هل تستجيب دمشق لمطالب دولية بوقف الانتهاكات والإخفاء القسري؟

تعميم أخير لوزير الداخلية إلى وحدات الشرطة بالتقيد بمدد قانونية للتوقيف والتحقيق

اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
TT

هل تستجيب دمشق لمطالب دولية بوقف الانتهاكات والإخفاء القسري؟

اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات

أدرجت مصادر حقوقية سورية تعميم وزارة الداخلية في دمشق، بوقف التعذيب المعنوي أو الجسدي للموقوفين ضمن سلسلة التغييرات الأمنية، منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، بينها إلغاء المحاكم الميدانية العسكرية، وما تبعها مطلع العام الحالي من تغييرات في الأجهزة الأمنية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن دمشق تعمل على شد مفاصل أجهزتها الأمنية وإعادة توصيف وتحديد مهامها، بهدف تمتينها وتدعيم مركزيتها، وفي الوقت ذاته توجه رسائل إلى الأطراف العربية والدولية بـ«الاستجابة لمطالب مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر ووقف الانتهاكات».

صورة من قرار وزير الداخلية السورية الأحد الماضي

ولفتت المصادر إلى أن التعميم الذي نشرت نصه وزارة الداخلية السورية على معرفاتها بوسائل التواصل الاجتماعي، خلت من الإشارة إلى المعتقلين لأسباب سياسية تتعلق بحرية الرأي، والانتهاكات التي يتعرضون لها هم وعائلاتهم وكل من يتصل بهم. مع الإشارة إلى أن الاعتقالات الخاصة بحرية التعبير في السنوات الأخيرة، أغلبها جرى استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية.

وحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن الأشهر الستة الأخيرة شهدت مقتل نحو 29 شخصاً تحت التعذيب في السجون السورية، كما تم اعتقال 534 مدنياً بينهم 8 أطفال و21 سيدة. وذلك، رغم إصدار محكمة العدل الدولية قراراً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يطالب النظام السوري باتخاذ جميع الإجراءات لمنع أعمال التعذيب وغيرها من الانتهاكات، ويعد القرار ملزماً قانوناً لسوريا وجاء استجابة لدعوى رفعتها هولندا وكندا أمام محكمة العدل الدولية للنظر في اتهام بانتهاك «اتفاقية مناهضة التعذيب» الدولية.

وعقب اجتماع عقده وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات، أصدر الأحد الماضي، تعميماً إلى جميع وحدات الشرطة بالتعاون مع الجهاز القضائي للتقيد بالمدد القانونية للتوقيف والتحقيق، وعدم اللجوء إلى تمديده إلا في حالة الجرائم الجنائية الكبيرة.

ونص التعميم على ضرورة توخي الدقة في التعامل مع المعلومات التي ترد من المخبرين وأصحاب السوابق والأشخاص المقبوض عليهم عند التحقيق: «كيلا يوضع مواطنون أبرياء في دائرة الاتهام».

كذلك طالبهم بإبلاغ ذويهم بمكان وجودهم لدى الجهة التي قبضت عليهم، و«تجنب اللجوء إلى التعذيب الجسدي أو المعنوي لانتزاع الاعتراف القسري، (الإكراه، التهديد، الإهانة والإساءة بالكلام... وغيرها»، لكونها تتنافى مع (المادة 53) من الدستور». قرار الوزير طالب بقصر استخدام «إذاعة البحث» على من تتوفر ضده أدلة وعدم إذاعة البحث عن الأشخاص إلّا من خلال المفتاح الخماسي والرقم الوطني.

ونوه التعميم إلى «متابعة وضبط شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل حاجة المواطنين للسفر بشكل غير مشروع خارج البلاد»، وتكثيف الجهود في مواجهة بعض الجرائم التي ارتفعت معدلاتها في الآونة الأخيرة، لا سيما سرقة الكابلات الكهربائية والهاتفية.

