«اتفاق بكين»: عباس يريد ترسيخ الشرعية... و«حماس» تحتاج إلى مظلة

مصدر من «فتح» يرهن «الحكومة الموحدة» بخطوات إضافية

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط موسى أبو مرزوق (يمين) القيادي في «حماس» ومحمود العالول القيادي في «فتح» (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط موسى أبو مرزوق (يمين) القيادي في «حماس» ومحمود العالول القيادي في «فتح» (رويترز)
TT

«اتفاق بكين»: عباس يريد ترسيخ الشرعية... و«حماس» تحتاج إلى مظلة

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط موسى أبو مرزوق (يمين) القيادي في «حماس» ومحمود العالول القيادي في «فتح» (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط موسى أبو مرزوق (يمين) القيادي في «حماس» ومحمود العالول القيادي في «فتح» (رويترز)

قبل إعلان فصائل فلسطينية توقيعها اتفاقاً يرمي لإنهاء الانقسام في العاصمة الصينية بكين، الثلاثاء، كانت هناك جولات عدة انتهت بمشهد مماثل، وصور مشابهة ووعود متطابقة تقريباً؛ لكن ما صار جديداً هذه المرة هو حرب إسرائيلية على غزة أزهقت أرواح ما يزيد على 39 ألف قتيل، ودمرت القطاع الذي يحتاج، وفق تقديرات أممية، لسنوات طويلة لرفع مخلفاته وليس الإعمار.

وأعلنت حركتا «فتح»، و«حماس» و12 فصيلاً فلسطينياً، في بكين، اتفاقاً على المصالحة يقضي بتحقيق «الوحدة الوطنية» في إطار «منظمة التحرير الفلسطينية» وتشكيل «حكومة موحدة» بعد الحرب. وبحسب ما أفاد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بعد توقيع الاتفاق، فإن «أهم نقطة هي الاتفاق على تشكيل حكومة مصالحة وطنية مؤقتة» تتطرق لملف ما بعد الحرب.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتابع خلال التوقيع على «إعلان بكين» بدار ضيافة الدولة «دياويوتاي» في بكين (رويترز)

لكن مصدراً فلسطينياً مطلعاً تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أن الاتفاق الذي لم يتضمن نصه سوى خطوط عريضة سبق الاتفاق عليها من قبل، يعبر عن «حاجة السلطة الفلسطينية إلى ترسيخ شرعيتها، ورغبة (حماس) في البقاء بالصورة». ويرى المصدر أن العنصرين السابقين «الدافعان الرئيسيان لتوقيع الاتفاق؛ لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال انتهاء الانقسام».

وشرح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية (محمود عباس أبو مازن) يريد تأكيد شرعيته وضم كل الفصائل تحت مظلته، في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل السلطة وتريد إبعادها عن قطاع غزة، وفيما تشكك وتعمل أطراف بعضها عربي على عزل القيادة الحالية واستبدالها»، وفق المصدر.

ووفق تقدير المصدر، فإن «(حماس) تريد البقاء بالصورة، وترغب في مظلة تُبقيها في مركز صنع القرار بعدما أصبحت عاجزة عن حكم القطاع». مضيفاً أن «كل طرف يحتاج إلى الآخر في هذه اللحظة. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي المسألة».

اتفاقات سابقة

وجاء في الاتفاق الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أنه «انطلاقاً من اتفاقية (الوفاق الوطني) التي وقعت في القاهرة بتاريخ 4/5/2011، وإعلان الجزائر الذي وقع في 12/10/2022، تقرر الاستمرار في متابعة تنفيذ اتفاقات إنهاء الانقسام بمساعدة الشقيقتين مصر والجزائر والأصدقاء في جمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وفق الالتزام بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، طبقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وخصوصاً قرارات 181، 2334 وضمان حق العودة طبقاً لقرار 194، وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإنهائه وفق القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ونضالها من أجل تحقيق ذلك بكل الأشكال المتاحة».

كما قرر الموقعون على «اتفاق بكين» المضي نحو «تشكيل حكومة (وفاق وطني) مؤقتة بتوافق الفصائل الفلسطينية وبقرار من الرئيس (عباس) بناء على القانون الأساسي الفلسطيني المعمول به، ولتمارس الحكومة المشكلة سلطاتها وصلاحياتها على الأراضي الفلسطينية كافة بما يؤكد وحدة الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، على أن تبدأ الحكومة بتوحيد المؤسسات الفلسطينية كافة في أراضي الدولة الفلسطينية والمباشرة في إعادة إعمار قطاع غزة والتمهيد لإجراء انتخابات عامة بإشراف لجنة الانتخابات الفلسطينية المركزية في أسرع وقت وفقاً لقانون الانتخابات المعتمد».

