جثة مستوطن تُشعل الضفة الغربيةhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/4963546-%D8%AC%D8%AB%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B7%D9%86-%D8%AA%D9%8F%D8%B4%D8%B9%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9
جانب من تشييع جثمان شاب فلسطيني قُتل في هجوم المستوطنين على قرية المغير بالضفة الغربية (رويترز)
تحوّلت الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بعدما هاجمت مجموعات كبيرة ومنفلتة من المستوطنين المسلحين قرى في وسط الضفة وشمالها، حيث قُتل فلسطينيان وجُرح آخرون، وجرى إحراق وتدمير بيوت وسيارات وأراضٍ زراعية، في تصعيد تتوقع إسرائيل أن يكون له رد فلسطيني. وبدأ التصعيد، يوم الجمعة، مع فقدان فتى مستوطن قرب رام الله، وتفاقم بعدما وُجد مقتولاً، السبت.
وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في بيان صدر عن مكتبه، السبت، العثور على جثة المستوطن بنيامين أحيمائير (14 عاماً) الذي فُقدت آثاره، الجمعة، بعدما خرج ليرعى أغنامه في منطقة قرب رام الله. وقال نتنياهو إن «قتل الفتى جريمة، وقوات الجيش و(الشاباك) يلاحقون القتلة وكل من تعاون معهم، سنصل إلى القتلة كما نصل إلى كل من يؤذي مواطني إسرائيل».
وسبق بيان نتنياهو بيان للجيش وجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) أكدا فيه أن أحيمائير قُتل على خلفية قومية.
وعثرت أجهزة الأمن الإسرائيلية على القتيل في منطقة «بؤرة ملاخي شالوم» شمال شرقي رام الله، بعد 24 ساعة من عمليات البحث عنه.
مستوطنون على تلة فوق قرية المغير قرب رام الله السبت (أ.ف.ب)
وكان أحيمائير قد خرج من البؤرة التي أخليت سابقاً، وأعاد المستوطنون بناءها، الجمعة، ليرعى أغنامه ولم يعد، فأطلق الجيش الإسرائيلي حملة واسعة للبحث عنه، فرض خلالها طوقاً على قرى عربية قريبة، قبل أن يخرج مستوطنون في حملة بحث هاجموا خلالها قرى عربية.
واقتحم مئات المستوطنين قرية المغير القريبة من رام الله، وقتلوا جهاد أبو عليا (25 عاماً)، وأصابوا آخرين، وأحرقوا منازل ومركبات ودراجات نارية وخيماً زراعية، ثم هاجموا قرية أبو فلاح، القريبة، قبل أن تدعو حركتا «فتح» و«حماس» إلى النفير العام، والتصدي لـ«عدوان المستعمرين» في الضفة.
ودعت «فتح» الفلسطينيين إلى أوسع تصدٍّ للعدوان في الضفة، بينما حضت «حماس» الفلسطينيين على «الانتفاض في وجه هذه المخططات، وتصعيد الحراك الثوري والمقاوِم، والاشتباك مع العدو الصهيوني وميليشياته الإجرامية من المستوطنين المتطرّفين، والتصدي لهذه الهجمات الهمجية، واستكمال صورة التلاحم البطولي في معركة طوفان الأقصى، مع شعبنا في قطاع غزة ومقاومته الباسلة».
فلسطيني يتفقد أضراراً بممتلكاته إثر هجوم المستوطنين على قرية المغير السبت (رويترز)
كما دعت قوى وطنية وإسلامية في بيان، السبت، إلى «إفشال محاولات المستعمرين الهادفة لترويع القرى والبلدات الفلسطينية، بأبشع أشكال الإرهاب والوحشية، واستباحة الأرض، ضمن مخطط تكريس الأمر الواقع، وإجبار المواطنين على مغادرة أرضهم».
وقالت القوى في بيانها إنه يجب الحفاظ على حالة استنفار ويقظة دائمة ومتواصلة «لإفشال المخططات الخبيثة الهادفة لاقتلاع شعبنا من أرضه».
وأظهرت لقطات فيديو من المغير وأبو فلاح مستوطنين يعربدون، ويطلقون النار ومنازل وسيارات تحترق، بينما يوجه الفلسطينيون نداءات استغاثة، ويحاولون رد المهاجمين بالحجارة.
وصدحت مآذن المساجد في قرى قريبة في رام الله تدعو إلى مساندة المحاصرين، وأطلق شبان دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التصدي للمستوطنين، وإنقاذ سكان المغير وأبو فلاح.
منزل وسيارات أحرقها المستوطنون في المغير السبت (إ.ب.أ)
وقال عبد اللطيف أبو عليا، إن قريبه جهاد الذي قضى في المغير، وصل قبل نحو ربع ساعة ليقف وعشرات من أهالي البلدة في وجه هجوم المستعمرين للمنزل، الذي يعد الأقرب على الطريق الاستيطانية.
ونُفذت هذه الهجمات الانتقامية حتى قبل أن يُعْثَر على الفتى، وبعد العثور عليه، جدد المستوطنون هجماتهم، ووجهوا نداءات علنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الانتقام من العرب.
ووسع المستوطنون هجومهم، السبت، وهاجموا مجدداً قرية المغير، وأصابوا 6 مواطنين، بالرصاص الحي، وأحرقوا منازل ومركبات، كما هاجموا قرية أبو فلاح القريبة وعين سينيا وبيتين التي أصابوا فيها طفلاً بالرصاص، ثم هاجموا مركبات الفلسطينيين في شوارع الضفة، وأطلقوا النار على موكب تشييع أبو عليا (25 عاماً) الذي قتلوه، الجمعة، كما هاجموا قرية دوما جنوب نابلس، وأحرقوا منازل، وأصابوا سكان القرية، وهاجموا رعاة أغنام في أماكن مختلفة شمال الضفة وجنوبها.
