مشروع إيران مهدد بعد «نكسة» نصر الله وتفكيك «وحدة الساحات»

معضلتها الحالية تتمثل في انعدام الخيارات الجيّدة

دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
TT

مشروع إيران مهدد بعد «نكسة» نصر الله وتفكيك «وحدة الساحات»

دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)

في السنوات التي تلت الحرب العراقية - الإيرانيّة، قررت السلطة العليا في طهران اعتماد استراتيجيّة الدفاع المتقدّم (Forward Defense)، وذلك بهدف حماية الداخل الإيراني بسبب هشاشته الأمنية المرتفعة. أشرف على هذا المشروع، وخطط له، قائد «فيلق القدس» قاسم سليمانيّ، الذي ركّز على وكلاء إيران في المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان ووصولاً إلى اليمن. إضافة إلى مد النفوذ في الإقليم، كان الهدف دائماً خلق درع واقية للأمن القومي الإيراني عن بُعد. كما كان الهدف خلق ستار ضبابيّ للسلوك الإيراني يعطيه القدرة على النكران والتهرّب من المسؤولية.

بكلام آخر، بات بمقدور إيران أن تُطلق صاروخاً ما، أو مسيّرة، على إسرائيل تحت غطاء الوكلاء. وقد تُجرّب أسلحتها أيضاً تحت المعيار نفسه. ومن هنا، تم ابتكار مفهوم وحدة الساحات بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، حيث قاتلت إيران بالوكيل حسب المبدأ التالي: إذا خسر يخسر لوحده، وإذا ربح تربح إيران معه. جرّبت إيران هذا المبدأ للمرة الأولى في حرب يوليو (تموز) 2006 بين إسرائيل و«حزب الله». لكن تجربة الحرب الحالية تبدو مختلفة تماماً.

استراتيجية إيران بعد الحرب على غزّة

آثار الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية على مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت في 28 سبتمبر (إ.ب.أ)

بعد بدء الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، عمدت إيران، عبر وكيلها الأهم، «حزب الله»، إلى فتح جبهة لبنان كجبهة إسناد تسمح بتثبيت كثير من القوات الإسرائيليّة على الجبهة الشمالية مع لبنان، بهدف تخفيف الضغط عن قطاع غزة. وإذا كان تثبيت القوات الإسرائيليّة على الحدود اللبنانية هدفاً استراتيجياً لـ«حزب الله»، فهو قدّم أيضاً خدمة غير مباشرة لهذه القوات. كيف؟ سمح للإسرائيليين بمزيد من الوقت للتعرف على طريقة تنظيم، وكيفيّة عمل، مقاتلي «حزب الله»، بالطبعة المُحدّثة (Updated) - فإسرائيل لديها منذ سنوات قائمة واسعة بمواقع «حزب الله» وتحركات قياداته، لكن الشهور التي مرت منذ بدء التوتر على جبهة لبنان سمحت لها بمزيد من الوقت لتحديث «بنك الأهداف». تعرّف الجيش الإسرائيليّ على الأسلحة الجديدة التي يملكها الحزب، وعلى كيفية خوض المعارك ضمن مبدأ القتال المشترك (Combined).

ولأن المعركة تستلزم حركيّة مستمرّة للقيادات العسكريّة، استطاعت إسرائيل استهداف القيادات الميدانيّة لـ«حزب الله» بأعداد كبيرة. حيّدت قيادات المناطق العسكريّة على جبهة الجنوب اللبناني. طالت الضربات، كما يبدو، جميع قيادات «قوة الرضوان»، وهي قوة النخبة في «حزب الله».

جنود إسرائيليون داخل قطاع غزة (رويترز)

بالإضافة إلى كل ذلك، شكّل الوجود العسكريّ الإسرائيلي المُثبّت في الشمال، نقطة انطلاق للحملة الشاملة الحالية على «حزب الله»، كما ساعد في التحضير للانتقال من الحرب الحالية الموضعيّة وحرب الاستنزاف (Positional Warfare)، إلى حرب المناورة، في حال قرّرت إسرائيل خوض الحرب البريّة، بحسب ما يلوّح مسؤولوها. ومعلوم أن إسرائيل عزّزت مؤخراً القيادة الشمالية المؤلفة من 4 فرق عسكريّة أصلاً، بفرقتين إضافيتين.

