قمة البحر الميت: لزيادة المساعدات لغزة ودعم وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن

الأردن يحذر من خطورة الوضع في الضفة الغربية... ومصر تحمل إسرائيل عواقب حربها التدميرية للقطاع

صورة للمنصة الرئيسية للمؤتمر (رويتر)
صورة للمنصة الرئيسية للمؤتمر (رويتر)
TT

قمة البحر الميت: لزيادة المساعدات لغزة ودعم وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن

صورة للمنصة الرئيسية للمؤتمر (رويتر)
صورة للمنصة الرئيسية للمؤتمر (رويتر)

دعا القادة المشاركون في «قمة الاستجابة للأزمة الإنسانية في غزة» التي استضافها الأردن في منطقة البحر الميت، الثلاثاء، إلى تيسير دخول المساعدات بكميات أكبر إلى القطاع الذي دمرته الحرب، و«إرساء وقف فوري ودائم لإطلاق النار يحظى بالاحترام الكامل، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن وجميع المدنيين المحتجزين بشكل غير قانوني».

وشدّد البيان الختامي للمؤتمر على إنهاء العملية المستمرة في رفح، وتنفيذ التدابير المؤقتة التي أشارت إليها محكمة العدل الدولية، وضمان الاحترام الكامل للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والسماح وتسهيل وتمكين الوصول الفوري والآمن ودون عوائق للمساعدات الإنسانية بالكمية والجودة المطلوبين، على نطاق واسع، إلى غزة وفي جميع أنحائها، وضمان الظروف اللازمة لعودة آمنة وكريمة للفلسطينيين المهجرين في قطاع غزة، وتوفير الدعم اللازم والتمويل المستدام والشفاف وطويل الأجل لتمكين «الأونروا» من القيام بواجباتها حسب تكليفها الأممي، ومواصلة أنشطتها وخدماتها الأساسية والحيوية للشعب الفلسطيني في غزة، وجميع مناطق عملها، بما في ذلك من خلال أنشطة التعافي المبكر.

كما دعا البيان إلى «تكثيف الجهود الدبلوماسية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وإطلاق مسار ذي مصداقية لا رجعة فيه لتنفيذ حلّ الدولتين، يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة المتصلة جغرافياً والقابلة للحياة وذات السيادة، بما يتماشى مع المعايير المتفق عليها على خطوط (4 حزيران 1967)، لتعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن وسلام، على أساس قرارات (الأمم المتحدة) ذات الصلة والاتفاقيات السابقة والقانون الدولي».

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أكد مواصلة بلاده إرسال المساعدات إلى قطاع غزة عن طريق البر، رغم العوائق، ومواصلة عمليات الإنزال الجوي. وعدّ الملك عبد الله الثاني في كلمته بالجلسة الرئيسية في مؤتمر «الاستجابة الإنسانية الطارئة في غزة» أن بدء العملية العسكرية في رفح أدى إلى تفاقم الوضع المتردي، بعد تهجير ما يقارب المليون من سكان غزة قسراً مرة أخرى، وحرمانهم من الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى والدواء»، مضيفاً: «حتى أولئك الذين نزحوا مراراً وتكراراً بحثاً عن الأمان، يتم استهدافهم، لا يوجد لهم مكان آمن».

ودعا عبد الله الثاني المجتمع الدولي إلى «التركيز المباشر على الحاجة إلى آلية قوية للتنسيق تشمل جميع الأطراف». وقال: «إن فضّ الاشتباك بشكل مؤثر وشامل بين الجهات الفاعلة على الأرض أمر أساسي لضمان قدرة وكالات الإغاثة على العمل والتنظيم وأداء واجباتها بأمان وبشكل كافٍ ومستدام».

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (د.ب.أ)

وأضاف أن «الممر البري هو الطريقة الأكثر فاعلية لتدفق المساعدات إلى غزة، وهناك حاجة ماسة للموارد الدولية للتركيز على ذلك بشكل عاجل. ويجب أن نكون مستعدين الآن لنشر عدد كافٍ من الشاحنات لتوصيل المساعدات بشكل يومي، وهناك حاجة إلى مئات الشاحنات داخل غزة، ومزيد من المساعدات لضمان تدفقها المستمر بشكل فاعل عبر الطرق البرية إلى غزة، ولا يمكننا أن ننتظر شهوراً لحشد هذه الموارد، فما لدينا اليوم هو ببساطة بعيد كل البعد عما نحتاجه».