ولم تتضح ملابسات قتل المستوطن فوراً، لكن وسائل إعلام إسرائيلية قالت إنه لم يقتل بالرصاص، وإنما بأدوات أخرى.
وبينما حذر الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة من خطورة استمرار جرائم المستعمرين بدعم وحماية من قوات الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية، محملاً حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، اكتفى نتنياهو بدعوة جميع الإسرائيليين إلى السماح لقوات الأمن بالقيام بعملها دون عوائق كي تتمكن من التوصل إلى القتلة ومساعديهم.
وزادت اعتداءات المستوطنين المدعومين من الحكومة الإسرائيلية، بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، وزادت 8 مرات عما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول).
أضرار في ممتلكات فلسطيني بقرية المغير قرب رام الله السبت (إ.ب.أ)
وكان وزير الأمن القومي إيتمار بن عفير قد أطلق عملية تسليح طالت أكثر من 17 ألف مستوطن بعد الحرب، ودعاهم للدفاع عن أنفسهم، معززاً تعظيم دور الميليشيات الاستيطانية على حساب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في الضفة.
وقال مصدر لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن الجيش يستعد لأعمال عنف واسعة من قبل اليهود والفلسطينيين في الضفة، وقد دفع بمزيد من قواته إلى الضفة.
وقالت الإذاعة إن الجيش نشر قوات كبيرة لمحاولة السيطرة على الهجمات الانتقامية للمستوطنين، ونجح في وقفها بقرية دوما، ويفعل ذلك في قرى أخرى.
ومن جهته، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت من وقوع هجمات انتقامية بعد العثور على المستوطن القتيل. وقال غالانت على منصة «إكس»: «دعوا قوات الأمن تتصرف بسرعة في مطاردة الإرهابيين؛ فالأعمال الانتقامية ستجعل من الصعب على مقاتلينا أداء مهمتهم - ينبغي ألا يلجأ أحد إلى تنفيذ القانون بنفسه».
السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، أبلغ وزارة الخارجية بأن اعتداءات المستوطنين باتت موضوعاً أساسياً في المجتمع الأميركي، وتثير غضباً وانتقادات واسعة.
واصل المستوطنون الإسرائيليون، الاثنين، هجماتهم العنيفة والواسعة في الضفة الغربية؛ إذ أحرقوا المزيد من المنازل والمنشآت المملوكة للفلسطينيين في مواقع متعددة.
المتطرفون الإسرائيليون يشنون هجمات واسعة بالضفة في أكثر من 20 موقعاً في محاولة لجعل ليالي الفلسطينيين صعبة، فيما بدا انتقاماً من الصواريخ الإيرانية.
كفاح زبون (رام الله)
سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغبhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5256283-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AF%D9%88%D8%A1-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%B4%D8%BA%D8%A8
سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)
على الرغم من عودة الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، بعد ليلة من التوتر وأعمال الشغب، فإن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين عشية «أحد الشعانين» الذي يسبق أحد «عيد الفصح» وفق التقويم الغربي. وألغت العديد من الكنائس في العاصمة دمشق الاحتفالات، وأبلغت رعاياها بالاقتصار على الصلوات داخل الكنيسة، وسط مطالبات بضبط السلاح المنفلت ومنع تكرار الاعتداءات ومعاقبة المعتدين.
وكانت مديرية الإعلام في محافظة حماة أوضحت، في بيان الجمعة، أن ما جرى في مدينة السقيلبية هو «شجار فردي بين عدد من الشبان، تطور بشكل محدود قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي وتعمل على احتواء الوضع بشكل فوري».
وانتشرت قوى الأمن الداخلي في المنطقة، وألقت القبض على ستة أشخاص من المشتبه بتورطهم فيما حصل، مع مواصلة ملاحقة بقية المتورطين، وفق قناة «الإخبارية» السورية الرسمية.
رجل وامرأة في سيارتهما التي حُطّم زجاجها في السقيلبية (أ.ب)
وأكدت مصادر محلية في السقيلبية لـ«الشرق الأوسط» عودة الهدوء التام إلى المدينة السبت. ونفى الناشط المدني منذر حنا الصبغة الطائفية للاعتداء الذي حصل، وقال إن التوتر نجم عن احتكاكات تحصل بين فترة وأخرى بين شباب متحمس من أبناء المدينة، وشبان من بلدات مجاورة ممن لا يدركون حساسية مجتمع السقيلبية ويجهلون عاداته، أو ممن يقومون بسلوك استفزازي، لافتاً إلى أن مجتمع السقيلبية يضم طوائف عدة تتعايش بسلام وإن كانت الغالبية من المسيحيين. ورأى أن سياسات النظام السابق أورثت المنطقة شروخاً عميقة، ومنها وضع دباباته التي قصفت البلدات المنتفضة ضده في مواقع قريبة من المناطق المسيحية. وقال إن ذلك الإرث مع وجود مجموعات مسلحة منفلتة وشباب موتور كلها عوامل تؤدي إلى انفجار التوترات وإثارة الفتن بين حين وآخر، على غرار ما حصل ليلة الجمعة في شارع «المشوار» في السقيلبية الذي تتركز فيه المقاهي وترتاده العائلات والشبان والشابات. ويحرص الأهالي، لا سيما الشباب، على ألا يرتاد هذا الشارع شباب من خارج المدينة دون عائلاتهم، مما يؤدي إلى مشاجرات بين حين وآخر.
