مرضى مخيمات مكتظة شمال شرقي سوريا: «نموت ببطء»

يقاسون الألم والخيبة بعد توقف دعم منظمة الصحة العالمية

مخيم «واشوكاني» بالحسكة شمال شرقي سوريا يقطنه 16500 نازح من مدينة رأس العين (الشرق الأوسط)
مخيم «واشوكاني» بالحسكة شمال شرقي سوريا يقطنه 16500 نازح من مدينة رأس العين (الشرق الأوسط)
TT

مرضى مخيمات مكتظة شمال شرقي سوريا: «نموت ببطء»

مخيم «واشوكاني» بالحسكة شمال شرقي سوريا يقطنه 16500 نازح من مدينة رأس العين (الشرق الأوسط)
مخيم «واشوكاني» بالحسكة شمال شرقي سوريا يقطنه 16500 نازح من مدينة رأس العين (الشرق الأوسط)

داخل نقطة طبية في مخيم «واشوكاني» بمحافظة الحسكة، يكافح فريق «الهلال الأحمر الكردي» لتأمين الإحالات الطبية والأدوية لإنقاذ حياة المرضى بعد توقف نظام الإحالات الطبية المجانية، منذ أبريل (نيسان) الماضي، الذي كانت تموله منظمة الصحة العالمية، في 11 مخيماً شمال شرقي سوريا، بما في ذلك مخيم «الهول» المكتظ، ليواجه مئات النازحين السوريين المصابين بأمراض مزمنة، مصائرهم دون مساعدة، مع ارتفاع تكاليف العلاج الخاص في جميع أنحاء البلاد.

صالة انتظار مرضى مخيم «واشوكاني» بمحافظة الحسكة شمال سوريا (الشرق الأوسط)

في قسم الاستقبال عشرات الحالات المرضية تنتظر دورها بفارغ الصبر، الغالبية من النساء والأطفال، جالسين على مقاعد في بهو المركز. تسمع آهات المرضى، مَن يشكو القصور الكلوي أو السرطان أو المتاعب القلبية. أما صرخات الأطفال فناتجة عن سوء التغذية وإصاباتهم بالتهابات الأمعاء، وسط ارتفاع درجات الحرارة لمستويات قياسية في هذا المخيم قاربت 50 درجة مئوية.

تقصد النازحة أميرة (30 عاماً) هذه النقطة بشكل شبه يومي، ترقد على سرير في غرفة الإسعاف، وتشكو من ألم صامت سلبها الشعور بالراحة، فهذه الفتاة التي لم تأخذ من اسمها أي نصيب، مصابة بمرض السرطان منذ 10 سنوات، وهي إحدى المتضررات من قرار توقف دعم منظمة الصحة العالمية.

تتحمل أميرة تكاليف العلاج الباهظة على نفقتها الخاصة مع تدهور وضعها الصحي والمادي. بدأت المشكلة بألم بسيط في المعدة عام 2014، أساء الأطباء تشخيص حالتها، فاعتقدت بأنها مصابة بالتهاب القولون. وعندما زارت في عام 2019 العاصمة دمشق للكشف عن حالتها، تم تشخيص مرضها بأنه القولون أيضاً، ونصحها الأطباء بضرورة استئصاله.

مرضى الأمراض المزمنة في مركز الصليب الأحمر الكردي بمخيم «واشوكاني» (الشرق الأوسط)

فرار من رأس العين

بعد تنفيذ تركيا عملية عسكرية وسيطرتها على مسقط رأسها رأس العين (سري كانيه بالكردية) أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فرت أميرة إلى مخيم «واشوكاني» لكن مأساة النزوح لن تكون آخر فصول عذابها، إذ اكتشفت أنها مصابة بالسرطان.

وقالت أميرة: «بعد نزوحي استأصلوا القولون بعملية تكفَّلت بها منظمة الصحة العالمية، وبقيت فترة على العلاج لكن وضعي صار أصعب، حتى صرت أعيش على حفاظات العجزة».

بعد اكتشاف إصابتها بالسرطان كانت حالتها الصحية قد تدهورت تماماً لتبدأ رحلة العلاج، والبحث عن الجرعات بشق الأنفس. أضافت: «رجعت للمشفى بالحسكة ليقولوا إن الورم بقي منه شيء بسيط لم يتمكنوا من استئصاله، لكن حالتي تدهورت، وبدأت أخذ جرعات كيميائية ووضعي صعب».