كما شدد التعميم على ضرورة تكثيف الدوريات، لا سيما في الأماكن المحتملة لعبور شحنات المخدرات باتجاه المناطق الحدودية والمناطق التي يحتمل فيها ترويج المواد المخدرة وتعاطيها داخل البلاد.

ياسمين المشعان عضو رابطة عائلات قيصر تحمل صور ضحايا النظام السوري أمام محكمة ألمانية 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

يشار إلى أن جهاز المخابرات العامة (أمن الدولة)، يتبع إدارياً وزارة الداخلية، إلا أنه عملياً يتمتع بسلطات تفوق سلطات الوزير كما أن معظم ضباط الأمن يأتون من ملاك وزارة الدفاع. ويضم جهاز أمن الدولة عدداً كبيراً من الأفرع في دمشق والمحافظات، أشهرها فرع الاتصالات بدمشق ويعرف بفرغ (الخطيب) سيئ الصيت، وقد اختفى في أفرعه آلاف السوريين في السنوات الأولى من الاحتجاجات وفق منظمات حقوقية، ونسبة كبيرة منهم اعتقلوا بطرق تعسفية وجرى إنكار وجودهم فيها، بينهم قتلى تم التعرف عليهم من خلال صور «قيصر».

وفي السنوات الأخيرة تحول فرع (الخطيب) إلى كابوس يقض مضاجع العاملين في مجال الصرافة وصاغة الذهب في جميع المحافظات السورية الواقعة في مناطق سلطة دمشق، من خلال لجان أمنية ترسل إلى المحافظات، وذلك رغم وجود أفرع لجهاز أمن الدولة فيها؛ حيث يتولى ملاحقة تصريف العملة ويفرض إتاوات باهظة ضمن ما صار يعرف بـ(التسوية) التي تمت قوننتها، مؤخراً، لتجنب تحويل أفراد الأمن إلى القضاء المختص.

صورة متداولة في حسابات سورية لباتريك ومازن دباغ الفرنسيين السوريين اللذين قضيا تحت التعذيب

ورجحت المصادر الحقوقية في دمشق أن تكون توصية وزارة الداخلية بـ«تجنب اللجوء إلى التعذيب الجسدي أو المعنوي لانتزاع الاعتراف القسري لكونه يتنافى مع (المادة 53) من الدستور»، صدرت على خلفية قلق دمشق من تزايد الدعاوى الموجهة ضدها دولياً، بتهم انتهاك حقوق الإنسان ومقتل المعتقلين تحت التعذيب، لا سيما وقد أثيرت مؤخراً قضية الطبيب الأميركي من أصل سوري، مجد كم ألماز، الذي اختفى في سوريا عام 2017، وأعلن الأسبوع الماضي عن وفاته تحت التعذيب في السجون السورية، ومطالبات عائلته بمحاسبة المسؤولين عن مقتله.

تجمع لناشطين سوريين في باريس بالتزامن مع محاكمة المسؤولين الأمنيين الثلاثة أمام محكمة فرنسية (أرشيف - إ.ب.أ)

وقد ترافقت إثارة هذه القضية مع إصدار محكمة في باريس يوم الجمعة الماضي، حكماً غيابياً بالسجن المؤبد بارتكاب جرائم حرب، على 3 من أبرز الشخصيات الأمنية السورية، هم؛ علي مملوك مستشار الرئيس السوري لشؤون الأمن الوطني، وجميل حسن المدير الأسبق لإدارة المخابرات الجوية السورية، وعبد السلام محمود. وركزت المحاكمة الفرنسية على دورهم في «اعتقال وتعذيب وقتل المواطن الفرنسي من أصول سورية مازن الدباغ وابنه باتريك عام 2013 في دمشق». في قضية عُدّت الأولى من نوعها في أوروبا.

