خطة «اليوم التالي» للحرب: كيف سيُحكم القطاع؟

مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

خطة «اليوم التالي» للحرب: كيف سيُحكم القطاع؟

مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشير مقابلات مع 5 مصادر من حركتي «فتح» و«حماس» الفلسطينيتين إلى أن الانقسامات العميقة ستعوق إحراز تقدم في محادثات المصالحة المقررة بينهما هذا الشهر، لكن الاجتماعات تنبئ بأن من المرجح أن تحتفظ «حماس» بنفوذ بعد حرب إسرائيل على غزة.

ووفقاً لمسؤولين من الجانبين، فمن المقرر أن تعقد المحادثات بين «حماس»، و«فتح» - التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس- في الصين منتصف يونيو (حزيران) الحالي. وتأتي هذه المحادثات في أعقاب جولتين أجريتا مؤخراً لبحث المصالحة؛ إحداهما في الصين، والأخرى في روسيا. وامتنعت وزارة الخارجية الصينية عن التعليق، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

امرأة فلسطينية نازحة تبكي خلال سيرها بأحد الشوارع وسط أنقاض المنازل التي دمرها القصف الإسرائيلي بمنطقة حمد غرب خان يونس جنوب قطاع غزة في 14 مارس 2024 وسط الصراع المستمر بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)

وسيعقد الاجتماع المقبل وسط محاولات من جانب وسطاء دوليين للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ حيث تتمثل إحدى النقاط الشائكة الرئيسية في خطة «اليوم التالي» للحرب في: كيف سيُحكم القطاع؟

فـ«حماس» منظمة تصنف إرهابية في نظر كثير من الدول الغربية، وكانت منبوذة قبل فترة طويلة من الهجوم الذي قادته في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص في إسرائيل واحتجاز أكثر من 250 رهينة وتسبب في إشعال فتيل الحرب في غزة.

ولكن حتى في ظل تعرضها للحملة العسكرية الإسرائيلية، فإن اجتماعات أعضاء المكتب السياسي لـ«حماس»؛ مع مسؤولين من حركة «فتح» التي تسيطر على المشهد السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، تشير إلى هدف الجماعة المتمثل في تشكيل النظام في الأراضي الفلسطينية بعد الحرب، وفقاً لما ذكره مصدر مطلع على المحادثات داخل «حماس».

ورفض المصدر، مثل غيره من المسؤولين في هذا التقرير، نشر اسمه؛ لأنهم غير مخولين مناقشة الأمور الحساسة مع وسائل الإعلام، وفقاً لما ذكرته «رويترز».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمقر حركة «فتح» بعد الغارة الجوية الإسرائيلية والغارة على مخيم بلاطة للاجئين (إ.ب.أ)

وقال المصدر إن «حماس»، التي كانت تدير غزة قبل الحرب، تدرك أنها لا يمكن أن تكون جزءاً من أي حكومة جديدة معترف بها دولياً للأراضي الفلسطينية عندما ينتهي القتال في القطاع.

وذكر المصدر، وكذلك القيادي الكبير في «حماس» باسم نعيم، أن الحركة تريد مع ذلك أن توافق «فتح» على تشكيل حكومة خبراء (تكنوقراط) جديدة للضفة الغربية وغزة في إطار اتفاق سياسي أوسع.

وقال نعيم، الذي شارك في الجولة السابقة من محادثات المصالحة في الصين، في مقابلة: «نتكلم عن مشاركة سياسية وعن مصالحة بالمفهوم السياسي لإعادة نظم الكينونة الفلسطينية».

وأضاف: «أن تكون الحركة في الحكومة أو خارجها ليس هذا هو المطلب الأساسي للحركة أو الذي تصدره شرطاً لأي مصالحة». ويعمل نعيم، مثل كثير من قادة «حماس» السياسيين، من المنفى خارج غزة.

واحتمال استمرار «حماس» لاعباً سياسياً مؤثراً قضية شائكة بالنسبة إلى الدول الغربية.

ورغم هدف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتمثل في القضاء على «حماس» خلال الحرب الدائرة في غزة، فإن معظم المراقبين يتفقون على أن الحركة ستوجد بشكل ما بعد وقف إطلاق النار. و«حماس» فرع من جماعة الإخوان المسلمين، ولها امتداد عميق وجذور آيديولوجية في المجتمع الفلسطيني.