حاول «حزب الله» في البداية إشغال القوات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، لكنه لم يتدخل عسكرياً لضرب الحشود التي كانت تتجمع على حدود قطاع غزة، تمهيداً لدخوله في إطار القضاء على «حماس». ربط الحزب لاحقاً وقف النار على الجبهة اللبنانية بوقف النار على جبهة قطاع غزّة. وهنا، يتظهّر خلل في التفكير الاستراتيجيّ، خصوصاً أن نجاح الاستراتيجيّة التي يتبعها «حزب الله» صار يتعلّق مباشرة بحسابات الإسرائيليّين في القطاع. وضع «حزب الله» في الواقع شرط نجاح استراتيجيّته بيد عدّوه اللدود، بنيامين نتنياهو.

استراتيجيّة نتنياهو

في المقابل، كان نتنياهو يخطط لغزة منذ عام 2005. ففي ذلك الوقت استقال من حكومة آرييل شارون، لأن هذا الأخير قرر الانسحاب من قطاع غزّة من جانب واحد. ويريد نتنياهو الآن حكم غزة عسكرياً، ومن هنا يأتي تعيينه لمسؤول عسكري في القطاع تحت غطاء مهمة إنسانيّة. وهو يستغل الفرصة الاستراتيجيّة التي تلت عملية «طوفان الأقصى»، لتصفية حساباته مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة». فبعد سنة من تدمير قطاع غزّة، ومحاولة عزله عن العالم الخارجيّ، انتقل نتنياهو فجأة إلى الضفة الغربيّة لضرب هيكلية مقاومة بدأت تتظهّر وتتمأسس، بدعم إيرانيّ عبر تهريب السلاح من سوريا وعبر الأردن. وبذلك، يكون نتنياهو قد أمّن ظهر الجيش الإسرائيليّ الذي بات بإمكانه التوجّه إلى جبهة لبنان.

الخطط الإسرائيلية... المثلث الاستراتيجي

ركّز الجيش الإسرائيلي على مراكز الثقل في المثلث الاستراتيجي لـ«حزب الله»، والمؤلف من:

  • منطقة جنوب الليطاني، وارتباطها بمنطقة البقاع ككلّ.
  • منطقة البقاع الشمالي (الهرمل)، وهي الأبعد عن جنوب الليطاني. في هذه المنطقة يعتقد الجيش الإسرائيليّ أن لـ«حزب الله» فيها مخازن لوجيستيّة ذات قيمة استراتيجيّة. وهي، أي المنطقة، تعدّ صلة الوصل والتواصل مع الداخل السوري.
  • وأخيراً منطقة الضاحية في جنوب بيروت، حيث مركز القيادة الأساسيّ لـ«حزب الله»، بكل أبعاده، الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة.

ففي كلّ منطقة من هذا المثلث، سعت إسرائيل إلى زرع الفوضى داخل بيئة «حزب الله» وبنيته قبل بدء التصعيد الكبير حالياً. فجّرت أجهزة الاتصالات التي يحملها عناصر الحزب وقياداته، ما أدى إلى مقتل وجرح آلاف منهم (ومن المواطنين العاديين أيضاً). أتبعت إسرائيل هذه التفجيرات بتصعيد استهداف قيادات الحزب الأساسيّة، حتى وصل الأمر إلى قتل أمينه العام حسن نصر الله في الغارات الضخمة على مقر القيادة الرئيسي في الضاحية الجنوبية. وإذا أضيفت هذه الاغتيالات إلى الاغتيالات التي حصلت على مسرح جنوب الليطاني، فيمكن القول إن «حزب الله» يعاني حالياً من نقص قيادي استراتيجيّ وعملاني بشكل كبير.

