تنسيق سعودي - مصري عالٍ لمعالجة الأزمات الإقليمية

خبراء عدوا زيارة الأمير محمد بن سلمان للقاهرة دفعة نحو استقرار المنطقة

ولي العهد السعودي والرئيس المصري خلال لقاءٍ ثنائي بقصر الاتحادية في القاهرة (واس)
ولي العهد السعودي والرئيس المصري خلال لقاءٍ ثنائي بقصر الاتحادية في القاهرة (واس)
TT

تنسيق سعودي - مصري عالٍ لمعالجة الأزمات الإقليمية

ولي العهد السعودي والرئيس المصري خلال لقاءٍ ثنائي بقصر الاتحادية في القاهرة (واس)
ولي العهد السعودي والرئيس المصري خلال لقاءٍ ثنائي بقصر الاتحادية في القاهرة (واس)

في إطار تنسيق سعودي - مصري عالي المستوى بشأن قضايا المنطقة، زار ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، القاهرة، الثلاثاء، ليفتح «عهداً جديداً يدفع نحو معالجة أزمات الإقليم المزمنة وتحقيق الاستقرار»، وفق خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

كانت الشؤون الإقليمية، وعلى رأسها الأوضاع في قطاع غزة ولبنان، على أجندة مباحثات ولي العهد السعودي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ حيث «توافق الجانبان على خطورة الوضع الإقليمي وضرورة وقف التصعيد». كما «تطرقت المباحثات إلى أمن منطقة البحر الأحمر، والأوضاع في السودان وليبيا وسوريا».

وهذه ملفات ليست بعيدة عن اهتمامات البلدين في إطار علاقاتهما المشتركة الممتدة تاريخياً، التي شهدت تطورات متلاحقة منذ توقيع معاهدة الصداقة بين البلدين عام 1926.

احتفاء مصري

التعاون والتنسيق العالي المستوى أبرزته وسائل إعلام مصرية؛ إذ حرصت على استعراض تاريخ العلاقات بين القاهرة والرياض احتفاءً بزيارة ولي العهد السعودي.

وعرضت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية المصرية، تقريراً بعنوان «مصر والسعودية... تاريخ من الأخوة والعلاقات المتينة ورؤية مشتركة تجاه العديد من القضايا».

ولفت التقرير إلى «رؤية مصر والسعودية المشتركة تجاه العديد من القضايا خاصة في الآونة الأخيرة مع ما تشهده المنطقة من أزمات غير مسبوقة، كادت تعصف بها لولا المواقف الجادة والرؤية الثاقبة والتنسيق المتواصل والثبات على المبدأ سواء في القاهرة أو الرياض».

وهذا التنسيق أكدته الدوائر الرسمية مراراً. وفي أغسطس (آب) الماضي، شدّد وزيرا الخارجية المصري والسعودي في اتصال هاتفي، على «تعزيز وتيرة التنسيق والتشاور اتصالاً بالقضايا والتحديات الإقليمية، وبما يحقق مصالح الشعبين، ويعمل على ضمان أمن واستقرار المنطقة».

وبينما أكد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد العرابي «أهمية التنسيق المصري - السعودي لحلحلة أزمات المنطقة»، أشار إلى أن زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة ستكون لها «تأثيرات على مستويات محلية وإقليمية ودولية».

وقال العرابي إن «مصر والسعودية أكبر دولتين في الإقليم والتنسيق والتشاور بينهما دائم»، مشيراً إلى أن «زيارة ولي العهد التي تم الإعداد لها جيداً منذ فترة، تستهدف تعزيز التنسيق بين البلدين في ظل التداعيات الأخيرة في المنطقة». وأضاف: «الزيارة ستفتح عهداً جديداً لمعالجة أزمات الإقليم المزمنة».

التنسيق والتشاور

التنسيق والتشاور بين القاهرة والرياض يمتدان لقضايا عدة، وبرز دور الدولتين الفاعل خلال العام الأخير، تزامناً مع «حرب غزة» وتداعياتها الإقليمية؛ حيث تفاعلت السعودية ومصر مع الأزمة من بدايتها، فاستضافت القاهرة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي «قمة السلام» بمشاركة عربية ودولية، بينما استضافت الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «القمة العربية والإسلامية المشتركة غير العادية».

