هاجس الحرب يسكن اللبنانيين... تهافت لتخزين المواد الغذائية والأدوية والمحروقات

الاحتكار بدأ يطال بعض البضائع وحليب الأطفال

موظفون في مطار بيروت يفرغون المساعدات الطبية الطارئة المقدمة من منظمة الصحة العالمية (أ.ب)
موظفون في مطار بيروت يفرغون المساعدات الطبية الطارئة المقدمة من منظمة الصحة العالمية (أ.ب)
TT

هاجس الحرب يسكن اللبنانيين... تهافت لتخزين المواد الغذائية والأدوية والمحروقات

موظفون في مطار بيروت يفرغون المساعدات الطبية الطارئة المقدمة من منظمة الصحة العالمية (أ.ب)
موظفون في مطار بيروت يفرغون المساعدات الطبية الطارئة المقدمة من منظمة الصحة العالمية (أ.ب)

يعيش اللبنانيون هاجس الحرب وإمكان اندلاعها بين ساعة وأخرى، ولا يقتصر خوفهم على أمنهم الشخصي، بل يسكنهم هاجس الأمن الغذائي والدوائي والاستشفائي، وفقدان المحروقات، ما قد يمنعهم من التنقل من منطقة إلى أخرى. وعلى رغم تطمينات الوزارات المختصة والنقابات عن توفّر هذه السلع لبضعة أشهر، بدأ الناس يتلمّسون فقدان بعضها الضروري أو تراجع الكميات إلى حدّ كبير، لا سيما حليب الأطفال وأدوية الأمراض المزمنة والمستعصية، جرّاء التهافت على شرائها وتخزينها في المنازل من جهة، واحتكار بعض التجار من أجل بيعها بالسوق السوداء وتحقيق أرباح مضاعفة من جهة أخرى.

وأثار تدافع المواطنين على شراء الأغذية والأدوية وحتى المحروقات مخاوف من نفاد الكميات، إلّا أن رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان الوزير السابق محمد شقير، أوضح أن «الأسواق اللبنانية لديها كميّات من المواد الغذائية تكفي ما بين 3 و6 أشهر، بالإضافة إلى توفر مخزون من الطحين يؤمن استمرار عمل الأفران لثلاثة أشهر، وهي المدة القصوى لتحزين هذه المادة». وأكد شقير لـ«الشرق الأوسط» أن «تهافت الناس على تخزين المواد الغذائية والأدوية وعمليات التموين العشوائي، يخلق حالة من البلبلة لدى الناس، ويتسبب بتقليص المخزون الاحتياطي الموجود في المستودعات».

وتبدو «فوبيا الحرب» مبررة لدى اللبنانيين، الذين لم تغب عن بالهم حرب 2006؛ إذ إنه خلال يوم واحد، قصفت إسرائيل مطار بيروت الدولي ووضعته خارج الخدمة، وفرضت حصاراً مشدداً على الموانئ البحرية. ورأى الوزير السابق محمد شقير أن «الخوف الأكبر يكمن في انقطاع المحروقات». وقال: «صحيح أن مادتي البنزين والمازوت متوفرتان لثلاثة أشهر، وليس باستطاعة خزانات الوقود احتواء أكثر من هذه الكمية، لكنّ انقطاع المحروقات سيؤدي حكماً إلى توقف المعامل وصعوبة في انتقال الناس بين منطقة وأخرى».

شاحنات محملة بالمساعدات الطبية المقدمة من منظمة الصحة العالمية إلى لبنان في إطار رفع الجهوزية لمواجهة الحرب المحتملة (أ.ب)

ولم يخف رئيس الهيئات الاقتصادية «وجود خوف من وقوع الحرب؛ لأن مقومات الصمود التي كانت متوفرة في عام 2006 غير مؤمنة حالياً»، لافتاً إلى أنه «خلال حرب تموز 2006 كان الشريان البري مع سوريا مفتوحاً، وطرق الإمداد والاستيراد عبرها قللت من حجم الأزمة، أما اليوم فلا يمكن شحن بضائع عبر الموانئ السورية ونقلها إلى لبنان بسبب العقوبات الدولية دمشق، كما أنه لا توجد مصارف فاعلة في لبنان لتحويل الأموال إلى الخارج واستيراد البضائع، من هنا يعمد المستوردون إلى شراء البضائع بالعملة نقداً، ما يصعّب عليهم شراء واستيراد كميات كبيرة».

