ما دور المتعاونين في العمليات الإسرائيلية داخل غزة؟

تجنيد فلسطينيين عاديين وناشطين في الفصائل وأشخاص في بيئة المستهدفين بالاغتيالات

TT

ما دور المتعاونين في العمليات الإسرائيلية داخل غزة؟

دمار في موقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس يوم 13 يوليو في إطار عملية لاغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)
دمار في موقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس يوم 13 يوليو في إطار عملية لاغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)

أعادت محاولة اغتيال محمد الضيف، القائد العام لـ«كتائب القسّام» في قطاع غزة، بعد أكثر من 3 عقود من المطاردة المعقدة، وهي محاولة لم تُحسم نتائجها بعد... تسليط الضوء على مسلسل طويل من الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل خارج الأراضي الفلسطينية وداخلها، وطالت حتى الآن قائمة طويلة من القادة الفلسطينيين من كل الفصائل، بالإضافة إلى شخصيات من جنسيات مختلفة.

ولعقود طويلة عندما كانت قواعد الثورة الفلسطينية في الخارج تمكّن جهاز «الموساد»، الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، من اغتيال العديد من القادة الفلسطينيين في عواصم مختلفة. ومنذ قيام السلطة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية، في بداية التسعينات، نجح جهاز «الشاباك»، المكلف الحفاظ على الأمن الداخلي في إسرائيل، في اغتيال قائمة أخرى طويلة من القادة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، في حرب بدت اليد العليا فيها لإسرائيل.

زعيم حركة «حماس» في غزة يحيى السنوار (رويترز)

ونجاح إسرائيل في الوصول إلى قادة «حماس» و«القسّام» في قطاع غزة، بعد 9 أشهر من الحرب الحالية، لا يزال محل نقاش. فهناك من يرى أن عدم الوصول إلى شخصيات وازنة من «حماس» بعد 9 أشهر من الحرب، يشير إلى إخفاقات، إذ لم يتأكد حتى الآن أن إسرائيل نجحت فعلاً في اغتيال الضيف، كما أنها لم تصل إلى قائد «حماس» في غزة يحيى السنوار ولا إلى شقيقه محمد. لكنَّ آخرين يرون أن اغتيال الضيف، إذا ما صحّ، ونائبه مروان عيسى، وقادة ألوية في «القسّام»، يُمكن أن يُعد إنجازاً كبيراً لإسرائيل.

وقبل أيام، نفّذت الدولة العبرية هجوماً ضخماً استهدف قتل الضيف الذي ظل شبحاً تطارده منذ أكثر من 30 عاماً، في عملية معقدة تدفقت خلالها معلومات يصفها الإسرائيليون بأنها «ذهبية» نظراً إلى قيمتها الكبيرة، حول مكان وجوده قرب خان يونس بجنوب قطاع غزة. وهي قتلت قبل ذلك نائبه مروان عيسى، كما قتلت قائد لواء خان يونس في «القسّام» رافع سلامة (في الضربة ذاتها التي استهدفت الضيف)، وأيمن نوفل، قائد لواء الوسطى، وأحمد الغندور قائد لواء الشمال، إلى جانب قائد الوحدة الصاروخية أيمن صيام، وعضوي المكتب السياسي لـ «حماس» في غزة زكريا أبو معمر وجواد أبو شمالة، وآخرين.

القيادي في «حماس» مروان عيسى (متداولة)

ومما لا شك فيه إن إسرائيل نجحت في الوصول إلى أماكن كثيرين من القادة البارزين والميدانيين، بعضهم قُتل فعلاً وبعضهم نجا أو أُصيب.

