معركة «الشفاء» تختبر «نجاحات» تل أبيب و«قدرات حماس»

الجيش الإسرائيلي تمكن من المباغتة والسيطرة لكنه واجه مقاومة شرسة غير متوقعة

دمار واسع في قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر العام الماضي (أ.ف.ب)
دمار واسع في قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

معركة «الشفاء» تختبر «نجاحات» تل أبيب و«قدرات حماس»

دمار واسع في قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر العام الماضي (أ.ف.ب)
دمار واسع في قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر العام الماضي (أ.ف.ب)

تختبر معركة مستشفى «الشفاء» الدائرة في مدينة غزة، منذ فجر الاثنين، إلى أي حد نجح الجيش الإسرائيلي في فرض واقع جديد كثيراً ما أراد الوصول إليه في قطاع غزة، وهو تحويلها إلى الضفة الغربية رقم 2، كما تختبر المعركة في الوقت نفسه إلى أي حد تضررت قدرات «حماس» العسكرية.

وعلى الرغم من أن العملية برمتها تستهدف تقويض محاولات «حماس» إعادة السيطرة المدنية والعسكرية في مدينة غزة، لكنها أظهرت قدرة إسرائيلية على المباغتة من جهة، ما يعزز سيطرة واضحة، وقدرة «حمساوية» على القتال من جهة ثانية، ما يؤكد أن القضاء عليها ما زال هدفاً بعيد المنال.

وقال مصدر ميداني في مدينة غزة لـ«الشرق الأوسط» إن الجيش الإسرائيلي نجح في مباغتة قيادات في الفصائل الفلسطينية كانت في منطقة مستشفى «الشفاء»، لكن فوجئ أيضاً بشراسة المقاومة بعد ذلك.

فلسطينيون ينتقلون إلى مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الاثنين بعدما نزحوا من شمال القطاع عقب الهجوم الإسرائيلي على مجمع «الشفاء» (أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى المستشفى بسرعة، مضيفاً: «كان هذا سريعاً، وغير مسبوق. وصل الجيش بسرعة، وحاصر المستشفى، وقتل واعتقل العشرات، لكنه أيضاً تكبد خسائر».

وقال المصدر إن إسرائيل تريد إثبات أمرين، الأول أنها حوّلت قطاع غزة إلى ضفة غربية ثانية، بحيث تستطيع وقتما تشاء الوصول إلى أي نقطة وقتل واعتقال من تريد، واختارت مستشفى «الشفاء»؛ لأنها حاولت قبل ذلك تحويله إلى معقل لـ«حماس»، وبالتالي كأنه رمز للمعركة. والأمر الثاني، ضرب كل مقومات «حماس» بما فيها أجهزة الحكم المدني.

وكانت القوات الإسرائيلية قد اقتحمت «الشفاء»، وهو أكبر مستشفى في قطاع غزة، فجر الاثنين، في عملية قالت إنها تستهدف مسؤولين في «حماس»، قبل أن تقتل العميد فائق المبحوح، مسؤول العمليات في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة «حماس»، الذي كان مسؤولاً عن عمليات الشرطة في قطاع غزة، بما في ذلك تأمين وصول شاحنات المساعدات وتوزيعها. وكان على اتصال مع وكالة «الأونروا» ومع عشائر. وبعد ذلك، قتلت إسرائيل المقدم رائد البنا مدير مباحث شمال غزة والمسؤول عن تأمين دخول شاحنات المساعدات، مع زوجته وأولاده في قصف منزله.

فلسطينيون ينزحون من شمال غزة الاثنين بعد اقتحام إسرائيل مجمع مستشفى «الشفاء» في مدينة غزة (رويترز)

واستهداف المسؤولين في الشرطة الفلسطينية التابعة لـ«حماس» يؤكد عزم إسرائيل على القضاء على كل مقدرات الحركة في الحكم، بالإضافة إلى ضرب قدراتها العسكرية.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: «المكان الذي اعتقد نشطاء (حماس) أنه مخبؤهم ومكانهم الآمن أصبح على الفور فخاً للموت بعد عملية نفذت بسرعة البرق. في هذه العملية اتخذنا خطوة أخرى تجاه (حماس)، ووجّهنا ضربة أخرى لها، وسيستمر ويتعزز مثل هذا الهجوم حتى نقضي على منظمة (حماس). لن يكون هناك حكم عسكري، ولن تكون هناك قدرة عسكرية لـ(حماس) في قطاع غزة. وسوف يستغرق الأمر وقتاً طويلاً».

