ما حصة «الجهاد الإسلامي» في حرب غزة؟

حافظت على استمرارية قدرتها الصاروخية... ولم تخسر قيادات بارزة

مقاتلون من «سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي» في فلسطين (رويترز - أرشيفية)
مقاتلون من «سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي» في فلسطين (رويترز - أرشيفية)
TT

ما حصة «الجهاد الإسلامي» في حرب غزة؟

مقاتلون من «سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي» في فلسطين (رويترز - أرشيفية)
مقاتلون من «سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي» في فلسطين (رويترز - أرشيفية)

لم يكن إعلان الجناحين العسكريين لحركتي «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيتين، قبل يومين، مسؤوليتهما المشتركة عن تفجير قنبلة بالقرب في تل أبيب هو الأول من نوعه الذي يُظهر تنسيقاً بين الحركتين، لكنه أعاد إلقاء الضوء على طبيعة الحرب الحالية في غزة بالنسبة لـ«الجهاد»، والتي يُنظر إليها على أنها ثاني أقوى تنظيم مسلح في غزة، والأكثر ارتباطاً بعلاقات مع إيران.

و«الجهاد» التي تأسست في ثمانينات القرن الماضي على يد الفلسطيني فتحي الشقاقي (اغتيل في مالطا عام 1995)، ويقودها راهناً، زياد النخالة، تعبِّر عن تيار أكثر راديكالية مقارنةً بـ«حماس» بين قوى التيارات الإسلامية في فلسطين، ويُعتقد أن جناحها العسكري «سرايا القدس» أقل تسليحاً وعدداً من نظيره في «حماس» ويمثله «كتائب عز الدين القسام».

مؤسس حركة «الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي (وفا)

ولعبت «سرايا القدس» خلال الحرب المستمرة في قطاع غزة، دوراً في مواجهات عسكرية لافتة منها القتال المشترك مع «حماس» في إطار ما عُرفت بمعركة «مستشفى الشفاء» في غزة قبل أن تدمره وتحرقه إسرائيل.

ورغم أن «سرايا القدس» لم تبدأ هجوم «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ فإن عناصرها شاركوا في قتل وأسر عديد من الإسرائيليين بعدما التحقوا بباقي المجموعات المسلحة من فصائل مختلفة، واقتحموا مستوطنات غلاف غزة في أعقاب انهيار الجيش الإسرائيلي.

ومنذ بدء الهجوم الإسرائيلي المضاد، فقدت «الجهاد الإسلامي» بعض قادتها ومقاتليها، لكن بوتيرة أقل بكثير من «حماس»، وذلك على العكس من جولات سابقة من التصعيد كانت فيها «الجهاد» تمثل رأس الحربة، وخسرت خلالها أبرز قادتها العسكريين.

وقبل السابع من أكتوبر بـ5 أشهر فقط، فقدت «سرايا القدس» أمين سر مجلسها، جهاد غنام، وخليل البهتيني قائد المنطقة الشمالية في المجلس العسكري، وطارق عز الدين الذي كان يقود العمل العسكري لـ«الجهاد» في الضفة الغربية، وجميعهم قتلتهم إسرائيل.

مقاتلون من «الجهاد» خلال تشييع قادة بالحركة قتلتهم إسرائيل في مايو 2023 (د.ب.أ)

وعلى عكس «حماس»، ومنذ تأسيسها، تعتمد «الجهاد» على الدعم الإيراني الواسع، إذ حرصت على تدريب قيادات وعناصر من «سرايا القدس» من خلال دورات جرت في لبنان وسوريا وإيران نفسها، ونقلت أسلحة وصواريخ متطورة للتنظيم.

ووفق مصادر في غزة فإنه «منذ بداية الحرب، لم تعانِ (الجهاد) أي أزمة مالية»، وأضافت المصادر: «واظبت (الجهاد) على صرف رواتب عناصرها بشكل منتظم، إلى جانب صرف ما سمِّي بـ(غلاء المعيشة)، خصوصاً في مناطق شمال قطاع غزة بسبب حالة المجاعة وقلة الطعام والشراب وارتفاع أسعار ما كان يتوفر خلال الأشهر الماضية في الأسواق».