حكومة توافق

وبدا عملياً أن الاتفاق الجديد استند إلى تاريخ من الاتفاقات السابقة التي لم تُنفذ، وهو ما يرى معه مصدر في الفصائل الفلسطينية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنه «يُفترض هذه المرة أن يبدأ الرئيس عباس مشاورات فورية مع جميع الفصائل من أجل دفع الاتفاق قدماً، وتشكيل حكومة توافق».

ورد مصدر في «فتح» على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن مدى إمكانية تشكيل تلك الحكومة بالقول: «المسألة ليست بهذه البساطة».

وأضاف المصدر: «على حماس أن تلتزم بالتزامات (منظمة التحرير)، وأن تعترف بالشرعية الدولية، وتسمح للحكومة بتوحيد المؤسسات وأجهزة الأمن وقيادة عملية الإغاثة والإعمار. ويجب أن نتأكد أنها لا تريد حصة من الكعكة، وحسب».

وتابع: «يجب الاتفاق بشكل واضح على المرجعيات وطرق النضال الفلسطيني وقرارات الحرب والسلم والعقيدة الأمنية ومصير السلاح الواحد وقانون الانتخابات، ويجب أن نطوي الانقسام إلى الأبد، لا أن نديره؛ لأننا أصبحنا مضطرين إلى ذلك».

وكانت خلافات جوهرية، ظهرت حول هذه القضايا في النقاشات السابقة، وفي نقاشات الصين كذلك.

ولا تريد «حماس» الاعتراف بالشرعية الدولية، إذا كان ذلك سيعني الاعتراف بإسرائيل، وترفض تسليم سلاحها قبل قيام الدولة الفلسطينية، وتريد أن تكون شريكاً في القرارات من داخل «منظمة التحرير».

كما رفضت حركة «الجهاد الإسلامي» أي اتفاق قد يتضمن الاعتراف بدولة إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر.

وسيختبر اتفاق بكين الذي يضاف لتاريخ من الاتفاقات، مدى جدية كل من «فتح» و«حماس» عندما يلج الطرفان إلى التفاصيل النهائية.

وكان الطرفان وقعا إلى جانب فصائل أخرى، جملة من الاتفاقات السابقة إلى جانب العديد من الإعلانات في مكة، واليمن، ودكار، ودمشق، والقاهرة، والدوحة، وغزة والجزائر، وروسيا، وأخيراً الصين.

مؤتمر دولي للسلام

عير أن إعلان الصين يكتسب أهمية بالنسبة للرئيس الفلسطيني لأنه يدعم خطته لإقامة «مؤتمر دولي» للسلام.

وطالما، كانت «حماس» ضد نهج عباس، وتطالبه بالتخلص من اتفاق «أوسلو» وسحب الاعتراف بإسرائيل.

وفي «اتفاق بكين»، أكدت الفصائل تمكين الأشقاء العرب، والأصدقاء في جمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية من مواصلة الجهود الدولية لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة والمنصفة لحقوق شعبنا تحت مظلة الأمم المتحدة ورعايتها وبمشاركة دولية وإقليمية واسعة.

وقال وانغ يي، إن الصين حريصة على «أداء دور بنّاء في حماية السلام والاستقرار في الشرق الأوسط» وتعمل وتدعم «وقفاً لإطلاق النار يكون شاملاً ودائماً ومستداماً، كما تدعم الحكم الذاتي الفلسطيني والاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة».

ويسعى عباس منذ سنوات لإقامة مؤتمر دولي للسلام يفضي إلى آلية متعددة الأطراف لرعاية عملية سياسية جديدة، لكن جهوده اصطدمت بعدم تبلور رغبة دولية قوية لمواجهة الولايات المتحدة، وإسرائيل، اللتين ترفضان الفكرة.

وقبل شهور قليلة من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الذي شنته «حماس»، وصل عباس إلى الصين مستغلاً آنذاك التحرك الصيني الجديد في منطقة الشرق الأوسط ورغبة بكين الواضحة في التموضع في المنطقة، بوصفها وسيطاً على الأقل، وناقش إلى أي حد يمكن للصين أن تدخل على خط الصراع مع إسرائيل.