ووزع مواطنون صوراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر رفوف وواجهات بعض السوبر ماركت خالية تماماً من البضائع، ورأى رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني البحصلي، أن «البلبلة القائمة وتهافت الناس على السوبر ماركت مبالغ فيهما؛ أقلّه حتى الآن، في ظلّ توفر ما يكفي من مخزون في المستودعات». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «مستودعات الطحين فيها ما يكفي لشهرين على الأقل، ولا مشكلة إطلاقاً في المواد الغذائية الموجودة الآن بوفرة سواء في المستودعات أو السوبر ماركت»، لكنه أفاد بأن «المشكلة قد تقع في حال اندلاع الحرب وقطع الطرقات وصعوبة نقل البضائع من المستودعات الرئيسية الموجودة في محيط العاصمة بيروت وتسليمها إلى التجار والسوبر ماركت في المناطق»، مذكراً بأنه «خلال حرب تموز 2006، تعمدت إسرائيل قصف أغلب الشاحنات التي تعبر الطرق الرئيسية (بذريعة أنها تنقل أسلحة وصواريخ لـ«حزب الله»)، وثمة خشية من تكرار السيناريو نفسه اليوم».

وتحسباً للتصعيد المحتمل وإمكان نشوب حربٍ، تسلّم وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال، فراس الأبيض، شحنة مساعدات طارئة، عبر طائرة تشارتر وصلت صباحاً إلى مدرج الشّحن التّابع لشركة «طيران الشّرق الأوسط» في مطار بيروت الدولي، مقدّمة من «منظمة الصحة العالمية» تزن 32 طنّاً من المستلزمات الطبية والأدوية المخصّصة لمعالجة إصابات الحرب، وذلك لرفع جهوزيّة القطاع الصحي لمواجهة أي تصعيد محتمَل في العدوان الإسرائيلي على لبنان.

وخلال تسلمه شحنة الأدوية، جدد الأبيض موقف الحكومة اللبنانية بأنّ «لبنان لا يريد أي حرب». وقال: «نحن نطالب منذ اليوم الأوّل بوقف إطلاق للنّار يمتد من غزة إلى لبنان وجنوبه، ولكن في الوقت نفسه نرى الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي تحدث يوميّاً ليس فقط في غزة، إنّما في لبنان وغيره في المنطقة»، مشدداً على أن «القطاع الصحي لا يمكنه إلّا أن يكون على أكبر قدر من الجهوزيّة في حال حدوث أي طارئ، لذلك كانت الإجراءات وخطّة الطّوارئ الصحيّة الّتي وضعتها وزارة الصحة العامة بالتّعاون مع شركائنا وبخاصّة منظّمة الصحّة العالميّة»، مشيراً إلى أن الوزارة «رفعت جهوزيّة كلّ المستشفيات وكلّ مؤسسات القطاع الصحي في لبنان، وذلك عبر استقدام المساعدات والتّجهيزات اللاّزمة حتّى تكون موجودة في كل المستشفيات».

المساعدات الدولية لوزارة الصحة لا تلغي مخاوف المواطنين من فقدان الأدوية وحليب الأطفال في الصيدليات، لا سيما أن الدولة لا تملك إمكانية تأمينها وإيصالها للمرضى في حال وقعت الحرب، وكشفت المواطنة رانيا طه لـ«الشرق الأوسط»، أنها عجزت عن «شراء عبوة حليب لطفلها خلال اليومين الماضيين». وأوضحت أنها «جالت على 10 صيدليات ولم تعثر فيها على الحليب الذي تعطيه لطفلها، ولا أي نوع آخر شبيه له، معتبرة أن هذا الوضع مقلق لها ولكلّ الأمهات اللواتي يعانين الوضع نفسه».

