هجمات دير الزور... رسائل إيرانية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط

«قسد» ترد على نيران أطلقتها القوات السورية وميليشياتها

استنفار عسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» لصدّ هجمات ميليشيا الدفاع الوطني والقوات الحكومية بريف دير الزور/// 2
استنفار عسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» لصدّ هجمات ميليشيا الدفاع الوطني والقوات الحكومية بريف دير الزور/// 2
TT

هجمات دير الزور... رسائل إيرانية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط

استنفار عسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» لصدّ هجمات ميليشيا الدفاع الوطني والقوات الحكومية بريف دير الزور/// 2
استنفار عسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» لصدّ هجمات ميليشيا الدفاع الوطني والقوات الحكومية بريف دير الزور/// 2

ردّت «قوات سوريا الديمقراطية» على مصادر النيران التي أطلقتها ميليشيات «الدفاع الوطني» والقوات الحكومية في ريف محافظة دير الزور، شرق سوريا، بعد يوم دامٍ تسبب بسقوط عشرات القتلى والجرحى، إثر تجدد المواجهات بين الطرفين.

وبينما حمّل «مجلس سوريا الديمقراطية» النظام السوري مسؤولية الهجوم وقتل وترويع المدنيين بهدف نشر الفوضى وإثارة الفتنة، رأى محللون أن الهجوم الأخير بريف دير الزور صندوق بريد إيراني للقوات الأميركية، بهدف الضغط عليها في إطار التوعد الإيراني بالرد على اغتيال إسرائيل القيادي الفلسطيني إسماعيل هنية، الرئيس السابق لحركة «حماس»، في العاصمة طهران نهاية يوليو (تموز) الماضي.

يقول نوري الخليل، القيادي في «مجلس دير الزور العسكري» التابع لقوات «قسد»، لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الحكومية وميليشيات «الدفاع الوطني» استهدفت بالمدفعية والأسلحة الثقيلة بلدات أبريهة والصبحة والدحلة بعد منتصف ليل الأربعاء – الخميس، «استهدفتها من نقاطها في بلدات الميادين والبو كمال والعشارة الخاضعة لقوات النظام. وكانت قواتنا على أهبة الاستعداد، وصدّت الهجمات التي شنّتها الميليشيات الإيرانية وقوات دمشق».

دوار في بلدة غرانيج التي شهدت اشتباكات مسلحة عنيفة (مصادر محلية)

ودفعت قوات «قسد» بمزيد من التعزيزات والحشود العسكرية إلى المناطق التي شهدت هجمات مسلحة، رافقها تحليق لطيران التحالف الدولي على علو منخفض، وتجددت الاشتباكات خلال اليومين الماضيين في مناطق وبلدات الشحيل والطيانة ودرنج وأبو حردوب وأبو حمام واللطوة وغرانيج والبصيرة، وتقع هذه المناطق الحضرية بالريف الشرقي لمحافظة دير الزور، وتخضع عسكرياً لقوات «قسد»، بينما يفصل نهر الفرات مناطق السيطرة بين «قسد» والتحالف الدولي من جهة، وقوات دمشق وفصائل محلية موالية لإيران من جهة ثانية.

استنفار عسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» لصدّ هجمات ميليشيا الدفاع الوطني والقوات الحكومية بريف دير الزور

ونفى القيادي الخليل سيطرة ميليشيات «الدفاع الوطني» والقوات الحكومية على بلدة ذيبان أو مناطق ثانية وتمركزهم فيها، وذكّر بأن حصيلة الاشتباكات أسفرت عن سقوط كثير من المدنيين الأبرياء وإصابة آخرين بجروح بليغة، مشيراً إلى أن الجهات المهاجمة استخدمت في قصفها «الراجمات والهاون وقاذفات الصواريخ، ما أدى إلى سقوط شهداء بين المدنيين، وأن دمشق تسعى لزعزعة الأمن في دير الزور لأهميتها الاستراتيجية».