مخاوف ترمب

ولم يكن عباس يفكر آنذاك باستبدال الولايات المتحدة، ولكنه رغب في خلق آليات مساعدة، بعدّ الإدارة الأميركية لم تنجح في لجم أو دفع إسرائيل نحو وقف انتهاكاتها والبدء في عملية سياسية.

لكن الآن ومع مخاوف الفلسطينيين من وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد بديل محتمل يمكنه دفع عملية السلام إلى الأمام، عبر تدخل مباشر مع إسرائيل، أو دفع تحرك دولي متعدد الأطراف لرعاية عملية السلام.

ويعتقد الفلسطينيون، أنه يمكن استغلال وجود رغبة صينية في تحدي الهيمنة الأميركية في المنطقة.

وهذه ليست أول مرة يحاول فيها الفلسطينيون الاستفادة من حضور وحجم دول كبيرة في المنطقة، وخلال السنوات التي كان يجلس فيها ترمب، العدو الأكبر، للفلسطينيين، في البيت الأبيض، جاب عباس ومبعوثوه دول العالم من أجل إقناعهم بإطلاق مؤتمر دولي للسلام ينتج عنه آلية متعددة الأطراف لرعاية عملية سياسية جديدة، لكن أي دولة كبيرة أو صغيرة لم تتقدم خطوة واحدة للأمام في مواجهة الإدارة الأميركية، ولم تعط إسرائيل الموافقة على الانخراط في أي عملية لا ترعاها واشنطن.

ترمب ونتنياهو في القدس في 23 مايو 2017 (أ.ب)

ويأمل الفلسطينيون في تغير ميزان القوى الآن، مع حرب روسيا وأوكرانيا، وهجوم السابع من أكتوبر.

ولا تغفل إسرائيل عن محاولة الصين التدخل في المنطقة، ويقولون في تل أبيب إنها محاولات مقلقة وغير مرحب بها كثيراً.

وهاجم مسؤولون إسرائيليون اتفاق بكين، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس في منشور على منصة «إكس»: «وقعت (حماس) و(فتح) اتفاقاً في الصين للسيطرة المشتركة على غزة بعد الحرب. وبدلاً من نبذ الإرهاب، أبو مازن (عباس) يحتضن قتلة (حماس) ويكشف عن وجهه الحقيقي. عملياً هذا لن يحدث لأنه سيتم سحق نظام (حماس)، وأبو مازن لن يرى غزة سوى من بعيد وسيظل أمن إسرائيل في أيديها وحدها».

أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقد جمع عباس ويحيى السنوار زعيم «حماس» في غزة في صورة وعلق عليها: «هل سنأمن على أمننا غداً في غزة والضفة بين أيدي هؤلاء؟».


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تطمينات للفصائل بحق العمل السياسي بعد حصر السلاح في غزة

خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تطمينات للفصائل بحق العمل السياسي بعد حصر السلاح في غزة

يبدو أن إسرائيل لن تتمكن من تحقق هدفها المعلن بالقضاء على «حماس» وسط كلام عن تطمينات أميركية للفصائل بحرية العمل السياسي في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي التحذير الذي أصدرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي (حساب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي)

بحجة إلغاء أوراق نقدية... إسرائيل تسعى إلى خنق «حماس» اقتصادياً

حذّرت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي سكان قطاع غزة من أنهم يتعاملون بأموال قد تفقد قيمتها بأي لحظة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)

خاص نائب رئيس الوزراء الإيطالي: السعودية شريك لا غنى عنه في الاستقرار الإقليمي

شدد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، أنطونيو تاياني، على استراتيجية العلاقة بين الرياض وروما.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
المشرق العربي فلسطيني يستخرج الحديد من أنقاض المنازل التي دمَّرها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس (د.ب.أ)

عصابة مسلحة تحاول اختطاف ناشط من «حماس»

حاول أفراد عصابة مسلحة في قطاع غزة، مساء السبت، اختطاف ناشط من حركة «حماس» في منطقة أصداء شمال خان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يسيرون بين منازل مدمّرة في جباليا (إ.ب.أ)

«حماس» تؤكد استعدادها لتنفيذ اتفاق غزة شرط التزام إسرائيل به

أكد مسؤول في «حماس»، اليوم السبت، أن الحركة لا تزال مستعدة لتنفيذ اتفاق غزة الذي ينص على نزع سلاحها، على أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لتنفّذ التزاماتها.