وتعارض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أي دور لـ«حماس» في حكم قطاع غزة بعد الحرب التي أسفرت عن مقتل أكثر من 36 ألف فلسطيني حتى الآن، وفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.

ومع ذلك، عبر بعض المسؤولين الأميركيين في أحاديث خاصة عن شكوكهم في قدرة إسرائيل على القضاء على الجماعة. وقال مسؤول أميركي كبير في 14 مايو (أيار) الماضي إن واشنطن تستبعد أن تتمكن إسرائيل من تحقيق «نصر كامل».

وقال بيتر ليرنر، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إن «قتل كل عضو في (حماس) أمر غير واقعي، ولم يكن ذلك هدفاً للجيش الإسرائيلي، لكن القضاء على (حماس) بوصفها سلطة حاكمة (هدف عسكري يمكن تحقيقه وسهل المنال)».

* احتمالات ضعيفة

تؤيد الدول الغربية فكرة إدارة قطاع غزة بعد الحرب من قبل السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها، وهي السلطة التي يقودها عباس وتتمتع بحكم ذاتي محدود في مناطق بالضفة الغربية. وتتخذ السلطة الفلسطينية من رام الله مقراً لها، ويعدّها كثيرون على مستوى العالم ممثلاً للفلسطينيين، وتتلقى مساعدات أمنية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وهيمنت «فتح»، بقيادة عباس ومن قبله ياسر عرفات، دون منازع على أوراق القضية الفلسطينية لعقود من الزمن حتى صعود «حماس».

الرئيس محمود عباس مترئساً اجتماع المجلس الثوري لحركة «فتح» في رام الله (وفا)

وأدارت السلطة الفلسطينية قطاع غزة حتى عام 2007، عندما طردت «حماس» حركة «فتح» من القطاع بعد اقتتال بينهما، وذلك بعد عام من هزيمة «فتح» في الانتخابات البرلمانية، وهي المرة الأخيرة التي أدلى فيها الفلسطينيون بأصواتهم.

وعلى الرغم من المحادثات، فإن الخصومة والخلافات بين الحركتين تعنيان أن احتمالات التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد إدارة الأراضي الفلسطينية لا تزال ضعيفة، وفق ما أشارت المقابلات مع المصادر الخمسة، وهو رأي ردده أيضاً 4 خبراء.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث في «مركز كارنيغي - الشرق الأوسط»: «توقعاتي بالتقارب ضئيلة أو دون ذلك».

ويطمح الفلسطينيون إلى إقامة دولة على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، عندما استولت إسرائيل على الضفة الغربية - بما في ذلك القدس الشرقية - وقطاع غزة.

وعلى الرغم من اعتراف 143 دولة بفلسطين؛ بما فيها آيرلندا وإسبانيا والنرويج الأسبوع الماضي، فإن الآمال تضاءلت في إقامة دولة ذات سيادة منذ سنوات في ظل توسيع إسرائيل المستوطنات في الضفة الغربية ومعارضتها إقامة دولة فلسطينية.

ويزيد الانقسام بين «حماس» و«فتح» من تعقيد هذا الهدف. والحركتان لديهما وجهات نظر متباينة للغاية بشأن الاستراتيجية؛ إذ تلتزم «فتح» بالمفاوضات مع إسرائيل لإقامة دولة مستقلة، بينما تدعم «حماس» الكفاح المسلح ولا تعترف بإسرائيل.

وخرجت الخلافات إلى العلن خلال القمة العربية التي انعقدت في مايو الماضي عندما اتهم عباس «حماس» «بتوفير المزيد من الذرائع والمبررات» لإسرائيل لتدمير قطاع غزة من خلال شن هجوم 7 أكتوبر الماضي.

وقالت «حماس» إن هذا التعليق مؤسف، ووصفت «7 أكتوبر» بأنه لحظة حاسمة في النضال الفلسطيني.