وأوضح منذر حنا، وهو عضو لجنة سلم أهلي تشكلت عام 2011 من نشطاء في السقيلبية والبلدات المجاورة بهدف نبذ الطائفية، أنه عقب مشاجرة مع شابين من بلدة قلعة المضيق دخل إلى السقيلبية نحو مائتي شخص مسلحين على دراجات نارية من البلدات المجاورة واستباحوا المدينة وأحرقوا المحلات وحطّموا السيارات. وعبّر حنا عن استغرابه من عدم توقيف أي من المعتدين أو المتسببين بالاعتداء، وقال إن الأشخاص الستة الذين تم توقيفهم من أبناء السقيلبية أُطلق سراحهم بعد ساعات قليلة.
رجلان يزيلان أثاثاً تعرّض للحرق خلال الأحداث التي شهدتها السقيلبية ليلة الجمعة (أ.ب)
وطالب حنا بفرض القانون على الجميع، وقال إن احتواء التوترات عبر رجال الدين والوجهاء، بوصفهم ممثلين عن المجتمع وعقد الصلح، لا يعالج جذور المشكلة ولا يمنع تكرار هذه الحوادث والفتن، معتبراً أن جذر المشكلة هو السلاح المنفلت وغياب القانون.
ورداً على أحداث الشغب في السقيلبية، تظاهر عدد من الأهالي الغاضبين بحي باب توما في دمشق، في مؤشر أثار مخاوف من اتساع دائرة التوتر ليشمل مناطق مسيحية أخرى. وقال الناشط المدني والحقوقي في حي باب توما جورج اسطفان لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ليست في الحادثة بحد ذاتها وإنما في تكرارها. وعدم الجدية في العمل على منع التكرار وكبح الانزلاق نحو الطائفية، مشيراً إلى أن التوتر موجود، لكنه يتفاعل ويطفو على السطح مع كل حادثة، لعدم محاسبة الفاعلين، ومعالجة الإشكالات ضمن «إطار المجاملة». وتابع أن اختزال المجتمع المسيحي في رجال الدين يعقد المشكلة أكثر، مطالباً بتوسيع التمثيل، ليشمل المجتمع المدني المسيحي الذي لديه رؤية وطنية لبناء شراكة مجتمعية على أساس وطني.
وأكد اسطفان نبأ إلغاء عدد من الكنائس الاحتفالات بـ«أحد الشعانين»، محذراً من انعكاساته السلبية لجهة تعزيز حالة القلق والانكفاء لدى المسيحيين، في الوقت الذي شهدت فيه أعيادهم خلال العام الماضي تعاوناً مثمراً وجيداً بين لجان الأحياء وقوى الأمن العام فيما يخص حماية الاحتفالات وإشاعة الشعور بالأمان.
زجاج سيارة تعرّض للتهشيم خلال الأحداث في السقيلبية ليلة الجمعة (أ.ب)
وألغت كنائس تتبع التقويم الغربي الاحتفالات بـ«أحد الشعانين» و«أسبوع الآلام» و«عيد الفصح»، رغم عدم صدور قرار كنسي رسمي بذلك. فقد أعلنت أبرشية السريان الكاثوليك في دمشق، عبر حسابها في «فيسبوك»، أنه «نظراً لما تمر به البلاد من ظروفٍ، وحرصاً على أمن وأمان رعايا أبرشيتنا، فإنّ الاحتفالات بـ(عيد الشعانين والفصح) تقتصر على الصلوات في الكنائس». كما نشرت الصفحة الرسمية لكنيسة «سيّدة دمشق» إعلاناً لأهالي رعيتها في حيي القصور وساحة العباسيين قالت فيه: «نظراً إلى الأوضاع المستجدَّة التي تحمل توترات وتخوُّفاً عند الناس على أبنائها، نأسف لإعلان اكتفائنا بإقامة الصلوات داخل الكنيسة فقط، وإلغاء كل مظاهر الاحتفالات والدورات الكشفية والعزف الموسيقي ابتداءً من يوم (أحد الشعانين)».
وتداعى رجال دين ووجهاء في السقيلبية وبلدة قلعة المضيق ومدينة حماة لاحتواء التوتر. وقالت مصادر في حماة لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعاً عُقد في مقر إدارة منطقة الغاب، السبت، حضره وجهاء من السقيلبية وبلدة قلعة المضيق، وممثلون عن إدارة المنطقة ومجلسي الصلح والعشائر، وتم الاتفاق على إنهاء التوتر، ووأد الفتنة.
وأعلن مدير مديرية الإعلام في محافظة حماة، قصي شبيب، انتهاء حالة التوتر في مدينة السقيلبية. وقال في تصريح لقناة «الإخبارية» السورية الرسمية إن إدارة المنطقة تعهدت بإخراج الموقوفين في إطار الحل التصالحي الذي تم التوافق عليه خلال اجتماع الوجهاء. وأكد أن الأوضاع عادت إلى طبيعتها في المدينة، مع استمرار عمل المؤسسات الخدمية وحركة المواطنين بشكل طبيعي. وجاء ذلك فيما خرجت مظاهرة شعبية في السقيلبية، السبت، تطالب بضبط السلاح المنفلت وسيادة القانون ومحاسبة المتورطين في الاشتباكات، رافعة شعارات ترفض الطائفية.
سيناريوهات الربح والخسارة لـ«وكلاء إيران» في لبنان والعراقhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5256282-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%80%D9%88%D9%83%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
سيناريوهات الربح والخسارة لـ«وكلاء إيران» في لبنان والعراق
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
لم يخطئ المفكّر اللبناني الراحل ميشال شيحا في رسم صورة ونموذج لبنان الجيوسياسيّة. فقد أراد لبنان أن يكون بلداً منفتحاً على العالم عبر شاطئه، معتبراً أن الجبل هو السد المنيع لحماية الداخل اللبناني.