فكيف تصل إسرائيل إلى قادة الفصائل في غزة؟

تتنوع مصادر أجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية في الوصول إلى قيادات «حماس» والفصائل الأخرى. أحد هذه المصادر هو العامل البشري الذي يساعد بشكل كبير في تشخيص الأهداف وتتبعها، ويعين على تحديد الأماكن ووقت تنفيذ الهجمات. وتستخدم إسرائيل عملاء لها على الأرض منذ عقود، وقد بنت «جيشاً منهم»، حسب بعض المصادر التي تقول إن هؤلاء قدَّموا للإسرائيليين «خدمات كبيرة ساعدت في تعقّب مطلوبين وتسهيل عمليات اغتيالهم».

وكشفت تحقيقات مستفيضة أجرتها السلطة وفصائل فلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة في السنوات الماضية، عن أن كل عملية اغتيال في الضفة أو غزة شارك فيها بصورة أو بأخرى عملاء فلسطينيون، حتى إن بعضهم شارك في تنفيذ هذه الاغتيالات.

وقالت مصادر ميدانية في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط» إن العامل البشري يعد أحد أهم العوامل في عملية التجسس لأي جهاز استخباراتي، مؤكدةً أن المقاومة والأجهزة الأمنية الحكومية في غزة ضبطت على مدار سنوات مئات المرتبطين بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية وكان هؤلاء يقدمون معلومات متفاوتة القيمة للجهات التي تشغلهم. وتابعت المصادر أن إسرائيل نجحت أحياناً في تجنيد أشخاص حتى داخل التنظيمات الفلسطينية، وفي بيئة الشخص المستهدف، تنظيمياً وعائلياً، أو من خلال علاقاته الاجتماعية (مثل الأقارب والجيران).

جنود إسرائيليون على الحدود مع قطاع غزة يوم 16 يوليو الجاري (رويترز)

وكشفت المصادر عن أن قيادات من الصفين الثاني والثالث ونشطاء في الفصائل كُشفت علاقتهم بإسرائيل بعدما ساهموا في تحديد مواقع قيادات ومواقع تصنيع أسلحة وصواريخ وحتى أنفاق.

وحسب تفاصيل اطّلعت عليها «الشرق الأوسط» فإن (أ.ش)، وهو فلسطيني من مدينة غزة وأُعدم عام 2021، كان ناشطاً بارزاً في أحد الأجنحة العسكرية لفصيل صغير مقرب من «حماس»، وكانت له علاقات واسعة جداً مع قيادات بارزة ووازنة داخل الأجنحة العسكرية الأخرى للفصائل وليس فقط داخل الفصيل الذي كان ينشط فيه، واعترف بأنه قدّم معلومات خطيرة أوصلت إلى أماكن تصنيع أسلحة وصواريخ وكذلك الوصول إلى شخصيات تعمل في هذا المجال. وليس واضحاً هل قدّم اعترافاته المزعومة تحت الضغط.

أما (ص.د) وهو أيضاً من سكان مدينة غزة وينشط في مجال تصنيع الصواريخ، فقد اكتُشف وهو يحمل في مفتاح مركبته الخاصة كاميرا صغيرة جداً قام من خلالها بتوثيق مكان مهم يُستخدم في عمليات التصنيع وتعرض لاحقاً للقصف، حسبما قالت المصادر ذاتها.

أرشيفية لمحمد الضيف

ونجحت المخابرات الإسرائيلية في إحدى المرات في تجنيد ناشط عسكري، وأوصلت له حذاءً رياضياً تبيّن لاحقاً أنه يحوي شرائح إلكترونية تجسسية ساعدت في مسح الأنفاق التي كان يدخلها في مناطق مختلفة من شمال القطاع، وجرى اعتقاله، لكنه نجح في الفرار إلى خارج القطاع. وساعد آخر يعمل في مجال حفر الأنفاق، إسرائيل على تحديد أماكن هذه الأنفاق، وأظهرت التحقيقات أنه ارتبط بمشغليه عن طريق الإنترنت.