وفيما حذّر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من أنه «دون تحرك من جانب جميع الحاضرين، فإن التوترات في الضفة الغربية يمكن أن تتفاقم إلى صراع أوسع، من شأنه أن يترك أثراً مدمراً على المنطقة»، لفت إلى أن «بلاده قامت بالفعل بإرسال المساعدات إلى الضفة الغربية منذ أشهر لدعم الفلسطينيين في هذه الظروف الصعبة».

وشارك في مؤتمر «الاستجابة الإنسانية الطارئة في غزة» أكثر من «90» دولة، بحضور زعماء دول ورؤساء حكومات، في تظاهرة قد تكون هي الكبرى تحت مظلة «الاستجابة الإنسانية العاجلة» لقطاع غزة الذي ما زال يتعرض لحرب تدمير وإبادة تشنّها إسرائيل.

وفيما تمثل منطقة البحر الميت النقطة الأقرب إلى فلسطين، وهي الضفة المقابلة لمنطقة أريحا، وبالقرب منها نقاط الجسور لحركة المسافرين بين البلدين، فإن المراقبين عدّوا أن التظاهرة الدولية التي شهدتها قاعة قصر المؤتمرات المطلة على الجانب الفلسطيني، تضع إسرائيل في وضع حرج، يفرض عليها نطاقاً واسعاً من العزلة، وضغطاً متزايداً عليها من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار، ووضع حدّ لحرب الإبادة التي يتعرض المدنيون في قطاع غزة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (إ.ب.أ)

وإذ تزامنت ساعات عقد المؤتمر مع أصداء تبنى مجلس الأمن القرار رقم «2735» الذي يدعم التوصل إلى اتفاق للوقف الشامل لإطلاق النار، وصفقة للتبادل، بما يضمن وصول المساعدات الإنسانية الكافية والمستدامة لجميع أنحاء القطاع، ورفض القرار لمحاولات فرض تغيير ديموغرافي أو جغرافي في قطاع غزة، وإعادة التأكيد على الالتزام بحلّ الدولتين سبيلاً لتحقيق السلام، فإن الحشد الدولي الذي اجتمع في منطقة البحر الميت من شأنه تحقيق أهداف تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، وضمان تدفقها، وألا تخضع المسألة لأي مساومات سياسية يفرضها طرف من طرفي الصراع في الحرب المشتعلة.

ما سبق يحمل في طياته بحسب مراقبين «قطعاً للطريق على إسرائيل لدى محاولتها الاستمرار في حصار قطاع غزة، ووضع الضرورات الإنسانية لسكان القطاع على طاولة أي مفاوضات تبحث عنها إسرائيل، لحظة وقف الحرب، فالحاجة الماسة اليوم - بحسب المراقبين - هي ضمان مرور المساعدات المستدامة، وألا يتحول قطاع غزة لرقعة جغرافية يسكنها اليائسون، الذين من السهل دفعهم نحو التطرف إزاء مواجهتهم ظروف الفقر وغياب فرص العمل، والمدة التي قد تتطلبها إعادة إعمار البنى التحتية للقطاع، واستئناف تأمين الخدمات الصحية والتعليمية ومتطلبات إدامة الحياة للسكان».

الرئيس الفلسطيني في المؤتمر (رويترز)

في حسابات الأردن، إن استمرار الحرب على غزة، وتفاقم الأوضاع الكارثية التي يعيشها المدنيون، سيساهمان بشكل كبير في تفجير الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، التي وصفها العاهل الأردني بـ«المتردية»، بدلالات استشهاد وإصابة مئات الأطفال، واستمرار اعتداءات المستوطنين، وتوسيع المستوطنات، والعقوبات الاقتصادية، والقيود على الحركة، والانتهاكات في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس. ومن هذه الزاوية، فإن الانعكاسات المباشرة ستشكل تهديداً مضاعفاً على الأمن الأردني.