شاب يعبر في وسط مدينة بيروت (أ.ف.ب)

ورغم صعوبة الحصول على حليب الأطفال في الأيام الأخيرة، نفى نقيب مستوردي الأدوية في لبنان، جو غريّب، وجود نقص في الأدوية والحليب، وأكد أن «المخزون المكدّس في المستودعات يكفي ما بين أربعة وخمسة أشهر لحاجة المستشفيات والصيدليات». لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التهافت على الصيدليات لشراء كميات كبيرة من الأدوية والحليب من قبل المقتدرين، يحرم غير المقتدرين من أدويتهم، وبدأ يشعر المواطن بأن هذه السلعة مفقودة»، مشدداً على أن «الخوف الحقيقي يبدأ في حال فرض حصار برّي وجوي على لبنان يحول دون استيراد الأدوية خلال فترة الحرب». وكشف غريّب أن نقابة مستوردي الأدوية «وضعت المخزون المتوفر لديها تحت إشراف وزارة الصحة، لتلبية حاجة المرضى خصوصاً مرضى السرطان من الأدوية».


مقالات ذات صلة

رئيس لبنان: سنواصل تطبيق قرار حصر السلاح... وسياسة المحاور «هلكتنا»

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع تلفزيون لبنان (الرئاسة اللبنانية عبر منصة «إكس»)

رئيس لبنان: سنواصل تطبيق قرار حصر السلاح... وسياسة المحاور «هلكتنا»

قال الرئيس اللبناني، جوزيف عون، إن مبدأ حصرية السلاح مذكور في اتفاق الطائف، وهو مطلب داخلي، وليس إرضاءً للخارج، مؤكداً: «ومن أسس بناء الدولة حصرية السلاح».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نيران تتصاعد جراء غارات إسرائيلية تلت إنذاراً بإخلاء بقعة جغرافية واسعة في بلدة كفرحتي بجنوب لبنان (متداولة)

عشرات الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

استبق الجيش الإسرائيلي خطاب الرئيس اللبناني، جوزيف عون، في ذكرى مرور سنة على انتخابه رئيساً للجمهورية، بتصعيد ميداني لافت، تمثل في عشرات الغارات الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)

اعتقال مادورو يفتح ملفات «حزب الله» المالية في فنزويلا

يطرح ما شهدته فنزويلا أخيراً، من تطورات سياسية وأمنية، أسئلة مباشرة بشأن انعكاساته المحتملة على «حزب الله» في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

اضطر عراقجي إلى إعادة 4 حقائب يد، كانت بحوزته والفريق المرافق له، إلى الطائرة التي أقلته من طهران إلى بيروت، على خلفية رفضه إخضاعها للتفتيش لتبيان ما بداخلها.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جنود حفظ السلام التابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بدوريات في مركبات برفقة جنود لبنانيين في منطقة بويضة بمحافظة مرجعيون، قرب الحدود مع إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تشن أكثر من 25 غارة على جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي الأحد، أنه يشن هجوماً على بنى تحتية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

رئيس لبنان: سنواصل تطبيق قرار حصر السلاح... وسياسة المحاور «هلكتنا»

الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع تلفزيون لبنان (الرئاسة اللبنانية عبر منصة «إكس»)
الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع تلفزيون لبنان (الرئاسة اللبنانية عبر منصة «إكس»)
TT

رئيس لبنان: سنواصل تطبيق قرار حصر السلاح... وسياسة المحاور «هلكتنا»

الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع تلفزيون لبنان (الرئاسة اللبنانية عبر منصة «إكس»)
الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع تلفزيون لبنان (الرئاسة اللبنانية عبر منصة «إكس»)

قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الأحد)، إن مبدأ حصرية السلاح مذكور في اتفاق الطائف، وهو مطلب داخلي، وليس إرضاءً للخارج، مؤكداً: «ومن أسس بناء الدولة حصرية السلاح وقرار السلم والحرب».

وأضاف عون، في مقابلة مع تلفزيون لبنان، أن قرار حصرية السلاح اتخذ في مجلس الوزراء، والجيش يقوم بالتنفيذ. وتابع: «قائد الجيش أعلن منذ يومين استكمال السيطرة العملانية للجيش على منطقة جنوب الليطاني. نحن لم ننتهِ من الأمر. من الطبيعي أننا سنواصل تطبيق قرار حصرية السلاح بحقّ المجموعات المسلحة كافة، حيث لا يجب أن ننسى الفلسطينيين في الجنوب. لقد تم سحب السلاح من مخيمات عدة، والأمور تتم متابعتها».

