الضفة الغربية لأكثر من أسبوع يعلق العلم الأميركي بعد تمكنه من الوصول إلى منزله المحاصر في قصرة بالضفة (رويترز)
TT

مستوطن إسرائيلي يتعرض لأميركي فلسطيني في منزله المحاصر بالضفة الغربية

رجل فلسطيني أميركي حاصر المستوطنون المسلحون منزله في الضفة الغربية لأكثر من أسبوع يعلق العلم الأميركي بعد تمكنه من الوصول إلى منزله المحاصر في قصرة بالضفة (رويترز)
رجل فلسطيني أميركي حاصر المستوطنون المسلحون منزله في الضفة الغربية لأكثر من أسبوع يعلق العلم الأميركي بعد تمكنه من الوصول إلى منزله المحاصر في قصرة بالضفة (رويترز)

رفع الأميركي من أصل فلسطيني، لؤي أبو ​ريدة، علماً أميركياً كبيراً فوق منزله في الضفة الغربية، على أمل أن يردع ذلك المستوطنين المتشددين الذين يحاصرون العقار، لكن ذلك لم يكن كافياً لمنع أحدهم من اقتحام أرضه، اليوم (الثلاثاء)، لتشبّ مواجهة شابها التوتر بينهما، وفقاً لوكالة «رويترز».

ووصل أبو ريدة إلى بلدة قصرة في وقت متأخر من أمس (الاثنين)، قادماً من الولايات المتحدة، خوفاً من أن يفقد ملكية المنزل لصالح المستوطنين اليهود الذين يطوقون 3 منازل فلسطينية في البلدة منذ أكثر من أسبوع، في واقعة ندّدت بها الولايات المتحدة.

وكان أبو ريدة، الذي نشأ في البلدة الواقعة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، يتنزه صباح اليوم (الثلاثاء) بين أشجار الكرز والتين في أرضه، عندما اقترب منه مستوطن من التل المقابل، في مواجهة وثّقتها «رويترز»، التي كانت وسيلة الإعلام الوحيدة الحاضرة في الموقع.

وأفاد المستوطن باللغة العبرية، وهو يقترب من أبو ريدة: «جئت لتثير ‌الفوضى، أليس كذلك؟»، ‌وكان يحمل ما بدا أنه نسخة من التوراة في إحدى يديه، وهاتفاً محمولاً في ​اليد ‌الأخرى ⁠يصور به ​أبو ⁠ريدة.

وأخذ أبو ريدة أيضاً يصور المستوطن بهاتفه المحمول، وهو يقول: «أنت مستوطن إرهابي، أتعلم ذلك؟».

ومرّت مركبة عسكرية إسرائيلية عدة مرات، قبل أن يقترب الجنود ويتحدثوا إلى المستوطن، ويخبروه بأن المنطقة عسكرية ومغلقة.

وقال المستوطن للجنود: «سأغادر إذا غادروا. هناك كثير من الأشخاص هنا. نحن نحرس أراضينا فقط. إذا دخلوا المنزل، فسنغادر».

وتراجع المستوطن في نهاية الأمر صعوداً على الطريق، قبل أن ينضم إليه مستوطنان آخران، ولم يرد على سؤال من «رويترز» حول ما كان يفعله هناك. وفي النهاية، ساروا ببطء صعوداً نحو التل حتى اختفوا عن الأنظار.

وقال جندي إسرائيلي لأبو ريدة، موجهاً إياه بالدخول إلى منزله: «ابق في الداخل فحسب، سيغادرون وستكون أنت في الداخل. لا تتحدثوا بعضكم مع بعض، اتفقنا؟ سأحل هذه المشكلة».

ومن جانبه، ⁠أوضح أبو ريدة للجنود أن وجود المستوطن غير قانوني، ويجب اعتقاله.

