دراسة دستورية للقاضي هاني الحجّار تعالج أزمة انتخاب الرئيس اللبناني

تطبيق الطائف يمنع الشغور الرئاسي ولو ليوم واحد

القاضي هاني الحجار
القاضي هاني الحجار
TT

دراسة دستورية للقاضي هاني الحجّار تعالج أزمة انتخاب الرئيس اللبناني

القاضي هاني الحجار
القاضي هاني الحجار

أعدّ القاضي هاني حلمي الحجّار، دراسة قانونية دستورية تفنّد المواد الواردة في اتفاق الطائف، التي تُعنى حصراً بآلية انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، باعتبار هذا الاستحقاق واجباً دستورياً على المجلس النيابي، وليس مجرّد صلاحية دستورية تعود له، ورأى أن «القيام بهذا الواجب الدستوري، وتطبيق نصوص الطائف بشكلٍ سليم، يحولان دون الشغور في رئاسة الجمهورية أو استمرار هذا الشغور ولو ليوم واحد».

الدراسة التي باتت بتصرّف عدد من الكتل النيابية وضعت قيد المناقشة، خصوصاً أنها ترتكز على نصوص واضحة في الدستور.

وتطرّق القاضي الحجّار في مقدّمة هذه الدراسة إلى النقاش الدستوري القائم حول نصاب انعقاد جلسة مجلس النواب المنصوص عليه في المادتَين الـ73 والـ74 من الدستور، ومفهوم الاجتماع أو الانعقاد الحكمي للمجلس، ومفهوم الدورات المتتالية، وما إذا كانت تُشكّل صلاحيةً للمجلس النيابي أم واجباً دستورياً عليه.

رمزيّة الرئيس

واستعرض القاضي الحجّار، الذي يشغل حالياً منصب مفوضّ الحكومة المعاون لدى المحكمة العسكرية، إلى أهمية المادة الـ73 من الدستور، التي تنصّ على أنه «قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الأقل، أو شهرين على الأكثر، يلتئم المجلس بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد. وإذا لم يُدع المجلس لهذا الغرض فإنه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق أجل انتهاء ولاية الرئيس»، مستدلاً على ذلك بأن «المادة الـ73 من الدستور حصرت السلطة التقديرية لرئيس المجلس النيابي في الدعوة لجلسة انتخاب الرئيس بفترة تقع ضمن الشهر على الأقل أو الشهرين على الأكثر من أجل التئام المجلس لانتخاب الرئيس، كما تحسّب لمسألة عدم حصول مثل هذه الدعوة، فنصّ على انعقاد المجلس حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء ولاية الرئيس».

وإذ تطرّق الحجّار الذي شغل موقع المستشار القانوني لرئيس الحكومة اللبنانية ما بين عامي 2018 و2022، إلى أهمية موقع رئيس الجمهورية في النظام؛ لكونه «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، ويسهر على احترام الدستور، والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، وفقاً لأحكام الدستور، ويرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وأنه ينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي».

الاجتماع الحكميّ

وسجّل مُعِدّ الدراسة ملاحظتين لا بد من التوقف عندهما؛ مشيراً في الأولى إلى أن الدستور «نصّ على الاجتماع الحكمي في اليوم العاشر قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في حال عدم حصول الدعوة من قِبل رئيس المجلس ضمن المهلة المتاحة له للدعوة، ولم يتناول موضوع الاجتماع الحكمي من زاوية أنه بالإمكان أن تكون قد حصلت دعوة من قبل رئيس المجلس ضمن المهلة المحددة في المادة الـ73، وأن هذه الدعوة لم تُفضِ سواءً إلى انعقاد الجلسة أو انتخاب الرئيس»، مشدداً على أن الدستور اللبناني «اعتبر أن انتخاب الرئيس هو موجب نتيجة يتوجب على المجلس النيابي الوصول إليه بمجرّد دعوة رئيس المجلس لانعقاد الجلسة، وليس مجرّد موجب وسيلة. فالاجتماع الحكمي يرتبط بعدم حصول الدعوة أصلاً من قبل رئيس المجلس، أي أن الدستور اعتبر أنه لا يُمكن ألّا توصل هذه الدعوة إلى نتيجة واحدة هي انتخاب رئيس بعد اجتماع مجلس النواب الحاصل تبعاً لها».

خلوّ سدّة الرئاسة

أما الملاحظة الثانية فذكّرت بأن «الاجتماع الحكمي في اليوم العاشر قبل انتهاء ولاية الرئيس ليس موجهاً إلى أعضاء المجلس النيابي لحثّهم على المشاركة في جلسة الانتخاب، بل هو يُنظّم على سبيل التحسّب لمسألة عدم توجيه رئيس الجلس النيابي دعوة للمجلس إلى انتخاب الرئيس ضمن المهلة المتاحة له، ودون أن يتطرق، سواء في مسألة التئام المجلس بدعوة من رئيسه أو في مسألة اجتماعه الحكمي، إلى الحديث عن أي نصاب، سواء كان نسبياً أو عددياً، بوصفه شرطاً لهذا الالتئام أو الاجتماع». كما أن الدستور تحسّب في المادة الـ74 منه لمسألة الشغور في سدّة رئاسة الجمهورية، فنصّ على أنه «إذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو لأي سبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون، وإذا اتفق حصول خلاء الرئاسة حال وجود مجلس النواب منحلاً، تدعى الهيئات الانتخابية دون إبطاء، ويجتمع المجلس بحكم القانون حال الفراغ من الأعمال الانتخابية».