ورأى الرئيس اللبناني أن الجيش ينفذ مهمته في تطبيق حصرية السلاح «وفق ظروفه هو، وظروف الطقس، من دون أن ننسى أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال موجوداً، والاعتداءات الإسرائيلية لا تزال قائمة. من هنا، فإن وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من شأنهما المساعدة أكثر فأكثر في تسريع الأمر».

وأشار عون أن «هذا السلاح انتفى دوره». واستطرد: «وبقاؤه صار عبئاً على بيئته وعلى لبنان كله. فلنتعقل ولنكن واقعيين، ولنقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا. أريد أن أقول للطرف الآخر: آن الأوان لكي تتعقلوا».

ولفت النظر إلى أن الجيش اللبناني ومديرية المخابرات والأجهزة الأمنية داهمت مخيمات في الهرمل، وأماكن وجود سوريين في منطقة الشمال، ولم يتبين وجود أي أمر مما قيل عن وجود ضباط من نظام الأسد في لبنان. وتابع قائلاً: «هناك لاجئون، وبعض العناصر عسكريون علويون، وضباط من رتب صغرى، نعم. تم تفتيشهم، وتوقيفهم، والتحقيق معهم، حتى تفتيش هواتفهم، فلم يتبيّن أي ارتباط لهم بأي أمر بشكل مطلق».

وشدّد الرئيس اللبناني: «لقد تعبنا من سياسة المحاور التي (هلكتنا). ولقد اتّخذ القرار بألا يكون لبنان منصة تهدد استقرار أي دولة أخرى. لقد تعب لبنان من سياسة المحاور ودفع ثمناً كبيراً نتيجة هذه السياسة».


خبير سوري: إخراج مقاتلي «قسد» من حلب يستند إلى «خريطة طريق منبج» عام 2018

حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب السبت الماضي (إ.ب.أ)
حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب السبت الماضي (إ.ب.أ)
TT

خبير سوري: إخراج مقاتلي «قسد» من حلب يستند إلى «خريطة طريق منبج» عام 2018

حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب السبت الماضي (إ.ب.أ)
حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب السبت الماضي (إ.ب.أ)

بعد انتهاء خروج الحافلات التي تُقلّ آخر دفعة من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» من حلب نحو شمال شرقي سوريا، أطلقت الحكومة جهودها لبسط الأمن وإعادة الحياة إلى حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية. وقال قائد تلك «القوات»، مظلوم عبدي، في منشور على منصة «إكس»، إنه «جرى التوصل من خلال الوساطة الدولية إلى تفاهم أدى إلى وقف إطلاق النار».

فهل جرت «عملية حلب» باتفاق دولي، أم على الأقل برضا الدول الضامنة؛ الولايات المتحدة وتركيا والأوروبيين... إلخ؟

انفجار سيارة مفخخة قرب موقع للفصائل الموالية لتركيا في منبج خلال فبراير الماضي (إكس)

يقول خبير الشؤون السياسية السوري، رياض الحسن، إن العملية الأخيرة في حلب، التي أخرجت مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية»، تستند إلى «خريطة طريق منبج» التي اتُّفق عليها بين وزيري الخارجية الأسبقين؛ التركي مولود جاويش أوغلو، والأميركي مايك بومبيو، في يونيو (حزيران) 2018؛ أي في فترة رئاسة ترمب الأولى.

مقاتلو الفصائل ينقلون دبابة تركها عناصر «قسد» في بلدة تل رفعت شمال سوريا خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وأوضح الحسن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاق في حينه تضمن إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لـ«قسد»، وقد تحدث عنه في حينه مسؤولون بالخارجية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بعد إقراره، وأعلنوا أن «الخريطة» تفي بالالتزام الذي قطعته الولايات المتحدة لحليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)»؛ تركيا، لنقل «وحدات حماية الشعب» إلى شرق الفرات، مشيراً إلى أنه «من هذا المنطلق، كانت التصريحات الأميركية الأخيرة تصب بمضمونها في دعم الحكومة السورية خلال عمليتها في حلب».