شدّد شيحا على ضرورة أن يعتمد لبنان سياسة الانفتاح، وأن يتبنى اقتصاد الخدمات دون التصنيع الثقيل، مع التركيز على أن إسرائيل هي الخطر الأكبر.
فهل أخطأ شيحا أم أصاب؟ أصاب في تشخيصه هذا بنسبة عالية، ولكنه أخطأ في عدم استكمال المنظومة الجيوسياسية التي تتحكّم في لبنان. فما هي هذه المنظومة؟
يتأثّر لبنان دائماً بنوعية النظام العالمي، وكيفيّة تفاعله مع النظام الإقليمي. فإذا تصادم النظامان فسيدفع لبنان الأثمان الكبيرة، بما في ذلك ضرب استقراره، مع إمكانية الوصول إلى حرب أهليّة. وإذا طالت الحرب الأهليّة ولم تعد مفيدة لأحد، فسيتدخّل البُعد الدولي لتكليف البُعد الإقليمي بفرض الحل فرضاً على لبنان.
تكرّرت هذه المعادلة في مناسبات كثيرة. كان أوّلها حوادث عام 1958 (في نهاية عهد الرئيس الراحل كميل شمعون)، وبعدها في الحرب الأهلية عام 1975، ثم في الاجتياح السوري عام 1990 (لإطاحة حكومة الجنرال ميشال عون)، وأيضاً في عام 2008 بعد فرض اتفاق الدوحة (عقب اجتياح «حزب الله» العاصمة اللبنانية)، وأخيراً في انتخاب الرئيس الحالي جوزيف عون بعد فشل «حرب الإسناد» في تقديم إسناد فعلي لحرب غزة (فشل «حزب الله» في تقديم المساعدة لحركة «حماس»).
إيران في الإقليم
تصادمت إيران في الإقليم مع النظام العالمي الذي تقوده أميركا منذ الثورة الإيرانيّة في عام 1979. ولكن الكارثة وقعت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. فقد أتى النظام الدوليّ- الأميركي ليُجاور النظام الإقليمي الإيراني بعد احتلال العراق عام 2003. سقط عراق صدام حسين بمساهمة أميركيّة، فتغيّرت موازين القوى في الإقليم. استغلّت إيران هذا الفراغ لتنشئ منظومة إقليميّة استراتيجية ترتكز أوّل ما ترتكز على «الوكلاء». تواصل «الوكلاء» بعضهم مع بعض برّاً، عبر ما سُمّي «محور المقاومة» و«وحدة الساحات». انضمت جماعة «أنصار الله» في اليمن (جماعة الحوثيين) إلى هذا المحور في البحر، وكذلك في الجوّ.
شكّل ما يُسمّى «الربيع العربي» فرصة ونقمة على إيران، كما على ما يُعرف بـ«محور المقاومة» المتحالف معها. فالربيع العربي فتح باب التدخل الإيراني في المنطقة بصورة مباشرة لتعبئة الفراغ، ولكنه فضح في الوقت ذاته نيات إيران تجاه المنطقة، بعدما طلبت من وكلائها التدخّل لحماية الأنظمة المؤيدة لها. شكّل تدخّل «حزب الله» في سوريا النقمة الأكبر على المخطط الإيراني. فقد أدّى تدخّله في سوريا إلى انكشافه أمنيّاً وعسكريّاً وحتى عقائديّاً. تبيّن هذا الانكشاف خلال حرب الإسناد لغزة، وما تلاها من حرب مباشرة من قبل إسرائيل على الحزب؛ خصوصاً من خلال الخرق الاستخباراتي الذي تُوّج بمقتل قيادات الحزب من الصف الأول والصف الثاني وحتى الثالث.
دخول العراق في المعادلة
جانب من تشييع عنصر في «الحشد الشعبي العراقي» بمدينة الصدر في بغداد اليوم السبت بعد مقتله بغارة جوية في الأنبار يوم 24 مارس (أ.ب)
يُعتبر العراق في العقل الجيوسياسي في طهران مصدر الخطر الأهم على الأمن القومي الإيراني. بدأ هذا الخطر مع إسقاط الإسكندر الكبير الإمبراطوريّة الفارسيّة في عام 331 قبل الميلاد، وفي الماضي القريب أتى هذا الخطر من الرئيس الراحل صدّام حسين خلال حرب السنوات الثماني (1980- 1988). بعد 11 سبتمبر 2001، طوّقت القوات الأميركية إيران من جهتين: العراق وأفغانستان. وفي عام 2014، تمثّل الخطر بتنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من الأراضي العراقية وأعلن فيها دولته.
وبناء عليه، تعتبر إيران أن السيطرة على العراق ستساهم حتماً في استقرارها الداخلي، وبالتالي في أمنها القوميّ.
يشير الكاتب جوبين غودارزي، في كتابه «سوريا وإيران» إلى أن الخميني طلب في عام 1985 من الرئيس الراحل حافظ الأسد، إسقاط النظام في العراق، بعد أن بدأ يظهر ضعفه في الحرب مع إيران. رفض الأسد هذا الطلب؛ لأن إسقاط العراق سيزيله كدولة عازلة مع إيران، كما سيفتح الباب واسعاً لإيران للهيمنة على سوريا بسبب الفوارق في القدرات.
سقط العراق نتيجة الاجتياح الأميركي في عام 2003، ففتح الباب للمشروع الإيراني في المنطقة. وعليه، قد يمكن القول إن المشروع الإيراني الاستراتيجي يقوم على ما يلي: العراق المقرّ، سوريا الممرّ... وصولاً إلى لبنان؛ حيث جوهرة التاج الإيراني عبر «حزب الله».
