«يوم الحزن الأكبر»... عيد الأم في غزة ينكأ جراح فلسطينيات ثكالى وأبناء يُـتّموا

فلسطينيات يبكين خلال تشييع رجال قُتلوا في القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
فلسطينيات يبكين خلال تشييع رجال قُتلوا في القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
TT

«يوم الحزن الأكبر»... عيد الأم في غزة ينكأ جراح فلسطينيات ثكالى وأبناء يُـتّموا

فلسطينيات يبكين خلال تشييع رجال قُتلوا في القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
فلسطينيات يبكين خلال تشييع رجال قُتلوا في القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)

يمضي الطفل الفلسطيني سعد شحادة (عشر سنوات) وقته في اللهو واللعب مع شقيقيه إسماعيل الذي يصغره بعامين وسراج الذي يصغره بأربع سنوات قبالة خيمة نزوحهم مع جديهم لوالدهم في دير البلح بوسط قطاع غزة، في محاولة لإلهائهما والتخفيف من سؤالهما المستمر عن أمهما التي قتلت في قصف إسرائيلي قبل ثلاثة أشهر ونصف الشهر.

يعمد سعد إلى شراء بعض الحلوى المعدة منزلياً وتباع بين الخيام ليعطيها لشقيقيه لإدخال الفرحة إلى قلبيهما، ويذكرانه ببعض الهدايا التي كانوا يشترونها لتقديمها لأمهم في عيد الأم الذي يوافق 21 مارس (آذار)، لتتحول هذه المناسبة السعيدة يوماً حزيناً يذكّرهم بفقدان من كانت تمثل لهم الحياة، وفقاً لتقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

يجلس الأشقاء الثلاثة داخل خيمتهم مع جديهم تارة، ويخرجون من الخيمة تارة أخرى للحديث بشكل منفرد عن ذكرياتهم مع أمهم، ليدخل أصغرهم سراج في بكاء مستمر ويحاولان احتضانه ومسح دموعه، لكنه يرفع صوته قائلاً: «بدي ماما بدي ماما».

طفلة فلسطينية تقف على أنقاض المنازل المدمرة في مخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

يستمر مشهد بكاء الشقيق الأصغر ومحاولة تهدئته ببعض الحلوى دون جدوى، لينهاروا جميعاً ويبكون معاً، دون أن يجدوا أمهم التي كانت تواسيهم وتحتضنهم وتطمئن على تفاصيل حياتهم اليومية، فتميل لرأي سعد كونه الأخ الأكبر وتستجيب لمطالب إسماعيل وتلبي ما يحتاج إليه الأصغر سراج الذي كان لا يفارقها.

يوضح سعد أنهم جمعوا من مصروفهم واشتروا لأمهم العام الماضي منديلاً وباقة ورد وكتبوا عليها «عيدك جميل يا أحلى أم» لتستقبلهم آنذاك بالضحكات والأحضان والقبلات التي ما زالت عالقة في أذهانهم، لافتاً إلى أن عيد الأم كان بمثابة يوم خاص للفرح والسعادة والاحتفال بأمهم التي كانت لا تنام الليل لتوفر احتياجاتهم ومستلزماتهم حياتهم.

يؤكد سعد أن أمهم كانت تفرح بمناداتها باسمها تحرير، وهم يكونوا أكثر سعادة كونهم يشعرون بأنها صديقتهم.

وقال سعد: «قبل استشهادها كانت تدبّر لنا الطعام والماء بأي طريقة حتى لو قامت بالمشي على أقدامها طوال النهار، المهم ألا ننام ونحن جوعى، أتذكر أنها لم تتناول الخبز لخمسة أيام حتى تبقيه لنا».

وأضاف: «لا أنسى نجاتها من القصف قبل استشهادها أكثر من مرة لدخولها في مناطق خطرة بحثاً عن عشبة الخبيزة حتى تطبخها لنا، أتذكر كل لحظة كنا نخاف فيها أو نشعر بالبرد لتحتضننا وتبقى يقظة حتى طلوع النهار».

ينهار الطفل من شدة حزنه وهو يتذكر تفاصيل حياتهم مع أمهم، بينما يقف شقيقاه إلى جواره ينصتان وهما يرتجفان، وكل واحد يكمل حكاية ذكرى جميلة مع أمه خصوصاً في تضحيتها من أجلهم منذ بداية الحرب.

ينكأ عيد الأم ذكريات الأطفال ويربطهم بواقعهم المأساوي دون أمهم بعدما اضطروا إلى الفرار من مدينة غزة والتوجه نحو الجنوب بمفردهم من شدة الجوع والعطش بعدما تقطعت بهم السبل وعجز والدهم عن توفير ما يقيتهم.

