«وين بدنا نروح، البحر قدامنا واليهود ورانا»... بهذه الكلمات الغاضبة، عبّر الغزي أمجد صبح (41 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة، والنازح إلى رفح جنوب القطاع منذ أشهر، عن حاله وحال مئات آلاف آخرين، اضطروا للنزوح مجدداً منها إلى شاطئ بحر خان يونس.
وبدت حالة من الصدمة والذهول على ملامح صبح، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن معاناته في رحلة نزوح لا تتوقف، بدأها من مخيم الشاطئ بعدما تدمر بيته هناك، فاضطر للذهاب إلى النصيرات وسط قطاع غزة، ثم إلى خان يونس، ومنها إلى رفح، وعاد مجدداً هذه المرة إلى خان يونس، وتحديداً إلى شاطئ إحدى المستوطنات الإسرائيلية التي أخليت عام 2005.

قال صبح: «يا لسخرية القدر، الاحتلال ترك مستوطناته قسراً، والآن نحن نعود إليها قسراً... طيب وين نروح. وين نروح بحالنا وأولادنا. أولادنا اليوم عاشوا الذي عاشه أجدادهم عام 1948 وأصعب». ومع توسيع الجيش الإسرائيلي عملياته في مدينة رفح، أقصى جنوب القطاع، لم يجد عشرات آلاف الغزيين مكاناً يحتضنهم في غزة التي تحوّلت إلى كومة ركام وتجمعات نازحين، سوى شواطئ البحر القريب.
ورصدت «الشرق الأوسط» موجة نزوح كبيرة لمئات آلاف الغزيين من سكان المدينة والنازحين إليها، فكّكوا خيامهم من مدينة رفح، ونصبوها على شواطئ عدة مناطق، من بلدة الزوايدة وسط القطاع، حتى مواصي، شمال رفح جنوباً.
وقال أيمن ياسين (38 عاماً)، وهو نازح من سكان حي الزيتون، جنوب مدينة غزة، إلى رفح: «اضطررنا لاستئجار أرض مخلاة برفقة عوائل أخرى في منطقة دير البلح. نصبنا الخيام وجلسنا».


وأضاف لـ«الشرق الأوسط» إنها «رحلة ذلّ جديدة. وقهر مستمر». واضطر ياسين لدفع مبالغ مضاعفة من أجل التنقل وشراء حاجيات. وشرح كيف أنه دفع 1000 شيقل (أكثر من 250 دولاراً)، من أجل الوصول مع عائلته إلى دير البلح، بعد أن كان يكلف ذلك قبل النزوح 50 شيقلاً (ما يعادل 13 دولاراً).
وشوهدت مركبات ودراجات نارية نصف نقل (تكتك)، وعربات تجرها حيوانات، وهي تنقل المواطنين من مناطق متفرقة برفح إلى خان يونس ودير البلح والزوايدة وغيرها. وطلب الجيش الإسرائيلي، صباح السبت، من أحياء ومخيمات ومربعات سكنية جديدة في رفح إخلاء السكان منها، وجزء منها يقع في شمال ووسط المدينة، وذلك بعد قرار اتخذه مجلس الحرب الموسع، بتعميق وتوسيع العملية العسكرية في المدينة، تزامناً مع منح فريق التفاوض صلاحيات أكبر لمحاولة التوصل لاتفاق مع «حماس» بشأن الإفراج عن المختطفين.
واللجوء إلى شاطئ البحر يبدو أنه أصبح الملاذ الوحيد في كل قطاع غزة، حتى مناطق الشمال، وفاجأ الجيش الإسرائيلي، آلافاً من سكان مناطق جباليا وتل الزعتر وبيت لاهيا، شمال قطاع غزة، السبت، وطالبهم بإخلاء منازلهم والتوجه إلى مناطق غرب غزة. وقالت منال عواد (54 عاماً) لـ«الشرق الأوسط»: «مش عارفين وين نروح بحالنا، كل فترة يعملون فينا هيك ويطالبوننا أن نطلع من بيوتنا، ونرجع بعد فترة وبنلاقيها متضررة أكثر من قبل، وكثير منا يلاقوا بيوتهم دمرت».
واضطرت عواد للنزوح من مخيم جباليا مرتين سابقاً بفعل مطالبات مماثلة، وتخطط الآن للنزوح غرباً باتجاه مخيم الشاطئ على البحر، وقالت: «نروح على البحر». وكثير من العوائل التي تقطن بمناطق شمال القطاع، التي طالب الاحتلال بإخلائها، تفكر بالذهاب إلى غرب غزة، وهي المناطق القريبة من شاطئ البحر، باعتباره المتسع الوحيد الذي يحتضن سكان القطاع الذين يضطرون للنزوح من منازلهم في هذه الآونة.
وقال مراد مطر (26 عاماً) من سكان بلدة بيت لاهيا: «خليهم يرمونا في البحر ويخلصوا منا، زهقنا الحياة كلها». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» إن والده يفكر في نصب خيمة على شاطئ بحر مخيم الشاطئ، ولا ينوي العودة إلا عندما تنتهي الحرب... «تعبنا من النزوح المتكرر».

وألقت إسرائيل قذائف دخانية وبيانات على سكان جبالبا وتل الزعتر وبيت لاهيا لإجبار المواطنين بالقوة على النزوح من منازلهم، أو ما تبقى منهم، وشمل ذلك إخلاء مراكز الإيواء، مثل المدارس وغيرها، التي تكتظ بالنازحين. ويدعي الجيش الإسرائيلي أن عمليته في جباليا تهدف إلى تفكيك خلايا منظمة تحاول حركة «حماس» إعادة بنائها في تلك المناطق، بعد أن رصد مؤخراً مثل هذه المحاولات في تلك المنطقة ومناطق مجاورة لها، وكذلك في حي الزيتون، جنوب مدينة غزة. ونقل موقع «واللا» العبري، عن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله، إن العمليات ستتكرر طالما اقتضت الضرورة لذلك، من أجل تفكيك أي خلايا وقدرات لـ«حماس»، ولمنع بناء نفسها مجدداً، حتى إيجاد بديل سياسي لها يحكم القطاع.