7 أكتوبر «البجعة السوداء»
يُعتبر حدث «البجعة السوداء» (Black Swan) الحدث الذي يضرب أسس النظام القائم، ولكن دون إيجاد البديل، لتدب الفوضى في المرحلة الانتقاليّة. يُصنّف هجوم حركة «حماس» على الإسرائيليين في غلاف غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بوصفه حدث «البجعة السوداء»، نظراً إلى تداعياته على المنطقة، وحالياً على العالم. فهو حدث مستمرّ في الزمان والمكان. فيه سقط «الوكلاء» وانتقلت الحرب إلى مركز ثقل الأصيل في إيران.
في 7 أكتوبر، أسقط الوكيل الأصيل في فخ حرب ليس مستعداً لها ولا يريدها. يُطلق على هذه العلاقة- المعادلة «مشكلة الوكيل- الأصيل». الأصيل يستغل الوكيل لأهداف استراتيجيّة لا يعيها الوكيل. والوكيل لديه أهداف محليّة آيديولوجيّة تختلف عن أهداف الأصيل. تنتج عن هذه العلاقة المعادلة التالية: يستغلّ الأصيل الوكيل لتحقيق أهدافه الاستراتيجيّة الكبرى. فإذا ربح الوكيل يربح الأصيل. وإذا خسر الوكيل يخسر وحده.
في المقابل، يستغلّ الوكيل الأصيل في تثبيت شرعيّته، والحصول على مساعدات من أجل الصمود، على أمل تأمين الحماية له والدعم في حالة السيناريو السيّئ. في 7 أكتوبر، لم يستطع الأصيل البقاء محايداً. فأوعز إلى وكيل آخر بالتدخّل تحت اسم «حرب الإسناد»، ليقع الوكلاء معاً في فخ الهزيمة- الدومينو المتساقط. تدخّل «حزب الله» لإنقاذ «حماس» في غزة، فسقط الاثنان معاً.
توالى انهيار وحدة الساحات حتى الحرب الحالية. هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران عام 2025 لمدة 12 يوماً. ساهمت الولايات المتحدة، في الأيام الأخيرة للحرب، بقصف المواقع النوويّة الإيرانيّة بذخيرة قادرة على خرق الأسمنت المسلّح بعمق 60 متراً: قنابل «GBU-57» التي تحملها القاذفة الاستراتيجيّة الأميركية «بي- 2» فقط.
تختلف الحرب الحالية على إيران عن سابقتها بأمرين مهمِّين هما:
أولاً: هي حرب مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبشراكة كاملة بين الاثنين، إن كان في التخطيط أو التنفيذ، وحتى في توزيع بنك الأهداف جغرافيّاً. الشمال الغربي لإيران حتى الوسط من حصّة إسرائيل، ومن الوسط وحتى مضيق هرمز وما بعده من حصة القوات الأميركيّة. وهذا في الواقع أمر لم يحدث مع أميركا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ثانياً: مدة الحرب واستمراريّة القصف عن بُعد. إيران، تستهدف إسرائيل والمحيط الإقليمي عبر الصواريخ والمُسيَّرات. في المقابل، ترد إسرائيل عبر القوة الجويّة بعد أن حققت مع أميركا الهيمنة فوق سماء إيران، فضلاً عن استخدام الأميركيين والإسرائيليين الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف وتنسيق ضربها، بصورة لم يسبق أن حصل مثلها من قبل.
لبنان والعراق في المعمعة
موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم السبت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لم يتدخل الحوثيون سوى الآن، وجزئياً، في هذه الحرب، بعكس «حزب الله» اللبناني وميليشيات في «الحشد الشعبي» في العراق مؤيّدة لإيران. وقد يكون للحوثي أسبابه وحساباته الخاصة التي أخّرت انخراطه في المعركة، من قبيل: كيف يمكن أن يدخل الحرب في حين أن طرق الإمداد من إيران مقطوعة جواً وبحراً؟ ولماذا يُخاطر باستهلاك مخزونه من الصواريخ والمُسيَّرات على حرب قد لا يكون له تأثير مهم في نتائجها؟ وهل هو ينتظر نتيجة المعركة واتجاهاتها لمعرفة أي إيران ستولد بعد هذه الحرب؟
لكن انخراط الحوثيين الآن في المعركة جاء بعد أيام من حديث بعض قادة إيران عن قدرتهم على إغلاق باب المندب، من دون الحديث صراحة عن دور للحوثيين في ذلك.
في فترة استراحة المحارب بين حرب عام 2025 وحرب اليوم، سعت إيران عبر «الحرس الثوري» إلى إعادة إحياء ما تبقّى من «حزب الله». فدرّبت مقاتليه على استراتيجيّة قتال جديدة تعتمدها هي حالياً في إيران. ترتكز هذه الاستراتيجيّة على طريقة «قتال الفسيفساء» (Mosaic Warfare). تعتمد هذه الاستراتيجية على لا مركزيّة كاملة للقيادة والسيطرة، وعلى الانتشار، وتجنّب خوض معركة فاصلة.
وترتكز هذه الاستراتيجية على مثلّث من الأسلحة: «الكاتيوشا» (أو الصواريخ الشبيهة بها)، والصواريخ المضادة للدروع، والمُسيَّرات. وبذلك يكون «حزب الله» قد عاد بقتاله إلى مرحلة ما قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
في المقابل، يدخل العراق -من خلال بعض فصائل «الحشد الشعبي»- في حرب بعيدة جغرافياً عن الحدود مع إسرائيل. فهو يقاتل في الداخل العراقيّ، مستهدفاً المصالح الأميركية، حسب منفِّذي الهجمات. ولكن هؤلاء يستهدفون أيضاً مؤسسات حكومية عراقيّة، كمركز المخابرات العراقيّة في بغداد، ومنظومات رادار في مدن الوسط والجنوب.
