ما دور المتعاونين في العمليات الإسرائيلية داخل غزة؟

تجنيد فلسطينيين عاديين وناشطين في الفصائل وأشخاص في بيئة المستهدفين بالاغتيالات

TT

ما دور المتعاونين في العمليات الإسرائيلية داخل غزة؟

دمار في موقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس يوم 13 يوليو في إطار عملية لاغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)
دمار في موقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس يوم 13 يوليو في إطار عملية لاغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)

أعادت محاولة اغتيال محمد الضيف، القائد العام لـ«كتائب القسّام» في قطاع غزة، بعد أكثر من 3 عقود من المطاردة المعقدة، وهي محاولة لم تُحسم نتائجها بعد... تسليط الضوء على مسلسل طويل من الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل خارج الأراضي الفلسطينية وداخلها، وطالت حتى الآن قائمة طويلة من القادة الفلسطينيين من كل الفصائل، بالإضافة إلى شخصيات من جنسيات مختلفة.

ولعقود طويلة عندما كانت قواعد الثورة الفلسطينية في الخارج تمكّن جهاز «الموساد»، الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، من اغتيال العديد من القادة الفلسطينيين في عواصم مختلفة. ومنذ قيام السلطة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية، في بداية التسعينات، نجح جهاز «الشاباك»، المكلف الحفاظ على الأمن الداخلي في إسرائيل، في اغتيال قائمة أخرى طويلة من القادة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، في حرب بدت اليد العليا فيها لإسرائيل.

زعيم حركة «حماس» في غزة يحيى السنوار (رويترز)

ونجاح إسرائيل في الوصول إلى قادة «حماس» و«القسّام» في قطاع غزة، بعد 9 أشهر من الحرب الحالية، لا يزال محل نقاش. فهناك من يرى أن عدم الوصول إلى شخصيات وازنة من «حماس» بعد 9 أشهر من الحرب، يشير إلى إخفاقات، إذ لم يتأكد حتى الآن أن إسرائيل نجحت فعلاً في اغتيال الضيف، كما أنها لم تصل إلى قائد «حماس» في غزة يحيى السنوار ولا إلى شقيقه محمد. لكنَّ آخرين يرون أن اغتيال الضيف، إذا ما صحّ، ونائبه مروان عيسى، وقادة ألوية في «القسّام»، يُمكن أن يُعد إنجازاً كبيراً لإسرائيل.

وقبل أيام، نفّذت الدولة العبرية هجوماً ضخماً استهدف قتل الضيف الذي ظل شبحاً تطارده منذ أكثر من 30 عاماً، في عملية معقدة تدفقت خلالها معلومات يصفها الإسرائيليون بأنها «ذهبية» نظراً إلى قيمتها الكبيرة، حول مكان وجوده قرب خان يونس بجنوب قطاع غزة. وهي قتلت قبل ذلك نائبه مروان عيسى، كما قتلت قائد لواء خان يونس في «القسّام» رافع سلامة (في الضربة ذاتها التي استهدفت الضيف)، وأيمن نوفل، قائد لواء الوسطى، وأحمد الغندور قائد لواء الشمال، إلى جانب قائد الوحدة الصاروخية أيمن صيام، وعضوي المكتب السياسي لـ «حماس» في غزة زكريا أبو معمر وجواد أبو شمالة، وآخرين.

القيادي في «حماس» مروان عيسى (متداولة)

ومما لا شك فيه إن إسرائيل نجحت في الوصول إلى أماكن كثيرين من القادة البارزين والميدانيين، بعضهم قُتل فعلاً وبعضهم نجا أو أُصيب.

فكيف تصل إسرائيل إلى قادة الفصائل في غزة؟

تتنوع مصادر أجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية في الوصول إلى قيادات «حماس» والفصائل الأخرى. أحد هذه المصادر هو العامل البشري الذي يساعد بشكل كبير في تشخيص الأهداف وتتبعها، ويعين على تحديد الأماكن ووقت تنفيذ الهجمات. وتستخدم إسرائيل عملاء لها على الأرض منذ عقود، وقد بنت «جيشاً منهم»، حسب بعض المصادر التي تقول إن هؤلاء قدَّموا للإسرائيليين «خدمات كبيرة ساعدت في تعقّب مطلوبين وتسهيل عمليات اغتيالهم».

وكشفت تحقيقات مستفيضة أجرتها السلطة وفصائل فلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة في السنوات الماضية، عن أن كل عملية اغتيال في الضفة أو غزة شارك فيها بصورة أو بأخرى عملاء فلسطينيون، حتى إن بعضهم شارك في تنفيذ هذه الاغتيالات.