واستنكر «مجلس سوريا الديمقراطية»، الجناح السياسي لـ«قسد»، الهجمات التي تعرضت لها مناطق نفوذه بريف دير الزور الشرقي، وقال في بيان نشر على موقعه الرسمي، الأربعاء: «ندين ونستنكر بأشد العبارات هذه الهجمات الإجرامية والوحشية، ونحمّل سلطة دمشق كافة المسؤولية عن هذه الأعمال، ونحذرها من تطور الأوضاع الأمنية هناك».

محمود المسلط رئيس مجلس «مسد» (الشرق الأوسط)

محمود المسلط رئيس مجلس «مسد»، بدوره، أوضح أن الهجوم يأتي في إطار مساعي دمشق وحلفائها لإشعال الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وقال في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إنهم يعملون منذ سنوات من أجل خلق أرضية حوار سورية - سورية على كامل الجغرافيا، «بالمقابل يأتي هذا الهجوم البربري كدليل على أن النظام وميليشياته لا يرغبون بالسلام، ولا بالحوار، فتلك الميليشيات مرتبطة بقوى خارجية تعمل تحت أجندة تخريبية، هدفها زعزعة الأمن والاستقرار»، وفق تعبيره.

مدخل بلدة ذيبان بريف دير الزور أحد أكثر المناطق التي تعرضت لهجمات خلال اليومين الماضيين (مصادر إعلامية محلية)

وحدة الساحات الإيرانية

ويرى مراقبون أن أهمية المنطقة الشرقية المتمثلة بمحافظة دير الزور المحاذية للحدود العراقية السورية، لكونها تشكل ممراً برياً يربط مناطق انتشار الميليشيات الإيرانية في البلدين باتجاه جنوب لبنان. ويقول عبد الناصر العايد، وهو خبير عسكري يتحدر من مدينة دير الزور، إن الهجوم الأخير استهدف بشكل رئيسي قواعد التحالف الدولي في حقلي «العمر النفطي» و«كونيكو للغاز»، وهذه القواعد تتمركز فيها قوة أميركية يقدر عددها بنحو 900 جندي.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الهجوم جزء من استراتيجية إيرانية «أعدّها ونفّذها ضباط من (الحرس الثوري) الإيراني و(الحشد الشعبي) العراقي، وخصوصاً فصيل (سيد الشهداء)، ويأتي ضمن محاولات الضغط التي تمارسها إيران على الولايات المتحدة، وهي مشابهة للهجمات التي تُشن في العراق واليمن».

وبحسب العايد، تميزت هجمات دير الزور الأخيرة بوقوعها في سوريا، التي تبدو الآن خارج نطاق ما يُعرف بوحدة الساحات الإيرانية، لافتاً إلى «تغطية العملية بواجهة محلية عبر مقاتلي العشائر بقيادة إبراهيم الهفل، الذي تربطه علاقات وثيقة بـ(الحرس الثوري)».

ونوّه إلى أن الهجوم فشل في تحقيق أهدافه الرئيسية «لعدم وصوله إلى القاعدتين الأميركيتين، ومهاجمتهما برياً، مع توقعات بتكرار محاولات مشابهة في المستقبل».

بلدة هجين بريف دير الزور الشرقي وعودة مظاهر الحياة لها يوم الخميس (الشرق الأوسط)

تجدر الإشارة إلى أن محافظة دير الزور تنقسم عسكرياً بين عدة أطراف محلية ودولية، وتقطنها غالبية عشائرية، ويوجد فيها أغلب حقول النفط السورية، حيث تسيطر «قسد» المؤلفة من فصائل كردية وعربية على الضفة الشرقية من نهر الفرات، في حين تسيطر قوات الحكومة وميليشيات إيرانية على الضفة الغربية. كما توجد قوات التحالف الدولي لمحاربة «داعش» بقيادة أميركية، ولا تزال خلايا «داعش» تنشط كثيراً في نفس المنطقة، وتستهدف قوات النظام و«قسد» على حد سواء.