وفي قصة مثيرة، أكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» اعتقال فتاة عام 2015 تبيّن أنها ساعدت جزئياً في محاولة اغتيال قائد «القسّام» محمد الضيف، داخل مبنى في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة. وأدت المحاولة حينها إلى مقتل زوجته واثنين من أطفاله، لكنه نجا. وأوضحت المصادر أن ضباط المخابرات أوصلوا إلى الفتاة معلومات تقريبية حول شكل الضيف المفترض، وطلبوا منها بعد أن جنّدوها سابقاً، التوجه إلى الشقة السكنية التي توجد بها زوجة الضيف ومعرفة ما إذا كان بداخل الشقة أي رجل، قبل أن تعطي إشارة لهم بسماعها صوت شخص داخل الشقة غير الزوجة والأطفال، وبعدها قصفت إسرائيل المكان.

دمار في حي الشجاعية شرق مدينة غزة يوم 11 يوليو (أ.ف.ب)

وقبلها قتل ناشطون في فصيل مسؤولاً أعلى منهم اتضح أنه ساهم في اغتيال قادة في الفصيل.

ولعل آخر ما كُشف عن «حرب الجواسيس والعملاء» في الحرب الحالية على القطاع، هو تورط ناشط من القائمين على حراسة الأسرى الإسرائيليين في كشف مكانهم بعد تجنيده من جهاز الشاباك. ولم تُكشف تفاصيل كل ما قام به بعد، خصوصاً أنه تمكن من الفرار خارج القطاع، حسبما تقول المصادر الأمنية ذاتها في غزة.

لكنَّ معلوماته ساعدت، كما يبدو، على نجاح قوة إسرائيلية خاصة في الوصول إلى 4 أسرى إسرائيليين واستعادتهم من مخيم النصيرات (وسط غزة)، حيث كان المشتبه به، بالتعاون مع جهاز الأمن الإسرائيلي، يعرف تفاصيل عن طريقة حراسة الأسيرة نوعا أرغماني. وما زالت «حماس» تحقق في ظروف هذا الخرق الأمني.

صور على جدار في القدس لمحتجزين إسرائيليين لدى حركة «حماس» يوم 26 فبراير الماضي (أ.ب)

وكانت إسرائيل قد عرضت دفع أموال طائلة بداية الحرب مقابل الإبلاغ عن أماكن قادة «حماس» أو المختطفين.

لكن المال ليس بالتأكيد الدافع الوحيد لبعض الفلسطينيين.

وتعتمد إسرائيل على أساليب عدة في تجنيد العملاء لصالحها، من بينها الإسقاط الجنسي، الذي نجح في كثير من الحالات، حيث أُجبر هؤلاء على التعاون خوفاً من الفضيحة. كما تعمل إسرائيل على استغلال الوضع الاقتصادي، ودفع أموال، أو تمويل مشاريع صغيرة مقابل التعاون، إضافةً إلى استغلال ظروف اجتماعية محددة، قد تشمل حاجة البعض إلى الحصول على تصريح للعمل أو تصريح تجارة أو السفر أو حتى للعلاج.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن تحقيقات سابقة كشفت عن تجنيد ما لا يقل عن 30 من المسافرين عبر معبر «إيرز» إلى الضفة أو إسرائيل، وقد طُلب منهم جمع معلومات عن «حماس» مقابل إصدار التصاريح.

ولا تعتمد إسرائيل على العامل البشري فحسب، بل تستخدم أيضاً الذكاء الاصطناعي، وأدوات تكنولوجية مختلفة.

وتعمل طائرات تجسسية في سماء قطاع غزة من دون توقف، وهي طائرات متصلة بالذكاء الاصطناعي ويمكن من خلالها التعرّف على وجوه وأصوات قيادات على مدى كيلومتر واحد في مربع جغرافي ما، كما تقول مصادر أمنية فلسطينية في غزة. وهذا ما حصل، كما يبدو، مع القيادي في «الجهاد الإسلامي» إياد الحسني الذي اغتيل في مايو (أيار) 2023 الماضي، حينما كان يتحدث عبر خط يوصف بأنه «آمن»، ليتبين من خلال تحقيقات معمقة جرت لاحقاً أن إسرائيل نجحت في تحديد بصمة الصوت، وقتلته فوراً.