يستهدف نتنياهو الوكيل الأبرز، والأقوى، لـ«محور المقاومة». فهو يُشكّل جوهرة التاج في المشروع الإيراني الإقليميّ. فإذا سقط، فقد ينهار المشروع الذي استثمرت فيه إيران منذ عام 1983. فهل ستسمح إيران بذلك؟ وهل أخطأ كل من «حزب الله» وإيران بالحسابات الاستراتيجيّة؟ وهل وصل ما يُسمّى مشروع المقاومة إلى الامتداد الأقصى، خصوصاً أنه وبعد نقطة الامتداد الأقصى يبدأ المردود السلبيّ للمشروع؟ هل اعتقدت إيران أن الحرب على غزّة قد تعطيها الشرعيّة الإقليميّة لمشروعها؟

جبهات وحدة الساحات

تعتقد إسرائيل أنها ضربت جبهتين من جبهات «وحدة الساحات»، هما قطاع غزّة والضفة الغربيّة. وهي اليوم تتعامل بقوّة مع الجبهة الأهم والأخطر عليها، جبهة لبنان. ولكن ماذا عن المتبقي من وحدة الساحات، أي اليمن والعراق وإيران؟

لا تشكّل جبهة العراق خطراً وجوديّاً على إسرائيل كما تشكّل جبهة لبنان. أما اليمن، فقد يكون مشكلة لإسرائيل، لكنه أيضاً مشكلة إقليميّة ودولية نظراً إلى سلوك الحوثيين في باب المندب. فماذا تبقّى من وحدة الساحات؟ إيران بالطبع. فماذا عنها؟

اعتمدت إيران استراتيجية الخنق أو «الأناكوندا» حول إسرائيل. وصلت هذه الاستراتيجيّة إلى الامتداد الأقصى لها، وبدأ الارتداد السلبي ينعكس على الأصيل في هذه الاستراتيجيّة. وإذا كان الأصيل يطلب دائماً تورّط الوكيل في الحروب بالواسطة (Proxy) لتحقيق أهدافه الجيوسياسيّة، فقد يؤدّي سلوك الوكيل في بعض الأحيان إلى جرّ الأصيل إلى حرب لا يريدها، وغير مستعدّ لها.

صور لنصر الله وقاسم سليماني بالعاصمة اليمنية صنعاء في 28 سبتمبر (إ.ب.أ)

تكمن معضلة إيران الحاليّة (Dilemma) في عدم توفّر الخيارات الاستراتيجيّة المناسبة. هي تعاني اليوم من حالة «خاسر - خاسر»، في أيّ خيار تأخذه. فإن تركت الوكيل، فسوف تفقد مصداقيتها. وسوف تذهب جهودها واستثماراتها سدى. وسوف يسقط مشروعها الإقليمي. وسوف ينقلب عليها الأصيل لأنها تركته في مهبّ الريح. لكنها إن تدخّلت لحماية الوكيل، فسوف تدفع الأثمان الكبيرة، وسوف تنقلب عليها استراتيجيتها الأساسيّة (الدفاع المتقدّم)، وسوف يُضرب الداخل الإيرانيّ بكل أبعاده، خصوصاً السياسيّة، وهي أبعاد تتعلّق بديمومة النظام.

أظهرت الأحداث الأخيرة، وما قبلها في الداخل الإيراني، مدى هشاشة الأمن القومي الإيرانيّ. تظهّر هذا الأمر في سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية المتكررة للعلماء النوويّين؛ وأبرزهم بالطبع محسن فخري زاده. كما تظهّر أيضاً في سرقة إسرائيل للأرشيف النووي من محيط العاصمة طهران. لكن صورة الضعف الأخطر لإيران تظهّرت عقب مقتل الرئيس إبراهيم رئيسيّ. فقد استعانت إيران بقوى خارجية للوصول إلى مكان تحطّم مروحيّته، ما سلّط الضوء على حالة سلاح الجوّ الإيراني الكارثيّة.

