تفجير أجهزة «حزب الله»... مقارنة بعمليات الموساد الشهيرة

من خطف آيخمان إلى ضرب المفاعلين النوويين العراقي والسوري وسرقة الأرشيف الإيراني مروراً بسلسلة طويلة من الاغتيالات

تشييع قتلى سقطوا بتفجير أجهزة البيجر التابعة لـ«حزب الله» في ضواحي بيروت (إ.ب.أ)
تشييع قتلى سقطوا بتفجير أجهزة البيجر التابعة لـ«حزب الله» في ضواحي بيروت (إ.ب.أ)
TT

تفجير أجهزة «حزب الله»... مقارنة بعمليات الموساد الشهيرة

تشييع قتلى سقطوا بتفجير أجهزة البيجر التابعة لـ«حزب الله» في ضواحي بيروت (إ.ب.أ)
تشييع قتلى سقطوا بتفجير أجهزة البيجر التابعة لـ«حزب الله» في ضواحي بيروت (إ.ب.أ)

تُعد عمليتا تفجير أجهزة النداء (البيجر) والاتصالات اللاسلكية التي يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان وسوريا، يومي الثلاثاء والأربعاء، من كبرى العمليات الأمنية الناجحة التي قام بها، على ما يُعتقد، جهاز الموساد الإسرائيلي. أدى اختراق أجهزة (البيجر)، وزرع متفجرات في الآلاف منها ثم تفجيرها عن بُعد في الوقت ذاته، إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وجرح ما يقرب من ثلاثة آلاف آخرين بينهم عدد كبير من مقاتلي «حزب الله» والسفير الإيراني في بيروت. وتكرر الأمر ذاته الأربعاء من خلال تفجير أجهزة اتصال لاسلكية لـ«حزب الله» في أكثر من منطقة لبنانية.

فكيف تُقارن هاتان العمليتان بعمليات الموساد السابقة؟ هذه جولة على أبرز النجاحات التي يتفاخر بها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي منذ تأسيسه في عام 1949.

آيخمان... خطفه عملاء الموساد من الأرجنتين وتم إعدامه في إسرائيل

مطاردة أدولف آيخمان

تاريخياً، يُعد الوصول إلى أدولف آيخمان أحد أبرز نجاحات الموساد في ستينات القرن الماضي. فهذا الضابط الألماني المكلف بملف اليهود في جهاز «الغيستابو»، (البوليس السري الألماني)، يوصف بأنه أحد مهندسي ما يُعرف بـ «الحل النهائي»، ومسؤول عن نقل مئات آلاف اليهود الأوروبيين إلى معسكرات الاعتقال النازية في ما تُعرف بالمحرقة. فرَّ آيخمان بعد هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية، وبدأ حياة جديدة بهوية مختلفة في الأرجنتين عام 1950.

اختفت أخباره لسنوات قبل أن تصل معلومات إلى الاستخبارات الإسرائيلية أنه يختفي في أميركا الجنوبية. أرسل الموساد فريقاً تمكَّن من تعقبه، وخطفه ونقله بعملية معقدة إلى إسرائيل عام 1960. حوكم وأُعدم شنقاً.

إيلي كوهين

نجح الموساد بين عامَي 1962 و1965 في زرع عميل له داخل أروقة الحكم في سوريا. وُلد إيلي كوهين في مصر لأبوين يهوديين من سوريا. في عام 1960 جنّده الموساد للعمل جاسوساً وأعطاه هوية جديدة باسم كمال أمين ثابت، وأرسله إلى الأرجنتين تحت غطاء رجل أعمال من أبوين سوريين. انتقل كوهين، في عام 1962، إلى سوريا، مستغلاً شبكة العلاقات التي بناها في الأرجنتين، وصار مقرباً من شخصيات بارزة في هرمية الحكم بسوريا. تم طرح اسمه في مرحلة من المراحل مرشحاً محتملاً لشغل منصب رفيع في وزارة الدفاع السورية. وفي الواقع، قدّم كوهين مجموعة كبيرة من المعلومات للموساد، بما في ذلك تفاصيل استغلها سلاح الجو الإسرائيلي لضرب أهداف داخل سوريا.