خطابات ومواقف

في جلسة الافتتاح، تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن تنبيه بلاده المبّكر «من خطورة الحرب على غزة وتداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح التي أدت إلى وضع يعوق التدفقات الإغاثية»، داعياً إلى تنفيذ 4 أولويات تمثل خطوات فعالة، «من تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة في غزة، بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 2735 الصادر بالأمس، وإلزام إسرائيل بإنهاء الحصار والتوقف عن استخدام سلاح التجويع وتوفير الدعم اللازم لوكالة الغوث، وتوفير الظروف اللازمة للعودة الفورية للنازحين الفلسطينيين في القطاع إلى مناطق سكناهم»، معتبراً أن الحلول العسكرية والأمنية لن تجلب إلا مزيداً من «الاضطراب إلى المنطقة»، ومؤكداً على «أهمية منح الشعب الفلسطيني حقه المشروع في إقامة دولة قابلة للحياة». مطالباً المجتمع الدولي بـ«إلزام إسرائيل بالتوقف عن استخدام الجوع كسلاح في غزة وإزالة العراقيل أمام إيصال المساعدات الإنسانية»، معتبراً أن إسرائيل «هي المسؤولة عما يعيشه قطاع غزة من أزمة إنسانية غير مسبوقة»، وأن الحرب هي «نتاج متعمد لحرب انتقامية تدميرية ضد القطاع».

كما تحدث في الجلسة الافتتاحية الأمين العام لـ«الأمم المتحدة» أنطونيو غوتيريش، معتبراً «أن المجازر وأعمال القتل المرتكبة في غزة من حيث سرعتها وحجمها ووتيرتها لا تضاهي أي أعمال ارتكبت خلال السنوات التي قضيتها أميناً عاماً»، مشيراً إلى إجبار ما لا يقل عن 1.7 مليون شخص على النزوح لعدة مرات، وحاجة أكثر من 50 ألف طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد.

الأمين العام لـ«الأمم المتحدة» والعاهل الأردني (رويترز)

ونوّه غوتيريش إلى أن تدفق المساعدات الإنسانية انخفض بمقدار الثلثين، مؤكداً على ضرورة «وقف إطلاق النار والإفراج غير المشروط عن الرهائن»، ومرحباً بما وصفه «بمبادرة السلام» للرئيس بايدن، وفتح جميع الطرق المتاحة المؤدية إلى غزة، وتمكين المدنيين من البحث عن ملاجئ آمنة، وقال: «أدعو العالم إلى الوقوف صفاً واحداً من أجل حماية (الأونروا) في مواجهة هجمات شائنة لا هوادة فيها».

وفيما كشف أن مليون طفل فلسطيني في غزة يعانون من صدمات شديدة، كشف أيضاً عن تضرر نحو 60 في المائة من المباني في غزة وما لا يقل عن 80 في المائة من المرافق التجارية جراء القصف الإسرائيلي، وتحول مرافق المؤسسات التعليمية والصحية إلى أنقاض.

المؤتمر افتتح بـ3 مجموعات عمل مغلقة، الأولى ناقشت توفير المساعدات الإنسانية لغزة لتلبية حجم الاحتياجات، والثانية تجاوز التحديات التي تواجه توزيع المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في غزة، والثالثة ناقشت أولويات التعافي المبكر في القطاع. وكان من المتحدثين في الجلسات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووكيل الأمين العام لـ«الأمم المتحدة» للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ مارتن غريفيث، وفيليب لازاريني وكيل الأمين العام لـ«الأمم المتحدة» والمفوض العام لوكالة «الأونروا».

ولخّص وكيل الأمين العام لـ«الأمم المتحدة» للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارتن غريفيث، مخرجات الجلسات المغلقة بإعلانه توفير 2.5 مليار دولار أميركي لتقديم المساعدات لشعب غزة في الفترة من أبريل (نيسان) حتى ديسمبر (كانون الأول) 2024، ما يساهم في توفير 930 مليون دولار للغذاء والتغذية، و400 مليون دولار للصحة والدواء، و700 مليون دولار للمأوى والصرف الصحي.

كما تحدث عن تقديرات أردنية مصرية بقيمة 300 مليون دولار أميركي شهرياً للسلع الأساسية لسكان غزة، وأن البلدين اقترحا تقديرات إضافية بقيمة 220 مليون دولار، و500 مليون دولار، على التوالي لتوفير القدرة المثلى على تدفق المساعدات من كل طريق، بما في ذلك التخزين والدعم اللوجستي والاحتياجات الأساسية الأخرى.