هاجمت إيران إسرائيل في 13 و14 أبريل (نيسان) الماضي، بمسيّرات وصواريخ باليستية وصواريخ «كروز». تكتّل الغرب، وفي طليعته أميركا، حول إسرائيل. أُسقط ما يقارب من 99 في المائة من هذه الوسائل. لكن الردّ الإسرائيلي الرمزي والمحدود على الهجوم الإيراني في 19 من الشهر نفسه، عكس ضعف الدفاعات الجويّة لإيران وانكشاف أمنها القومي، خصوصاً مشروعها النوويّ. فقد استهدف الطيران الإسرائيلي، ومن فوق الحدود مع العراق (كما يبدو)، منصات دفاع جوّي من طراز «إس - 300» ليدمّرها، وهي التي من المفروض أن تحمي المنشآت النووية الإيرانيّة. فماذا لو وقع سيناريو مواجهة حربية مع إسرائيل؟ وكيف سيكون عليه السلوك الأميركيّ؟

اغتيال نصر الله

في ظل هذه الأهداف والاستراتيجيات المتصارعة بين إسرائيل ومحور المقاومة، وجّهت الدولة العبرية ضربة كبرى لخصومها باغتيال أمين عام «حزب الله». فماذا عن التداعيات؟

أتى اغتيال نصر الله بعد محاولة إسرائيل تفريغ الحزب من تركيبته الهرميّة في كل الأبعاد؛ في البنية العسكريّة والبيئة الحاضنة، وبطريقة متدّرجة وسريعة، وبشكل لم يترك للحزب وقتاً كافياً لالتقاط الأنفاس واسترداد زمام المبادرة. كان الهدف التدمير الماديّ، بالإضافة إلى ضرب كيفيّة وعي مجتمع «حزب الله» لدوره وأهميّته (Cognitive Shock).

أتى الاغتيال ليتحدى مباشرة الدور الإيراني في المنطقة، عبر استهداف مركز ثقل ما يُسمّى وحدة الساحات، خصوصاً أن نصر الله بدأ يلعب دوراً محوريّاً في المشروع الإيراني الإقليميّ، خصوصاً في الفترة التي تلت اغتيال قاسم سليماني.

تتمثّل معضلة إيران الحالية في انعدام الخيارات الجيّدة. فهي «خاسر - خاسر» في كلّ الحالات. فإن تدخّلت، فسوف يُضرب الداخل الإيرانيّ. وإن تمنّعت وتردّدت، فسوف تفقد مصداقيتها، وبالتالي يضيع الاستثمار الإيراني الذي بدأ منذ الثمانينات فيما يُسمّى محور المقاومة، لتنهار المنظومة.

تتطلّب إعادة ترتيب وضع «حزب الله» إعادة تركيب المنظومة القياديّة وفي كلّ الأبعاد، خصوصاً أن إسرائيل أفرغت الحزب من الرأس ومن هرميّته العسكريّة. وإعادة ترتيب وضع الحزب سيحتاج بالطبع إلى وقت ليس بقصير. لكن الوقت هو العدوّ القاتل لـ«حزب الله» حالياً. كما أن إعادة تركيب الحزب تحتّم البدء من مركز الأمين العام البديل، إلى مجلس الشورى، إلى المجلس الجهاديّ، وصولاً إلى القيادات الميدانيّة العملانيّة التي تقاتل حالياً دون رأس مُدبّر.

صورة أرشيفية لحسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 22 أكتوبر 2001 (أ.ف.ب)

هل ستحاول إيران الآن إدارة بيروت مباشرة بعد أن كانت تديرها بالواسطة في ظلّ غياب نصر الله؟ في البداية، قد يكون على إيران أن تسترجع بعضاً من المصداقيّة في أوساط مؤيدي وكلائها الذين يخشون أنها تخلت عنهم، سواء كان ذلك «حماس» أو «حزب الله». وستكون إيران أيضاً بحاجة لاسترجاع مصداقيّتها والخوف منها في عيون الأعداء المتربّصين بها. في حالة كهذه، يقول العلم السياسي إن الحل لمشكلة ما بين متحاربين قد يتظّهر بحالتين هما: أن يبيد فريق الفريق الآخر، وبذلك يفرض المنتصر حلوله بالقوّة، أو أن يسعى الفريق الأضعف إلى تعديل ديناميكيّة موازين القوى القائمة كي يحجز له مكاناً على الطاولة. فكيف سيكون عليه السلوك الإيراني؟