هيئة ناخبة

ولم يربط الدستور اللبناني إمكانية أن يكون الشغور الرئاسي ناتجاً عن تعذّر الانتخاب وفق أحكام المادة الـ74 (كما يقول الحجّار)، وإلاّ لكان نصّ على ذلك صراحة؛ إذ لا يُعقل أن يتمّ شمول هذا السبب ضمن «أي سببٍ آخر». فمن غير المنطقي تجهيل القاعدة الأساسية للانتخاب ضمن مفهوم «السبب الآخر». لكن، بكّل حال، وعلى فرض التسليم بأن تعذّر الانتخاب يقع ضمن مفهوم «السبب الآخر»، فإن المادة الـ75 نصّت على اجتماع المجلس «فوراً» دون أي مهلة، ودون أن يتم ربط هذا الاجتماع بالحاجة لدعوة من رئيس المجلس، ملاحظاً في الوقت نفسه أن «المادة الـ75 من الدستور نصّت على أن المجلس الملتئم لانتخاب الرئيس يُعدّ هيئة ناخبة لا هيئة اشتراعية، ويترتّب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أي عمل آخر، ولم تتضمن أي قواعد تنظم مسألة نصاب انعقاد جلسة الانتخاب، وأن ذلك لم يحصل نتيجة الهفو أو السهو أو عدم الوضوح»، لافتاً إلى أن «الدستور الذي تطرق لهذه المسائل بشكل صريح في مسائل أقلّ أهمية بكثير عن مسألة انتخاب الرئيس، ما كان ليُغفل مسألة بحجم انتخاب الرئيس لو كان ثمة حاجة لذلك».

تحقيق الغاية

وما دام أن انتخاب الرئيس واجب حتمي على نواب الأمة، ويتقدّم على أي أمر آخر، فقد شددّت الدراسة على أن الالتئام أو الاجتماع الحكمي للمجلس النيابي لانتخاب الرئيس، لا يُمكن أن ينفضّ إلا بتحقيق الغاية التي حصل هذا الاجتماع من أجلها، وهي انتخاب الرئيس ضمن الأغلبية المنصوص عليها في المادة الـ49؛ أي بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، وبالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي، بحسب النص الحرفي للمادة الـ49 التي لم تتحدث عن عدّة جلسات انتخاب، بل عن دورة أولى ودورات تالية، وهي بالأصح دورات متتالية في ذات الجلسة التي لا يُمكن أن تنفضّ بحكم القانون إلا بانتخاب الرئيس، وأن دورة الانتخاب الأولى هي دورة واحدة، وإن حصل رفع للجلسة من قبل رئيس المجلس بعدها مباشرة لأي سبب كان، مع التأكيد أنه لا مجال لختم الجلسة بحسب الدستور إلّا بعد انتخاب الرئيس، وليس نتيجة عدم نيل أي شخص تم التصويت له الأغلبية المطلوبة في هذه الدورة أو تلك».

إساءة تطبيق الدستور

وعلى قاعدة «لا اجتهاد في معرض النصّ»، تؤكد دراسة القاضي هاني الحجّار القانونية والدستورية أن «مقاربة جلسة أو جلسات انتخاب الرئيس وانعقادها أو انفضاضها بالاستناد إلى توفّر النصاب اللازم لصحّة انعقاد الجلسة، يجد سنده الواقعي في الممارسة الحاصلة في المجلس النيابي في أكثر من استحقاق لانتخاب رئيس للجمهورية منذ عام 2007 وحتى اليوم، إلا أنه لا يجد أي سند في الدستور اللبناني، بل على العكس، فهو يُشكّل أحد أوجه إساءة تطبيق الدستور، والخلط بين الواجب الدستوري والصلاحية الدستورية، وعبر تجريد عبارات «الاجتماع» أو «الالتئام الفوري» و«بحكم القانون للمجلس النيابي»، التي لم يستعملها الدستور إلا في موضوع بأهمية انتخاب رئيس الجمهورية، من أي فاعلية قانونية، والتعاطي معها كأنها مجرّد عبارات لغوية لا قيمة أو تأثير قانونياً ودستورياً لها، في حين أن سياقها والهدف من إيرادها واضح، وهو عدم حصول شغور ولو لساعة واحدة في سدّة رئاسة الجمهورية بسبب تعذّر انتخاب الرئيس. فهذا التعذّر، أو بالأصحّ التعثّر الحاصل اليوم، لا يقع في أي شكل من الأشكال ضمن الاحتمالات الدستورية، بل هو واقع بفعل تفسير الدستور بطريقة تجرّد نصوصه من أي فاعلية، وتضع انتظام الاستحقاقات الدستورية في مهبّ رياح التجاذبات السياسية من أي جهة أتت».

خيار التعطيل

ولم تغفل الدراسة الخلفيات والأسباب الحقيقية التي تقف وراء تعطيل انتخاب الرئيس، وأوضحت أن «معظم الأفرقاء السياسيين تحدثوا عن خيار تعطيل جلسة الانتخاب في حال كانت نتيجة التصويت المتوقعة تؤشر إلى فوز مرشح غير المرشح الذي يحظى بتأييدهم، وبالتالي فإن المطلوب أولاً من أجل انتخاب رئيس للجمهورية، ليس التوافق على الاسم، بل التزام جميع السادة النّواب بتطبيق الموجبات الدستورية الملقاة على عاتقهم، والتي تفرض أن يكون للبنان رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء أي عهد رئاسي وفق المهل المحددة في المادة الـ73 من الدستور اللبناني، ووضع حدّ للشغور الحاصل حالياً بفعل خرق تلك المادة نتيجة تخطي المهل المحددة فيها، والاجتماع فوراً لانتخاب رئيس، تفعيلاً لأحكام المادة الـ74 منه».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.