«الشرق الأوسط» (غزة )

جولات مكوكية عسكرية أميركية بين لبنان وإسرائيل لدفع تنفيذ «الإطار»

جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جولات مكوكية عسكرية أميركية بين لبنان وإسرائيل لدفع تنفيذ «الإطار»

جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تسارعت وتيرة الاتصالات اللبنانية مع الجانب الأميركي لتثبيت وقف إطلاق النار، والمضي قدماً في تنفيذ اتفاق الإطار مع إسرائيل وتوسعة المناطق التجريبية، بموازاة مناقشات أمنية وعملاتية خاضها رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد، مع المسؤولين اللبنانيين، ضمن جولات مكوكية بين بيروت وتل أبيب في حراك ينظر إليه لبنان على أنه «ترجمة لضغط أميركية وجدية في العمل في مسعى لتحقيق مطالب لبنان».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

وتكثفت الاتصالات عقب تلويح لبنان بتعليق المفاوضات مع إسرائيل، إثر مراوحة إسرائيلية وتخلف تل أبيب عن الوفاء بالتزاماتها لجهة تثبيت وقف إطلاق النار وتحقيق انسحابات ووقف التفجيرات والتجريف.

وقالت مصادر وزارية لبنانية مطلعة على موقف الرئيس اللبناني جوزيف عون، إن بيروت «تطالب بحل مشكلة وقف إطلاق النار وتوسعة المناطق التجريبية».

وشددت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن لبنان يرى أنه «من الأفضل أن يتم حل هذه المعضلة قبل جولة المفاوضات الثامنة؛ لأن هذه المطالب أخذت وقتاً طويلاً ولم يجر حلها بعد».

جندي في الجيش اللبناني يقف قرب آلية عسكرية في منطقة فاصلة بين الجيش الإسرائيلي والمواطنين اللبنانيين في بلدة زوطر الغربية (أ.ف.ب)

وتُعقد الجولة الثامنة في موعد مبدئي في الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل في روما، وتكثفت الاتصالات مع الجانب الأميركي «كونه الوحيد القادر على ممارسة ضغط على تل أبيب لدفعها إلى الالتزام بالاتفاقات»، خصوصاً أن سياق المحادثات السابقة لم يفضِ إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه «لجهة وقف الاعتداءات والتجريف والتفجيرات ونسف القرى، ولا الانسحابات من الأراضي اللبنانية».

التعهد الأميركي

وكان الجانب الأميركي تعهد في الجولة الأخيرة من المفاوضات بالضغط على إسرائيل لوقف التفجيرات ونسف المنشآت المدنية في المنطقة المحتلة بالجنوب، وبالفعل تراجعت وتيرة التفجيرات أيام الجمعة والسبت والأحد، قبل أن تتجدد بوتيرة مضاعفة منذ يوم الاثنين.

كليرفيلد في زيارات مكوكية

في هذا الوقت، وصل الجنرال كليرفيلد إلى بيروت، قادماً من تل أبيب، حيث أجرى محادثات مع الجانب الإسرائيلي، واستكمل النقاشات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، قبل أن يغادر بعد الظهر إلى تل أبيب مرة أخرى، على أن يعود إلى بيروت يوم الجمعة المقبل.

ومع أن الزيارة كانت مقررة منذ وقت سابق، ولا ترتبط بالتلويح اللبناني بوقف مسار التفاوض في حال لم تنفذ إسرائيل المطالب اللبنانية، قالت المصادر اللبنانية إن طابع الزيارة «عسكري تقني».

وأشارت إلى أن كليرفيلد «حمل معطيات من تل أبيب، ونقلها إلى بيروت حيث استمع إلى معطيات أخرى، ونقلها إلى تل أبيب مرة ثانية، على أن يعود بأجوبة يوم الجمعة المقبل». وأشارت إلى أن هذه الجولة المكوكية «هي جزء من حراك أميركي مكثف وضغط باتجاه تحقيق إنجازات في مسعى جدّي وسريع، لكنه في النهاية يتوقف على الاستجابة الإسرائيلية».

وعن حراك كليرفيلد، قالت المصادر إنه «يحاول تقريب وجهات النظر في ملفات عسكرية، ويعود إلى بيروت حيث يبقى لأيام، يطلع خلالها على الإجراءات، ويتفق مع الجيش اللبناني على الصيغ والمهمات لتنفيذ اتفاق الإطار».

دمار وأراض زراعية التهمتها النيران الإسرائيلية في بلدة ميس الجبل المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيس عون استقبل كليرفيلد في حضور السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، وعدد من معاوني الجنرال كليرفيلد، وأضافت أنه «تم البحث في الإجراءات الآيلة إلى تطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في حصيلة المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن، وذلك في ضوء المحادثات التي أجراها الجنرال كليرفيلد في إسرائيل الأسبوع الماضي».