مبنى مدمر بجدارية خلال إحياء الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة الأحد (د.ب.أ)

في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عدّ رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن التعميم الأخير، قرار شكلي كما في التعاميم السابقة التي صدرت عن مجلس الوزراء، مثل تعميم رقم 1 - 3039 المرتبط بمتطلبات الموافقة الأمنية، والذي حدد مدة لا تزيد على 48 ساعة للبت فيها، وإعلان سبب القرار في حالة الرفض وإفساح مجال للمدنيين للمراجعة. كذلك التعاميم المتعددة المرتبط بإذاعة البحث بناء على الاسم الثلاثي والرقم الوطني والبيانات التفصيلية الأخرى، وجميعها لم تلتزم بها الأجهزة الأمنية.

عبد الغني، نوه بأن «التعاميم تصدر عن وزارة الداخلية بينما عمليات الاعتقال التعسفية في الأصل تقوم بها الأجهزة الأمنية، وليس لوزارة الداخلية أي سلطة عليها، بما فيها الأمن السياسي الذي يتبع لها شكلياً». وعبر عن قناعته بأن التعميم الحالي مرتبط أكثر بقوائم المطلوبين في جرائم المخدرات، التي بدأت تتحول لظاهرة ابتزاز واستدراج المدنيين عشوائياً، بناء على تقارير كيدية، لافتاً إلى تقرير سابق للشبكة السورية حول مرسوم العفو الأخير «أوضحنا فيه اكتظاظ السجون المركزية بمحتجزين بتهم المخدرات، وكذلك شبكات الاتجار بالبشر (المهربين) التي يرتبط معظمها بالفرقة الرابعة وتعمل بصلاحيات تمنحها لها الأجهزة الأمنية».

ولفت الحقوقي السوري إلى تقرير للشبكة، مطلع الشهر الحالي «سجلنا فيه وفاة المحامي ثامر الطلاع في فرع الأمن الجنائي بمدينة الحسكة بسبب التعذيب. ولم نلحظ أي تغيير في سلوك الأجهزة الشرطية أو الأمنية في التعامل مع المعتقلين والمحتجزين».

في نهاية مداخلته، لفت عبد الغني إلى أن وزير الداخلية محمد الرحمون، يعد من الشخصيات الأمنية البارزة في التخطيط وإدارة الملف الأمني الداخلي في سوريا، وقد أدرج على لائحة عقوبات وزارة الخزانة الأميركية مطلع عام 2017، كما أضيف إلى قوائم العقوبات الصادرة عن المملكة المتحدة عام 2019، بسبب ارتباطه المباشر ببرنامج الأسلحة الكيماوية السورية، لكونه جزءاً من سلسلة إصدار الأوامر المتعلقة بالهجوم بالأسلحة الكيماوية على عدة مناطق في محافظة ريف دمشق، وبشكل خاص مجزرة الغوطة عام 2013، التي قتل فيها 1127 شخصاً مسجلين بالأسماء والتفاصيل في قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان. كما وضِع اللواء محمد خالد الرحمون مطلع مارس (آذار) 2019 على قائمة العقوبات الأوروبية، في قائمة ضمت سبعة وزراء في حكومة النظام السوري.


مقالات ذات صلة

هجوم إلكتروني يستهدف بريد جورجيا ميلوني

أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في روما يوم 7 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم إلكتروني يستهدف بريد جورجيا ميلوني

قال مصدر في مجلس النواب الإيطالي، اليوم (الثلاثاء)، إن حساب البريد الإلكتروني لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، كان من بين الحسابات التي استُهدفت في هجوم إلكتروني.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)

هجوم سيبراني يطال مئات المتاجر بفرنسا... ويتلف أغذية بملايين اليوروات

تعرضت مئات المتاجر الكبرى (سوبر ماركت) في فرنسا لهجوم سيبراني أدى إلى ارتفاع درجات حرارة الثلاجات، وأجهزة التجميد، ما تسبب في تلف أغذية طازجة، ومجمدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ذكرت تقارير أن الصور جاءت من هجمات قرصنة استهدفت حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى حالات من الاستدراج الإلكتروني (رويترز)