وتستند العملية أيضاً إلى الاتفاق الروسي - التركي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، الذي يقضي بإخراج جميع عناصر «وحدات حماية الشعب (واي بي جي - YPG)» وأسلحتهم من منبج وتل رفعت؛ الواقعتين في ريف محافظة حلب. وهذا يفسر غياب أي تصريح روسي يعترض على العملية.

شرق وغرب الفرات

ويتابع الباحث رياض الحسن، الذي تتركّز اهتماماته على قضايا المسارات السياسية وأطرافها في سوريا، أن «الموضوع شرق الفرات يختلف عن غربه، أولاً في وجود (اتفاق 10 مارس/ آذار 2025) الذي لا يزال هناك دعم أميركي لتطبيقه. وثانياً في تأثير أي عملية عسكرية بين الحكومة السورية و(قسد) على جهود (التحالف الدولي ضد داعش) لمكافحة الإرهاب، ووجود سجون مقاتلي التنظيم ومخيمات عوائلهم؛ لذا ستعمل الولايات المتحدة على الضغط على (قسد) بشكل جدي لتطبيق الاتفاق».

سيارة إسعاف مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد أيام من الاشتباكات مع عناصر «قسد» (د.ب.أ)

ويذهب الباحث الأول في «مركز جسور للدراسات» بدمشق إلى أن «قسد» و«إن كانت ستستجيب للضغوط الأميركية، لكن من المتوقع أن تمتنع المجموعات المتشددة فيها والمرتبطة بـ(حزب العمال الكردستاني - بي كي كي PKK) عن تسليم مجمل المنطقة شمال شرقي سوريا للحكومة، لتعمل على الاحتفاظ بمنطقة حدودية على المثلث السوري - العراقي - التركي لتتابع منه ما تسميه (الكفاح المسلح)، على غرار ما فعلته في العقود الأخيرة بتركيا».

وزيرا خارجية الأردن وسوريا والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي بدمشق أعلنت فيه «خريطة طريق السويداء» في سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

أما على صعيد الجنوب، فيقول الحسن إنه «سيكون هناك عمل حثيث بدأت بوادره بتصريحات المبعوث الأميركي توماس برّاك، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، للمضي في تطبيق (اتفاق خريطة السويداء)؛ لذا، فمن المتوقع هنا أن تتمهل الحكومة السورية؛ لإعطاء الفرصة لنجاح الضغوط الأميركية القادمة على (الزعيم الدرزي حكمت) الهجري ومجموعته، للقبول بـ(الخريطة)».

أما على صعيد الساحل، فالمواجهات العسكرية مع فلول النظام لم تتوقف، لكن دون الإعلان التفصيلي عنها، حيث عملت على نقل المواجهات خارج المدن إلى الجبال؛ حيث يتحصن هؤلاء الفلول؛ «حرصاً على المدنيين ولعدم تكرار ما حدث في مارس 2025».


عشرات الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

نيران تتصاعد جراء غارات إسرائيلية تلت إنذاراً بإخلاء بقعة جغرافية واسعة في بلدة كفرحتي بجنوب لبنان (متداولة)
نيران تتصاعد جراء غارات إسرائيلية تلت إنذاراً بإخلاء بقعة جغرافية واسعة في بلدة كفرحتي بجنوب لبنان (متداولة)
TT

عشرات الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

نيران تتصاعد جراء غارات إسرائيلية تلت إنذاراً بإخلاء بقعة جغرافية واسعة في بلدة كفرحتي بجنوب لبنان (متداولة)
نيران تتصاعد جراء غارات إسرائيلية تلت إنذاراً بإخلاء بقعة جغرافية واسعة في بلدة كفرحتي بجنوب لبنان (متداولة)

استبق الجيش الإسرائيلي خطاب الرئيس اللبناني، جوزيف عون، في ذكرى مرور سنة على انتخابه رئيساً للجمهورية، بتصعيد ميداني لافت، تمثل في عشرات الغارات الجوية التي استهدفت منطقة شمال الليطاني في جنوب لبنان، وإصدار إنذار إخلاء لحيّ كامل في بلدة كفرحتّي، يوجد فيه نحو 10 أبنية.