طفلتان فلسطينيتان تمشيان أمام أنقاض المنازل المدمرة في مخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

يخترق الأطفال الثلاثة الطريق المرعبة بين دبابات الجيش الإسرائيلي من شرق المدينة إلى غربها ويسيرون عبر الطريق الساحلية حتى يجتازوا الحاجز العسكري الفاصل بين شمال القطاع وجنوبه، قبل أن يفتشوا عن خيمة جدهم الذي كان يعمل في إسرائيل واعتقل وأطلق سراحه لاحقاً.

يكفكف الصغار دموعهم بأيديهم قبل التوجه إلى جدهم الذي كان يبحث عنهم، فيحتضنهم الجد ويربت على أكتافهم ويحاول التخفيف من أحزانهم ببعض الكلمات واللعب معهم وطمأنتهم بأنهم قريباً سيعودون لمدينة غزة ويلتقون والدهم ويستعيدون حياتهم.

امرأة فلسطينية نازحة تقرأ القرآن الكريم في مدرسة تابعة لـ«أونروا» خلال شهر رمضان المبارك مع استمرار القصف على غزة (رويترز)

المناسبة الأكثر حزناً

حال الأمهات مع فقدان فلذات أكبادهن ليس أقل وجعاً، خصوصاً للائي فقدن أكثر من ابن في حروب متتالية وتراكمت عليهن الأحزان في كل مناسبة سعيدة ومنها عيد الأم.

فقدت نجاح الأمير (52 عاماً) ثلاثة من أبنائها في قصف إسرائيلي، منهما اثنان في حرب عام 2014 وهما محمد (23 عاماً) وخالد (22 عاماً)، والثالث أحمد (21 عاماً) فقدته خلال الحرب الحالية، وتبقّى لها ابن وحيد وهو محمود (30 عاماً).

بالنسبة لنجاح، يمثل عيد الأم المناسبة الأكثر حزناً في حياتها كونها تفتقد أعز ما لديها وتُحرم من أحضانهم وكلماتهم وقبلاتهم، لتقضي يومها الذي كانت تحتفل فيه مع أبنائها ببهجة وسرور في حزن وبكاء ودموع.

تنكب الأحزان على الفلسطينية النازحة في خيمة بالية في مواصي خان يونس وهي تتذكر تفاصيل عيد الأم قبل مقتل أبنائها الثلاثة، وكيف كانوا يستعدون لإسعادها قبل الموعد بأيام ويسألونها عن الهدايا التي تريدها والحلوى التي تفضلها والطريقة التي تبهج قلبها للاحتفاء بها.

وتقول نجاح: «كل هذه التفاصيل الجميلة انتهت من حياتي وحلّت مكانها الآلام التي سترافقني إلى الممات، فأي عيد أم وأنا بلا ثلاثة من أبنائي الذين كنت أرعاهم ساعة بساعة وأشعر بأنفاسهم في كل لحظة».

وأضافت: «هو يوم الحزن الأكبر لي ولكل الأمهات الفلسطينيات أمثالي».

امرأة تعبّر عن حزنها بعد فقدان أقاربها في غارة جوية إسرائيلية على مبنى في رفح (أ.ف.ب)

تمسك الأم بخاتم لا يفارقها يتدلى من حبل صغير حول عنقها ليذكرها بابنيها اللذين فقدتهما في حرب 2014 لأنهما اشتركا في ثمنه وأهدياه إياها في آخر عيد أم قبل مقتلهما، بينما تطلق تنهيدة طويلة تكتظ بسيل جارف من الأوجاع التي لا نهاية لها.

وتتساءل قائلة: «لماذا يكتب علينا الحزن يوم الفرح؟ إلى متى ستستمر الفلسطينيات في فقدان أبنائهن بلا أي ذنب؟ أي ثمن يساوي فقداننا أبنائنا؟ أتشعر أمهات العالم بأوجاعنا وتصمتن؟».

امرأة تحمل جثمان طفل قُتل في غارات إسرائيلية وسط الصراع المستمر في دير البلح بقطاع غزة (رويترز)

مرارة الغياب

في غمرة ذكرى أيام كان يعلوها رونق الأمان ودفء الحنان، يستحضر علي حسن ماضيه المشرق بألوان الفرح، فهو يتذكر تلك الهدايا الصغيرة التي كان يقدمها بكل حب وعناية لأمه في عيد الأم.

لكن هذا العام، يشعر حسن بمرارة غياب لم يتمكن من تقبله بعد، فأمه قضت ولم يعُثر بعد على جثتها إثر قصف استهدف منزلهم في شمال قطاع غزة، فبقيت روحها معلقة بين السماء والأرض، فيما جسدها مدفون تحت أنقاض موحشة.