وأكدت إسرائيل أنها تستخدم فعلاً الذكاء الاصطناعي في حربها ضد غزة، وهي مسألة أثارت الكثير من الجدل.

آلية إسرائيلية مدمرة في حي الشجاعية بغزة يوم 10 يوليو (أ.ف.ب)

ومعروف أن الإسرائيليين يتتبعون أجهزة الاتصال الخليوي وكذلك اللاسلكي في غزة، وقصفوا العديد من النشطاء خلال استخدام هذه الأجهزة، مما دفع «حماس» في السنوات الأخيرة إلى إنشاء شبكة اتصال أرضية خاصة بها.

وأدخلت إسرائيل التكنولوجيا في مسألة تحديد وتحييد الأنفاق كذلك.

والاعتماد على المتعاونين مستمر في الحرب الحالية رغم العديد من الحملات التي أطلقتها «حماس» في السابق ضدهم، وقادت إلى إعدام بعضهم و«توبة» بعضهم.

واعترفت مصادر في «حماس» بوجود خروقات دائماً.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «لا يُعد ذلك إنجازاً لإسرائيل. نعمل وفق قاعدة أن ذلك (الاختراق) ممكن في كل لحظة، ونتخذ تدابير. نتبع نهجاً أمنياً معقداً، ولا يوجد مكان واحد فوق الأرض أو تحتها يمكث فيه أي شخص (قيادي) لفترة طويلة. الخروفات الأمنية واردة، وليس فقط داخل الفصائل الفلسطينية وخارجها. نحن نتحدث عن منظومة أمنية استخباراتية تمتلك الكثير من القدرات. في النهاية كل قيادي ومقاوم عندما ينخرط في مشروع المقاومة يعرف المصير الممكن أو يواجهه في النهاية. ولا تتوقف مسيرة تنظيم على شخص هنا أو هناك. المقاومة تعلّمت الدروس ولديها هرم تنظيمي متدرج يستطيع قيادة العمل وفق أصول محددة».


مقالات ذات صلة

قصف مدفعي وإطلاق نار إسرائيلي مكثف في غزة... وإصابة طفلة فلسطينية

المشرق العربي مشيّعون خلال جنازة ثلاثة فلسطينيين بمستشفى الشفاء بمدينة غزة في 25 أكتوبر 2026 بعد مقتلهم في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى الجامعة الإسلامية (أ.ف.ب)

قصف مدفعي وإطلاق نار إسرائيلي مكثف في غزة... وإصابة طفلة فلسطينية

أصيبت طفلة فلسطينية، اليوم الأربعاء، برصاص طائرة مسيّرة إسرائيلية، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
أوروبا علم مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» يرفرف في ميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا حيث تقام النسخة الـ71 من المسابقة عام 2027 (أ.ب)

هولندا تنسحب من «يوروفيجن» 2027 بسبب مشاركة إسرائيل

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة الهولندية «إن بي أو» انسحاب هولندا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» 2027، عازية القرار إلى الجدل حول مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (أمسترادم)
خاص مشيّعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص رسالة من «حماس» للوسطاء: لا نخطط لهجمات... وننتظر نتائج انتخابات إسرائيل

أظهرت حركة «حماس» اهتماماً بانتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تجري الثلاثاء، وسط آمال بأنها قد تكون بداية لنهاية أزمة تطبيق «خطة ترمب» في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية جنود من الجيش الإسرائيلي يقفون للحراسة أثناء إغلاقهم حاجز المركبات عند نقطة تفتيش غرب نابلس في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل 25 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل بارتكاب «إبادة» في الضفة الغربية

اتهمت لجنة دولية إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، من بينها جريمة «الإبادة»، وبمواصلة تنفيذ إبادة جماعية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشنّ سلاح الجو الأردني، الثلاثاء، غارات على جنوب سوريا، قالت عمّان إنها أوقعت أكثر من 20 قتيلاً من عناصر تنظيم «داعش»، ردّاً على إطلاق نار في كنيسة بالكرك جنوب الأردن، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين، وفق السلطات الأردنية.