وعكست هذه المواجهة التوتر السائد ‌في البلدة، حيث بدأ المستوطنون محاصرة منازل منذ أكثر من أسبوع، في إطار ما ‌تصفه جماعات حقوقية بأنه جهد أشمل من جانب المستوطنين للاستيلاء على مزيد من الأراضي ​من الفلسطينيين، ما يقلص بشكل أكبر الأراضي التي يأمل الفلسطينيون ‌في إقامة دولتهم عليها.

العلم الأميركي رُفع على سطح منزل حاصره المستوطنون الإسرائيليون لأكثر من أسبوع في بلدة قصرة بجنوب نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

رفع العلم الأميركي

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نشر قوات في الموقع، في محاولة لكبح جماح المستوطنين والحفاظ ‌على أمن السكان.

ولكن مع بقاء المستوطنين في الخارج، تخشى الأسر مغادرة منازلها. ورفع أبو ريدة العلم الأميركي فوق منزله فور وصوله.

وقال: «قررت أن أرفع هذا العلم. فإذا، لا قدر الله، لم أتمكن من حماية هذا المنزل ووصل المستوطنون إلى هنا، فسيرفعون علمهم. لكن قبل أن يرفعوا علمهم، عليهم إزالة العلم الأميركي، وهذه هي الرسالة».

وتتصاعد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون اليهود في الضفة الغربية، حيث يكتسب بعضهم جرأة متزايدة بفعل الدعم الذي توفره ‌لهم حكومة رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو، الذي قاد حملة توسع استيطاني واسعة النطاق.

وقال إبراهيم حسن، أحد جيران أبو ريدة، لـ«رويترز»، إنه أُجبر على الفرار من منزله الشهر الماضي بعد أن ⁠حطم مستوطنون برفقة رجال يرتدون ⁠الزي العسكري أخضر اللون نوافذ منزله ودخلوا إليه وضربوه. ولا يحمل حسن الجنسية الأميركية، شأنه شأن الغالبية العظمى من الفلسطينيين.

ولم يردّ الجيش الإسرائيلي بعد على طلب للتعليق.

العلم «شكل من أشكال الحماية»

أشارت تقديرات مسؤولين في الولايات المتحدة إلى أن عشرات الآلاف من الأميركيين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، ويعيش كثير منهم في مجموعة من البلدات الواقعة بين رام الله ونابلس حيث تقع قصرة.

وفي بلدة ترمسعيا المجاورة، التي تبعد نحو 7 كيلومترات، جنوب غربي قصرة، يقول المسؤولون المحليون إن 80 في المائة من السكان يحملون الجنسية الأميركية.

وقال ياسر الكام (58 عاماً)، المتحدث باسم الأميركيين من أصل فلسطيني في ترمسعيا، إن هناك عدداً من الأسباب التي تدفعه هو وكثيرين من سكان القرية إلى رفع الأعلام الأميركية فوق منازلهم.

وأفاد: «إنه شكل من أشكال الأمن، وشكل من أشكال الحماية. فهو يوفر رادعاً، ليس للمستوطنين فقط، بل للجيش الإسرائيلي أيضاً».

وأضاف أن ذلك يبعث برسالة مباشرة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال الكام: «ها هو مواطن أميركي يتعرض للهجوم في الضفة الغربية على يد جيش يُمول من ضرائب الأميركيين، الأسلحة الأميركية تُستخدم لمهاجمة أميركيين من أصل فلسطيني في الضفة الغربية».

وندّد سفير الولايات المتحدة ​لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو من أشد المؤيدين للاستيطان اليهودي ​في الضفة الغربية، يوم الخميس، بالمستوطنين الذين يحاصرون منزل أبو ريدة، ووصفهم بأنهم «إرهابيون إسرائيليون».

وأوضح مسؤول أميركي، وآخر إسرائيلي، يوم الجمعة، أن مسؤولين في البيت الأبيض يضغطون على نتنياهو للتنديد علناً بتصرفات المستوطنين.

ولم يعلق نتنياهو على الحصار المفروض في قصرة.