وانتقل كليرفيلد إلى وزارة الدفاع، حيث عقد لقاء مع قائد الجيش اللنباني. وفي أثناء اللقاء، «جرى بحث التطورات في الجنوب والترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق الإطار، والصعوبات التي يواجهها الجيش خلال تنفيذ مهماته، وفي مقدمها استمرار الاعتداءات وأعمال التجريف والتدمير من قبل الاحتلال الإسرائيلي»، حسبما أفادت قيادة الجيش اللبناني في بيان. وقالت: «أكد الطرفان أهمية دعم الجيش في ظل ما ينفذه من مهمات في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية».

آلية التحقق

وإلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار ووقف التجريف والتفجيرات، تتصدر قضية توسعة المناطق التجريبية وآلية التحقق من إجراءات الجيش اللبناني، الأولويات للدفع قدماً بتنفيذ اتفاق الإطار.

وكشف مصدر لبناني لـ«الشرق الأوسط» عن أن دولة عربية أبدت رغبتها في المشاركة في آلية التحقق من انتشار الجيش اللبناني في المناطق النموذجية التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، والتأكد من حصرية السلاح فيها بالمؤسسات الرسمية اللبنانية، في وقت عرضت فيه دول أخرى المشاركة أو الاضطلاع بالمهمة، ومن بينها إيطاليا.

وقال المصدر إن الأمر «لم يُحسم بعد»، مشيراً إلى أن «الأولوية الآن هي لتحديد طبيعة الآلية ودور الدول القائمة فيها وصلاحياتها، فضلاً عن حدود هذا الدور والأسس المتعلقة بالعمل».

تنديد الجيش وسلام

في غضون ذلك، واصلت إسرائيل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، حيث استهدفت ثلاث غارات عنيفة، بلدة المنصوري في جنوب لبنان، ونفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في وادي بلدة تولين - طريق وادي السلوقي وفي كفرتبنيت وفي زوطر الشرقية ودير سريان وحداثا وبيت ياحون، فضلاً عن استهداف مسيّرة إسرائيلية بقذيفة مباشرة، لمضيف عاشورائي على طريق كفرا - العاصي، وأوقعت الغارة عدداً من الإصابات. كما قصف الجيش الإسرائيلي مرتفعات علي الطاهر بقذائف فوسفورية.

وقالت قيادة الجيش اللبناني، في بيان: «تستمر اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي وخروقاتها للتفاهمات القائمة والقوانين الدولية، وآخرها تفجير مبنى بلدية زوطر الشرقية – النبطية ، إضافة إلى المدرسة الرسمية والمستوصف وحضانة أطفال وعدة منازل في البلدة، ما يؤكد مُضي الاحتلال في نهجه التدميري لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالقرى والبلدات الجنوبية، ومنع إرساء الاستقرار». في الوقت نفسه، «يواصل الجيش تنفيذ مهماته في الجنوب، حيث يواجه صعوبات كبيرة نتيجة هذه الاعتداءات التي تعيق استكمال انتشاره وعودة الأهالي».

وفي السياق نفسه، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن «ما تقوم به إسرائيل في المنصوري وزوطر الشرقية وكفرتبنيت وغيرها من القرى والبلدات الجنوبية، من اعتداءات وتوغلات وعمليات جرف وتدمير ممنهج للمنازل والأحياء السكنية والبنى التحتية والمقار الحكومية ودور العبادة، يشكّل انتهاكاً خطيراً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وأكد أن «تبرير عمليات الجرف والتدمير بذريعة وجود منشآت عسكرية، تدحضه طبيعة ما يجري استهدافه على الأرض»، مضيفاً: «القول إن قرى وبلدات، بمنازلها وأحيائها ومقارها الحكومية ومرافقها العامة ودور عبادتها وبناها التحتية، هي بكاملها منشآت عسكرية، ادعاء لا يستقيم مع أي منطق، ولا يمكن أن يشكّل غطاءً لتدميرها وتهجير أهلها ومنعهم من العودة إليها».

وأكد أن «سيادة لبنان وأمن أهله وحق الجنوبيين في العودة إلى أرضهم وإعادة بناء قراهم ليست مسائل قابلة للمساومة».