وأكّدت السلطات الأردنية أن مهاجمي الكنيسة الثلاثة، وهم أردنيون، كانوا مرتبطين بتنظيمات متمركزة في الجنوب السوري؛ حيث شنّت غاراتها.

وأعلنت «الخارجية السورية»، مساء الأربعاء، استدعاء السفير الأردني وتسليمه «مذكرة احتجاج على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا».

وجاء ذلك بعد ساعات من إعادة سوريا فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، إثر إغلاقه بُعيد الضربات الأردنية التي طالت، وفق الدفاع المدني السوري، قرية في محافظة السويداء و3 قرى في محافظة درعا، موقعة 7 قتلى بينهم امرأة و3 أطفال، وفق دمشق.

وشكّلت الضربات التي أثارت غضباً واسعاً في سوريا واحدة من كبرى الأزمات في العلاقات بين البلدين منذ وصول السلطات السورية الجديدة إلى الحكم إثر إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما تبادلا الزيارات الرسمية مراراً.

وفي محاولة للتهدئة، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليل الثلاثاء اتصالاً بنظيره السوري أسعد الشيباني أكد فيه، وفق بيان مشترك، «احترام الأردن الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها»، وأعرب خلاله عن «بالغ الأسف والألم على سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء».

وكانت دمشق قد ندّدت بالغارات الأردنية وعدّتها «انتهاكاً واختراقاً غير مقبول للأجواء السورية دون أي تنسيق مسبق».

وأكّدت أن «هذا التصرّف الميداني أمر مرفوض جملة وتفصيلاً... لكونه يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية السورية». إلا أن الأردن أكّد الثلاثاء أنه نسّق الضربات مع دمشق.

وقال وزير الاتصال الحكومي والناطق باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، الثلاثاء، إن عمليات القصف «استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)، بعد أن نفد صبر الأردن إزاء تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

وخلال الاتصال الهاتفي، اتفق الصفدي والشيباني، وفق البيان المشترك، على «تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع تفاصيل وحقائق العمليات الأخيرة ومتابعة تداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري للتعامل مع التهديدات الإرهابية».

وسبق أن شنّ الأردن غارات على جنوب سوريا استهدفت شبكات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب مشاركته في غارات ضمن «التحالف الدولي» الذي قادته الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق.


بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
TT

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)

تشير المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو بناء شراكة استراتيجية، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وقالت مصادر في دمشق إن زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق، الأربعاء، شكلت «منعطفاً جوهرياً»، في إطار العلاقات بين البلدين على المدى المنظور، وعلى المدى البعيد، وفي حال تحققت الأهداف التي بنيت عليها الزيارة.

وتكمن أهمية الزيارة كونها الأولى لرئيس حكومة اتحادية في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وأتت تتويجاً «لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين، عكسته سلسلة زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية ومسؤولي أجهزة الاستخبارات»، بحسب الباحث في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقارب ترافق مع الاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك في يونيو (حزيران) الماضي، وتطوير التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والتهريب عبر الحدود، فضلاً عن التعاون في ملف سجناء «تنظيم داعش»، ونجاح تجربة نقل الفيول العراقي بالصهاريج إلى بانياس لتصديره.

لقاء الشرع - الزيدي بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية السوريين ومن الجانب العراقي نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصاد ووزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل وعدد من المسؤولين

تمنح زيارة الزيدي، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، دعماً سياسياً على مستوى رئاسة البلدين لمسارات تعاون، اختبر الطرفان جدواها عملياً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يعكس تنامي قدرة المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة على بناء الثقة وتوسيع العلاقة بين بغداد ودمشق. وفق الباحث عاصي.