ويرى براء صبري، وهو باحث مساهم في معهد «واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، أن الهجوم انطلق من مناطق سيطرة الحكومة السورية بدير الزور، التي تملك إيران نفوذاً كبيراً فيها، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الهجوم «مرتبط بالدرجة الأولى بالصراع الإقليمي والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والهجمة أخذت طابعاً لصالح النظام السوري، لكنها كانت لصالح إيران أكثر».

تدريبات مشتركة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» وقوات «التحالف الدولي» ضد «داعش» في ريف الحسكة (أرشيفية - أ.ف.ب)

جاءت العملية في ظل الاحتقان الإقليمي والتوتر المرتبط بالهجوم الإيراني المتوقع ضد إسرائيل، بحسب صبري، الذي أكد: «هذا بدوره استغلال فظّ لتلك الأجواء، فالهجوم استهدف (قسد)، وليست القواعد الأميركية القريبة، بالتالي هي عملية تزيد من ضعف الموقف المعنوي الإيراني حينها»، وختم حديثه قائلاً: «لن تسمح واشنطن لجهة مسلحة مرتبطة بإيران بالهجوم والسيطرة على أراضٍ تحكمها (قسد)، وفعّلت ذلك بتحليق طيرانها الحربي، وستصدّ أي هجمات قادمة من مناطق دمشق، لأنهم يدركون خطورة النفوذ الإيراني هناك».


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الجانب العراقي من المعبر الحدودي بين القائم في العراق والبوكمال في سوريا (أ.ف.ب)

4 مُسيَّرات مصدرها العراق استهدفت قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا

أفاد مصدر عسكري سوري، الثلاثاء، بأن طائرات مُسيَّرة مصدرها العراق استهدفت منطقة قاعدة قسرك، التي كانت تستضيف قوات أميركية في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق – بغداد)
أفريقيا متمردون كونغوليون يحملون أسلحتهم في أثناء قيامهم بدورية بالقرب من روشورو في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز - أرشيفية)

43 قتيلاً في هجوم لمتمردين مرتبطين ﺑ«داعش» في الكونغو الديمقراطية

قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أوروبا اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بداوننغ ستريت بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
TT

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)

سرعان ما استباحت إسرائيل دماء اللبنانيين في يوم دموي غير مسبوق شهده لبنان لإسقاط تعهد إيران بشموله بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة الأميركية على وقف النار لمدة 15 يوماً، على أن يتلازم مع إعادة فتحها مضيق هرمز أمام ناقلات النفط من دون أن ترد حتى الساعة على العدوان الإسرائيلي، مما شكَّل إحراجاً لها، بخلاف ما كان قد أبلغه وزير خارجيتها عباس عراقجي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ولقيادة «حزب الله» بأن توصلها لاتفاق سينسحب تلقائياً على الداخل اللبناني، وإلا فلن يلقى تأييداً منها.

في المقابل، فإن لبنان الرسمي، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، هو أول من رحب بالاتفاق وطالب بأن تشمل الهدنة لبنان، على أن تتولى الحكومة التفاوض مع إسرائيل، وهذا ما يدعوه للتحرك دولياً وعربياً لأن يكون مشمولاً بها وألا تُعطى الورقة اللبنانية لإيران للإنابة عنه للتفاوض على وقف النار، خصوصاً أنه دفع تكلفة غالية على كل المستويات من جراء فرض سطوتها على القرار اللبناني من خلال «حزب الله».

وعليه فإيران التي تتحضر لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما للدفاع عن تعهدها بشمول لبنان بالهدنة؛ إما أن تضغط عليها لإلزامها به وإما أن تهدد بالانسحاب من المفاوضات مع إعادة إغلاقها مضيق هرمز، وإلا ماذا ستقول لـ«حزب الله»؟ وكيف ستتعاطى مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان ليس مشمولاً بوقف النار، ومع تمادي رئيس وزراء إسرائيل في عدوانه بإغراق بيروت في بحر من الدماء لتمرير رسالة بأنه ليس معنياً بشمول لبنان بوقف النار.