هنية ونائب الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني ورئيس حركة «الجهاد الإسلامي» والمتحدث باسم الحوثيين في مراسم القسم الدستوري للرئيس الإيراني بطهران الشهر الماضي (رويترز)

خسائر حركية

وقيّمت مصادر ميدانية في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»، أنه «منذ بداية الحرب الحالية، فإن الغالبية العظمى من القيادات السياسية والعسكرية لـ(الجهاد الإسلامي)، نجوا بأنفسهم ولا يزالون على قيد الحياة، خصوصاً الصف الأول والثاني، لكنَّ أعداداً لا بأس بها من الناشطين داخل الحركة مثل مطلقي الصواريخ والقذائف المضادة والمقاتلين الذين خاضوا معارك ومواجهات مباشرة، قد قُتلوا بالفعل».

الأمر نفسه أكدته مصادر من «الجهاد»، وقالت إن «قيادة الحركة بخير، لكنَّ بعض قادة الكتائب والسرايا والفصائل داخل (سرايا القدس) قُتلوا نتيجة اغتيالات، أو من خلال استهدافات لهم خلال مهام قتالية ومعارك تدور في الميدان». وحسب مصادر في «الجهاد» فإن «جميع قيادات المجلس العسكري الجديد الذي تشكل بعد حقبة الاغتيالات التي سبقت الحرب، على قيد الحياة ويمارسون مهامهم».

وخلال الحرب الحالية، فقدت «الجهاد» قيادات ميدانية، من بينها، محمد الجعبري، الذي قالت إسرائيل إنها قتلته مطلع الشهر الحالي بعملية مخططة، وأفادت بأنه كان نائباً لرئيس البنية التحتية لإنتاج الذخائر في «الجهاد».

وادَّعت إسرائيل أنها نجحت كذلك في اغتيال أشرف جودة قائد لواء الوسطى في «سرايا القدس» خلال القصف الذي طال في العاشر من الشهر الجاري، مدرسة التابعين، بمدينة غزة، إلا أن مصادر من داخل الحركة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يكن موجوداً لحظة القصف داخل المدرسة».

ترسانة الصواريخ

في المقابل، فإنه بالإضافة إلى أن معظم قادة «الجهاد» السياسيين والعسكريين نجوا، حتى الآن، من عمليات كبيرة، فإن الحركة حافظت كذلك على ترسانة صواريخها قدر الإمكان.

وشرحت مصادرة ميدانية في «غزة» لـ«الشرق الأوسط» أنه «خلال الحرب الحالية حافظت (الجهاد) على ترسانة صواريخ بشكل أفضل من حركة (حماس)، التي فقدت كثيراً من مقدراتها بفعل الهجمات المركزة ضدها من إسرائيل».

وبرهنت المصادر تقييمها بأنه «حتى الأيام الأخيرة، واصلت (سرايا القدس) إطلاق الصواريخ تجاه مستوطنات ومدن إسرائيلية، خصوصاً تلك المحاذية لشمال قطاع غزة». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يُطلق من صواريخ عادةً لا يتجاوز في كل دفعة 3 صواريخ، وليس رشقات كبيرة تشمل أعداداً أكبر».

وافتقرت الأجنحة المسلحة للفصائل الفلسطينية، لأكثر من شهرين ونصف بعد تراجع حدة العمليات الإسرائيلية، إلى القدرة على إطلاق الصواريخ تجاه مستوطنات غلاف غزة من مناطق شمال القطاع، لكن «الجهاد»، على ما يبدو، تمكنت من إثبات حضور صاروخي هناك.

أحد عناصر «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي» يحمل قذيفة (المركز الفلسطيني للإعلام)

واعتمدت «سرايا القدس» أن تكون عمليات إطلاق الصواريخ أقل كثافة من المعتاد مقارنةً بـ«القسام» التابعة لـ«حماس»، في محاولةٍ منها للحفاظ على ترسانتها الصاروخية، وهو ما سمح لها بالاستمرارية في إطلاق هذه الصواريخ حتى بعد كل هذه المدة من الحرب.