توترات الحسكة تختبر انتقال «الدمج» من التفاهمات إلى التنفيذ

عناصر أمن يتابعون عودة أكراد سوريين في مخيمات نزوح بالحسكة إلى مدينة رأس العين الحدودية الشمالية الشرقية (أ.ف.ب)
عناصر أمن يتابعون عودة أكراد سوريين في مخيمات نزوح بالحسكة إلى مدينة رأس العين الحدودية الشمالية الشرقية (أ.ف.ب)
TT

توترات الحسكة تختبر انتقال «الدمج» من التفاهمات إلى التنفيذ

عناصر أمن يتابعون عودة أكراد سوريين في مخيمات نزوح بالحسكة إلى مدينة رأس العين الحدودية الشمالية الشرقية (أ.ف.ب)
عناصر أمن يتابعون عودة أكراد سوريين في مخيمات نزوح بالحسكة إلى مدينة رأس العين الحدودية الشمالية الشرقية (أ.ف.ب)

لا تزال الطرق المؤدية إلى مقر الأمن الداخلي في مدينة الحسكة (شمال شرقي سوريا)، مغلقة لثاني يوم على التوالي، مع انتشار كثيف من «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في شوارع مدينة الحسكة وفق وسائل إعلام محلية، وذلك بعد التوترات التي فجرتها أزمة عودة نازحي رأس العين (سري كانيه) إلى مناطقهم قبل تسوية ملف الملكية والسكن، وما تبعها من احتكاكات عدّتها مصادر في دمشق «اختباراً للقدرة على الانتقال من مرحلة السلطات المتعددة إلى دولة واحدة وقانون واحد».

وكانت موجة غضب شعبي قد اندلعت إثر مهاجمة مجموعة من الغاضبين مقر الأمن العام في الحسكة وإنزال العلم السوري، وما رافقه من حملات اعتقال وانفلات أمني امتد إلى مدينة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب، حيث وقعت أعمال شغب جرى التصدي لها من قبل قيادة الأمن هناك، وفق تصريح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، للتلفزيون الرسمي.

توجيهات من العقيد محمد عبد الغني قائد الأمن الداخلي في حلب لعناصره داخل مدينة عين العرب (محافظة حلب)

وأوضح البابا أن ما حدث في عين العرب سببه افتعال عدد من «القصّر» بعض أعمال الشغب ومحاولة إثارة فتنة، موضحاً أنه في البداية أوقف عدد كبير منهم، لا سيما من حاولوا الاعتداء على العلم السوري، قبل أن «يتبين أن غالبية الموقوفين من الأطفال والقُصّر والمراهقين، فجرى إطلاق سراحهم بعد كتابة تعهدات قانونية من ذويهم، بينما أخذ من تجاوز 18عاماً سياقه ضمن الإجراءات القانونية».

وفي تطور أمني لافت، أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع «استشهاد عنصرين وإصابة اثنين آخرين بجروح» في هجوم شنه مجهولون على نقطة للجيش السوري في ريف القامشلي مساء الثلاثاء، وعلق عليه محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، بالقول، إن أمن المحافظة واستقرارها وسلامة أبنائها «خط أحمر»، وإن «الجهات المختصة ستعمل على كشف ملابسات الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه».

واستمر، الأربعاء، إغلاق الطرق المحيطة والمؤدية إلى مقر الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، وفق «مرصد الحسكة» الذي أفاد بإعادة «قسد» انتشارها داخل قرية تل بارود القريبة من مدخل الحسكة الجنوبي، مع انتشار كثيف من عناصرها وتسييرهم دوريات داخل المدينة.

التوترات جاءت بعد أيام قليلة من لقاء الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قسد»، مظلوم عبدي، في دمشق، وما رافقه من تصريحات إيجابية للمسؤولين في «قسد» بشأن التقدم الكبير الذي تحقق على مسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية، ومواصلة مناقشة المسائل العالقة للتوصل إلى تفاهم، الأمر الذي أثار الاستفهام عن حقيقة ما يجري على الأرض.

مصادر أهلية في الحسكة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن إشكالات كثيرة معقدة في الواقع الميداني؛ «بسبب تعدد الإدارات وعدم سيطرة الدولة بشكل كامل على المنطقة؛ إذ لا تزال السيطرة الأمنية في غالبية المناطق (مشتركة)، وفي بعض المناطق (قسد) هي المسيطرة».