مقارنة بين العراق ولبنان
تبقى ميليشيات «الحشد الشعبي» ضمن المنظومة الأمنيّة العراقيّة القانونيّة. ولكن لقسم منها استراتيجيّته الخاصة، وأجندته التي تختلف عن مصالح دولة العراق. فهو يقاتل داخل العراق وضد عراقيين، من عرب وأكراد، كما يقاتل ضد الوجود الأميركيّ.
في لبنان، يقاتل «حزب الله» على الجبهة الجنوبيّة ضد إسرائيل، ولكنه يُهدد الداخل اللبناني عبر حديث مسؤولين فيه عن إمكانية القيام بانقلاب على السلطة، وحتى السيطرة على الأرض.
يفرض «حزب الله» العمل «المقاوم» لتحرير الأرض، في موقف مغاير للقرار الرسمي اللبناني الذي قرر اعتماد الدبلوماسيّة لإنجاز هذه المهمة. يريد «حزب الله» تحرير الجنوب والثأر للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، ولكنه يُطالب الدولة بتحمّل المسؤوليّة، علماً بأنه بدأ حرباً دون الرجوع إلى الدولة.
في العراق، لا تهجير قسرياً للسكان بسبب الحرب، ولا احتلال من قوّات أجنبيّة. أما في لبنان فهناك تهجير للسكان (من جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية)، واستهداف لكل بيئة «حزب الله»، بالإضافة إلى احتلال أرض لم تكن إسرائيل تحتلها من قبل. يُراهن «حزب الله» على صمود إيران في وجه أميركا وإسرائيل ليضمن مستقبله. فتغيير النظام فيها قد يكون نقمة عليه وعلى مناصريه.
يُصنَّف «حزب الله» على أنه نقمة على لبنان عندما يكون ضعيفاً، كما هو الآن. وهو نقمة عندما يكون في موضع القوّة. فعندما يكون قوياً يرفض تسليم سلاحه. وعندما يكون ضعيفاً يذهب إلى حرب كبيرة جداً على لاعب محلي غير دولتيّ.
استمرّ العراق -بسبب أهميّته الاستراتيجيّة لإيران- كنقطة انطلاق لوحدة الساحات الإيرانيّة. في المقابل، وبعد سقوط الممر السوري، عُزل «حزب الله» عن خط التواصل مع إيران. لم يحصل في العراق تغيير جذري للداخل السياسيّ، بينما حصل هذا الأمر في لبنان بعد وقف النار مع إسرائيل (أواخر عام 2024)، وبموافقة «حزب الله». تُدخل إيران -حسب التسريبات الأخيرة- «حزب الله» في أي اتفاق محتمل لوقف النار مع أميركا وإسرائيل، وربما ينطبق هذا على بقية وكلائها في المنطقة، بما في ذلك العراق.
يتشابه لبنان مع العراق بوصفه دولة معترفاً بها، وذات سيادة، وتملك حق احتكار السلاح، حسب القانون الدولي (De Jure). ولكن لبنان يتشابه مع العراق في حالة الأمر الواقع (De Facto). بكلام آخر: دولة قانونيّة في البلدين، ولكن الواقع يجعل كلاً منهما دولة مهمّشة بسب الصراعات الداخلية التي تعصف بها.
في سيناريوهات نتيجة الحرب
حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» قبالة سواحل سبليت في كرواتيا السبت (أ.ف.ب)
كل السيناريوهات المحتملة مع إيران ستكون مؤثرة على كل من «حزب الله» وفصائل «الحشد الشعبي» المؤيّدة لإيران، ولكن مع تفاوت كبير في مدى التأثير. وهذه 3 سيناريوهات محتملة لنتيجة الحرب:
الحل الدبلوماسيّ:
حتى الآن قد يكون هذا السيناريو غير ممكن. فمعادلة النصر للأفرقاء ليست متوفّرة للخروج من الحرب. تطلب أميركا من إيران قبول ما رفضته إيران قبل الحرب. كما تقدّم إيران -لأنها لم تخسر بعد- طلبات تعجيزيّة مستندة إلى أنها رابحة فقط؛ لأنها لم تخسر. تتعلق مطالبها بالسيطرة على مضيق هرمز، وهو أمر يمس الأمن القومي بكل دول الخليج. تربط إيران وقف النار والحل السياسي بوقف النار على الجبهة اللبنانية، وكأنها تسعى إلى الاستمرار في مسك الساحة اللبنانيّة رهينة.
في هذه الحالة، ماذا سيكون دور «حزب الله» وجناحه العسكري بعدما تم نزع الشرعيّة عنه؟ ماذا عن سلاحه؟ وعن عناصره المقاتلة؟ وكيف سيؤثّرون على الأمن الداخلي اللبناني وتركيبته المعقّدة؟ كل هذه الأمور ستكون بحاجة إلى توضيح في حال الوصول فعلاً إلى سيناريو الحل الدبلوماسي.
استمرار الوضع الحالي:
يُشكّل هذا السيناريو فرصة تريدها إيران. فالوقت والنفط يعملان لصالحها. في هذه الحالة تتحوّل الحرب إلى حرب استنزاف تريدها إيران. تستنزف أميركا وإسرائيل المخزون الاستراتيجي للذخيرة، الأمر الذي قد يُعرّض أميركا إلى أن تصبح دولة عاجزة في حال نشوب حرب في مكان آخر. ومع مرور الوقت، قد تدخل قوى عظمى أخرى إلى الساحة سرّاً لمساعدة إيران، واختبار منظومات الأسلحة التي تملكها، على غرار روسيا والصين.