مصادر مقربة من «الجهاد» قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «عناصر الوحدة الصاروخية العامة (التابعة لقيادة عليا)، والخاصة (تتبع لقيادة المناطق المحدودة)، وهما وحدتان لكل واحدة منهما مهامها العسكرية، نجحا في الوصول إلى مرابض صواريخ كانت مجهَّزة مسبقاً، وأيضاً إلى أماكن كانت توجد بها مخازن صواريخ، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق مختلفة من مدينة غزة وشمالها، واستعادوا جزءاً كبيراً منها، ويستخدمونها حالياً بشكل مُقنن يتيح لهم الاستمرارية في إطلاق الصواريخ حتى ولو كان مرة واحدة كل أسبوع».

ولفتت المصادر إلى أن «غالبية الصواريخ الموجودة (لدى الجهاد) قصيرة المدى، وبعضها صواريخ يُطلق عليها (107)، ولا يتجاوز مداها 7 إلى 8 كيلومترات في أفضل الأحوال، إلى جانب تمكنهم من الوصول إلى قذائف هاون بأحجام مختلفة، منها ما تُعرف بـ(هاون 120) ويصل مداه إلى ما بين 3 و5 كيلومترات».

أما على صعيد العمليات، فقد نفَّذت «سرايا القدس» خلال هذه الحرب عديداً من الهجمات المؤثرة التي قُتل فيها جنود إسرائيليون، خلال معارك كانت تقع وجهاً لوجه، ومن خلال تفجير العبوات الناسفة وإطلاق الصواريخ المضادة للآليات.

الأسرى والتنسيق

ورغم مشاركة جناحها «سرايا القدس» المتأخرة نسبياً في عملية «طوفان الأقصى» فإن «الجهاد» تمكنت من أسر 30 شخصاً خلال السابع من أكتوبر، وفق إفادة من أمينها العام زياد النخالة، في أعقاب العملية.

وحسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» فإن «عدد الرهائن لدى (الجهاد) الآن يُقدّر بنحو 7 أشخاص» بعدما جرى الإفراج عن آخرين خلال صفقة مبكرة لتبادل إطلاق سراح الأسرى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المختلفة.

وعززت الحرب الحالية التنسيق بين «حماس» و«الجهاد» بشكل أكبر وأوسع، بل إن تقارير إعلامية إيرانية ودولية أشارت إلى أن الأمين العام لـ«الجهاد»، كان موجوداً في نفس المبنى الذي شهد اغتيال هنية نهاية الشهر الماضي في طهران.

إسماعيل هنية وزياد النخالة في الدوحة يونيو الماضي (رويترز)

ولوحظ في الأسابيع الأخيرة، خصوصاً في الفترة التي تلت اغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، في طهران، تصاعد العمليات المشتركة بين عناصر «سرايا القدس» و«كتائب القسام» وزيادة التنسيق بين الجناحين ليس فقط في غزة، وإنما في الضفة الغربية، وصولاً إلى تبنيهما المشترك عملية التفجير التي وقعت في تل أبيب والتي تُعد تطوراً مهماً في المعركة الحالية، خصوصاً أنه التفجير الأول داخل إسرائيل منذ سنوات.

وزادت العلاقات متانةً بين «حماس» و«الجهاد» منذ انتخاب هنية رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس» في عام 2017، وزاد التنسيق العسكري بين الجناحين المسلحين للحركة، رغم فتور في العلاقات خلال بعض التصعيدات العسكرية المنفردة لكل طرف مع إسرائيل خلال الأعوام الأربعة الماضية.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
الخليج تأتي امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية التي تقدمها السعودية للمحتاجين والمتضررين داخل قطاع غزة (واس)

قافلة إغاثية سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة، الأربعاء، قافلة إغاثية سعودية جديدة، محمّلة بكميات كبيرة من السلال الغذائية، مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

ترتيبات جديدة تفرضها خطة الممثل السامي لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حمّل «حزب الله» مسؤولية انجرار لبنان إلى الحرب، مؤكداً أن «لبنان لا يمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى».

وأشار بارو إلى أن «لبنان لم يكن من المفترض أن ينجر إلى هذه الحرب»، معتبراً أن قرار الانخراط فيها «اتُّخذ من قبل الحزب»، وثمَّن في المقابل «قرارات الحكومة اللبنانية بشأنه».

ودعا بارو إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت»، في محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري.