وتجمع البلدين؛ سوريا والعراق، قواسم مشتركة، كما يتناقضان في قضايا متباعدة، وفق رئيس «مركز دراسات النهضة» بدمشق عبد الحميد توفيق، الذي وصف زيارة الزيدي بـ«المنعطف الجوهري». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه من القواسم المشتركة إمكانية تصنيف البلدين «بؤرتي توتر في الإقليم والمنطقة، وأيضاً نقطتي استقطاب للقوى الإقليمية والدولية». ويمكن للتوتر في المنطقة أن يؤجل كثيراً تواصلهما، كما قد يؤجل كثيراً تناقضهما. لكن هناك قوى إقليمية وقوى دولية ذات مصلحة في عودة العلاقات بين البلدين الجارين إلى حالة من الاستقرار والهدوء، بما يخدم مصالح الجميع، سواء قوى إقليمية (تركيا) أو قوى دولية (خاصة الولايات المتحدة الأميركية) التي تلوّح بالخروج من المنطقة على الصعيدين الأمني والعسكري لاحقاً.

عمال يملأون شاحنات صهريجية عراقية بالبنزين في محطة بانياس النفطية بمحافظة طرطوس السورية (د.ب.أ)

في السياق، أفادت مصادر قريبة من الحكومة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، بمناقشة زيارة الوفد العراقي عدداً من الملفات الحيوية، في دمشق، في مقدمتها ملف النفط والطاقة، وتأمين منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا، وتوقيع مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب «حديثة - بانياس» الاستراتيجي. ومن المتوقع تنفيذ المشروع مع شركات إقليمية ودولية كبرى، أبرزها شركة «شيفرون» الأميركية.

كما جرى بحث العلاقات التجارية، في ظل ما تشهده الحدود السورية ـ العراقية من تنامٍ سريع في حركة النقل، مع عبور أكثر من 140 ألف شاحنة (بين استيراد وتصدير وترانزيت) من العراق إلى سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية.

يذكر أن سوريا والعراق تشتركان بحدود تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، يعدّ ضبطها الركيزة الأساسية للاستقرار الجيوسياسي الإقليمي. وتناولت المباحثات سبل تحقيق بيئة آمنة للمشاريع الاستثمارية الواعدة. إضافة إلى بحث ملف الأمن المائي والزراعي والمساحات الزراعية المشتركة التي تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم.

زار رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي الجامع الأموي في دمشق ورافقه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

وتسعى الحكومتان؛ السورية والعراقية، إلى تطوير مسارات ربط لوجستي ممتدة من ميناء الفاو العراقي وصولاً إلى ميناء طرطوس السوري، في خطوة تهدف إلى ربط أسواق الخليج العربي بالأسواق الغربية عبر الأراضي السورية.

ورغم أهمية التطورات الإيجابية المتسارعة في العلاقات الاقتصادية السورية ـ العراقية، فإنها تتركز على الشق التجاري، بحسب ما قالته مصادر اقتصادية في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، رأت في ذلك تقارباً أو تعاوناً فرضته التوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز، في حين يجب على بلدين جارين بتاريخهما وجغرافيتهما المشتركة أن يدعما هذا التعاون والتنسيق بتكامل اقتصادي، يشمل القطاعات الإنتاجية، في إطار التنمية المستدامة التي يحتاجها البلدان. وأشارت المصادر إلى أن التحديات السياسية الإقليمية والدولية كانت تاريخياً عائقاً أمام تطوير بناء تكامل الاقتصادي مستدام بين البلدين.

الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

الباحث عبد الحميد توفيق تحدث عن وجود «منغصات كثيرة قد تعترض إنجاز العلاقات بين الجانبين، كما هو مأمول أو بوقت مبكر، منها ما يتصل بالعراق، وهو إيران ذات المصلحة بعدم استقرار العلاقات السورية ـ العراقية، ومحاولتها إبقاء أذرعها في البلد (عاملة فاعلة) حتى تحقق أهدافها، في ظل ما تتعرض له من حصار واحتمالات حرب تلوح مؤشراتها في المنطقة. أما المنغصات المتصلة بالجانب السوري فهو إسرائيل التي تسعى دائماً إلى خلق حالة توتر وعدم استقرار في سوريا على كل المستويات».