وزير الخارجية الأميركي في المؤتمر (أ.ب)

ووصل وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى المؤتمر الدولي، متأخراً نحو ساعة، ليعلن في كلمة ألقاها عن حزمة مساعدات جديدة للأراضي الفلسطينية بمقدار 400 مليون دولار أميركي. وشدّد على أنه «في انتظار التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل و(حماس)، وليس هناك وقت نضيعه لمساعدة سكان غزة». وأعلن أن الولايات المتحدة ستقدم أكثر من 400 مليون دولار كمساعدات جديدة. من جهته، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده ستقدم 16 مليون يورو». وقال الرئيس الإندونيسي المنتخب، برابوو سوبيانتو، إن إندونيسيا «مستعدة لإرسال فرق طبية ومستشفى ميداني وسفينة مستشفى إلى غزة»، قائلاً إنها تستطيع إجلاء 1000 شخص ممن هم بحاجة إلى علاج طبي.

من جانبه، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس: «تبقى مسؤولية مجلس الأمن وأطراف المجتمع الدولي كافة كبيرة في الضغط على إسرائيل، من أجل فتح جميع المعابر البرية، وتسليمها للحكومة (الفلسطينية) الجديدة». وأضاف: «فوق كل ذلك وقبله، لا بد من مواصلة بذل الجهود لوقف إطلاق النار بشكل فوري ودائم، وانسحاب جميع القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، لفتح المجال لقيام دولة فلسطين واستلامها مهامها كاملة».


مقالات ذات صلة

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

في خطوة عدّتها تل أبيب «غاية في الدهاء والذكاء لجهاز المخابرات (الشاباك)» تم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية وذكرى ضحايا المحرقة النازية بشكل سري.

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية والممثل الأعلى لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة )
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يواجه تفاوض لبنان مع إسرائيل بتصعيد سياسي وعسكري

مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يواجه تفاوض لبنان مع إسرائيل بتصعيد سياسي وعسكري

مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشهد لدمار في بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يواجه «حزب الله» التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ضمن مقاربتين سياسية وعسكرية، تتمثل الأولى في التنكر للمفاوضات، ودعوة الدولة إلى «إعادة النظر في قرارها التفاوض مع إسرائيل»، ووصف الخطوة بأنها «ستزيد الشرخ بين اللبنانيين»، فيما كثف من إطلاقاته الصاروخية باتجاه إسرائيل، للإيحاء بأن الرد سيكون في الميدان.

سياسياً، قال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسين فضل الله إن «السلطة في بيروت غير مؤهلة، وتتغلب فيها المصالح الفردية، وأحياناً الطائفية، على حساب الوطن». ورأى في مؤتمر صحافي من مجلس النواب أنها «تمعن في تقديم التنازلات للعدو، ودخلت مساراً خاطئاً يزيد الشرخ بين اللبنانيين»، وقال: «على السلطة اللبنانية أن تعيد النظر في حساباتها، وتعود إلى شعبها»، مشيراً إلى أن «السلطة هي من سحبت الجيش من الجنوب لتتركه فريسة للاحتلال، وتعطيه فرصاً مجانية».

وأضاف: «رغم تدمير العدو ملعب بنت جبيل، فإنه عجز عن التقاط صورة في داخله»، معتبراً أن «العدو حاول التعويض عن هزيمته بالميدان في مفاوضات واشنطن».

ودعا فضل الله الحكومة اللبنانية إلى «إعادة النظر في قرارها التفاوض مع إسرائيل، فهذه الخطوة ستزيد الشرخ بين اللبنانيين».

وجاء تصريح فضل الله غداة إعلان عضو المجلس السياسي في «حزب الله»، وفيق صفا، أن حزبه غير معني بالمفاوضات الجارية، وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «نحن غير مهتمين بنتائج المفاوضات إطلاقاً، ولا تعنينا»، مضيفاً: «لسنا ملزمين بما يتفقون عليه».

تصعيد ميداني

وحاول «حزب الله» تثبيت هذه القاعدة، عبر إطلاق نحو 40 صاروخاً باتجاه إسرائيل خلال ساعة فقط، وخصوصاً مستوطنات الشمال، فيما نشر مقطعاً مصوّراً يُظهر إطلاق صاروخ كروز باتجاه موقع عسكري في الجليل الأعلى، وقال إنه استهدف تجمعاً لجنود إسرائيليين في موقع «مسكاف عام». كما أعلن تنفيذ عمليات إضافية شملت إطلاق سرب من المسيّرات، ورشقات صاروخية على مواقع مختلفة.