وتندرج مواقف بارو ضمن سياق أوسع من التحرّك الدبلوماسي الفرنسي الهادف إلى منع توسّع الحرب، في ظل مخاوف من انهيار الاستقرار الهش في لبنان، وما قد يرافقه من تداعيات أمنية وإنسانية على الداخل اللبناني وعلى المنطقة كلها، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

أطفال لبنان يحتفلون بأحد الشعانين (إ.ب.أ)

الراعي: نداء للسلام

داخلياً، ارتفعت نبرة التحذير من التكلفة الإنسانية للحرب؛ إذ أطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي نداءً صريحاً لوقف العنف، قائلاً: «كفى حرباً وقتلاً وتدميراً»، مشدداً على أن «قوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام».

وفي عظة أحد الشعانين من الصرح البطريركي في بكركي، رسم الراعي صورة قاتمة للواقع الميداني، متحدثاً عن «أطفال قصفت أعمارهم صواريخ الحرب»، وعن عائلات مشرّدة تعاني البرد والمطر من دون مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأشاد بالدور الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، مع إشارة خاصة إلى المساعدات التي وصلت من مصر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية.

كما توقف عند سلسلة الخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط مدنيين وصحافيين وعناصر من الطواقم الطبية والجيش اللبناني، مستحضراً حادثة مقتل مواطن ونجله في جنوب البلاد، في دلالة على اتساع دائرة الاستهدافات، وتداخل المدني بالعسكري في مسرح العمليات.

قداس الشعانين في مقر البطريركية المارونية في بكركي برئاسة البطريرك الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

الشعانين في مواجهة الحرب

وربط الراعي بين رمزية أحد الشعانين والواقع اللبناني، معتبراً أن أغصان الزيتون التي يحملها المؤمنون «ليست مجرد رمز، بل موقف وخيار واضح للسلام»، في مواجهة تصاعد خطاب العنف والانقسام، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالأمل رغم قسوة المرحلة، وإلى اختيار السلام نهجاً ثابتاً، في مقابل «الانزلاق نحو مزيد من التوتر».

وأكد أن «قوة الإنسان لا تكمن في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام والثبات في الحق»، معتبراً أن «هذه المرحلة تتطلب شهادة حقيقية للسلام على مستوى الأفراد والمجتمع».

ودعا إلى الصلاة من أجل حماية لبنان وأبنائه، ومن أجل تحقيق «سلام عادل وشامل ودائم»، يحفظ البلاد من مزيد من الانهيار.

الجميّل: رجاء بقيامة لبنان

سياسياً، انضم رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميّل إلى موجة الدعوات للتهدئة، مؤكداً أن لبنان «سيقوم من جديد رغم كل الألم». وفي رسالة لمناسبة أحد الشعانين، توجّه الجميّل إلى أهالي الجنوب، كاتباً على منصّة «إكس»: «في أحد الشعانين، عيد الرجاء والسلام، نتشبّث أكثر بإيماننا بأنّ النور أقوى من الظلام، وأنّ لبنان سيقوم من جديد رغم كل الألم».

وقال: «في هذه المناسبة، نتوجّه بقلوبنا إلى أهلنا في الجنوب، إلى العائلات التي حُرمت، هذا العام، من الاجتماع حول مائدة واحدة، ومن عيش فرحة العيد كما اعتادت كل سنة. نصلّي أن تعود هذه الأيام محمّلة بالسلام، وأن يجتمع كل بيت من جديد، وأن تبقى العائلة مصدر قوّتنا وصمودنا».

وتعكس هذه المواقف تقاطعاً واضحاً بين الضغوط الدولية والتحذيرات الداخلية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب مفتوحة. وفيما تتواصل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، تتقدم في المقابل الدعوات إلى حماية المدنيين، ووقف استهداف البنى التحتية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، في ظل إدراك متزايد بأن تكلفة الانزلاق الكامل إلى الحرب ستكون باهظة على المستويات كافة.


من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)

يقفز كمال وخليل وريم على دراجتين ناريتين، يرتدون قفازات سميكة، ويحملون صناديق بلاستيكية صغيرة، ويتّجهون نحو ضاحية بيروت الجنوبية في محاولة لإنقاذ الحيوانات الأليفة من بين الركام التي تركها أصحابها خلفهم حين فرّوا على عجل من الغارات الإسرائيلية.

ومنذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، والتي أرغمت أكثر من مليون شخص على النزوح، يجوب فريق الإنقاذ التابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» غير الحكومية على الدراجات النارية شوارع ضاحية بيروت الجنوبية التي ضاقت بركام المباني المهدمة بفعل الغارات، محاولين البحث عن الحيوانات العالقة.

تحت المطر، يتوجه الفريق من أحياء بيروت التي اكتظت بالنازحين نحو ضاحيتها الجنوبية المهجورة، للاستجابة إلى نداءين، الأول بحثاً عن قطة منزل قفزت من نافذة محطمة في الطابق الأرضي خوفاً من القصف، وأخرى تبدو عليها أعراض الشلل ربما نتيجة القصف.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

يقول المتطوع خليل حمية (45 عاماً) حين كان يستعدّ للتوجه إلى عمله: «لا نفقد الأمل حين لا نجد القط، لأنه سيعود، فهذا ملجؤه».

على أطراف حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل «حزب الله»، يركن عصام عطار سيارة دفع رباعي بانتظار خروج الدراجات النارية التي استقلها زملاؤه لإنقاذ الحيوانات الأليفة، استعداداً لنقلها إلى المستشفى.

وفي ظلّ القصف الإسرائيلي وتقييد «حزب الله» التصوير في الضاحية الجنوبية، لم يكن من الممكن لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» الدخول برفقة الفريق إلى الداخل. ويقول عطار عن الحيوانات: «إنها أرواح... لا ذنب لها في الحرب».

«هلع»

منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» مطلع مارس (آذار)، أنقذت فرق «أنيمالز ليبانون» أكثر من 241 حيواناً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.

وأدّت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من 1100 شخص، حسب إحصاءات السلطات اللبنانية.

وفي هذه المدينة التي لا صافرات إنذار فيها، يعلم الناس بوجود تحذيرات إسرائيلية تمهيداً لغارات عندما يبدأ إطلاق النار في الهواء بوصفها وسيلة تحذير شعبية.

وتقول مديرة العمليات في «أنيمالز ليبانون» ريم صادق إن إطلاق النار والانفجار الذي يليه يرعبان القطط التي تختبئ من الخوف، ولا تتمكن عائلاتها من العثور عليها بعد ذلك، فيما تهرع لإخلاء منزلها.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

وتشرح ريم صادق: «القطط تصاب بالهلع من أصوات القصف، وقد تصبح عدائية» ومن ثم يصعب التقاطها.

وتضيف: «قد نكون الوحيدين الذين نملك الخبرة لنتمكن من العثور عليها».

ويستحيل إعادة بعض هذه القطط إلى أصحابها الذين باتوا مشردين وينامون تحت خيم في الشوارع أو داخل مراكز إيواء، ولذلك تبقى في عهدة المنظمة.

وزادت الحرب كذلك مهمات المنظمة تعقيداً، فهي تحاول إخراج شبلين من البلاد إلى قبرص، بعدما توقفت رحلات الطيران إلى جنوب أفريقيا.

ويواصل فريق «أنيمالز ليبانون» مهمات الإنقاذ، إلى جانب مهمات إطعام الحيوانات الشاردة وتوزيع الطعام والدواء البيطري في الأماكن التي يقيم فيها النازحون.

ولا تقتصر مخاطر هذا العمل على القصف، بل أحياناً على السلوك العدواني لبعض الحيوانات التي لا «تفهم أحياناً ما الذي نفعله» أثناء محاولة إنقاذها، كما يقول حمية.


التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
TT

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، الأحد، القطاع التعليمي في لبنان، وهو ما دفع الجامعة الأميركية في بيروت، إلى إبلاغ طلابها بأنه «لا دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا»، لكنها اتخذت تدبيراً احترازياً يتمثل في تفعيل نظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني، فجر اليوم (الأحد)، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.

وقال «الحرس الثوري» في بيان نشرته وسائل إعلام إيرانية: «إذا أرادت الحكومة الأميركية ألا تتعرض هذه الجامعات في المنطقة لردود انتقامية، عليها إدانة قصف الجامعات في بيان رسمي قبل الاثنين 30 مارس (آذار) ظهراً».