البنود خاضعة للتفاوض

في هذا السياق، قال المصدر إنه يخشى أن يكون ترمب قد استدرج إيران إلى ملعبه لضرب مصداقيتها أمام «حزب الله» الذي أخّر رده على الاجتياح الجوي الإسرائيلي لبيروت التزاماً منه بوقف النار، وكشف عن أن القيادة الإيرانية أخطأت في قراءتها للموقف الأميركي من زاوية أن لبنان مشمول بالهدنة بخلاف ما حمله الميدان من رسائل دموية نفّذها الطيران الإسرائيلي.

من مراسم تشييع صحافية لبنانية قُتلت بغارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن إيران توصلت مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، إلى اتفاق إطار هو بمنزلة إعلان نيات لبدء المفاوضات، يقع في بندين متلازمين: وقف النار، وفتح مضيق هرمز. وأكد أنها ذهبت بعيداً في تفسيرها لما تم التفاهم عليه، وربما أخطأت في تقديرها بشموله لبنان.

وأضاف المصدر أن جميع البنود، ما عدا هذين البندين، تبقى خاضعة للتفاوض، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة لإيداع الورقة اللبنانية في عهدة إيران، بخلاف إصرارها على إنهاء أذرعها في المنطقة وأولها «حزب الله»، وإلا لماذا تدرج نزع سلاحه كأولوية على جدول أعمال اللقاءات بين واشنطن وبيروت؟ وهذا ما يفسر رفضها التفاوض مع طهران بكل ما يمتّ بصلة إلى الشأن اللبناني بالإنابة عن الحكومة.

انكفاء إيران

وأكد أن طمأنة إيران لمحور الممانعة في الإقليم بأن موقعه محفوظ في حال تم التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة ليس في محله، وأن ما أبلغته لبري و«حزب الله» يبقى غير قابل للصرف سياسياً، وهو بمنزلة شيك مصرفي بلا رصيد. وقال إن الإدارة الأميركية ليست في وارد القفز فوق الحكومة وإلغاء دورها بتعاطيها مباشرةً مع إيران كأنها تنوب عن اللبنانيين بتقرير مصيرهم، فيما أخذت تتراجع في الإقليم وباتت مضطرة للانكفاء إلى الداخل للدفاع عن نظامها. وتابع بأن واشنطن وإن كانت لديها ملاحظات على أداء الحكومة لجهة ترددها في تطبيق خطة حصرية السلاح بيد الدولة، فهي في المقابل لم تُدِر ظهرها لها ولم تستعِض عنها بتعويم الدور الإيراني في لبنان. مؤكداً أن الأخيرة أخذت تتصرف بشمولها لبنان بالهدنة كأن الاتفاق حاصل، بدلاً من أن تكفّ عن حرق المراحل والتريث ريثما تنطلق مفاوضاتها مع الولايات المتحدة للتأكد مما إذا كانت ستتعثر في منتصف الطريق أم ستبلغ الأهداف المرجوة منها.

ورأى المصدر أن شمول لبنان بالهدنة يعني حكماً أن «حزب الله» استعاد قواعد الاشتباك التي انتزعتها منه إسرائيل بعد الضربات التي أصابته بإسناده لغزة وإيران. وسأل: لنفترض أنه مشمول بالهدنة، فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة توافق على احتفاظه بسلاحه بخلاف إصرار إسرائيل وبغطاء أميركي على نزعه، ما لم يسلّمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، بدلاً من أن يبقى خاضعاً لمفاوضات تتولاها إيران بتفويض منه بالإنابة عن الحكومة التي قال رئيسها نواف سلام كلمته في هذا الخصوص، رافضاً تفويضها؟