وهذا ثاني هجوم واسع تنفذه إسرائيل في مجمع «الشفاء» منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.

ونفذ الجيش هجوماً على المجمع في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، واستغرق وقتاً للوصول إلى داخله حيث خاص معارك قاسية للغاية. وبعد سيطرته على المبنى، عرض الجيش لاحقاً ما قال إنها أدلة تدعم ادعاءاته منذ فترة طويلة بأن «حماس» تستخدم مستشفى «الشفاء» مركز عمليات وقيادة رئيسي، وأن المستشفى يقع فوق أنفاق تضم مقار لمقاتلي «حماس».

دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

واستكمل الجيش الإسرائيلي تدمير الأنفاق الواقعة تحت منطقة «الشفاء» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورأت صحيفة «هآرتس» أن وصول الجيش الإسرائيلي إلى «الشفاء» بهذه السهولة في المرة الحالية، يعكس المدى القليل من المقاومة التي تستطيع «حماس» حشدها شمال قطاع غزة، لكن العودة إلى هناك تظهر أن «حماس» أيضاً بعيدة كل البعد عن الاستسلام حتى في المناطق التي أعلن فيها الجيش الإسرائيلي منذ فترة طويلة أنه انتهى من تفكيك القدرات العسكرية للحركة فيها.

وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل 50 فلسطينياً، واعتقل 180 مشتبهاً بهم في عملية اقتحام المستشفى، قالت «كتائب القسام» إنها دمّرت آليات، وقتلت جنوداً.

وقال ناطق باسم الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء: «نشاط قوات الجيش وجهاز الأمن العام، وقوات وحدة 13 للكوماندوز البحري، ومجموعة القتال التابعة للواء 401 بقيادة الفرقة 162 في منطقة مستشفى (الشفاء)، مستمر». وأقر الناطق العسكري بخوص جنوده معارك وجهاً لوجه مع المقاتلين الفلسطينيين.

ومقابل ذلك، أعلنت «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» أنها تخوض معارك ضارية في محيط مستشفى «الشفاء»، وقالت إنها استهدفت جنوداً وآليات بقذائف «الياسين 105» في محيط المستشفى.

واعترف الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، بوفاة الضابط سيباستيان هيون (51 عاماً)، في معركة «الشفاء»، لترتفع حصيلة قتلى العملية البرية في غزة إلى 251، ومنذ بداية الحرب إلى 594.

نازحون فلسطينيون من شمال غزة عقب الهجوم الإسرائيلي على مجمع «الشفاء» (أ.ف.ب)

والاثنين، سمح الجيش بنشر خبر مفاده أن الرقيب متان فينوغرادوف (20 عاماً) من القدس، وهو مقاتل في الكتيبة 932 التابعة للواء «ناحال» قُتل أيضاً في معركة في مستشفى «الشفاء».

وتحدث الجيش عن إصابات كذلك.

ولا يُعرف على وجه الدقة إذا ما كان الهجوم يستهدف فقط حكم «حماس»، أم أنه طال مسؤولين في الحركة، وآخرين في «الجهاد الإسلامي».

وتحاول إسرائيل دفع عشائر وعائلات ومسلحين من أجل حكم مربعات سكنية في منطقة شمال غزة، عبر تنظيم عملية توزيع المساعدات، لكن معظم هذه العائلات رفضت إلا من خلال التنسيق مع أجهزة الأمن التابعة لـ«حماس».

وفي ردود الفعل على هجوم «الشفاء»، أدانت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) عمليات الاغتيال الإسرائيلية لمسؤولين في الشرطة الفلسطينية، وقالت إنها تكشف، وتؤكد سياسة إسرائيل الممنهجة في الاستهداف المتعمد للمدنيين وللبنى التحتية المدنية والمؤسسات المدنية بما في ذلك أجهزة الشرطة العامة والأمن الداخلي والدفاع المدني. وأضافت: «من الواضح أن إسرائيل تهدف من عمليات اغتيال المسؤولين في الشرطة الفلسطينية إلى تعميق الأزمة الإنسانية في القطاع، لا سيما في الشمال؛ حيث يتفاقم خطر المجاعة هناك».

لكن «حماس» رأت أن ما قامت به إسرائيل في مجمع «الشفاء» الطبي ومحيطه دليل على حالة التخبط.