إغلاق الطرق بكتل إسمنتية في مدينة الحسكة من قبل عناصر من «قسد» (متداولة)

ورأت المصادر أن تعدد المرجعيات الأمنية أدى الى «حالة من الانفلات الأمني»، خصوصاً في المناطق النائية، و«من شأن ذلك أن يفجر التوتر في مجتمع عشائري شديد التعقيد، خصوصاً أن معظم أبناء المكون العربي لديهم شعور بأن تنفيذ الاتفاق مع (قسد) لغاية الآن يسير لمصلحة المكون الكردي»، وفق تعبير المصادر.

لذلك؛ فإن هناك من يرى أنه «من الخطأ اختصار ما جرى خلال اليومين الماضيين في الحسكة بملف عودة نازحي رأس العين وحده»، بوصف «العودة كانت الشرارة» التي «كشفت عن مشكلة أعمق تتعلق بانتقال اتفاق الدمج من التفاهمات السياسية إلى اختبار التنفيذ على الأرض»، وفق الباحث السياسي المتابع لشؤون شرق وشمال سوريا، سامر الأحمد، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن العودة «ملف حساس ومشروع في الوقت نفسه. ومن حق المهجرين العودة إلى مناطقهم، لكن ذلك يحتاج إلى حماية واضحة، وتسوية ملفات الملكية والسكن ومنع أي اعتداء أو انتقام». منوهاً بأن «ما حصل لاحقاً، من احتجاجات واعتداءات على مؤسسات الدولة وتوترات أمنية في أكثر من منطقة، أظهر أن المشكلة تجاوزت منطقة رأس العين».

إعادة رفع العلم السوري فوق مبنى الأمن العام في الحسكة بعدّ إنزاله من قبل «شبيبة الثورة» (متداولة)

تابع الأحمد: «نحن أمام اصطدام بين الاتفاق والواقع الميداني الذي تشكل خلال سنوات، حيث لا تزال هناك قوى وبيئات اعتادت وجود سلطات ومرجعيات موازية، ولم تنتقل بالكامل إلى منطق الدولة الواحدة».

ونبه الباحث إلى خطأ توجيه الاتهام إلى «قسد» بوصفها كتلة واحدة، بأنها تريد إفشال الاتفاق، عادّاً أن السؤال الحقيقي هو: «هل تستطيع قيادات (قسد) ضبط جميع التشكيلات والقوى المرتبطة بها، وهل تستطيع الدولة في المقابل تحويل الدمج من تفاهمات تنظيمية إلى مرجعية أمنية وإدارية واحدة؟».

لذلك؛ يؤكد الأحمد على أن ما حدث «لا يعني انهيار مسار الدمج، لكنه يشكل أحد أصعب اختباراته حتى الآن». وقال إن «الخطر الحقيقي هو تحويل كل حادث محلي إلى صدام عربي - كردي، أو مواجهة بين الدولة ومكوّن اجتماعي معين».

ورأى أن رأس العين كانت الشرارة، أما «جوهر الأزمة، فهو اختبار قدرة الجميع على الانتقال من مرحلة السلطات المتعددة إلى دولة واحدة، وقانون واحد، وضمان عودة المهجرين، وحماية جميع المكونات دون استثناء».


الجيش الإسرائيلي «يعجز» عن إخلاء مستوطنين احتلوا بيتاً فلسطينياً

جنود إسرائيليون ومستوطنون يقفون أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون ومستوطنون يقفون أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي «يعجز» عن إخلاء مستوطنين احتلوا بيتاً فلسطينياً

جنود إسرائيليون ومستوطنون يقفون أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون ومستوطنون يقفون أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في تحرك وصفه فلسطينيون بأنه «مسرحية» و«مهادنة مقصودة»، ادعى الجيش الإسرائيلي أنه أخلى ساحة بيت فلسطيني في بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية وغادر المكان، لكنه في الواقع ترك فيه مستوطنين مسلحين أخذوا يرشقون أصحاب البيت بالحجارة لحملهم على الرحيل، ويبنون تعزيزات لاحتلال المكان.

وروى شهود عيان من القرية أن المستوطنين الذين اقتحموا محيط منزل عائلة يوسف عبد السلام قبل أربعة أيام فرضوا حصاراً عليه، ومنعوا الأهالي من الوصول إليه، ونصبوا خيمة في محيطه بحماية الجنود الإسرائيليين.

أما الجنود الذين حضروا إليهم لإبعادهم، فقد تكلموا معهم ثم غادروا؛ بينما استمر المستوطنون في المكان.