اعتقلته أجهزة الأمن السورية (بمساعدة سوفياتية مزعومة) خلال إرساله تقريراً للموساد عام 1965، حوكم وأُعدم شنقاً في دمشق. ولم تتمكن إسرائيل حتى اليوم من استرجاع جثمانه.

طائرة الميغ 21... هربها طيار عراقي إلى إسرائيل (Center for Israel Education)

سرقة الميغ 21

كانت طائرة الميغ 21 فخر الصناعة السوفياتية في ستينات القرن الماضي، وتم تزويد دول عربية بأعداد منها. قرر جهاز الموساد الحصول على واحدة منها للتعرف على التكنولوجيا المستخدمة فيها. في عام 1964، أغرى عملاء إسرائيليون طياراً عراقياً مسيحياً (منير ردفة) بالسفر إلى أوروبا حيث تفاوضوا معه على الهرب بطائرة ميغ 21 لقاء حصوله على الجنسية هو وعائلته، بالإضافة إلى مبلغ كبير من المال. قام الطيار العراقي بالفعل بتنفيذ المهمة المطلوبة منه عام 1966، وفرَّ بطائرته إلى إسرائيل، فيما تم تهريب عائلته إلى إيران. بعد الحصول على الطائرة السوفياتية، قدمتها إسرائيل للولايات المتحدة كي تتعرف بدورها على التكنولوجيا السوفياتية المستخدمة فيها.

عملية غضب الله (1972)

في عام 1972، أمرت حكومة إسرائيل جهاز الموساد باغتيال المسؤولين، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن عملية ميونيخ التي قُتل فيها 11 رياضياً إسرائيلياً كانوا يشاركون في الألعاب الأولمبية. وبناءً على ذلك، نفَّذ الموساد سلسلة عمليات اغتيال استهدفت أفراداً في جماعة «أيلول الأسود» وحركة «فتح» و«منظمة التحرير الفلسطينية» في أوروبا. لكن أبرز فصول الاغتيالات حصل في بيروت حيث قام عملاء للموساد بقتل قادة فلسطينيين بارزين. تم تجميد عملية «غضب الله» في عام 1973 بعدما قتل الموساد خطأً نادلاً في مطعم بالنرويج، بعدما اعتقد أنه الشخص المطلوب قتله. أُعيد إحياء العملية عام 1979 عندما اغتال عملاء الموساد القيادي الفلسطيني علي حسن سلامة الذي يصفه الإسرائيليون بأنه مسؤول العمليات في «أيلول الأسود».

رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن وقائد أركان الجيش الإسرائيلي رفائيل إيتان خلال الإعلان عن تدمير مفاعل تموز العراقي في 9 يونيو 1981 (غيتي)

المفاعلان العراقي والسوري والبرنامج النووي الإيراني

اكتشفت إسرائيل في سبعينات القرن الماضي أن العراق يطوِّر قدراته النووية من خلال مفاعل يتم بناؤه بالتعاون مع فرنسا. حاول جهاز الموساد في البداية إخافة المهندسين الفرنسيين العاملين في هذا المشروع. كما نجح عملاؤه في تفجير مكونات للمفاعل النووي قبل شحنها إلى العراق. في نهاية المطاف، نفَّذت طائرات إسرائيلية عملية ضخمة دمّرت فيها المفاعل العراقي (مفاعل تموز أو أوزيراك) عام 1981.

بعد 26 سنة من تفجير المفاعل العراقي، نفَّذ الطيران الإسرائيلي عملية جديدة دمَّر فيها مفاعلاً نووياً سورياً كان يتم بناؤه بمساعدة عملاء كوريين شماليين على ضفاف نهر الفرات شرق سوريا. كشف الإسرائيليون المفاعل السوري عام 2004 عندما تمكن عملاء الموساد من اختراق جهاز كمبيوتر يحمله مدير كبير في هيئة الطاقة الذرية السورية خلال زيارته جنيف للقاء وكالة الطاقة الذرية. فكَّ العملاء الإسرائيليون شفرة الجهاز واستخرجوا صوراً للعالم السوري مع علماء كوريين وتصميماً لمفاعل مخصص لتخصيب البلوتونيوم. نفَّذت طائرات إسرائيلية ليلة 6 سبتمبر (أيلول) 2007 «عملية البستان»، وتم فيها تدمير المفاعل السوري في ريف دير الزور.