في هذا السيناريو، يقع الضرر الأكبر على دول الخليج. وفي هذا السيناريو سينزلق العراق إلى فوضى أكبر تهدد العلاقة بين مكوناته. أما لبنان، فسيبقى رهينة قرار إيران و«حزب الله»، وستبقى الجبهة اللبنانيّة مشتعلة، الأمر الذي قد يهدد بانفجار داخلي، أمنيّاً واجتماعياً وسياسياً.
سيناريو الحرب:
يُعِد الرئيس دونالد ترمب لحرب بريّة وبحريّة وجويّة، عبر استقدام قوات «المارينز» ووحدات من «فرقة المظليين 82». في هذا الاستعداد، تكثر سيناريوهات الحرب. من السيطرة على جزيرة خرج التي تشكل عقب أخيل إيران، فيما يخص تصدير النفط. قد يمكن احتلال الجزر التي تشكّل المنظومة البحريّة الإيرانيّة، والتي تسيطر على مداخل مضيق هرمز، وأهمها: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وغيرها.
في هذا السيناريو، تشكِّل جزيرة قشم التحدي الأكبر؛ لأنها كبيرة (1400 كيلومتر مربع)، ولأنها قريبة من البر الإيراني (12 كيلومتراً). كذلك الأمر، يمكن اعتراض ناقلات النفط الإيرانيّة خارج مضيق هرمز ومنعها من التصدير. كما يمكن السعي إلى تنفيذ عملية بريّة للاستحواذ على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، على الرغم من استبعاد هذه العملية نظراً إلى التعقيدات الكبيرة جداً المحيطة بتنفيذها. في ضوء ذلك، يمكن تحديد مُسلّمات لأي عملية عسكرية أميركيّة، بريّة كانت أو بحريّة، ضد إيران، وهي: حتميّة نجاحها، أو أن تخرج بصورة نصر لترمب.
لكن في حالة الفشل، ستكون التداعيات على أميركا وعلى حلفائها كارثيّة. في حال نجاح العملية الأميركيّة سيعاني لبنان من أمرين مهمّين، هما: كيفيّة إجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب. وكيف سيتعامل مع ما تبقّى من «حزب الله» ومشروعه. أما العراق فسيكون مستفيداً من النصر الأميركي؛ لأن الحكومة ستسترد السيادة، وتحافظ على الوحدة الداخلية. وفي حال عدم نجاح الحملة الأميركية فلن يتغيّر الكثير على العراق.
لبنان يرفض ربط طهران مصيره بمفاوضاتها الموعودة مع واشنطنhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5256277-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D8%B1%D8%A8%D8%B7-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D9%87-%D8%A8%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86
لبنان يرفض ربط طهران مصيره بمفاوضاتها الموعودة مع واشنطن
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)
ينشغل لبنان بمواكبة حركة الاتصالات، لعلها تؤدي لإنضاج الظروف، وتحضير الأجواء، أمام معاودة المفاوضات الأميركية- الإيرانية، بضيافة باكستانية وبوساطة عربية إسلامية، للتأكد من صحة ما يتردد في بيروت، حول احتمال ربط لبنان بإيران بإدراج المقترحات في سلة واحدة، لإنهاء الحروب المشتعلة على كافة الجبهات، بخلاف إصرار الحكومة اللبنانية على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني؛ لأن الظروف الصعبة التي يمر بها البلد تستعجل إدراجه كأولوية على جدول الاهتمام الدولي؛ كونه لا يحتمل الانتظار ريثما يتبلور مصير المفاوضات الموعودة.
وكان لافتاً أن مواكبة لبنان هذه الاتصالات تلازمت مع لقاء عُقد بين وفد أمني مصري رفيع وبين مسؤولين بارزين في «حزب الله»، رعاه المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، عُقد في مكتبه، وخُصِّص لمناقشة رزمة من الأفكار عرضها الوفد على الحزب، لإنهاء الحرب بينه وبين إسرائيل، تأتي كخطوة أولى على مسار طويل لإعداد ورقة عمل يراد منها عودة الاستقرار للبنان، بالتزامن مع الاتصالات الجارية لتهيئة الظروف أمام فتح كوّة في الحائط المسدود، تعيد الاعتبار للمفاوضات الأميركية- الإيرانية.
وتأكد أن الوفد المصري ناقش هذه الأفكار التي ما زالت بمنزلة عناوين، على أن يتم تطويرها في ضوء الاتصالات التي سيجريها الوفد بكل من واشنطن وتل أبيب، للوقوف على رأيهما حيالها، في ضوء استماعه لما أدلى به الحزب من ملاحظات، على أن يعود لاحقاً إلى بيروت لإطلاع الحزب على نتائج المحادثات، على الرغم من أن ممثلي الحزب أكدوا للوفد أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كان ولا يزال يحمل تفويضاً من قيادة الحزب، للتفاوض حول كل ما يتعلق بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، بينما تواصل شقير مع الرؤساء الثلاثة لإطلاعهم على ما دار من مداولات تتعلق بالأفكار التي طرحها الوفد المصري.
وبالعودة إلى إصرار «حزب الله» على تمسكه بوحدة المسار والمصير بين لبنان وإيران، لفتت المصادر إلى أن الحزب يدخل الآن في مواجهة وجودية مع إسرائيل، وهو يتَّبع -كما تقول لـ«الشرق الأوسط»- استراتيجية الصمود في الميدان بغية شراء الوقت، ريثما يؤدي الحراك الدولي لإنضاج الظروف لمعاودة المفاوضات، للتوصل لإنهاء الحرب على كافة الجبهات.