فرنسا وأميركا تغلقان موقعاً إلكترونياً يبيع صوراً عارية لآلاف النساء

أعلن الادعاء العام الفرنسي، اليوم الأربعاء، أن عملية مشتركة بين السلطات الفرنسية والأميركية أدت إلى إغلاق منصة إلكترونية كانت توزع صوراً عارية لآلاف النساء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا قرصنة إلكترونية (رويترز)

الشرطة الإسبانية توقف قائداً لمجموعة قرصنة إلكترونية عمره 16 عاماً

قالت الشرطة الإسبانية اليوم الخميس إنها ألقت القبض على مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً يشتبه في أنه المشغل الرئيسي لمجموعة من المتسللين الإلكترونيين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في مزاعم اختراق بيانات جميع موظفيه

أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) أنه يحقق في مزاعم مجموعة قرصنة إلكترونية باختراق أنظمته وسرقة بيانات حساسة تتعلق بآلاف الموظفين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأضاحي السعودية تمدّ جسور التضامن مع المحتاجين في لبنان بمشاركة دريان والدوسري

صورة تجمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)
صورة تجمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)
TT

الأضاحي السعودية تمدّ جسور التضامن مع المحتاجين في لبنان بمشاركة دريان والدوسري

صورة تجمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)
صورة تجمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)

أطلقت سفارة السعودية في بيروت، الجمعة، حملتها السنوية لتوزيع لحوم الهدي والأضاحي على العائلات المحتاجة في لبنان، ضمن مشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي، تحت شعار «وكّلنا وتوكّل»، معلنة أن أكثر من 10 آلاف ذبيحة ستوزع على المستحقين في مختلف المناطق اللبنانية، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والدينية المعنية.

وجرى إطلاق الحملة في مقر السفارة، بحضور مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ووفد من دار الفتوى، وكان في استقبالهم السفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري.

الدوسري: أكثر من 10 آلاف ذبيحة لجميع المناطق اللبنانية

وقال السفير الدوسري: «إن هذا المشروع امتداد للدعم الدائم المقدم من السعودية تجاه إخوانها وأشقائها وأصدقائها حول العالم. ولبنان كدولة شقيقة أيضاً لا بد أن يناله جزء من هذا العطاء»، موضحاً «أن مشروع السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي هو أحد برامج الهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة».

من حملة الأضاحي التي جمعت مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)

وأشار إلى «أن المشروع أطلق عام 1403 هجرية، 1983 ميلادية، وطوال تلك السنوات كان للبنان نصيبه الدائم من هذا المشروع. ولبنان هذا العام، ككل عام، يتلقى هذه المكرمة لتوزيعها على مستحقيها».

وكشف السفير الدوسري «أن العام الحالي شهد أكثر من 10,000 ذبيحة موزعة على عدة مناطق، وتشمل جميع المناطق اللبنانية، ستصل لمستحقيها عند اللبنانيين، بالتنسيق الدائم مع مفتي الجمهورية ودار الفتوى وصندوق الزكاة والحكومة اللبنانية»، مؤكداً الحرص على «أن تصل إلى جميع مستحقيها».

دريان: السعودية لم تنقطع عن مساعدة لبنان

من جهته، أشاد المفتي دريان بالمبادرة السعودية، مؤكداً استمرار دعم المملكة للبنان ومؤسساته. وأشار إلى أن هذه المبادرة السنوية «تأتي ضمن السجل الحافل لمملكة الخير والعطاء، السعودية، في مد يد العون للدول التي تحتاج إلى مساعدة. والمملكة لم تنقطع أبداً عن مساعدتنا، لا بالقضايا المعنوية ولا بالسياسية، ولا بالدعم المادي ولا بدعم المشاريع»، مؤكداً أنها «دائماً إلى جانب لبنان وإلى شعب لبنان».