بيريفان خلي رئيسة قسم الإسعاف في النقطة الطبية للهلال الأحمر الكردي في مخيم «واشوكاني»

بدورها، تفيد بيريفان خلي، رئيسة قسم الإسعاف في النقطة الطبية الوحيدة بالمخيم، التي تقدم خدماتها لنحو 16500 نازح، بأن غالبية المرضى بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية لوجود حالات سرطانية وأمراض مزمنة، وتلفت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه حتى مطلع شهر أبريل الماضي، كانت «الصحة العالمية» تدعم الإحالات المرضية للمستشفيات الحكومية داخل المربع الأمني في الحسكة. لكن الآن، مع صعوبة تأمين العلاجات والإحالات «يضطر كثير من النازحين للعلاج على حسابهم، هناك حالات مزمنة تحتاج إلى العلاج في المراكز التخصصية، وبسبب ضعف وضعهم المادي ونفقات العلاج المرتفعة، عكفوا عن العلاج واستسلموا للألم وتداعياته».

الهلال الأحمر الكردي بمخيم «واشوكاني» (الشرق الأوسط)

وأوضحت أنه لا يوجد في نقطة «الهلال» الطبية داخل المخيم، جهاز «المسح الذري» الذي يرصد الأورام السرطانية، كما تغيب عن المستوصفات أدوية علاج السرطان والجرعات الكيميائية وأدوية مرضى السكر. لذا فاقم توقف دعم «الصحة العالمية» معاناة النازحة أميرة، ونحو 100 حالة مماثلة في هذا المخيم.

وأشارت بيريفان إلى أن نقطة «الهلال» بالمخيم عبارة عن مستوصف أوّلي، «لا تخدم عمليات معقدة، ونحن نتواصل مع غرفة العمليات التابعة لإدارة (الهلال الكردي) في القامشلي؛ بحثاً عن الجرعات والعلاج المجاني في مستشفيات تخصصية أخرى».

مخيم «واشوكاني» بمحافظة الحسكة يقطنه 16500 نازح من مدينة رأس العين (سري كانيه) وريفها (الشرق الأوسط)

أميرة التي تعيش مع والدها المسن في خيمة لا تقيها حرارة الصيف أو برودة الشتاء، وتستكمل علاجها على نفقتها الخاصة مع صعوبة تحمل الأعباء المادية الباهظة، لا سيما الجرعات الكيميائية، طلب منها الأطباء إجراء تنظير معدة وقولون كلفتها نحو مليون ونصف المليون ليرة (100 دولار أمريكي)، وهذا المبلغ لا تمتلكه حالياً. كما أجرت قبل أسابيع عملية ثانية كلفتها نحو 2 مليون ليرة دون فائدة، تشكو بأسى: «أوردة في جسمي ليفتحوها ما بقي، وعندي 3 جرعات كيميائية شهرياً».

أحمد حسن الحسو مصاب بقصور كلوي في إحدى كليتيه يعيش في مخيم بالحسكة (الشرق الأوسط)

تعيش سوريا منذ سنوات تراجعاً في الخدمات العامة بسبب النزاع الدائر، وتدهور الوضع الاقتصادي الذي أخرج العديد من المستشفيات عن الخدمة، وزاد شح المساعدات الدولية من معاناة النازحين السوريين القاطنين في مخيمات مكتظة وخيام متهالكة.

وينتظر نحو 1200 مصاب بأمراض مزمنة في 11 مخيماً شمال شرقي سوريا على قائمة العلاج، بينهم أحمد حسن الحسو (60 عاماً) المصاب بالفشل الكلوي، الذي يسكن في مخيم «واشوكاني»، ويعيش في خيمة مع ابنه بعد فرارهما من قرية العامرية الواقعة بالريف الغربي لبلدة تل تمر، التي سيطرت عليها القوات التركية وفصائل سورية موالية منذ 5 سنوات.

كان أحمد الحسو يعاني من مرض السكري بدايةً، وبعد انتشار «الغرغرينا» قُطِع أحد أصابع قدمه، لتكتمل فصول المعاناة بفشل إحدى كليتيه.

ماجد عبد القادر قائد فريق الهلال الأحمر الكردي في مخيم «واشوكاني» (الشرق الأوسط)

أثناء حديثه معنا كان ممداً على بساط بلاستيك تحت خيمة سقفها منخفض وشديدة الحرارة. قال: «أغسل كليتيَّ مرتين في الأسبوع، يقدم لي (الهلال الكردي) سيارة إسعاف في أي لحظة، أوقات يسعفوني الساعة 12 ليلاً». منوهاً بأن حالته في تدهور مستمر: «لمن أروح لغسل كليتيَّ أكون كأني في جنازة، وبعد عودتي أكون كالميت».