معادلة التفاوض خارج الدولة

في قراءة لدلالات هذا التصعيد، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحزب يحاول في هذه المرحلة تثبيت معادلة واضحة لإسرائيل، مفادها بأنّه غير معني بأي مفاوضات تجرى عبر الدولة اللبنانية، بل يسعى إلى تكريس نفسه كطرف وحيد يمكن مخاطبته لوقف إطلاق النار، كما جرى في محطات سابقة».

وأوضح أنّ «الحزب لا يعترف عملياً بسلطة الدولة اللبنانية في هذا الملف، ولا بإمكانيتها التفاوضية مع إسرائيل، لا سيما فيما يتصل بالشق الأمني على الحدود الجنوبية»، معتبراً أنّ «هذه المقاربة تهدف أولاً إلى تكريس دوره كجهة قادرة على فرض شروط التفاوض، وثانياً إبقاء هذه الورقة بيد إيران لاستخدامها ضمن مسار تفاوضها الأوسع مع الولايات المتحدة».

علم إسرائيلي يرفرف بين أنقاض مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وربط قزح بين التصعيد والتوقيت، مشيراً إلى أنّ «العمليات العسكرية في الجنوب لا تزال مستمرة، والحزب لا يزال في حالة اشتباك ميداني مع الجيش الإسرائيلي»، لافتاً إلى أنّ «إطلاق نحو 40 صاروخاً صباح اليوم، بالتزامن مع إعادة فتح المدارس في المستوطنات الإسرائيلية، يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يندرج في إطار تثبيت الحضور، وإيصال رسالة بأنّ الحرب لم تتوقف، وأنّ أي مسار تفاوضي في واشنطن لا يعني تلقائياً تهدئة على الجبهة اللبنانية».

وأضاف أنّ «الحزب يسعى إلى إعادة إنتاج نمط التفاوض غير المباشر الذي ساد في مراحل سابقة، كما في أعوام 1993 و1996 و2000، وصولاً إلى حرب 2006، حيث كانت قنوات التواصل تتم عبر وسطاء دوليين، من دون أن تكون الدولة اللبنانية الطرف الفعلي في إدارة هذا المسار»، معتبراً أنّ «هذا النهج انسحب أيضاً على محطات أحدث، من بينها ملف ترسيم الحدود البحرية، حيث جرى التفاهم عملياً ضمن معادلة فرضها الحزب، فيما كانت الدولة اللبنانية في موقع المتلقي، أو الطرف الذي يُستكمل عبره الإطار الرسمي للاتفاق».

رسائل سياسية بغطاء عسكري

من جهته، قدّم العميد المتقاعد ناجي ملاعب قراءة مختلفة في البعد العسكري، معتبراً أنّ التصعيد «لا يحمل قيمة عسكرية حاسمة بقدر ما يندرج في إطار إثبات الوجود السياسي، والعسكري»، موضحاً أنّ «إيران تعتمد، في منظومتها الصاروخية، على إطلاق موجات متعددة من الصواريخ أو المسيّرات لاستنزاف الدفاعات الجوية، بهدف تأمين وصول الصاروخ الباليستي الأساسي إلى هدفه، غير أنّ ما يجري حالياً لا يرقى إلى هذا المستوى من الفعالية».

وأضاف ملاعب أنّ «الجهد العسكري الذي يبذله (حزب الله) اليوم لا يغيّر في ميزان القوى، ولا يُلحق بإسرائيل سوى خسائر محدودة، في ظل جهوزية إسرائيلية شاملة، سواء على مستوى الدفاعات، أو البنى التحتية، بما في ذلك الملاجئ التي تؤمّن حماية للمدنيين»، مشيراً إلى أنّ «التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، يجعل من الصعب مواجهة هذا النوع من العمليات ميدانياً».

