«تعديلات» عسكرية لـ«حزب الله» جنوباً تحسباً لمعركة استنزاف طويلة

عدد قتلاه قارب 300 مقارنة بـ350 في حرب 2006

تتجه الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» لتصبح حرب استنزاف استعد لها الحزب بتعديلات في أدائه العسكري (أ.ف.ب)
تتجه الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» لتصبح حرب استنزاف استعد لها الحزب بتعديلات في أدائه العسكري (أ.ف.ب)
TT

«تعديلات» عسكرية لـ«حزب الله» جنوباً تحسباً لمعركة استنزاف طويلة

تتجه الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» لتصبح حرب استنزاف استعد لها الحزب بتعديلات في أدائه العسكري (أ.ف.ب)
تتجه الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» لتصبح حرب استنزاف استعد لها الحزب بتعديلات في أدائه العسكري (أ.ف.ب)

أقر نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بـ«تغير أداء» مقاتلي الحزب على جبهة جنوب لبنان، معلناً إجراء «تعديلات كي يكون هناك إنجاز مهم».

ويقاتل الحزب إسرائيل على طول الحدود الجنوبية اللبنانية منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعد يوم واحد على انطلاق عملية «طوفان الأقصى» في غزة. وأطلق الحزب عملية «دعم وإسناد المقاومة في غزة»، التي تحولت لاحقاً إلى حرب استنزاف تدور رحاها على طول خط الحدود اللبنانية الجنوبية، فتحولت القرى المتاخمة للحدود إلى منطقة حرب أدت إلى دمار هائل فيها، بالإضافة إلى خسائر كبيرة في الأرواح قارب عددها ما خسره الحزب في الحرب الشاملة التي خاضها مع إسرائيل في عام 2006.

ويأتي ذلك بعد انتقال الحزب مؤخراً من سياسة «ضبط النفس» التي اعتمدها لأشهر لعدم الانجرار إلى حرب موسعة تسعى فيها إسرائيل، إلى استراتيجية «الضغوط القصوى»، تزامناً مع سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح واستعداده لاقتحام المدينة.

وبينما تواصلت المواجهات جنوب البلاد، السبت، وإن بوتيرة أخف من الأيام الماضية، سأل الشيخ قاسم في كلمة له خلال احتفال في بيروت الجمعة: «ألم تُلاحظوا كيف تغيّر الأداء على الجبهة الجنوبية، وكيف استفاد الإخوة المجاهدون من الدروس والعبر، ومن الأمور التي استخدمت بشكل حديث، فعالجوا بعضها وكشفوا عن إمكانات معينة؟».

وأضاف قاسم: «في كل الحروب بالعالم، عندما تنتهي الحرب يدرسون الإيجابيات والسلبيات ويعالجون السلبيات للحرب المقبلة. نحن درسنا الإيجابيات والسلبيات منذ أول شهرين، وأجرينا التعديلات اللازمة حتى يكون هناك إنجاز مهم، وهذا ما حصل من قبل المجاهدين».

خسائر الحزب بين 2006 واليوم

وبينما أفاد مقربون من «حزب الله» بأن عدد المقاتلين الذين قضوا في الحرب المستمرة جنوباً منذ 8 أكتوبر الماضي قارب 300، أعلنت وزارة الصحة العامة في لبنان تسجيل 1413 إصابة، منها 351 حالة وفاة، نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان.

وبحسب الباحث في مؤسسة «الدولية للمعلومات»، محمد شمس الدين، قُتل في حرب يوليو (تموز) 2006، التي استمرت 33 يوماً، 1267 مدنياً و350 مقاتل من «حزب الله»، بالإضافة إلى عدد من عناصر الجيش اللبناني. أما في الحرب الراهنة، فقد قُتل 290 عنصراً من «حزب الله»، و57 مدنياً.

وأضاف شمس الدين في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تم أيضاً تسجيل سقوط 19 مقاتلاً من (حركة أمل) ومن الهيئة الصحية الإسلامية، و4 من كشافة الرسالة التابعة لـ(أمل)، و5 مقاتلين من (الجماعة الإسلامية)، و7 مسعفين للجماعة، وعنصر من الجيش اللبناني، وعنصر من (الحزب القومي السوري الاجتماعي)، إضافة إلى 8 سوريين و8 فلسطينيين».