ويقع المنزل على قمة جبل رأس العين، بالمنطقة المصنفة (ب)، أي الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية، وهي من المناطق المرتفعة في محيط جنوب نابلس، وتعيش في محيطه ثلاث عائلات.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وتبين أن الجيش تحرك نحو بلدة قصرة بعدما نشر نص عريضة موجهة إلى رئيس الأركان، إيال زامير، وقع عليها 300 ضابط وجندي من قوات الاحتياط تطالبه بإخلاء المستوطنين من هذه القرية ووضع حد لهجمات «الميليشيات المسلحة» في الضفة الغربية بشكل عام.

وأكد الجنود في الرسالة أن اعتداءات المسلحين اليهود تسيء لسمعة إسرائيل في العالم، وتمس بالمبادئ والقيم، وتلقي عبئاً ثقيلاً على الجيش وتلهيه عن مهامه، إضافة إلى أنها تتسبب في احتقان متراكم لدى الفلسطينيين «من شأنه أن ينفجر في وجوهنا ويتسبب في حوادث يُقتل فيها جنود ومواطنون إسرائيليون».

وكان المستوطنون قد بدؤوا منذ نحو أربعة أشهر في المضايقات لأهل منزل عائلة عبد السلام، وحاولوا اقتحامه والاستيلاء عليه عدة مرات، ما دفع أبناء العائلة إلى الوجود فيه على مدار الساعة وفق نظام المناوبات لحمايته. وقطع المستوطنون التيار الكهربائي عن المنزل عدة مرات، ورشقوه بالحجارة، وحاصروه أكثر من مرة.

فلسطينية تحتضن ابنتها في منزل العائلة بعدما حاصر مستوطنون البيت في بلدة قصرة بالضفة الغربية (رويترز)

وقبل أربعة أيام اقتحمه 15 إسرائيلياً وأقاموا بؤرة استيطانية في ساحة البيت. وعندما علموا أن قوات من الجيش تقترب من المكان لإخلائهم، أغلقوا بالحجارة الطريق الواصل إليه صباح الأربعاء.

وعندما وصلت القوة تكلمت مع عدد منهم ثم غادرت المكان، ثم أعلن الجيش في بيان أنه تم إخلاؤهم؛ فيما عدَّه الفلسطينيون «مسرحية».

ونقلت إذاعة الجيش عن مصدر أمني أن تسريب معلومات بشأن نية القوات إخلاء البؤرة قبل تنفيذ العملية تسبب في وصول عشرات المستوطنين المتطرفين إلى المكان، ما عرقل عملية الإخلاء وأدى إلى حالة من الفوضى.

وأكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في منظمة التحرير الفلسطينية أن الجنود الإسرائيليين والمستوطنين نفذوا خلال شهر يوليو (تموز) الماضي 2256 اعتداء ضد المواطنين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم. وبيّنت أن الاعتداءات تركزت في محافظات رام الله والبيرة بواقع 260 اعتداءً، ونابلس بواقع 247، وجنين 190 اعتداءً، وبيت لحم 185، والخليل 170، مشيرة إلى أن الجيش «يوفر بيئة الحماية والإسناد والبيئة الحاضنة التي تسمح بتوسيع الاعتداءات وتحويل نتائجها إلى وقائع مستمرة على الأرض».

منازل فلسطينية حاصرها مستوطنون في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء (رويترز)

وذكرت صحيفة «هآرتس» أن المستوطنين في قصرة اعتدوا يوم الاثنين على مراسلها متان غولان والمصور إيتاي رون، اللذين كشفا الاعتداء على البيت الفلسطيني. وقالت: «الأشهر القليلة الماضية شهدت فقداناً كاملاً للسيطرة من جانب قوات الأمن في الضفة الغربية. ويأتي ذلك في الوقت الذي يحتل فيه المستوطنون، بتشجيع قوي من وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست في الائتلاف، المزيد من الأراضي في المنطقة ب، ويقيمون عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية، ويطردون التجمعات الفلسطينية بشكل منهجي من أراضيهم».

وأضافت: «يقر مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية بانعدام الأمن والنظام في المناطق المحتلة، ويقولون إن السياسيين في ظل الحملة الانتخابية، يصدرون تصريحات أكثر تطرفاً على أمل كسب تأييد المستوطنين، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود».

واستطردت: «هذا العنف منهجي تمارسه جهات كثيرة ذات جناح سياسي وجناح عسكري، هدفه النهائي هو طرد الفلسطينيين والسيطرة على المزيد من الأراضي. قصرة هي حالة متطرفة ولكنها ليست نادرة».