خوف إسرائيل من القدرات النووية لجيرانها لم يتوقف عند سوريا والعراق. فهمُّها الأساسي منذ سنوات بات إمكانية أن تطور إيران قدرات نووية عسكرية. في عام 2018، تمكَّن فريق من عملاء الموساد من الوصول إلى مخزن سرِّي في طهران يُخفي فيه الإيرانيون أرشيفهم النووي. حصل الفريق الذي يضم إيرانيين يعملون للاستخبارات الإسرائيلية على آلاف الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وتم تهريبها إلى إسرائيل. ضمَّت الوثائق 50 ألف صفحة و163 قرصاً مدمجاً.

وفي عام 2021، نفّذ عملاء الموساد عملية أخرى لتخريب منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز. تضمنت العملية انفجاراً مركّزاً أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المنشأة وتعطيل عمل أجهزة الطرد المركزي فيها.

أفراد من القوات الإيرانية يحملون نعش العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده خلال مراسم تشييعه في طهران (رويترز)

إضافة إلى ذلك، قتل عملاء مزعومون للاستخبارات الإسرائيلية منذ عام 2007 ما لا يقل عن 5 علماء إيرانيين أبرزهم بلا شك محسن فخري زادة، كبير مهندسي البرنامج النووي. قُتل فخري زادة في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عندما تعرضت سيارته لكمين قرب طهران. تردد في البداية أن مسلحين أطلقوا النار عليه، لكن تبين لاحقاً أن الاغتيال نفِّذ برشاش محمول على سيارة نيسان ويتم التحكم به عن بُعد.

«عملية موسى» (1984 - 1985)

في بداية ثمانينات القرن الماضي تمكن عملاء الموساد من تنفيذ أكبر عملية تهريب لآلاف اليهود الإثيوبيين الذين فروا إلى السودان. تمت العملية بعدما أقام عملاء إسرائيليون منتجعاً للسياحة والغطس على ساحل البحر الأحمر في السودان، كان يتم من خلاله تهريب اليهود الإثيوبيين بحراً إلى إسرائيل.

وبين عامَي 1984 و1985 نُقل قرابة 8000 يهودي إثيوبي جواً من الخرطوم إلى بلجيكا ومنها إلى إسرائيل. في عام 1985 انضمت الولايات المتحدة إلى عملية إنقاذ اليهود الإثيوبيين وأطلقت عليها اسم «عملية جوشوا» وتضمنت نقل بين 500 و800 يهودي إثيوبي إلى إسرائيل.

عماد مغنية

اغتيال عماد مغنية عام 2008

كان عماد مغنية قيادياً كبيراً في «حزب الله» اللبناني ويُتهم بالتورط في عمليات إرهابية عديدة بينها تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، وتفجير مقر المارينز في مطار بيروت في العام نفسه، وخطف طائرة «تي دبليو إيه» عام 1985، وتفجير سفارة إسرائيل في بوينس آيرس عام 1992، وتفجير المركز اليهودي في هذه المدينة عام 1994.

تمكن عملاء للموساد بالتعاون مع الاستخبارات الأميركية -كما تردد- من شحن قنبلة مخصصة لقتله وتهريبها إلى دمشق في انتظار وصوله إليها. وقد سنحت الفرصة بالفعل في فبراير (شباط) 2008 عندما كان في دمشق حيث اُغتيل بتفجير سيارة.

يحيى عياش

طاردت الاستخبارات الإسرائيلية القيادي الفلسطيني في كتائب «القسام»، يحيى عياش، منذ عام 1993 بعدما اتهمته بالوقوف وراء سلسلة من التفجيرات الانتحارية التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى. نجحت عملية اغتياله في يناير (كانون الثاني) عام 1996. لم يكن الموساد وراء قتله، بل جهاز الشاباك الذي زرع مادة متفجرة في هاتف محمول تم تسليمه إليه في مكان اختبائه بقطاع غزة. فُجّر الهاتف عن بُعد خلال اتصال بين عياش ووالده.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

شؤون إقليمية نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز) p-circle

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين له دمج حزبيهما، في حين ابتعدت فرص حصوله على عفو من محاكمته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.