ويعدّ كثيرون أنه لا تصح المقارنة بين المعركة الحالية التي يصر «حزب الله» على أنها معركة «مساندة ودعم» لقطاع غزة، والمحصورة عملياً في رقعة جغرافية محددة، رغم بعض التجاوزات، التي دخلت مؤخراً شهرها السابع، متحولة إلى حرب استنزاف، وحرب عام 2006 التي كانت «حرباً مفتوحة» دامت 33 يوماً وامتدّت إلى سائر الأراضي اللبنانية.

وفي شهر مارس (آذار) الماضي، وفي اليوم الـ150 للحرب، نشر «حزب الله» ملخص عملياته ضد الجيش الإسرائيلي منذ 8 أكتوبر 2023. وذكر «الإعلام الحربي» في «حزب الله» في «إنفوغراف» أنه نفذ خلال هذه الفترة 1194 هجوماً ضد إسرائيل، لافتاً إلى أن الخسائر البشرية لدى إسرائيل بلغت أكثر من 2000 بين قتيل وجريح.

حرب استنزاف

ويشير رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية»، العميد المتقاعد الدكتور هشام جابر، إلى أنه «في عام 2006، لم يكن الطرف الأميركي يدعم الإسرائيلي بالاستمرار في الحرب، كما أن الأخير أيقن أنه لا يستطيع مواصلة الحرب لأنه غير قادر أصلاً على تحقيق الهدف الذي شن الحرب لأجله، ألا وهو كسر حزب الله»، لافتاً إلى أنه «في ذلك الوقت كان هناك 6 آلاف مقاتل محترف يخوضون الحرب، إضافة إلى 10 آلاف ينتمون له، أما حالياً فالأعداد أصبحت أكبر من ذلك بكثير، كما أنه، منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تضاعفت قدرات (حزب الله) عشرات المرات، وإن كان الإسرائيلي أيضاً بنى على تجاربه السابقة وزادت قوته العسكرية».

ويعدّ جابر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحرب الدائرة حالياً هي حرب استنزاف. فـ(حزب الله) بدأ بالحرب وتورط فيها، ولم يعد يستطيع أن يتجاوب مع المطالب والشروط الإسرائيلية، لأن ذلك سيضره أمام جمهوره وأمام اللبنانيين، وبالتالي لا مصلحة له اليوم إلا بالاستمرار والصمود».

وأضاف جابر: «لكن، لا يجب أن ننسى أن الحزب لم يكشف إلا عن نسبة ضئيلة من الأسلحة التي يمتلكها، سواء أسلحة الدفاع الجوي أو الدفاع البحري، والصواريخ الدقيقة التي يرجح أن يبلغ عددها 10 آلاف»، موضحاً أن «قوات الرضوان لم تتحرك بعد، أضف إلى ذلك أنه في المقابل، لا مصلحة للإسرائيلي باجتياح بري للبنان، خصوصاً أن (حزب الله) اكتسب خبرات قتالية في حربه بسوريا، وهو يستطيع أن يصمد لأن بيئته مختلفة عن البيئة الإسرائيلية التي لا تتقبل الأعداد الكبيرة للنازحين وتعطيل كل جوانب الحياة في الشمال، إضافة لاستنفار الجيش الإسرائيلي منذ 7 أشهر».

آفاق المعركة

من جهتها، تقول الدبلوماسية السابقة في الأمم المتحدة بريجيت خير، إن «آفاق المعركة جنوباً بدأت تتضح مع فشل المبادرات الساعية للحد من العمليات العسكرية، وتراجع (حزب الله) إلى حدود الليطاني، وتطبيق مرحلي للقرار الأممي رقم 1701»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «فشل هذه المساعي ينذر باحتمال توسع رقعة القصف والغارات الإسرائيلية، والخطر المحدق بلبنان المشلول سيادياً والمكشوف أمنياً كما بات واضحاً من خلال فلتان الميليشيات مختلفة الانتماءات في الجنوب، بما يذكّر بسيناريو (فتح لاند) خلال الثمانينات، الذي سبب اجتياح لبنان سنة 1982».

وترى خير أن «إمكانية كبح جماح العناصر المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة المتهالكة لا تزال ممكنة، رغم صعوبتها، لقطع الطريق على أي عمل إسرائيلي سيستعمل هذه الهجمات من لبنان حجة لتوسيع الحرب»، مشددة على وجوب أن «تقابل الجهود الدولية والإقليمية من قبل حكومة تصريف الأعمال بمواقف أكثر رزانة وسيادية».


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.