كما سأل: إذا كانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا إلى هدنة مؤقتة فهل يمكن أن تصبح دائمة ما لم يتوصلا إلى اتفاق متكامل ينزع فتيل التفجير ويُدخل البلدين في تطبيع للعلاقات على قاعدة إنهاء الحرب، وهذا ما يفتقر إليه شمول لبنان بالهدنة في غياب أي تفاوض مع إسرائيل للتفاهم على آليتها؟ وبالتالي فإن ما تعهدت به طهران ما هو إلا خطوة دعائية لأن سلاح الحزب سيدرَج على جدول أعمال المفاوضات في إسلام آباد.

إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً

وأكد أن إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً، ما دامت إسرائيل ردت عليها بالنار ووسّعت عدوانها باستهداف المدنيين لتأليبهم على الحزب، فيما لم تتردد الإدارة الأميركية على المستويات كافة، بدءاً بترمب، في إعلان أن لبنان ليس مشمولاً بالهدنة، بخلاف ما تبلَّغه بري والحزب من القيادة الإيرانية. وقال لم يعد من خيار أمام الحزب للخروج من حالة الإرباك التي تسود حاضنته الشعبية ولا تعبّر عن المزاج الشيعي العام، سوى انخراطه في مشروع الدولة وتفويضه الحكومة، بالتفاهم مع بري، للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تأييداً للمبادرة التي كان قد أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وقوبلت بدعم دولي وعربي باستثناء إسرائيل التي أوكلت إليها الولايات المتحدة اتخاذ ما تراه مناسباً، وهذا يكمن وراء عدم استعدادها للتفاوض، لأن من أولوياتها استئصال جناحه العسكري ونزع سلاحه.

إيرانية تحمل علم «حزب الله» في طهران خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي (أ.ب)

فخيارات الحزب القتالية أخذت تضيق، ومن حق اللبنانيين، حسب المصدر وبعيداً عن الشعبوية، التوجه بسؤال إلى أمينه العام نعيم قاسم: ألم يحن الأوان ليقرر اليوم قبل الغد إسناده للبنان بعد إسناده لغزة وإيران بموقف منفرد من دون التشاور مع الحكومة التي يعود لها وحدها قرار الحرب والسلم، والذي رتّب على البلد تكاليف مادية وبشرية لا تقدّر بثمن، وكان حريّاً به قبل أن يقرر إسناده لإيران، انتقاماً لاغتيال إسرائيل مرشدها الأعلى علي خامنئي، وربطاً لوحدة المسار والمصير بين الحزب وطهران، أن يراجع حساباته لتفادي سوء التقدير لرد فعل إسرائيل الذي أوقعه في حرب كان في غنى عنها؟

ورأى المصدر أن الفرصة متاحة أمام قاسم للتكيف مع المتغيّرات في الإقليم والتحوّلات التي شهدها لبنان ليبادر إلى لبننة مواقفه على نحو يعبّد الطريق أمام إنقاذ البلد بدلاً من إقحامه، كالعادة، في خيارات غير مدروسة آخرها إسناده لإيران.

لذلك فإن موافقة واشنطن، وعبرها إسرائيل، على طلب إيران شمول لبنان بالهدنة، يعني حكماً أنه ينمّ عن رغبتها، ولا يعكس ميزان القوى في الداخل والمنطقة، ويشكل التفافاً على المفاوضات في إسلام آباد قبل أن تبدأ، والتي لن تؤدي، مهما كانت الاعتبارات، إلى منح إيران «جائزة ترضية» تسمح لها بالتفاوض بالإنابة عن لبنان، فيما المطلوب من العهد والحكومة الخروج من حالة التردد وحسم أمرهما بدءاً بالقيام بحملة عربية دولية تأييداً لموقف لبنان لوقف النار وعدم ربط مصيره بإيران تمهيداً لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على أن يبادر «الثنائي الشيعي» إلى تنعيم موقفه بدعمه مبادرة عون.


نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، ورحّب بدعوة من رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى نزع السلاح في بيروت.

وبينما ترددت معلومات متناقضة عن موعد المفاوضات ومكانها، قال مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لم يتبلغ أي شيء في هذا الخصوص، وإن موعد المفاوضات ومكانها لم يُحدَّدا بعد. وأكد المصدر أن الوفد اللبناني سيكون مصغراً برئاسة السفير سيمون كرم، ولن يضم شيعياً بناءً على طلب من رئيس البرلمان نبيه بري الذي رفض في وقت سابق تسمية عضو شيعي للوفد المفاوض.

وقال نتنياهو، كما نقل عنه مكتبه: «إثر طلبات لبنان المتكررة للبدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أعطيت توجيهاتي أمس (الأربعاء) لخوض مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن». وأوضح أن «المفاوضات ستتناول نزع سلاح (حزب الله) وإقامة علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان».

وبينما نقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر إسرائيلي قوله إن «سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحئيل لايتر سيقود المفاوضات المتعلقة بلبنان»، نقل «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان وأن المفاوضات ستبدأ في الأيام المقبلة.

كانت قناة «إن بي سي» قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن «ترمب طلب من نتنياهو تخفيف القصف في لبنان للمساعدة في إنجاح المفاوضات مع إيران».

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون أمام السراي الحكومي ضد قرار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام نزع السلاح من بيروت (أ.ف.ب)

يأتي تصريح نتنياهو بعد اتصالات جرت الأربعاء، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف. وستبدأ المفاوضات مع الحكومة اللبنانية خلال الأيام المقبلة.


الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)

توغّل الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى، في وسط مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني، حيث اندلعت اشتباكات «من مسافة صفر» بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله»، على وقع مجازر وقعت في أكثر من موقع في الجنوب وبيروت والبقاع في شرق لبنان، جراء ضربات استهدفت مواقع مدنية.

وتعدّ مدينة بنت جبيل عقدة مواصلات، وتتمتع بأهمية استراتيجية ومعنوية، وكانت القوات الإسرائيلية تتحضر لهذه المعركة منذ أسبوعين على الأقل، حين أحرزت تقدماً من أكثر من محور باتجاه المدينة، قبل أن تتوغل فيها بدءاً من الخميس.

طفلة ناجية من استهداف إسرائيلي لمنطقة حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

وقالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات المستقاة من المعركة أن التوغل في المدينة تم على ثلاثة محاور، هي المحور الجنوبي من جهة عين إبل، والمحور الشرقي من جهة مارون الراس ويارون، والمحور الشمالي من جهة عيترون وعيناثا. وأشارت المصادر إلى أن الخط الوحيد إلى المدينة لا يزال من منطقة صف الهوا – كونين التي تتعرض لحصار ناري وقصف جوي ومدفعي كثيف.

وبدأ التوغل بعد وصول القوات الإسرائيلية إلى مثلث عيناتا – عيترون – بنت جبيل يوم الثلاثاء، وتقدمت القوات من جهة مهنية بنت جبيل باتجاه وسطها الخميس. وقالت وسائل إعلام ناطقة باسم «حزب الله» إن «قوات العدو عمدت منذ يوم الأربعاء إلى تحريك جرافات مسيّرة باتجاه المدينة من أجل محاولة كشف أساليب المقاومة القتالية».

وتحدثت المصادر الأمنية عن أن مقاتلي «حزب الله» في المدينة، لا يزالوا يتمركزون في جيوب قتالية ويقاتلون ضمن مجموعات صغيرة، وحاولوا وقف التقدم عبر استهداف الجرافات والدبابات، إلى جانب إسناد ناري بالقذائف الصاروخية من أكثر من محور. وقالت إن المقاتلين في وسط المدينة، «يشتبكون مع القوات الإسرائيلية التي دخلت إلى المدينة». وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية نسفت مبنى يقع فيه فرع لمصرف لبناني على أطراف المدينة.