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (أ.ف.ب)

ويمكن للجانب الاقتصادي أن يشكل حاضنة أساسية ورافعة لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين، بحسب الباحث عبد الحميد توفيق، وأيضاً للجانب الأمني «لاشتراك البلدين بتحديات أمنية كثيرة، وامتلاكهما القدرة على الفعل معاً»، لافتاً إلى أن «تنظيم داعش» يشكل تهديداً للبلدين، مشيراً هنا إلى وجود عناصر من «تنظيم داعش» مسجونين في العراق وفي سوريا، ما يعدّ «معضلة كبيرة، في ظل رفض بعض الدول الأوروبية الموافقة على استعادتهم. ما يبقيهم قنبلة موقوتة في البلدين».

وخلال الزيارة، كان ملف المعتقلين السوريين في العراق، ويتجاوز عددهم 3 آلاف معتقل، في مقدمة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، إذ طلب الجانب السوري تصنيفهم قانونياً تمهيداً لإعادتهم إلى بلادهم. وطرح الجانب العراقي استئناف الحج الديني إلى المقامات الشيعية وتأمين سلامة الزوار.

وبحسب المعطيات، تظهر دمشق وبغداد جدية في تغليب دبلوماسية المصالح المشتركة وصياغة منظومة أمنية واقتصادية كفيلة بضمان الاستقرار في العلاقات. ويقول الباحث عبد الحميد توفيق إن «الآفاق واعدة، طالما أن الإرادة السياسية متوفرة»، وطالما هناك «قوى إقليمية عربية ودولية لها مصلحة في استقرار العلاقات بين البلدين مستقبلاً».


قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
TT

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قال الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه مَن يحكم إسرائيل، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيواصل مواجهة «العدوان»، وذلك غداة انتخابات محتدمة في الدولة العبرية لم تسفر عن فائز واضح، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتقدّم معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد فرز أكثر من 85 في المائة من الأصوات، بفارق طفيف، لكنه ظل دون الأغلبية في انتخابات الثلاثاء، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي دفع إسرائيل إلى شن حرب على قطاع غزة، بالإضافة إلى خوضها حربين مع «حزب الله» في لبنان في عامَي 2024 و2026 وكذلك مع إيران.

وقبل أسبوع من انعقاد الانتخابات، توعّد نتنياهو بأن إسرائيل لن تتردد في ضرب أعدائها «في اللحظة التي يصبح فيها ذلك ضرورياً».

وقال قاسم في بيان: «لا يعنينا مَن يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب. لكن فليعلم أنَّه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله، وعليه أن يخرج من أرضنا».

وأكّد قاسم كذلك أن «المقاومة مستمرة... وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محلَّ للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً».

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح الحزب، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش بتنفيذها.

لكن «حزب الله»، الذي يرفض نزع سلاحه، انخرط مجدداً في المواجهة بشنه مطلع مارس (آذار) هجمات على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ما أعاد لبنان إلى الحرب.

وردّت إسرائيل بقصف مكثف على لبنان، واحتلال قسم من أراضيه، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص، وفق السلطات.

وكانت حدة الأعمال العدائية في لبنان قد تراجعت منذ أواخر يونيو (حزيران) بفضل مذكرة تفاهم إيرانية - أميركية، واتفاق إطار أبرم بين حكومتي لبنان وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2026.

مع ذلك، تواصل إسرائيل شنّ ضربات، قائلة إنها تستهدف بنى تحتية لـ«حزب الله» في الجنوب اللبناني. ولم يعلن الحزب مسؤوليته عن أي هجمات منذ إبرام اتفاق الإطار.