تتجلى معاناة حسن، مثل الكثيرين ممن فقدوا أمهاتهم في قطاع غزة، بقوله: «حتى المناسبات، التي يجتمع فيها العالم للاحتفال، أصبحت عبئاً يثقل كاهلنا».

وأضاف حسن الذي يعيش في خيمة بمدينة رفح أنه في صراع دائم بين ذكريات الأمس الجميل وواقع اليوم المؤلم، ويستعيد تلك اللحظات السعيدة بينما يتحدث عن واقع مرير تعصف به الحرب والدمار.

وتابع قائلاً: «هذا هو عالمنا اليوم، عالم نبحث فيه عن أمهات لم يعد لهن وجود، عالم يحتاج إلى الشفقة والرحمة أكثر من أي وقت مضى».

فلسطينية تسير برفقة طفلة وسط الدمار الذي سبّبه القصف الإسرائيلي على مدينة غزة (رويترز)

وفي أحدث إحصاء لها، قالت وزارة الصحة الفلسطينية إن نحو تسعة آلاف سيدة فلسطينية قتلن في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، من بينهن آلاف الأمهات والحوامل.

ووصفت الوزارة ما تتعرض له المرأة في قطاع غزة بأنه «أسوأ كارثة إنسانية من القتل والتشريد والاعتقال والإجهاض والأوبئة والموت جوعاً».

وتشير إحصائية الوزارة إلى وجود 60 ألف سيدة حامل في قطاع غزة يعانين سوء التغذية والجفاف وانعدام الرعاية الصحية المناسبة.


مقالات ذات صلة

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي قوات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية واحتجاز جثمانه في الضفة الغربية

قُتل فلسطيني، الأربعاء، برصاص القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، التي قالت إنه جرى «احتجاز» جثمان القتيل.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».


الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني
TT

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

حضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ومن الجانب الفلسطيني: رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، وعضو اللجنة المركزية سمير الرفاعي، والمستشار وائل لافي.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، بحسب ما ذكرته رئاسة الجمهورية عبر منصاتها الرسمية.

من جانبه، أكد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، في منشور عبر منصة «إكس» بعد اللقاء، موقف حكومته الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، إلى آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، قد استقبل في العام الفائت رئيس دولة فلسطين محمود عباس والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق.

يأتي اللقاء، بحسب موقع تلفزيون (سوريا) في ظل تطورات تتعلق بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، إذ كانت الرئاسة السورية قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إعادة النظر في صفة «ومن في حكمهم» المستخدمة للإشارة إلى الفلسطينيين المقيمين في البلاد، وذلك استجابةً لمطالب متكررة من فلسطينيي سوريا.

وجرى تشكيل لجنة حكومية لدراسة إدراج هذه الفئة ضمن القوانين المطبّقة على المواطنين السوريين، في خطوة اعتُبرت محاولة لمعالجة إشكالات قانونية ظهرت مؤخراً، بعد تداول تعديلات إدارية وصفت بعض الفلسطينيين بـ«مقيمين» أو «أجانب»، ما أثار مخاوف بشأن حقوقهم.

ويتمتع الفلسطينيون في سوريا تاريخياً بوضع قانوني خاص يمنحهم حقوقاً مدنية شبه كاملة مماثلة للسوريين، باستثناء الحقوق السياسية، بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، ما جعلهم جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي في البلاد، رغم بروز تحديات إدارية في السنوات الأخيرة، بحسب الموقع.


امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
TT

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

قال مصدر رسمي سوري إن مباحثات جرت بين مديرية التربية والتعليم في محافظة السويداء ومحافظها مصطفى البكور، ووزارة التربية والتعليم، أسفرت عن «الموافقة على دخول وفد وزاري إلى المحافظة للإشراف على سير العملية الامتحانية لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة التي تمليها وزارة التربية ومعايير نجاحها».

كما لفت المصدر إلى إطلاق تهديدات داخل السويداء ضد أي وفد حكومي يدخل المحافظة، وأعربت مصادر من المحافظة عن مخاوفها من قيام المسلحين بـ«إثارة فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».

وأوضح مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإشراف على سير الامتحانات يأتي «حرصاً من الحكومة السورية على ضمان حق أبنائنا الطلبة في محافظة السويداء في التقدم لامتحاناتهم في أجواء مناسبة». لكنه لفت إلى إطلاق «مسلحين خارجين عن القانون داخل السويداء، لا يمثلون أهالي المحافظة، عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء»، وفي الوقت ذاته، أكد أن «الدولة السورية تسعى جاهدة إلى إنهاء معاناة الطلبة رغم تلك التهديدات».