الدكتور هنر عبدو اختصاصي أطفال داخل نقطة الهلال الأحمر الكردية بالمخيم (الشرق الأوسط)

يحتاج المرضى هنا للوصول إلى خدمات صحية متخصصة بالمجان، وليس المقصود حالات الأورام السرطانية فقط، بل أمراض الأعصاب والغدد والأنف والأذن والحنجرة وأمراض الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية. كما تغيب الجراحات العامة وأمراض العيون عن هذه المخيمات، التي كانت تعتمد بالدرجة الأولى على إحالات منظمة الصحة العالمية للمشافي التابعة للحكومة السورية بالحسكة.

وبحسب إحصاءات هيئة الصحة لدى «الإدارة الذاتية لشمال وشرق» سوريا، وهي سلطة مدنية تأسست عام 2014، يوجد نحو 1200 مريض بحالات باردة قد تتدهور في أي لحظة، موزعين على 11 مخيماً يقع تحت سيطرتها، بينهم 800 مريض في مخيم الهول و400 آخرين موزعين على باقي المخيمات، أكبرها مخيمات «العريشة» و«واشوكاني» و«الطلائع» الواقعة بريف محافظة الحسكة.

يرى الدكتور هُنر عبدو، اختصاصي أطفال، أن مستوصف «الهلال الكردي» عبارة عن نقطة رعاية أوّلية تقدم الخدمات الطبية لمعالجة حالات الحرارة العالية، والغثيان، والإسهال، والجروح، والحروق، إلى جانب الكشف عن حالات الاختلاجات والتهابات الأمعاء. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا شككنا بأن المريض يعاني من مرض مزمن أو ورم خبيث أو تشوهات قلبية، فإننا نحيله للمشافي لاستكمال دراسة الحالة وتقديم الرعاية».

ويضيف الطبيب الذي كان يفحص طفلاً برفقة والدته، ويقدم استشارات طبية مجانية لمراجعيه، في نهاية حديثه، أن هذه الخدمات «هي أقصى قدرة للطاقم الطبي يمكنه تقديمها في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والمادية للنازحين في هذه المخيمات».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الطب

علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك المُحلّيات الصناعية الموجودة في المشروبات الغازية «الدايت» تُسبب في بعض الحالات تحفيز استجابة غير متوقعة لهرمون الإنسولين (بيكسلز)

ما تأثير المشروبات الغازية على العظام؟

يقبل الكثيرون على تناول المشروبات الغازية فيما تنتشر تحذيرات من أضرارها على الصحة خاصة العظام والأسنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي تظهر الصورة المباني المتضررة نتيجة غارة عسكرية إسرائيلية بالقرب من مستشفى رفيق الحريري الجامعي بمنطقة الجناح في بيروت بلبنان يوم 22 أكتوبر 2024 (إ.ب.أ)

«منظمة الصحة»: المستلزمات الطبية ستنفد في بعض مستشفيات لبنان خلال أيام

قالت «منظمة الصحة العالمية»، اليوم (الخميس)، إن بعض المستشفيات في لبنان قد تنفد لديها مستلزمات الإسعافات ‌الأولية المنقذة ‌للحياة خلال ‌أيام

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج تقدم السعودية الرعاية الصحية للمحتاجين وللمتضررين بغض النظر عن جنسهم أو عرقهم أو لونهم (واس)

جهود السعودية الإنسانية... نموذج مضيء في مساعدة الإنسان أينما كان

نفَّذت السعودية 2.247 مشروعاً تنموياً وإنسانياً وتطوعياً بقطاع الصحة في العديد من الدول حول العالم، بقيمة تجاوزت 6 مليارات و488 مليون دولار أميركي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

«الصحة العالمية» تعلّق عمليات الإجلاء الطبي من غزة بعد مقتل متعاقد معها

علّقت منظمة الصحة العالمية عمليات الإجلاء الطبي من قطاع غزة إلى مصر على خلفية «حادث أمني» أدى إلى مقتل أحد المتعاقدين معها.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.


حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ملادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ملادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

ورأى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الأمين العام لـ«حزب الله»، (الشيخ نعيم قاسم)، «يلعب بالنار»، مهدداً بأنها «ستحرق لبنان». وقال كاتس للمنسّقة الخاصّة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس-بلاسخارت، وفقاً لبيان وزّعه مكتبه: «نعيم قاسم يلعب بالنار، وهذه النار ستحرق (حزب الله) وكل لبنان. إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء تحت جناح منظمة (حزب الله) الإرهابية، فستندلع النار وتحرق أرز لبنان».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هشٍّ لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، مما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا، أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، مما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفتها بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، مما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجوا تحت القصف من دون أن يتمكنوا من حمل أيٍّ من مقتنياتهم، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآنيّ)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه المرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، مما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».