من جانبه، أشار الباحث السعودي في الدبلوماسية العامة، عماد المديفر، إلى أن «زيارة الأمير محمد بن سلمان لها أهمية كبرى ثلاثية الأبعاد»، موضحاً أنها «تأتي في وقت حرج على وقع الأحداث الملتهبة والمتصاعدة، كما أنها تجمع الرياض والقاهرة بما تمتلكانه من ثقل القيادة ليمثلا معاً حصن العرب الحصين، أما البعد الثالث فيتعلق بالأوضاع الاقتصادية الحرجة في الإقليم؛ بسبب تداعيات أزمة (كورونا)، وحرب أوكرانيا، ومحاولات زعزعة أمن البحر الأحمر».

وقال: «زيارة مفعمة بروح التفاؤل، لا سيما أن السعودية ومصر لهما تاريخ من الأخوة والعلاقات الاستراتيجية الثنائية القوية والمتجذّرة والتاريخية في مختلف المجالات، فضلاً عن رصيد التضامن النابع من أهمية البلدين وحضورهما القوي في المنطقة، وتشابكهما مع قضايا المنطقة والإقليم»، مشيراً إلى «توافق قيادتي الدولتين في الرؤى وتطابق المواقف، وتعاونهما في الأزمات بهدف الحفاظ على أمن العرب والدفاع عن الإقليم وشعبه ومصالحه».

حركة مستمرة

وشاركت الرياض والقاهرة في اللجنة الوزارية، التي كلفتها القمة العربية - الإسلامية غير العادية، ببلورة تحرك دولي لوقف الحرب على غزة، وجاب وزيرا خارجية البلدين عواصم عالمية في إطار اللجنة، جنباً إلى جنب مع التحركات الثنائية التي لم تهدأ يوماً سواء عبر اتصالات هاتفية أو زيارات ولقاءات مع الأطراف الدولية كافة. كما بذلت مصر جهوداً في إطار وساطة من أجل «هدنة في غزة» بالتعاون مع قطر والولايات المتحدة الأميركية، لكن الجهود لم تكلل بالنجاح حتى الآن.

في سياق ذلك، أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، السياسي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب، إلى أن زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة تعكس «تنسيقاً عالي المستوى» بين البلدين في مختلف القضايا الإقليمية، وقال إن «السعودية ومصر دولتان محوريتان في المنطقة، من هنا تكمن أهمية التنسيق بينهما لحلحلة أزمات المنطقة والإقليم»، مشيراً إلى «جهود الرياض والقاهرة طوال الفترة الماضية على مختلف الأصعدة، منذ قمة الرياض وحتى الإعلان عن تشكيل (تحالف دولي) لتنفيذ حل الدولتين».

وأضاف أن «الوضع الحالي يتطلب جهداً وتنسيقاً مكثفاً بين السعودية ومصر»، متوقعاً أن يسفر هذا التنسيق عن «حراك عربي كبير في ظل انسداد الأفق السياسي».

وخلال فعاليات الدورة الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي عقدت الشهر الماضي في نيويورك، أعلن وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، باسم الدول العربية والإسلامية والشركاء الأوروبيين، إطلاق «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين»، لافتاً إلى أن الاجتماع الأول للتحالف سيُعقد في الرياض.

رؤية البلدين

ويمتد التنسيق بين الجانبين إلى الأزمة السودانية؛ حيث بذلت السعودية ومصر جهوداً لحل الأزمة، عقب الحرب التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، واستضافت السعودية مفاوضات جدة في مايو (أيار) 2023، كما استضافت مصر عدة اجتماعات بشأن الأزمة السودانية، كان آخرها مؤتمر «القوى السياسية والمدنية السودانية» في يوليو (تموز) الماضي.

واتسمت رؤية البلدين في كثير من المواقف والأحداث بـ«الحرص المشترك على مصالح المنطقة والحفاظ على الأمن القومي العربي بمواصلة التشاور والتنسيق إزاء أزمات المنطقة دفاعاً عن قضايا ومصالح الأمة»، وفقاً لموقع الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، الذي يلفت إلى أن «تدهور الأوضاع في الإقليم يضع البلدين الكبيرين أمام مسؤولية كبيرة للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة».


مقالات ذات صلة

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

شمال افريقيا مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

ألقت تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة، والتي استعرضها وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب المصري اليوم الأربعاء.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل أيام مرور الكرام، وسط جدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته الغذائية» التي يروج لها.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

قدّم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب الإيرانية وآليات التعامل مع تداعياتها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط».

عصام فضل (القاهرة)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.