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

إجراء احترازي

بعد مزاعم عن اجراءات استثنائية، أبلغت «‏الجامعة الأميركية في بيروت» طلابها وموظفيها برسالة، قالت فيها: «لا يوجد لدينا أي دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا أو حرمها الجامعي أو مراكزها الطبية»، حسبما أفادت وكالة الأنباء «المركزية».

لكن الجامعة قالت في الرسالة نفسها: «حرصاً منا على سلامتكم، سنعمل بنظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء باستثناء الموظفين الأساسيين»، وهو ما ظهر على أنه إجراء احترازي. وأضافت الرسالة الممهورة بتوقيع رئيس الجماعة فضلو خوري: «بناءً عليه، لن تُعقد أي أنشطة تعليمية أو امتحانات داخل الحرم الجامعي خلال هذين اليومين. لقد كانت وستبقى أولويتنا القصوى هي سلامة مجتمعنا والأشخاص الذين نخدمهم». وحثّ «جميع الأطراف، دون استثناء، على تحييد المؤسسات التعليمية وعدم استهدافها في صراعاتهم».

المركز الطبي التابع للجامعة اللبنانية - الأميركية يقدم خدمات عاجلة للنازحين من الحرب (رويترز)

مؤسستان في بيروت

هناك مؤسستان تعليميتان معنيّتان بشكل أساسي في بيروت؛ هما «الجامعة الأميركية في بيروت»، و«الجامعة اللبنانية - الأميركية». ونفت الأخيرة في رسالة للطلاب، أن تكون تلقت أي إشعار من السلطات اللبنانية حول تحذيرات أمنية، وتعهدت بمواصلة التركيز على مهمتها الأكاديمية والصحية، ضمن الخطط المعلن عنها.

وليل الجمعة - السبت، سُمع دوي انفجارات في طهران طالت جامعة العلوم والتكنولوجيا في شمال شرقي المدينة، وأدت إلى إلحاق أضرار بالمباني من دون وقوع إصابات، حسبما أفادت تقارير إعلامية.

مطار بيروت وأخبار مضللة

في غضون ذلك، ردّت وزارة الأشغال العامة والنقل على «الأخبار المضللة المتزايدة أخيراً عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تتضمّن مزاعم بإقفال المطار أو توقّف الرحلات أو تعرّض الأجواء اللبنانية لمخاطر مباشرة»، مؤكدةً أنّ «مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت يعمل بشكل طبيعي، ولا يوجد أي قرار بإقفاله أو تعليق حركة الملاحة الجوية فيه، كما لم تُلغَ الرحلات الجوية على النحو الذي يتم الترويج له».

ووفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، لا يوجد أي إلغاء جديد لرحلات، وقد تم تسجيل 12 رحلة جوية حتى الساعة الثامنة من صباح الأحد، ما «يؤكد استمرار الحركة التشغيلية ضمن الأطر المعتادة، كما أنّ الأجواء اللبنانية غير مغلقة، وما يُشاع حول استخدام أجواء مطار بيروت لأغراض غير مدنية هو محض ادعاءات عارية تماماً عن الصحة»، بحسب وزارة الأشغال.

أما فيما يتعلق بتراجع عدد الرحلات، فأكدت الوزارة أنّ «ذلك يندرج ضمن السياق العالمي العام المرتبط بالظروف الراهنة التي تشهدها مختلف مطارات المنطقة، ولا يُشكّل مؤشراً استثنائياً خاصاً بلبنان».

وأضافت الوزارة: «تتابع وزارة الأشغال العامة والنقل من كثب، مع الهيئة العامة للطيران المدني، والأجهزة الأمنية المختصة في مطار رفيق الحريري الدولي، حسن سير عمله للحفاظ عليه بوصفه شرياناً أساسياً يربط لبنان بالعالم، ولتأمين التواصل بين اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وتحذّر من خطورة تداول الأخبار غير الدقيقة أو المضلّلة، لما لذلك من تداعيات سلبية، وتدعو وسائل الإعلام والمواطنين إلى التحلّي بأعلى درجات المسؤولية، وتوخّي الدقة والحصول على المعلومات حصراً من المصادر الرسمية المعتمدة».