وجاء التصعيد الإسرائيلي في ظل تهديدات إسرائيلية بتوجيه ضربة إلى إيران، وهجوم مسبق ضد «حزب الله» في لبنان، رغم أن الهجمات المركزة ضد «الحزب» مستمرة كالمعتاد، وفق ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية.

33 غارة

وبدأ الجيش الإسرائيلي موجة التصعيد بغارات مكثفة طالت أودية ومناطق غير مأهولة من محيط قرى جزين، إلى محيط قرى النبطية في شمال الليطاني جنوب لبنان. وتحدثت وسائل إعلام محلية عن استهدافات طالت قرى ومناطق بصليا وسنيا والمحمودية وبرغز ومرتفعات الريحان وأطراف بلدة جباع، بنحو 33 غارة جوية.

دخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة القطراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، بعد الظهر، إن قواته هاجمت فتحات أنفاق لتخزين «وسائل قتالية» داخل مواقع عسكرية تابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، وقال: «استهدفنا 6 أنفاق تابعة لـ(حزب الله) جنوب لبنان بـ25 صاروخاً». وأضاف أنه جرى رصد أنشطة من «حزب الله» داخل هذه المواقع خلال الأشهر الماضية؛ «بما يشكل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان».

ولم تمضِ دقائق على الغارات، حتى أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً لسكان بقعة جغرافية واسعة تحتوي مباني محددة في قرية كفرحتي جنوب لبنان، طالباً إخلاءها «فوراً»، قبل استهداف مواقع لـ«حزب الله» في المنطقة. وقال أردعي عبر منصة «إكس»: «إنذار عاجل إلى سكان كفرحتّي بجنوب لبنان... توجدون بالقرب من مجمع يستخدمه (حزب الله). فمن أجل سلامتكم، أنتم مضطرون لإخلائها فوراً والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 300 متر». وأضاف أنه «سيهاجم (المباني)... وذلك للتعامل مع المحاولات المحظورة التي يقوم بها (حزب الله) لإعادة بناء أنشطته».

والمكان المستهدف بالإنذار هو مجمع سكني كبير يضم ما لا يقل عن 10 مبانٍ. وإثر الإنذار الإسرائيلي، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن أهالي كفرحتي ناشدوا قائد الجيش والقوى الأمنية التوجه إلى المنطقة المهددة للكشف عليها.

ولم يَحلْ تحرك الجيش اللبناني إلى المنطقة دون تنفيذ الاستهداف. ووُصفت الغارات بـ«العنيفة»، حيث استهدفت صواريخ ضخمة عدة المجمع الذي أُبلغ عنه في كفرحتي، وبلغ عدد الاستهدافات 10 غارات. وأظهرت مقاطع فيديو، تناقلها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، غارات عنيفة استهدفت المنطقة الخاضعة للإنذار، وأفيد بوقوع أضرار بالغة في المنطقة المستهدفة.

وأفادت «الوكالة الوطنية» بأن «الطيران الحربي نفذ حزاماً نارياً؛ إذ شن أكثر من 10 غارات على المكان المهدد في كفرحتي؛ ما أدى إلى دمار كبير في الأبنية».

المسيّرات تغطي سماء الجنوب

وجاءت الغارات بعد تحليق مكثف من الطيران المسيّر الإسرائيلي على مستوى منخفض في أجواء الساحل الممتد من راس العين القليلة جنوباً إلى سواحل صور القاسمية شمالاً والزهراني. كما حلق على علو متوسط فوق السلسلتين الشرقية والغربية وفي محيط بعلبك، وصولاً إلى البقاع الشمالي وقرى قضاء الهرمل.

وكان قد عثر صباح الأحد على محلقة إسرائيلية كانت سقطت في بلدة عيتا الشعب بقضاء بنت جبيل، فيما ألقت محلقة إسرائيلية قنبلة صوتية في أجواء حي كركزان ببلدة ميس الجبل خلال إزالة جرافة ردميات أحد المنازل المدمرة، كما ألقت مسيَّرة قنبلة صوتية على بلدة كفركلا وقنبلة وسط بلدة عديسة.