لا يبدو أن وضع إيران الإقليمي جيّد، ولا يبدو أن لديها خيارات جيّدة كثيرة. ولذلك قد يمكن القول إنها ستسعى، بعد هذه النكسة، إلى محاولة تحسين وضعها والانتقال من حالة «خاسر - خاسر» إلى مرحلة لن تكون حتماً مرحلة «رابح - رابح». فهل ستنجح في ذلك؟


مقالات ذات صلة

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

المشرق العربي جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

شكل قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)

جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان وسط ضغوط ميدانية مستمرة حول مرتفعات «علي الطاهر».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية مرتفعات «علي الطاهر» ويبدو أسفلها الدمار في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الشرق الأوسط) p-circle

هل منحت واشنطن إسرائيل ضوءاً أخضر لاجتياح «علي طاهر»؟

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، يحظى بتفهم أميركي، شرط ألا يؤدي إلى اشتعال الحرب مجدداً.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي عمال إنقاذ لبنانيون يبحثون عن ضحايا أسفل الركام بعد غارة إسرائيلية على منطقة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل قيادياً بارزاً بوحدة «بدر» التابعة لـ«حزب الله»

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إنَّه استهدف قائداً بارزاً في وحدة «بدر» التابعة لـ «حزب الله» في منطقة دير الزهراني، أمس (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.


جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)

يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان وسط ضغوط ميدانية مستمرة حول مرتفعات «علي الطاهر» التي باتت إحدى أبرز نقاط الخلاف في مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.

وبالتزامن مع التصعيد الميداني، تعهد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بمواصلة استهداف «حزب الله» معلناً أن إسرائيل سترد على أي تهديد. وكتب عبر منصة «إكس»: «لن نترك أي حساب في أي ساحة من دون تسوية، سندافع عن جنودنا ومدنيينا بكل قوتنا».

ويأتي ذلك بعدما أعلنت إسرائيل عن مقتل مسؤول عسكري ثانٍ في «حزب الله»، قالت إنه قُتل في الغارات التي شنتها على جنوب لبنان، السبت، بينما بلغت حصيلة الغارات الإسرائيلية في ذلك اليوم 11 قتيلاً، في حصيلة يومية هي الأعلى منذ اتفاق الإطار.

ويربط العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني التصعيد ببعدين، عسكري وسياسي. ويقول جوني لـ «الشرق الأوسط» إن «الإسرائيلي كثف جهوده في الميدان بطريقة غير تقليدية، ويبدو هناك عمل أمني يقوم به منذ فترة في محيط علي الطاهر، وهو ما لمّح إليه رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من دون الحديث عن تفاصيل».

عمل عسكري غير تقليدي

ويشير جوني إلى أن ما يجري يرتبط بمحاولات البحث عن «فتحات تهوية وممرات أو مداخل» تؤدي إلى البنية التحتية الموجودة في المنطقة، بما يسمح لإسرائيل بتنفيذ عمل أمني من دون الاضطرار إلى الدخول إليها واقتحامها بشكل تقليدي، ويشير إلى أن مرتفعات علي الطاهر باتت عملياً تحت السيطرة النارية الإسرائيلية، مع عزلها نارياً ومواصلة المراقبة والاستطلاع.

ويلفت جوني إلى المعلومات التي أشارت إلى إدخال غازات سامة عبر فتحات إلى داخل البنية التحتية، مشيراً في الوقت عينه «إلى أنه لا شيء مؤكد حتى الآن».

قطعة تفتيش للجيش اللبناني على الطريق المؤدي إلى «النبطية الفوقا» في جنوب لبنان التي تعرضت لضربة عسكرية إسرائيلية أدت إلى تدمير مبانٍ وذلك في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

الخطة العسكرية وفقاً لتطور الوضع الأمني

وفيما يرى جوني أن إسرائيل لا تبدو، في هذه المرحلة، أمام قرار واضح بشن اقتحام عسكري تقليدي لعلي الطاهر، يوضح «لأن متابعة العمل الحربي باتجاه علي الطاهر تعد، خرقاً لتفاهمات أميركا وإيران لا سيما أن وقف الأعمال العسكرية كان نتيجة هذه التفاهمات».