وكشفت مصادر مقربة من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن القيادة الإيرانية قد أبلغت الحزب تمسكها بإنهاء الحرب بالتلازم على كافة الجبهات، وتشترط أن ينسحب إنهاؤها على لبنان، وإلا فلن تكون إسرائيل مشمولة بالاتفاق. وقالت إن بري كان قد أُعلم بموقف طهران هذا قبل أن يتلقى اتصالاً من وزير خارجيتها عباس عراقجي.
فتى يحمل علم «حزب الله» بمنطقة الباشورة في بيروت التي استُهدفت بقصف إسرائيلي (رويترز)
ورأت مصادر سياسية متعددة أن عراقجي اختار التوقيت المناسب للتشاور هاتفياً مع بري، ليوحي بأن الترابط بين البلدين حاصل. وأكدت أن الجهود الرامية لمعاودة المفاوضات كانت قد حضرت على هامش لقاء بري برئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي خُصِّص لاستيعاب النازحين في ضوء التحسُّب لتدفق مزيد من موجات النزوح.
وتوقفت مصادر «الشرق الأوسط» أمام قول بري، بعد اجتماعه بعون، إنه يأمل إذا صحت المعلومات التي تسربت عن احتمال التوصل لاتفاق إيراني- أميركي، أن يكون اتفاقاً شاملاً ينسحب على لبنان لإنهاء الحرب الإسرائيلية عليه. وقالت إنه لم يقصد من وراء كلامه ربط لبنان بإيران. وقالت إن من يريد الفصل بين المسارين لا يعطِّل اجتماعات لجنة الـ«ميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيقه. ولفتت إلى أن لبنان ليس في حاجة للدخول في مفاوضات للتوصل لاتفاق جديد، وأن المطلوب من واشنطن الضغط على إسرائيل لتطبيق ما هو قائم الآن، وإن كان خصوم الحزب يحمِّلونه مسؤولية الربط بين المسارين بتفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لبري بعدم تدخُّله عسكرياً إسناداً لإيران.
وتابعت بأن إسناد الحزب لإيران تسبب في إحراج بري، وأدى إلى فتور في العلاقة عبَّر عنه الوزراء المحسوبون عليه، بتأييدهم لقرار مجلس الوزراء فرض حظر على النشاط العسكري والأمني للحزب؛ لأن إطلاقه للصواريخ يعني من وجهة نظر خصومه أنه ماضٍ في ربط لبنان بإيران، إضافة إلى تمسكه بسلاحه رافضاً تسليمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، ومتمادياً في تهديد رئيس الحكومة نواف سلام، وتخوينه وتهديده بمعاقبة كل من يخالفه الرأي، ورفضه وقف إطلاق النار، وهذا ما يثير تساؤلات حول تناغم الضدين المتحاربين على استمرارهم في الحرب المشتعلة، ناهيك من عدم تجاوب الحزب مع دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بوصفها الخيار الدبلوماسي الوحيد بعد أن فشل الرهان على الميدان الذي ألحق بالبلد كوارث، لم يعد في وسعه تحمل مزيد منها، ما لم ينخرط في مشروع الدولة.
وتوقفت المصادر أمام عدم تجاوب إسرائيل مع دعوة عون للتفاوض السلمي، وإصرارها على مُضيها في الحرب لنزع سلاح «حزب الله»، مع أن الولايات المتحدة تدعو لبنان لتشكيل وفد مدني لبدء المفاوضات المباشرة بين البلدين بضيافة قبرصية، مستبعدة الرعاية الفرنسية لها، من دون أن تتجاوب مع طلب عون التوصل لهدنة، لئلا تُعقَد المفاوضات تحت النار.
كما سأل خصوم الحزب: لماذا لم يتجاوب مع تطبيق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة، ويخرق التزامه باحتواء سلاحه، ولا يقف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي، بعد أن أخفق في رهانه على الخيار العسكري الذي زاد التكاليف على البلد، رغم أن الحزب يكاد يكون وحيداً في حربه، ما يدعوه لمراجعة حساباته، بخلاف إسرائيل التي تحظى بغطاء أميركي وتفهُّم إقليمي بذريعة توفير الأمن لمستوطنيها على امتداد شمال فلسطين المحتلة.
كما أن الحزب -حسب المصادر- يخطئ في رهانه إذا كان يعتقد بأن المفاوضات الأميركية- الإيرانية، في حال استؤنفت وكُتب لها النجاح، سيكون مشمولاً بها، مع أنه يدرك أن الإدارة الأميركية تصر على إدراج بند خاص على جدول أعمال المفاوضات، ينص صراحة على التخلص من أذرع إيران في الإقليم، بدءاً من لبنان.
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
لذلك تصطدم رغبة إيران في ربط لبنان بمصير مفاوضاتها بالتوافق مع «حزب الله»، بإصرار حكومة نواف سلام على فك الارتباط بينهما، وهي تدعو المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب لبنان؛ لأنه لم يعد في مقدوره أن يتحمل مزيداً من الكوارث، مع تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»؛ بينما كشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن فتور يشوب العلاقة بين عون وسلام من جهة، وبري من جهة ثانية، على خلفية ما أصابها بسبب التباين حول قرار وزارة الخارجية سحب أوراق اعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لإيران في بيروت، وسط توقعات بأن وضعه الآن هو أشبه بمن تُنظَّم بحقه مخالفة مع تأجيل تحصيل الغرامة المترتبة عليه، بعد أن نُزعت عنه صفته الدبلوماسية، ويأمل أن يتم تجاوزها، آخذين بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، والتي تتطلب وحدة الموقف في مقاربتهم لحلول للحرب الدائرة في لبنان.