السفير السعودي لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري مع وفد من دار الفتوى في لبنان (الشرق الأوسط)

وتوجه دريان بتحية تقدير وإكبار لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ولولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مؤكداً «أن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، بكل مؤسساتها، تقف متضامنة مع السعودية، وأيضاً الدولة اللبنانية، والشعب اللبناني يقف إلى جانب المملكة تجاه ما تتعرض له من عدوان إرهابي آثم يطول المدينة المنورة ومكة المكرمة والمدن والعاصمة السعودية».

وشدّد المفتي دريان على «أن السعودية تمثل بالنسبة للبنان واللبنانيين، وخصوصاً لدار الفتوى، عمقنا العربي والإسلامي الذي لا نستغني عنه أبداً، وهي أيضاً ثابتة بمواقفها الداعمة لدار الفتوى وللدولة اللبنانية ولبنان». وأعرب عن أمله في «أن تهدأ الأمور وتستقر الأحوال، في انتظار المشاريع التي سبق وأعلنت عنها المملكة تجاه لبنان».


«المخابرات» العراقي أمام امتحان التنافس السياسي

رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
TT

«المخابرات» العراقي أمام امتحان التنافس السياسي

رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)

لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد، بل تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن توزيع المناصب الحساسة بين القوى السياسية، وحدود نفوذها داخل المؤسسات الأمنية.

وتولى الزيدي، مساء يوم الخميس، الموقع الحساس في البلاد بعد 3 أيام من قراره إعفاء الشطري، الذي تولى المنصب في ديسمبر (كانون الأول) 2024، إذ كلفه بالمنصب حينها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني خلفاً لرائد جوحي.

وربطت الحكومة قرار الإعفاء بما وصفته باستكمال السيادة ومواجهة التحديات الإقليمية، من دون أن تقدم تفاصيل عن طبيعة هذه التحديات أو المدة التي سيستمر فيها تولي الزيدي إدارة الجهاز.

وتبدو الخطوة أقرب إلى إجراء استثنائي في إدارة المؤسسة الأمنية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة تغيير رئيسها.

وفي حين أعلن الزيدي أن جهاز المخابرات «لجميع العراقيين»، وأنه ينبغي إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية، فإن توليه رئاسته بنفسه، بدلاً من تعيين رئيس جديد، يترك المنصب خارج التوزيع السياسي الذي كان يُفترض أن يشمله، على الأقل وفق التفاهمات غير المكتوبة بين القوى المشاركة في الحكم.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

هيكلة أمنية

تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن جهاز المخابرات أصبح، في إطار التفاهمات المتعلقة بتوزيع المناصب، من حصة العرب السنة، وإن بقي هذا الترتيب من دون ترجمة فعلية إلى تولي شخصية سنية رئاسته.

وأوضحت المصادر أن تولي الزيدي منصب رئاسة الجهاز قد يهدف إلى حماية الرئيس الجديد للمخابرات العراقية من الصراعات السياسية، في ظل أوضاع إقليمية متوترة، مشيرة إلى أن «خططه لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية تعرقل خطط الاستحواذ على الجهاز».

وتعاقب على إدارة الجهاز مسؤولون من أحزاب شيعية منذ 2003، باستثناء فترة قصيرة تولى فيها الضابط السابق محمد عبد الله الشهواني رئاسته، فيما شغل مسؤولون سنة مواقع مهمة في هيكليته، بينها منصب معاون رئيس الجهاز لشؤون العمليات الذي كان قد تعرّض لحملات تحريض من قِبل فصائل موالية لإيران.

وكان محيط مقر الجهاز في منطقة المنصور بالعاصمة بغداد قد تعرّض في مارس (آذار) 2026، إلى هجوم جوي بطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل أحد ضباط الجهاز وإلحاق أضرار مادية داخل المقر.

وأشارت تقارير أمنية غير رسمية إلى وقوف فصائل مسلحة خارجة عن القانون وراء الهجوم، على خلفية التوتر الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة.