الدمار الناتج عن استهداف مجمع الزهراء الديني في مدينة صيدا بغارات إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب)

وذكرت قناة «المنار» الناطقة باسم الحزب أن الاشتباكات تتواصل في محلتي صف الهوا ومحيط مجمع موسى عباس بالأسلحة الرشاشة والصاروخية، لافتة إلى «استهداف نقاط تجمع وتموضع العدو في محيط المدينة بالأسلحة الصاروخية والمدفعية».

وأفاد الحزب في بيان بعد ظهر الخميس بأن مقاتليه «يخوضون اشتباكات من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة مع قوّة إسرائيليّة مؤلّلة حاولت التقدّم باتجاه سوق مدينة بنت جبيل».

ويُنظر إلى هذه المعركة على أنها «مصيرية» بالنظر إلى أن القوات الإسرائيلية، لم تستطع دخول المدينة في الحرب الماضية في 2024. وجاءت في أعقاب أكثر من 100 غارة إسرائيلية استهدفت بيروت والضاحية الجنوبية، يوم الأربعاء، وأسفرت عن سقوط أكثر من 250 قتيلاً.

وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخميس على أن إسرائيل ستواصل ضرب «حزب الله» المدعوم من إيران «حيثما لزم الأمر»، وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»: «نحن نواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وتصميم». وأضاف: «رسالتنا واضحة: أي شخص يتحرك ضد المدنيين الإسرائيليين، سنضربه. سنواصل استهداف (حزب الله) حيثما لزم الأمر، حتى نعيد الأمن بشكل كامل إلى سكان الشمال» في إسرائيل.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه يواصل عملياته البرية في لبنان حيث دخل في مواجهة مع «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) المنصرم. وفي بيان منفصل أكد الجيش أنه نفذ ليلاً غارات استهدف فيها «معبرين رئيسيين يستخدمهما عناصر وقادة (حزب الله) للتنقل من شمال نهر الليطاني إلى جنوبه في لبنان لنقل آلاف الأسلحة والصواريخ ومنصات الإطلاق». وأضاف أنه استهدف أيضاً «نحو عشر منشآت لتخزين الأسلحة ومنصات إطلاق ومراكز قيادة» تابعة للتنظيم اللبناني.

من جانبه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تصريح مصور بثه مكتبه إن «أكثر من 200 إرهابي تمّت تصفيتهم أمس» في لبنان. وأضاف كاتس أن «منظمة (حزب الله) الإرهابية تتوسّل وقفاً لإطلاق النار، فيما يمارس رعاتها الإيرانيون الضغوط ويطلقون التهديدات خوفاً من أن تسحق إسرائيل (حزب الله) تماماً».

إلى ذلك، واصلت فرق الإسعاف والدفاع المدني البحث عن ناجين وسحب المصابين من تحت أنقاض عدة منازل في بيروت والضاحية والجنوب وشرق لبنان. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن «عائلات بأكملها» قتلت في الغارات العنيفة يوم الأربعاء، وأن عدة مجازر تم توثيقها في بيروت والضاحية والجنوب، إضافة إلى مقتل العشرات في شمسطار في شرق لبنان، جراء استهداف مراسم دفن.

وفي تصعيد موازٍ، وسّعت إسرائيل أوامر الإخلاء لتشمل مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأمرت سكان حي الجناح بمغادرة منازلهم فوراً، كذلك سكان الأوزاعي وحي السلم، مما أدى إلى موجة جديدة من نزوح آلاف الأشخاص غصت بها طرقات العاصمة. وشملت الأوامر أيضاً مناطق قرب مطار بيروت وملعب كميل شمعون، أكبر ملاعب لبنان، والذي تحول الآن إلى مأوى نازحين.