الحكومة العراقية تختبر حدود نفوذها في «حصر السلاح»

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

الحكومة العراقية تختبر حدود نفوذها في «حصر السلاح»

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

بدا أن الحكومة العراقية اختبرت، عبر اعتقال قيادي في «حركة النجباء» ثم تسليمه إلى أمن «هيئة الحشد الشعبي»، حدود قدرتها على فرض مسار حصر السلاح بيد الدولة، قبل أن تخفف حدة المواجهة في خطوة قد تعكس رغبتها في تجنب صدام أوسع مع الفصائل المسلحة.

وألقت قوة من «جهاز مكافحة الإرهاب»، الاثنين، القبض على عباس حسين اليعقوبي، مسؤول استخبارات «النجباء» وأحد مسؤولي «الحشد الشعبي»، في محافظة ذي قار، بموجب مذكرة قضائية، للاشتباه في تورطه بهجمات استهدفت الوجود والمصالح الأميركية في العراق.

ولم تعلن السلطات القضائية، حتى الآن، سبب اعتقال اليعقوبي أو التهم الموجهة إليه.

لكن «هيئة الحشد الشعبي» أعلنت في وقت لاحق تسلم اليعقوبي، وقال مسؤول الإعلام فيها، مهند العقابي، إن القيادي سُلّم إلى المديرية العامة لأمن «الحشد»؛ لـ«متابعة إجراءاته القانونية مع القضاء»، دون أن تفصح عن تفاصيل القضية.

ويوحي انتقال المعتقل من «جهاز مكافحة الإرهاب» إلى «أمن الحشد» بأن الحكومة، بعدما أظهرت استعدادها لاستخدام أجهزتها الأمنية ضد شخصية بارزة في فصيل مسلح، اختارت احتواء الموقف قبل أن يتحول إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل، خصوصاً في ظل التهديدات التي صدرت بحق رئيس الوزراء علي الزيدي.

وتقول تقارير محلية إن اليعقوبي مسؤول عن أمن مناطق حزام بغداد الجنوبي.

و«حركة النجباء» من الفصائل الموالية لإيران، وترفض حتى اليوم خطة الحكومة العراقية حصر السلاح بحلول 30 سبتمبر (أيلول) المقبل.

وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، إن اعتقال اليعقوبي تم بأمر قضائي، وإن الحكومة ستتعامل وفق القانون مع من يمتنع عن حصر السلاح بيد الدولة، في رسالة تؤكد مبدأ سلطة الدولة على السلاح، وفق تصريحات بثتها وسائل إعلام عراقية.

لكن الحكومة لم تدفع المواجهة إلى نهايتها. فبدلاً من إبقاء القيادي لدى «جهاز أمني تابع للدولة»، انتهى به الأمر لدى «جهاز أمن الحشد الشعبي».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

اختبار للقوة

كان الاعتقال أبرز اختبار حتى الآن لمساعي حكومة الزيدي إلى فرض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف شديد الحساسية في العراق؛ بسبب ارتباط عدد من الفصائل المسلحة بقوى سياسية نافذة وامتلاكها قدرات عسكرية مستقلة عن المؤسسات الأمنية التقليدية.

وقال مسؤول في «حركة النجباء» إن اعتقال «مسؤول استخبارات الحركة» يمثل «تصعيداً خطيراً» من جانب رئيس الوزراء، متوعداً بموقف من قِبل «الحركة» خلال ساعات.

جاء ذلك بعد تهديد صدر من «كتائب حزب الله» بحق رئيس الوزراء، الأمر الذي دفع بزعيم «منظمة بدر»، هادي العامري، إلى الدعوة للتهدئة بين الحكومة و«فصائل المقاومة».

وحذر العامري من «الاجتهادات المتسرعة وغير المدروسة أو المستفزة»، داعياً جميع الأطراف إلى تجنب اللغة المتشنجة وسوء تقدير الموقف.