وقال سياسي سني، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجهاز يقع، وفق التقسيمة الطائفية والعرقية السائدة في بنية الحكم العراقي، ضمن حصة العرب السنة، مضيفاً أن هذا المكون «كثيراً ما ظلمته المحاصصة، لا سيما في المناصب الحساسة والأمنية»، معتبراً أن استمرار غيابه عن مواقع من هذا النوع يعكس فجوة بين الحديث عن المواطنة وتجاوز إرث الماضي من ناحية والممارسة السياسية من ناحية أخرى.

لكن السياسي نفسه فصل بين إقالة الشطري وتولي الزيدي إدارة الجهاز. وقال إن «تولي رئيس الوزراء إدارة الجهاز في المرحلة الحالية قد يحول دون انتقال الخلاف عليه إلى ساحة تنافس بين القوى السياسية». وأضاف أن فتح باب الترشيحات في ظل حدة الصراع على المنصب ربما كان سيحول دون التوصل إلى توافق بشأنه.

رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني مجتمعاً مع رئيس جهاز المخابرات السابق حميد الشطري في بغداد يوم 21 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«المخابرات» بين المركزية والمحاصصة

منذ 2003، لم يكن الجهاز بمنأى عن التداخل بين الاعتبارات المهنية والسياسية الذي طبع بناء مؤسسات الدولة العراقية. فالمناصب العليا، بما فيها الأجهزة الأمنية، ظلّت في حالات كثيرة موضع تفاوض وتنافس بين القوى السياسية، رغم اختلاف طبيعة هذه المؤسسات عن الهيئات المدنية.

يشير الباحث في الشؤون السياسية عباس عبود إلى أن بنية الدولة بعد عام 2003 شهدت تداخلاً بين الإداري والسياسي، أدى إلى تحجيم دور المؤسسات وإضعاف استقلالها.

وقال عبود لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التداخل أفضى إلى تنازع حزبي على المؤسسات، بدءاً من المواقع الإدارية وصولاً إلى الأجهزة ذات الطبيعة الأمنية الحساسة، مضيفاً أن جهاز المخابرات أصبح بدوره جزءاً من هذا التنافس، رغم تأكيدات رئيس الوزراء ضرورة إبعاده عن المحاصصة.

تبرز هنا مسألة تتعلق بمدى قدرة الزيدي على تحويل توليه الجهاز إلى خطوة نحو إعادة ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسات الأمنية. فاستحداث مكتب للقائد العام للقوات المسلحة، وإسناد إدارته إلى وزير الداخلية السابق الفريق عبد الأمير الشمري، يعكسان توجهاً معلناً نحو تجميع الإشراف على المنظومة الأمنية تحت قيادة رئيس الوزراء. غير أن توسيع الإشراف المركزي لا يعني بالضرورة تعزيز الاستقلال المهني للمؤسسات، ما لم يقترن بقواعد واضحة للتعيين والمساءلة وتحديد الصلاحيات، وفق مراقبين.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، طالب محمد كريم، إن تحصين العراق من الصراعات الإقليمية والدولية يتطلّب جهاز مخابرات قادراً على قراءة المشهد الاستراتيجي واستشراف اتجاهات الصراع وانعكاساتها على الأمن والسيادة والمصالح الاقتصادية.

وشدد كريم، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على أن تحقيق ذلك يتطلّب استقلالاً مهنياً عن التجاذبات الحزبية، وتنسيقاً مع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب قيادة تمتلك الصلاحية والرؤية لإدارة الجهاز وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، وليس حسابات القوى السياسية.


اشتباكات داخلية بين مسلحي «الحرس الوطني» في السويداء السورية

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اشتباكات داخلية بين مسلحي «الحرس الوطني» في السويداء السورية

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت مصادر في محافظة السويداء السورية ذات الأغلبية الدرزية إن الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة السويداء ليل الخميس بين أفراد يتبعون ما يعرف بـ«الحرس الوطني»، التي تتكرر بين الحين والآخر، سببها الرئيسي «عدم وجود سلطة وقانون وتغول العصابات المسلحة».