وكانت وزارة التربية والتعليم السورية قد أعلنت أن امتحانات الشهادة الثانوية العامة (البكالوريا) بفرعيها العلمي والأدبي والثانوية الشرعية للعام الدراسي 2026، ستبدأ في يونيو (حزيران) وتستمر حتى نهاية الشهر، بينما تبدأ امتحانات شهادة التعليم الأساسي (الإعدادية) في الرابع من يونيو.

منظر عام لمدينة السويداء

يذكر أنه عند اندلاع أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، التي أسفرت عن مقتل العشرات من السكان البدو ومسلحي الفصائل المحلية وعناصر من الجيش والأمن، كانت امتحانات الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية تجري.

وفي حين أتم طلاب الشهادة الإعدادية امتحاناتهم وصدرت نتائجها، توقفت امتحانات الشهادة الثانوية العامة في ذلك الوقت. وبعد سيطرة شيخ العقل حكمت الهجري، وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على مساحات واسعة من المحافظة ذات الأغلبية السكانية الدرزية، استأنفت مديرية التربية والتعليم في السويداء العملية الامتحانية من دون التنسيق مع وزارة التربية والتعليم التي لم تعلن تبني تلك الدورة الامتحانية.

ويسود حالياً قلق كبير في أوساط الأهالي في السويداء حيال مستقبل أبنائهم التعليمي. وفي سؤاله عما إذا كان التوافق الذي حصل في ملف امتحانات الشهادات العامة يمكن أن ينسحب على ملفات أخرى عالقة في المحافظة، أوضح عزام أن «هناك جهات في السويداء تعطل أي مسار للحل ينهي معاناة أهالي المحافظة، لأن همها مصالحها الشخصية وتنفيذ أجندات خارجية».

مطالبات طلابية في اعتصام سابق بالسويداء لتعويض ما فاتهم من دروس (متداولة)

من جهتها، أعلنت مديرية التربية والتعليم في السويداء جاهزيتها التامة لإجراء امتحانات الشهادات العامة، مؤكدة التزامها بتطبيق التعليمات والأنظمة الوزارية المعتمدة بما يضمن سير العملية الامتحانية بشكل منظم وآمن.

وقال رئيس قسم الامتحانات في السويداء، لقاء غانم، وفق «مركز إعلام السويداء»، إن هذا الاستعداد يأتي في إطار الحرص على تحقيق المصلحة العامة وضمان حق الطلبة في التقدم لامتحاناتهم ضمن أجواء مناسبة، مشيراً إلى أن عدد الطلاب المسجلين للدورة الحالية يبلغ نحو 13500 طالب وطالبة.

وأوضح غانم أن المديرية استكملت كل المستلزمات والتجهيزات اللوجستية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاح العملية الامتحانية، متمنياً التوفيق والنجاح لجميع الطلبة.

هذا، وتداول بعض المصادر الإعلامية أنباء مرافقة عناصر من «الأمن العام» التابع للحكومة لوفد وزاري إلى السويداء بهدف تأمين الحماية. إلا أن مصدراً مسؤولاً نفى صحة هذه الأنباء، مؤكداً أن ما يتم تداوله يندرج ضمن الشائعات، وأن مصلحة الطلبة ستبقى في صدارة الأولويات.

وأوضح المصدر أن المناقشات جارية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان إتمام الامتحانات، بما يتوافق مع الأنظمة المعتمدة في وزارة التربية والتعليم في سوريا، التي تتطلب بطبيعتها وجود عناصر من «الشرطة» لضمان أمن وسلامة العملية الامتحانية.

ورصد «مركز إعلام السويداء»، تداول منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن تهديدات محتملة للوفد الوزاري، من بينها ما نُسب إلى حسابات أشارت إلى تهديدات مباشرة، الأمر الذي أثار قلق الأهالي والطلبة وسط دعوات إلى تحييد العملية التعليمية عن أي توترات، والحفاظ على مستقبل الطلبة بعيداً عن أي محاولات للتعطيل أو الاستغلال.

لافتة مطالب طلاب الثانوية العامة في السويداء لتقديم الامتحانات برعاية وزارة التربية السورية (متداولة)

وأعرب مراقبون عن استغرابهم من إطلاق مسلحين داخل السويداء عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء للإشراف على العملية الامتحانية، بحكم أن هذا الأمر تم بموافقة ضمنية من الهجري.

وبهذا الصدد، بيّن مصدر درزي في داخل مدينة السويداء، أن الهجري يصدر كثيراً من القرارات «بشكل شفهي بهدف امتصاص غضب الأهالي، لكنه في الوقت نفسه يعطي تعليمات لجماعته للعمل بشكل مناقض، وهذا هو أسلوبه».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «الناس فرحت بما تم إعلانه، ولكن ليس هناك ضمانات بألا يقوم هؤلاء المسلحون بافتعال فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».