وقالت مصادر ميدانية في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط» إن العامل البشري يعد أحد أهم العوامل في عملية التجسس لأي جهاز استخباراتي، مؤكدةً أن المقاومة والأجهزة الأمنية الحكومية في غزة ضبطت على مدار سنوات مئات المرتبطين بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية وكان هؤلاء يقدمون معلومات متفاوتة القيمة للجهات التي تشغلهم. وتابعت المصادر أن إسرائيل نجحت أحياناً في تجنيد أشخاص حتى داخل التنظيمات الفلسطينية، وفي بيئة الشخص المستهدف، تنظيمياً وعائلياً، أو من خلال علاقاته الاجتماعية (مثل الأقارب والجيران).

جنود إسرائيليون على الحدود مع قطاع غزة يوم 16 يوليو الجاري (رويترز)

وكشفت المصادر عن أن قيادات من الصفين الثاني والثالث ونشطاء في الفصائل كُشفت علاقتهم بإسرائيل بعدما ساهموا في تحديد مواقع قيادات ومواقع تصنيع أسلحة وصواريخ وحتى أنفاق.

وحسب تفاصيل اطّلعت عليها «الشرق الأوسط» فإن (أ.ش)، وهو فلسطيني من مدينة غزة وأُعدم عام 2021، كان ناشطاً بارزاً في أحد الأجنحة العسكرية لفصيل صغير مقرب من «حماس»، وكانت له علاقات واسعة جداً مع قيادات بارزة ووازنة داخل الأجنحة العسكرية الأخرى للفصائل وليس فقط داخل الفصيل الذي كان ينشط فيه، واعترف بأنه قدّم معلومات خطيرة أوصلت إلى أماكن تصنيع أسلحة وصواريخ وكذلك الوصول إلى شخصيات تعمل في هذا المجال. وليس واضحاً هل قدّم اعترافاته المزعومة تحت الضغط.

أما (ص.د) وهو أيضاً من سكان مدينة غزة وينشط في مجال تصنيع الصواريخ، فقد اكتُشف وهو يحمل في مفتاح مركبته الخاصة كاميرا صغيرة جداً قام من خلالها بتوثيق مكان مهم يُستخدم في عمليات التصنيع وتعرض لاحقاً للقصف، حسبما قالت المصادر ذاتها.

أرشيفية لمحمد الضيف

ونجحت المخابرات الإسرائيلية في إحدى المرات في تجنيد ناشط عسكري، وأوصلت له حذاءً رياضياً تبيّن لاحقاً أنه يحوي شرائح إلكترونية تجسسية ساعدت في مسح الأنفاق التي كان يدخلها في مناطق مختلفة من شمال القطاع، وجرى اعتقاله، لكنه نجح في الفرار إلى خارج القطاع. وساعد آخر يعمل في مجال حفر الأنفاق، إسرائيل على تحديد أماكن هذه الأنفاق، وأظهرت التحقيقات أنه ارتبط بمشغليه عن طريق الإنترنت.

وفي قصة مثيرة، أكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» اعتقال فتاة عام 2015 تبيّن أنها ساعدت جزئياً في محاولة اغتيال قائد «القسّام» محمد الضيف، داخل مبنى في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة. وأدت المحاولة حينها إلى مقتل زوجته واثنين من أطفاله، لكنه نجا. وأوضحت المصادر أن ضباط المخابرات أوصلوا إلى الفتاة معلومات تقريبية حول شكل الضيف المفترض، وطلبوا منها بعد أن جنّدوها سابقاً، التوجه إلى الشقة السكنية التي توجد بها زوجة الضيف ومعرفة ما إذا كان بداخل الشقة أي رجل، قبل أن تعطي إشارة لهم بسماعها صوت شخص داخل الشقة غير الزوجة والأطفال، وبعدها قصفت إسرائيل المكان.

دمار في حي الشجاعية شرق مدينة غزة يوم 11 يوليو (أ.ف.ب)

وقبلها قتل ناشطون في فصيل مسؤولاً أعلى منهم اتضح أنه ساهم في اغتيال قادة في الفصيل.

ولعل آخر ما كُشف عن «حرب الجواسيس والعملاء» في الحرب الحالية على القطاع، هو تورط ناشط من القائمين على حراسة الأسرى الإسرائيليين في كشف مكانهم بعد تجنيده من جهاز الشاباك. ولم تُكشف تفاصيل كل ما قام به بعد، خصوصاً أنه تمكن من الفرار خارج القطاع، حسبما تقول المصادر الأمنية ذاتها في غزة.