ودعا الميثاق التأسيسي لـ«حماس» عام 1988 إلى تدمير إسرائيل. وفي عام 2017، قالت «حماس» إنها وافقت على إقامة دولة فلسطينية انتقالية داخل حدود ما قبل حرب عام 1967، رغم أنها لا تزال تعارض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. وتؤكد «حماس» على هذا الموقف منذ اندلاع الحرب في غزة.

* حكومة جديدة؟

في مارس (آذار) الماضي، شهد عباس مراسم أداء اليمين لحكومة جديدة تابعة للسلطة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، وهو مساعد مقرب لعباس أشرف على إعادة إعمار غزة عندما كان نائباً لرئيس الوزراء في حكومة سابقة من 2013 إلى 2014. وعلى الرغم من أن الحكومة كانت تتألف من تكنوقراط، فإن خطوة عباس أثارت غضب «حماس» التي اتهمته بالتصرف بشكل منفرد.

ووصف صبري صيدم، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، في مقابلة مع «رويترز»، تشكيل حكومة جديدة بأنه إضاعة للوقت.

رجال الحرس الرئاسي الفلسطيني لدى وصولهم لمنع مسلحين من حركة «فتح» من اقتحام مكاتب اللجنة الانتخابية المركزية يوم 28 ديسمبر 2005 في غزة (غيتي)

وقال: «نحن بصراحة لسنا معنيين على الإطلاق بإضاعة مزيد من الوقت في تشكيل حكومة جديدة، وبالتالي سندفع قدماً أن تثبت أقدام هذه الحكومة حتى تستمر بعملها».

وقال مسؤول كبير آخر مطلع على شروط «فتح» لمحادثات الصين، إنها تريد من «حماس» أن تعترف بدور «منظمة التحرير الفلسطينية» بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وأن تلتزم بالاتفاقات التي وقعتها «منظمة التحرير».

ويشمل ذلك «اتفاقيات أوسلو» الموقعة قبل 30 عاماً، التي اعترفت بموجبها «منظمة التحرير» بإسرائيل، والتي تعارضها «حماس» بشدة.

وقال المسؤول إن «فتح» تريد أن تتمتع الحكومة بسيطرة أمنية وإدارية كاملة في غزة، وهو ما يمثل تحدياً لنفوذ «حماس» هناك.

و«حماس» على خلاف جوهري مع «منظمة التحرير الفلسطينية» بشأن إسرائيل، ولم تنضم «حماس» قط إلى «المنظمة»، لكنها دعت منذ مدة طويلة إلى إجراء انتخابات لمؤسساتها الحاكمة؛ بما فيها ذلك هيئتها التشريعية المعروفة باسم «المجلس الوطني الفلسطيني».

ودعا إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، يوم الجمعة، إلى «تشكيل حكومة وفاق وطني في الضفة والقطاع بمرجعية وطنية متفق عليها»، وقال إن «حماس» تريد إجراء انتخابات عامة جديدة رئاسية وتشريعية ولـ«المجلس الوطني الفلسطيني».

إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في كلمة مسجلة بالقدس (رويترز)

وقال غسان الخطيب، المحاضر في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، إن «حماس» مهتمة بالمصالحة فقط بشروطها والحفاظ على سياساتها وأجهزتها الأمنية وآيديولوجيتها، مضيفاً أن هذا قد يخاطر بإغراق «منظمة التحرير الفلسطينية» في عزلة دولية.

وتابع: «عباس لا يمكنه القبول بسياساتهم؛ لأن ذلك سيعرض للخطر الإنجاز الوحيد لـ(منظمة التحرير الفلسطينية) وهو الاعتراف الدولي».

* جزء من النسيج الوطني والسياسي

على الرغم من ذلك، فإن القيادي في حركة «فتح» تيسير نصر الله قال إن «(فتح) تعدّ (حماس) جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني وجزءاً من النسيج السياسي أيضاً كحركة وطنية فلسطينية».

وقال صيدم إن التوافق ضروري لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار في غزة. وأضاف: «قلنا إننا (فتح) لن نأتي على ظهر دبابة؛ وإنما سنأتي بالتوافق مع الجميع، فنحن شركاء في هذه المسيرة».

وذكرت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية، تال هاينريش، أن استعداد السلطة الفلسطينية للعمل مع «حماس» أمر «مؤسف».