لكن جوني يرى أنه إذا تغير المشهد وتطور الوضع الأمني على مستوى إيران، لا سيما في محيط مضيق هرمز، وعادت المواجهة المباشرة بين الطرفين، «عندها قد يستغل نتنياهو الوضع لمهاجمة علي الطاهر أو متابعة العمل الأمني للقضاء على عناصر (حزب الله) فيها».

ورقة تفاوضية

وفي البعد السياسي لهذا التصعيد، يرى جوني أن علي الطاهر لا يمثل مجرد هدف عسكري بالنسبة إلى إسرائيل، بل تحول إلى ورقة مرتبطة مباشرة بمسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ويقول: «يبدو واضحاً أن تل أبيب لن توافق على مناطق تجريبية جديدة قبل الانتهاء من علي الطاهر، وهنا هي تضغط عبر هذه الورقة كي يتسلم الجيش اللبناني علي الطاهر والبنية التحتية، وينسحب منها (حزب الله)، طبعاً برعاية أميركية وبتعهد بتدمير البنية التحتية فيها».

غارات وتفجيرات وحزام ناري

ميدانياً، شهد جنوب لبنان ليل السبت - الأحد وفجر الأحد تصعيداً واسعاً، توزّع بين الغارات الجوية والقصف المدفعي وعمليات التفجير والنسف، في وقت كثّف فيه الجيش الإسرائيلي طلعاته الجوية والاستطلاع بالمسيّرات، وأفادت تقارير بأن موجة الهجمات الإسرائيلية تركزت بشكل خاص على مرتفعات علي الطاهر ومناطق جنوب الليطاني.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت بإبلاغ سكان شمال إسرائيل بأن القوات الإسرائيلية ستنفذ خلال الليل عمليات عسكرية واسعة في جنوب لبنان، تشمل القصف المدفعي والغارات الجوية، مع التحذير من سماع أصوات انفجارات على الحدود.

رجل يتفقد منزلاً مدمراً تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية أنصار بجنوب لبنان (أ.ب)

وشن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت دوحة كفررمان ودير سريان، بينما نفذ موجة غارات عنيفة أشبه بـ«حزام ناري» على مرتفعات علي الطاهر - الدبشة، بالتزامن مع إلقاء قنابل مضيئة وفوسفورية على المرتفعات ومحيطها، في وقت تعرضت فيه بلدتا سجد والمنصوري لقصف مدفعي.

وفي القطاع الغربي، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير واسعة في مشاعات المنصوري ومجدل زون جنوب صور، بينما استمرت التحركات الجوية في أجواء القطاعين الغربي والأوسط وعلى علو متوسط، بالتزامن مع تحليق مكثف للمسيّرات فوق المنصوري والساحل الممتد بين صور والمنصوري مروراً بأجواء رأس العين.

كما شهدت منطقة وادي زبقين قصفاً مدفعياً طال الأطراف، بينما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين في بلدة الطيبة، في إطار عمليات النسف المستمرة داخل البلدة. وطاول التصعيد أيضاً مدينة بنت جبيل التي شهدت تفجيراً، بينما تعرضت بلدة صربين للقصف المدفعي، بعدما كانت طلوسة قد شهدت في وقت سابق عملية تفجير عنيفة.

ولم يقتصر النشاط الجوي على الجنوب؛ إذ حلّقت طائرات مسيّرة إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية لبيروت قبل الظهر، في مؤشر إضافي إلى اتساع دائرة الاستطلاع والضغط الإسرائيلي.


مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
TT

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، وما رافقها من غارات واستهدافات طالت عدداً من المناطق. وشهدت الطرقات الجنوبية باتجاه بيروت وصيدا، يومي السبت والأحد، حركة سير كثيفة، في مؤشر إلى بدء موجة نزوح جديدة من عدد من البلدات الجنوبية، ولو أن حجمها لا يزال مرتبطاً بتطورات الساعات والأيام المقبلة.