لكنَّ معلوماته ساعدت، كما يبدو، على نجاح قوة إسرائيلية خاصة في الوصول إلى 4 أسرى إسرائيليين واستعادتهم من مخيم النصيرات (وسط غزة)، حيث كان المشتبه به، بالتعاون مع جهاز الأمن الإسرائيلي، يعرف تفاصيل عن طريقة حراسة الأسيرة نوعا أرغماني. وما زالت «حماس» تحقق في ظروف هذا الخرق الأمني.

صور على جدار في القدس لمحتجزين إسرائيليين لدى حركة «حماس» يوم 26 فبراير الماضي (أ.ب)

وكانت إسرائيل قد عرضت دفع أموال طائلة بداية الحرب مقابل الإبلاغ عن أماكن قادة «حماس» أو المختطفين.

لكن المال ليس بالتأكيد الدافع الوحيد لبعض الفلسطينيين.

وتعتمد إسرائيل على أساليب عدة في تجنيد العملاء لصالحها، من بينها الإسقاط الجنسي، الذي نجح في كثير من الحالات، حيث أُجبر هؤلاء على التعاون خوفاً من الفضيحة. كما تعمل إسرائيل على استغلال الوضع الاقتصادي، ودفع أموال، أو تمويل مشاريع صغيرة مقابل التعاون، إضافةً إلى استغلال ظروف اجتماعية محددة، قد تشمل حاجة البعض إلى الحصول على تصريح للعمل أو تصريح تجارة أو السفر أو حتى للعلاج.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن تحقيقات سابقة كشفت عن تجنيد ما لا يقل عن 30 من المسافرين عبر معبر «إيرز» إلى الضفة أو إسرائيل، وقد طُلب منهم جمع معلومات عن «حماس» مقابل إصدار التصاريح.

ولا تعتمد إسرائيل على العامل البشري فحسب، بل تستخدم أيضاً الذكاء الاصطناعي، وأدوات تكنولوجية مختلفة.

وتعمل طائرات تجسسية في سماء قطاع غزة من دون توقف، وهي طائرات متصلة بالذكاء الاصطناعي ويمكن من خلالها التعرّف على وجوه وأصوات قيادات على مدى كيلومتر واحد في مربع جغرافي ما، كما تقول مصادر أمنية فلسطينية في غزة. وهذا ما حصل، كما يبدو، مع القيادي في «الجهاد الإسلامي» إياد الحسني الذي اغتيل في مايو (أيار) 2023 الماضي، حينما كان يتحدث عبر خط يوصف بأنه «آمن»، ليتبين من خلال تحقيقات معمقة جرت لاحقاً أن إسرائيل نجحت في تحديد بصمة الصوت، وقتلته فوراً.

وأكدت إسرائيل أنها تستخدم فعلاً الذكاء الاصطناعي في حربها ضد غزة، وهي مسألة أثارت الكثير من الجدل.

آلية إسرائيلية مدمرة في حي الشجاعية بغزة يوم 10 يوليو (أ.ف.ب)

ومعروف أن الإسرائيليين يتتبعون أجهزة الاتصال الخليوي وكذلك اللاسلكي في غزة، وقصفوا العديد من النشطاء خلال استخدام هذه الأجهزة، مما دفع «حماس» في السنوات الأخيرة إلى إنشاء شبكة اتصال أرضية خاصة بها.

وأدخلت إسرائيل التكنولوجيا في مسألة تحديد وتحييد الأنفاق كذلك.

والاعتماد على المتعاونين مستمر في الحرب الحالية رغم العديد من الحملات التي أطلقتها «حماس» في السابق ضدهم، وقادت إلى إعدام بعضهم و«توبة» بعضهم.

واعترفت مصادر في «حماس» بوجود خروقات دائماً.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «لا يُعد ذلك إنجازاً لإسرائيل. نعمل وفق قاعدة أن ذلك (الاختراق) ممكن في كل لحظة، ونتخذ تدابير. نتبع نهجاً أمنياً معقداً، ولا يوجد مكان واحد فوق الأرض أو تحتها يمكث فيه أي شخص (قيادي) لفترة طويلة. الخروفات الأمنية واردة، وليس فقط داخل الفصائل الفلسطينية وخارجها. نحن نتحدث عن منظومة أمنية استخباراتية تمتلك الكثير من القدرات. في النهاية كل قيادي ومقاوم عندما ينخرط في مشروع المقاومة يعرف المصير الممكن أو يواجهه في النهاية. ولا تتوقف مسيرة تنظيم على شخص هنا أو هناك. المقاومة تعلّمت الدروس ولديها هرم تنظيمي متدرج يستطيع قيادة العمل وفق أصول محددة».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.


مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
TT

مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الجمعة، مقتل ستة أشخاص بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان، وذلك رغم سريان وقف إطلاق نار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة في بيان «غارات العدو الإسرائيلي على جنوب لبنان اليوم 24 أبريل (نيسان)، أدت إلى استشهاد 6 مواطنين وجرح اثنين» آخرين.


مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، الجمعة، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

وقبل الجمعة، عقد قادة «الإطار التنسيقي»، وهو ائتلاف حاكم يضم فصائل شيعية ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران وكان قد رشّح المالكي في البداية، اجتماعات عدة هذا الأسبوع لإجراء مشاورات مكثفة لحسم ملف رئاسة الحكومة، من دون التوصل إلى نتيجة.

وأفادت وكالة الأنباء العراقية الرسمية، بعد اجتماع الجمعة، بأنهم سيجتمعون مجددا السبت لـ «حسم مرشح منصب رئاسة الوزراء»، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد في يناير (كانون الثاني) بوقف دعم العراق في حال عودة المالكي الذي شغل رئاسة الحكومة لولايتين ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران، إلى المنصب.

وفي العراق، يؤدي ترشيح الكتلة الشيعية الأكبر عمليا إلى وصول مرشح إلى السلطة عبر تكليف رئاسي، لكن تهديدات ترمب أعادت خلط الأوراق.

ورغم أن «الإطار التنسيقي» لم يسحب رسميا دعمه للمالكي، فإن قادته يناقشون أسماء بديلة محتملة.

ومن بين هذه الأسماء رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، وباسم البدري الذي يرأس لجنة تُعنى بمنع أعضاء حزب «البعث» الذي كان يتزعمه صدام حسين من تولي مناصب عامة.

ولطالما سعى العراق إلى الموازنة بين نفوذ حليفيه، إيران المجاورة والولايات المتحدة، الخصم اللدود لطهران.


الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
TT

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

حذّرت الأمم المتحدة، الجمعة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

وأشارت إلى أنّ هذه القنابل والقذائف، بل وحتى الرصاصات، باتت منتشرة في مختلف أنحاء القطاع منذ اندلاع الحرب التي شنّتها إسرائيل عقب هجوم غير مسبوق لحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويُظهر مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أنّ أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم في غزة نتيجة وجود هذه الذخائر المرتبطة بالنزاع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

غير أنّ الحصيلة الفعلية «يرجّح أن تكون أعلى بكثير»، وفق ما قال يوليوس فان دير فالت، المسؤول عن هذه الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأضاف، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أنّ «نحو نصف الضحايا من الأطفال».

ومن جانبها، أسفت نارمينا ستريشينيتس من منظمة «سايف ذا تشيلدرن» على الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في غزة.

ووفق تقرير نشرته المنظمة العام الماضي، فإن استخدام الأسلحة المتفجرة في القطاع تسبّب شهرياً في المتوسط بإصابة 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة. وقالت ستريشينيتس إن غزة تضم اليوم «أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف» في العالم.

وأوضح فان دير فالت أنّ الدائرة الأممية لم تتمكّن بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، لكن البيانات المتاحة تُظهر «كثافة مرتفعة» من التلوث بالذخائر غير المنفجرة في القطاع.

وقد أحصت الدائرة حتى الآن أكثر من ألف ذخيرة خلال عمليات نفّذتها على مدى العامين ونصف العام الماضيين.

وأشار إلى أنّ ذلك يعادل «ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريباً»، لافتاً النظر إلى أنّ هذا الرقم يقتصر على ما تم رصده فقط.

ويُضاف إلى ذلك الكثافة السكانية العالية جداً في غزة، التي كانت قبل الحرب من بين أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم بنحو ستة آلاف نسمة في الكيلومتر المربع، على حد قوله، مشيراً إلى أنّ الحرب خفّضت فعلياً المساحة المتاحة إلى النصف وضاعفت الكثافة.

وقال إن «الأسلحة المتفجرة تُستخدم في كل أنحاء القطاع، بما في ذلك في مخيمات لاجئين شديدة الاكتظاظ»، مستشهداً بحادثة حديثة عُثر فيها على بقايا ذخائر داخل خيمة مأهولة منذ أسابيع. كما حذّر من أنّ القوافل الإنسانية قد تتسبّب بانفجارات في أثناء عبورها القطاع.

وقدّر فان دير فالت أنّ التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلّب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار، شرط الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة.

وحذّر من أنّ حجم التلوث، ولا سيما في الأنقاض، يجعل من شبه المستحيل إجراء تقييم كامل، مرجّحاً أن تبقى هذه المتفجرات مشكلة لعقود.

وأشار إلى العثور حتى اليوم على قنابل من الحرب العالمية الثانية في مواقع بناء في المملكة المتحدة، معتبراً أنّ «أمراً مشابهاً قد يحدث» في قطاع غزة.