وأظهر استطلاع للرأي أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» في الضفة الغربية وغزة في شهر مارس أن «حماس» تتمتع بدعم أكبر من «فتح»، وأن شعبيتها أعلى مما كانت عليه قبل الحرب.

وتمثل استضافة الصين «حماس» دفعة دبلوماسية للحركة.

وقال أشرف أبو الهول، مدير تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية والمختص في الشؤون الفلسطينية، إن «حماس» مهتمة بالتوصل إلى اتفاق أكثر من «فتح»؛ لأن المصالحة يمكن أن تمنح الحركة التي أنهكتها الحرب غطاء لإعادة بناء قدراتها.

وقال مهند الحاج علي، من «مركز كارنيغي - الشرق الأوسط» إن من الصعب تصور قيام «حماس» بأي عمل عسكري من شأنه أن يؤدي إلى انتقام إسرائيلي واسع النطاق في المستقبل المنظور. لكنه أضاف أن المصالحة ستكون «مرحلة انتقالية من شأنها أن تسمح لـ(حماس) بإعادة تسليح نفسها ببطء».


مقالات ذات صلة

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لإياد أحمد عبد الرحمن شمبري

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، اليوم الأربعاء، مقتل إياد أحمد عبد الرحمن شمبري، رئيس قسم العمليات في الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كشفت 3 مصادر من حركة «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في كتائب «القسام» (الذراع العسكرية للحركة).

وبحسب المصادر الثلاثة التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(حماس) اعتبرت هذه الخروقات واغتيال قيادات أمنية بشكل خاص، ضربةً لجهود الوسطاء في محاولة إرساء اتفاق واضح يلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها، داعية إياهم للتدخل «الجاد والحازم» لوقف هذه العمليات التي أدت لقتل نحو ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. ووفقاً للمصادر، فإن الوسطاء أكدوا أنهم يواصلون جهودهم من أجل وضع حد للخروقات الإسرائيلية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني على تواصل مع «لجنة إدارة غزة» أن الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف كان قد «طلب يوم الاثنين من إسرائيل وقف الهجمات الجوية في قطاع غزة لمدة 48 ساعة لمنح مفاوضات القاهرة فرصة للنجاح؛ إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها». وقالت المصادر من «حماس» إنها لا علم لديها بهذا الطلب.

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وبعد يوم من مقترح جديد قدمه الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن غزة والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، قالت المصادر من «حماس» إن الحركة تجهز رداً يحمل ملاحظات وطلبات تعديلات سيقدمها الوفد المفاوض لملادينوف والوسطاء.

وكانت «الشرق الأوسط» قد حصلت على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام»، والوسطاء من الدول الثلاث؛ مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، بشأن قطاع غزة، خاصةً نزع السلاح منه. وأظهرت الوثيقة المعنونة بـ«خريطة طريق» لإتمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام بغزة، 15 بنداً للتعامل مع تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وسيركز الرد، وفق المصادر، على مطالبات بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وإيجاد مقاربات وضمانات دولية واضحة لإلزام إسرائيل، وعدم ربط قضية إعادة الإعمار، بحصر ونزع السلاح، والتأكيد على حق الفصائل بممارسة دورها السياسي بشكل كامل دون قيود.

وتشير الورقة الجديدة إلى تشكيل لجنة سُميت «التحقق من التنفيذ»، سيتم إنشاؤها من قبل الممثل الأعلى لغزة، تتألف من الدول الضامنة، وقوة الاستقرار الدولية و«مجلس السلام»، لضمان تنفيذ الأطراف ما يقع على عاتقها، على أن يتم تدعيم هذه اللجنة من خلال آلية مراقبة معززة.

وتؤكد الوثيقة في أول بنودها أهمية التزام الأطراف كافة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل كامل، وخطة ترمب الشاملة، بعدّهما يشكلان إطاراً دولياً متفقاً عليه وسيتم الاسترشاد بهما لتنفيذ هذه العملية، بما يضمن تحقيق الهدف الأهم باستعادة الحياة المدنية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي، وتوفير الظروف للوصول إلى مسار موثوق به لتحقيق تقرير المصير والدولة الفلسطينية بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.


مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.