آليات مدرعة للجيش الإسرائيلي تتحرك على طريق بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وربط ملاعب التصعيد بسياق التفاوض، قائلاً إنّ «ما يحصل هو رسالة سياسية أكثر من كونه عملاً عسكرياً، هدفها القول إن قرار الحرب والسلم لا يزال بيد الحزب، وليس بيد الدولة اللبنانية»، لافتاً إلى أنّ «استمرار العمليات يأتي في إطار تثبيت معادلة: إذا استمرت إسرائيل في القتال، فنحن أيضاً مستمرون، لكن من دون جدوى عسكرية تُذكر».


الجيش الإسرائيلي استهدف عنصراً في «حزب الله»

منزل مدمّر في بلدة بليدا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
منزل مدمّر في بلدة بليدا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي استهدف عنصراً في «حزب الله»

منزل مدمّر في بلدة بليدا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
منزل مدمّر في بلدة بليدا جنوب لبنان (إ.ب.أ)

أعلن الجيش الإسرائيلي إنه نفّذ، اليوم (الثلاثاء)، غارة استهدفت عنصراً من «حزب الله» في جنوب لبنان.

ووفقاً لوسائل إعلام لبنانية، أصابت الغارة سيارة كانت تسير على طريق يربط بين بلدتي مركبا والعديسة.

من جهة أخرى، تسللت قوة إسرائيلية، اليوم، إلى بلدة الضهيرة الحدودية في فضاء صور، وعملت على نقل صناديق ذخيرة فارغة مفخخة ووضعتها في أحد أحياء البلدة.

وأوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، أن «قوة إسرائيلية تسللت إلى بلدة الضهيرة، الحدودية وتوغلت لمسافة 600 متر شمال الخط الأزرق، وعملت على نقل صناديق ذخيرة فارغة مفخخة ووضعتها في حي الساري، ثم عادت أدراجها، وذلك بهدف إيذاء الأهالي الذين يتوجهون بشكل دوري إلى بلدتهم رغم تعرضهم لإطلاق نار وقنابل صوتية من جانب الاحتلال يومياً».

وأضافت الوكالة أن «فرقة من الهندسة في الجيش اللبناني حضرت وعملت على الكشف على الصناديق».

كان زورق حربي إسرائيلي أطلق رشقات نارية ليلاً، باتجاه المياه الإقليمية اللبنانية قبالة شاطئ بلدة الناقورة في جنوب لبنان، حسب الوكالة.


المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، الأربعاء، من بيروت المجتمع الدولي إلى توفير دعم «عاجل» للبنان الذي يواجه أزمة نزوح «غير مسبوقة» بعدما شرّدت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل خُمس إجمالي السكان.

وقال صالح، عقب لقائه رئيس الحكومة نواف سلام في اليوم الثاني من زيارته لبنان: «أدعو المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم والإغاثة العاجلة للبنان... وأن نقدّم إليه ما تيسّر من الإمكانيات من أجل معالجة هذه المعاناة الإنسانية»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف أن «التداعيات الإنسانية لهذه الحرب كبيرة، وأؤكد ضرورة تجنيب المدنيين والمنشآت المدنية ويلات الهجمات»، موضحاً أن «لبنان لا يستحق أن يكون في دوامة متكررة من العنف، بل يستحق الدعم ويستحق الاستقرار».

وأطلقت الأمم المتحدة خلال الشهر الماضي نداء تمويل عاجل بقيمة 308 ملايين دولار، من أجل الاستجابة لأزمة النزوح «غير المسبوقة». ودعت مفوضية شؤون اللاجئين إلى تأمين 61 مليون دولار. وأوضح صالح: «حصلنا على قسم من هذه المساعدات، ونوزعها الآن».

ومنذ اندلاعها في الثاني من مارس (آذار)، شرّدت الحرب أكثر من مليون شخص من منازلهم خصوصاً من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت التي تُعدّ معقلاً رئيسيا لجماعة «حزب الله». ويقيم أكثر من 140 ألفاً منهم في مراكز إيواء حكومية.

ومنذ عام 2019، تعصف بلبنان أزمة مالية غير مسبوقة، فاقمتها الحرب السابقة التي خاضها «حزب الله» وإسرائيل عام 2024، وأسفرت عن دمار واسع.

إقليمياً، أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، أن الجيش أوقف تماماً حركة التجارة البحرية من وإلى إيران، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ​قال إن المحادثات مع طهران بشأن إنهاء الحرب قد تُستأنف هذا الأسبوع.