من جهته، وجّه المسؤول الأمني في «كتائب حزب الله»، أبو مجاهد العسّاف، الثلاثاء، تحذيراً شديد اللهجة إلى رئيس الحكومة علي الزيدي، متهماً إياه بـ«ترويع عوائل المجاهدين» عبر مداهمة المنازل بإشراف أميركي مباشر، واضعاً 3 شروط رئيسية، هي: «الخروج الكامل والحقيقي للأميركان، وإخراج القوات التركية من شمال العراق، وحل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان»، لنزع فتيل الأزمة وعلاج ما وصفها بـ«عنتريات هذا الشاب» بوصف ذلك قاعدة لأي تقارب أو تنظيم عمل مستقبلي مع الحكومة.

وكانت تقارير عراقية أفادت بأن «جلسة استثنائية جرت بين الزيدي ونواب أعضاء في لجنة الأمن والدفاع بشأن قانون حصر السلاح، شهدت اعتراضات ودفاعاً عن الفصائل وتساؤلات بشأن طريقة التعامل مع السلاح وأين سيذهب مقاتلو الفصائل وعائلاتهم».

وتكشف هذه المواقف عن أن الحكومة لا تتحرك في فراغ سياسي؛ فأي محاولة لفرض احتكار كامل للسلاح يمكن أن تتحول سريعاً من إجراء قانوني إلى أزمة أمنية وسياسية أوسع.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

«عزلة العراق»

وقال العبودي إن الحكومة تسعى إلى تجنيب العراق مزيداً من التداعيات، مشيراً إلى أن البلاد كادت تتعرض لعزلة بسبب ملف السلاح.

وقد يكون هذا التوازن مقصوداً: إثبات أن الحكومة قادرة على تنفيذ أوامر قضائية حتى عندما تطول شخصية بارزة في فصيل مسلح، ثم احتواء تداعيات الخطوة قبل أن تتسع دائرة المواجهة.

وتزداد حساسية التوقيت مع اقتراب انتهاء مهمة «التحالف الدولي» في العراق. وقال العبودي إن «التحالف» يسرع إجراءاته لإنهاء مهمته في نهاية سبتمبر المقبل، بينما يولي رئيس الوزراء اهتماماً خاصاً لتعزيز قدرات الدفاع الجوي.

وفي مؤشر آخر على تفضيل المسار السياسي على المواجهة المفتوحة، قال رئيس «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، الثلاثاء، إن «الإطار التنسيقي» شكّل لجنة ستبدأ قريباً العمل بالتنسيق مع الحكومة لوضع آليات لتنفيذ حصر السلاح بيد الدولة.

وشدد المالكي، خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى العراق، جوشوا هاريس، على أن معالجة الملف يجب أن تكون عبر الحوار والتفاهم، وأن الدولة ومؤسساتها الدستورية هي المرجعية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية.

وأشاد هاريس بدور المالكي في دعم الاستقرار والتفاهمات السياسية، مؤكداً أهمية استمرار التعاون والتنسيق بين بغداد وواشنطن.

اختبار أول

بذلك؛ يبدو أن الحكومة العراقية تحاول إدارة معادلة دقيقة: تأكيد أن الدولة هي صاحبة القرار الأمني، من دون دفع الفصائل المسلحة إلى الاعتقاد أن الهدف هو نزع سلاحها بالقوة أو الدخول معها في مواجهة شاملة.

وقد يكون اعتقال اليعقوبي قد حقق للحكومة جانباً من هذا الهدف، بإظهار استعدادها لاستخدام أدوات الدولة، فيما سمح تسليمه إلى أمن «الحشد» بفتح مخرج يحول دون تحول الاختبار الأول للقوة إلى مواجهة أكبر.

وفي بلد ما زالت فيه الحدود بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة موضع شد وجذب، قد تكون الرسالة الأهم من الواقعة أن بغداد تريد فرض قواعد جديدة للسلاح، لكنها لا تزال مضطرة إلى اختبار تلك القواعد تدريجياً، خطوة بعد أخرى، لتجنب تكلفة صدام لا يبدو أي من الأطراف مستعداً لتحملها.