وشهدت مدينة السويداء ليل الخميس - الجمعة، اشتباكات عنيفة بين «مجموعات خارجة عن القانون»، وسط أنباء عن وقوع إصابات بين المدنيين، وامتدت من «حي المقوس» شرقي المدينة إلى سوق السويداء و«حي المشورب»، وفق ما ذكرت «مديرية إعلام السويداء» التابعة للمحافظة.

وبينما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن الاشتباكات «تسببت في إصابة محامٍ ومدنيين آخرين»، لفتت شبكة «السويداء 24» إلى أنه تم خلالها استخدام القذائف الصاروخية والرشاشات الثقيلة.

صورة نشرتها شبكة «السويداء 24» لعناصر من جماعة الهجري في مدينة السويداء

وأفادت مصادر محلية بإصابة موظف أردني الجنسية يعمل لدى إحدى منظمات الأمم المتحدة، إثر وجوده بالقرب من موقع الاشتباكات، مشيرة إلى أنه أصيب بشظية رصاص متفجر، ونُقل إلى «مستشفى الطب الحديث» داخل المدينة لتلقي الرعاية اللازمة.

وأكد مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» أن الاشتباكات «تأتي في سياق حالة الفلتان الأمني التي تشهدها مناطق نفوذ شيخ العقل حكمت الهجري و الحرس الوطني ويعود سببها هذه المرة إلى خلاف بين شاب من عائلة أبو سرحان وآخر من عائلة رضوان، على خلفية قيام الأول بإنشاء كشك صغير لبيع المشتقات النفطية أمام بيت الثاني».

ووفق المصدر، فإن عائلة «أبو سرحان» مهجرة من قرية «لبين» وأغلبية أفرادها يسكنون في بيوت البدو التي تم الاستيلاء عليها بعد تهجيرهم منها خلال أحداث يوليو (تموز) 2025، «ويعملون في تجارة السلاح والمخدرات والمحروقات»، مشيراً إلى أن الخلاف تطور إلى شجار ثم إلى تبادل لإطلاق النار بين الجهتين، ثم توسعت الاشتباكات لتصل إلى عدة جادات، بمشاركة مسلحين من «الحرس الوطني»، إذ استمرت عدة ساعات، وأسفرت عن أضرار كبيرة بالممتلكات.

المصدر ذاته عدّ أن حالة الفلتان الأمني المنتشرة منذ أحداث يوليو 2025 في مناطق نفوذ «الحرس الوطني»، وتتصاعد بشكل مستمر، سببها الرئيسي «عدم وجود سلطة وقانون وتغول العصابات المسلحة».

رفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين للأخير بالسويداء (أرشيفية - متداولة)

وفي ظل استمرار الوضع القائم، أعرب المصدر عن تشاؤمه بقرب إيجاد حل لملف السويداء. وقال: «أعتقد أن الوضع سيبقى على حاله ولا يوجد تقدم، والمجتمع بدأ يفقد الأمل بالحل».

وعلّق أحد المراقبين السياسيين في مدينة السويداء على الاشتباكات في مناطق نفوذ «الحرس الوطني» وتكرارها بين فترة وأخرى، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل ويحصل هو نتيجة انسداد الأفق، وعدم التقدم في مسار إيجاد حل لملف السويداء».

وأضاف: «مبدئياً، يمكن القول إن هذا خلاف ذو طابع محلي، يرتبط بمخلفات المواقع التي كانت تحت سلطة الدولة، ومستولى عليها دون سند قانوني، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى غياب السلطة فعليا وغياب القانون، وتسلط الفصائل المدعومة من سلطة الأمر الواقع في المحافظة على مقدرات البلد والاتجار بكل شيء دون رادع».