زوطر النموذج

وتمثل زوطر الغربية، إحدى البلدات التي كان الجيش اللبناني قد انتشر فيها قبل أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أولى «المناطق التجريبية»، نموذجاً عما يعاني منه أهالي الجنوب الذين يعيشون على وقع القلق وعدم الاستقرار.

يحمل عمال الإنقاذ كيساً بلاستيكياً يحتوي على جثة شخص قُتل في منزل تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان يوم السبت (أ.ب)

ويقول رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد العسكري الذي شهده الجنوب ليل السبت، وما رافقه من مقتل عائلة كاملة في بلدة أنصار، أعاد الخوف إلى نفوس الأهالي، مشيراً إلى تسجيل حركة نزوح من زوطر، كما من بلدات عدة في الجنوب، خشية اتساع التصعيد العسكري، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية.

ويضيف عز الدين: «غادر عدد كبير من العائلات من زوطر، لا سيما التي تضم أطفالاً وكباراً بالسن. من لديه مأوى بقي فيه، مثل العائلات التي احتفظت بالبيوت التي كانت قد استأجرتها خلال الحرب، ومن ليس لديه منزل يغادر خلال الليل ويعود خلال النهار».

ويصف رئيس البلدية واقع الأهالي بالقول: «يفضلون إخراج الأطفال وكبار السن من المناطق الخطرة ولو سيجلسون في الشوارع».

وأضاف أن «هذه حال أهالي الجنوب، الخوف وعدم الاستقرار بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ولا يقتصر القلق على المناطق التي تتعرض مباشرة للقصف، إذ إن مجرد استمرار التصعيد والتهديدات يعيد دفع العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً، في حركة يصعب تقدير حجمها النهائي في ظل عدم وضوح المسار العسكري والسياسي.

مبنى متضرر في بلدة أنصار بعد تعرضه لقصف إسرائيلي سقطت نتيجته عائلة بأكملها (إ.ب.أ)

الدولة تستنفر

وفي موازاة حركة الأهالي، بدأت السلطات المعنية الاستعداد لاحتمال توسع موجة النزوح. وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أنها تتابع تطورات التصعيد الأخير، مشيرة إلى تنسيق متواصل مع الوزارات والجهات المعنية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والمحافظات، لضمان الجهوزية لمواكبة أي حركة نزوح أو احتياجات طارئة.

ودعت السيد كل مواطن يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى التواصل مع غرف إدارة الكوارث في المحافظات، عبر خطوط الاتصال الساخنة المخصصة لمراكز الإيواء، لتوجيهه ومتابعة احتياجاته بالشكل المناسب. وشددت على أنه «لا يجوز أن يبقى اللبنانيون عرضة لدورات متكررة من الخوف والنزوح»، مؤكدة أن الأولوية تبقى لوقف التصعيد وتجنيب لبنان وأهله المزيد من الدمار والنزوح.

إقليم الخروب يستعد

وتستعد منطقة إقليم الخروب في الشوف، التي تعتبر من أكثر المناطق التي استقبلت نازحين خلال الحرب، لمواكبة أي موجة نزوح جديدة، وتشير معطيات سابقة إلى أن المنطقة استقبلت نحو 100 ألف نازح، ما شكّل ضغطاً كبيراً على البلديات والقدرات المحلية.

ومع عودة حركة النزوح باتجاه الإقليم، دعا رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي ماجد ترو في بيان له «جميع السكان وأصحاب الشقق والمنازل المؤجرة في المنطقة إلى تسجيل أسماء المهجرين والنازحين الوافدين إليهم، وكذلك الذين يستأجرون شققاً لديهم منذ فترة سابقة، لدى البلديات المعنية».

كما طلب ممن سبق أن قدموا معلومات إلى البلديات المبادرة إلى تحديث البيانات المتعلقة بالمهجرين والنازحين المقيمين لديهم، بما يضمن دقة المعلومات ومواكبة حركة النزوح المستجدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بهذه الإجراءات لما لها من أهمية في تنظيم ومتابعة أوضاع النازحين.