وأضافت في بيان: «إن النصر الذي يراود خيال (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو، إنما هو سراب وحلم بعيد المنال».

جيك سولفيان أكد أن إسرائيل قتلت مروان عيسى القيادي في الجناح المسلح لـ«حماس» (إ.ب.أ)

وفي واشنطن، أعلن البيت الأبيض أن إسرائيل قتلت الرجل الثاني في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال الأسبوع الماضي. وقال مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان إن «الرجل الثالث في حماس (الثاني في جناحها العسكري) مروان عيسى قُتل في عملية إسرائيلية، الأسبوع الماضي»، وذلك في معرض تقديمه إحاطة حول فحوى مكالمة هاتفية جرت بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقال سوليفان إن إسرائيل «قضت على عدد كبير من كتائب (حماس)، وقتلت آلافاً من مقاتلي (حماس) بينهم قادة كبار». وأضاف: «بقية القادة الكبار يختبئون، على الأرجح في عمق شبكة أنفاق (حماس)، والعدالة ستأتيهم أيضاً». وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في 11 مارس (آذار) أن غارة جوية على مجمّع تحت الأرض في وسط غزة نُفّذت، ليل التاسع - العاشر من مارس، استهدفت عيسى، واصفاً إياه بأنه أحد المخططين للهجوم الذي شنّته «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر. وقال حينها المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي دانييل هاغاري إن عيسى هو مساعد محمد الضيف، قائد «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس»، لكن هاغاري قال حينها إنه لم يتّضح ما إذا كان عيسى قد قُتل في العملية أم لا، وأضاف: «لا نزال ندرس نتائج الضربة بانتظار التأكيد النهائي»، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.


مقالات ذات صلة

«تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

«تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي «اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

مرّ نحو 6 أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، شهدت 2400 خرق إسرائيلي و754 قتيلاً فلسطينياً، بحسب إحصائية للمكتب الإعلامي للحكومة في القطاع.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من «حماس» يصل إلى القاهرة، الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف والفصائل.

محمد محمود (القاهرة)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
TT

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص. والأكثر نشاطاً بينهم، هم أولئك الذين يقفون في المعسكر المعارض لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ فهؤلاء يلعبون على وتر مشاعر الناس، الذين ظلوا يتعرضون للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، حتى آخر لحظة؛ فالجمهور الإسرائيلي بغالبية مقتنع بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك على «حزب الله» قد فشلت. ويريدون أن يدفع نتنياهو الثمن، فوراً.

عائدون إلى كريات شمونة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع لبنان (أ.ف.ب)

لهذا، فإن معظم ما يقال في تلخيص الحرب يتحدث عن فشل أميركي إسرائيلي. وفي صحيفة «معاريف»، كتب المحرر العسكري، آفي أشكنازي، الجمعة، أن الحرب التي سميت «زئير الأسد»، تنتهي بقدر أكبر كـ «مواء القط». وراح بعيداً أكثر، وكتب: «يمكن القول إن المنتصرة الكبرى هنا هي واحدة: إيران». ويقول أشكنازي: «إن إحباط قادة وجنود الجيش من المستوى السياسي عظيم. سيكون من الخطأ التوقف هنا. توجد فرصة لتنفيذ المهمة، ولإزالة التهديد عن بلدات الشمال».

إسرائيليون يتلون صلوات يهودية وسط الشارع في مدينة كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقتبس الكاتب رأي ضابط شاب، يقول: «إذا ما خرجنا من هنا الآن فستكون مسألة أشهر، ربما سنة، إلى أن يتطلب منا الأمر مرة أخرى القيام بمعركة لنعود إلى القتال».

إسرائيلية تضع علم بلادها على سيارة في أثناء العودة إلى كريات شمونة في الشمال قرب الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويتحدث عاموس هرئيل، محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عن الموضوع بنفس الروح، لكن من الزاوية اللبنانية فيقول: «انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال ومن دون خطابات انتصار، ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائماً في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب المقبلة». واقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» الاحتفال بانتصار إسرائيل على «حزب الله» (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، التي ستشير إلى بداية عهد جديد.


لبنان يسعى لتثبيت وقف النار... ونتنياهو: المهمة لم تنتهِ

سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)
سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)
TT

لبنان يسعى لتثبيت وقف النار... ونتنياهو: المهمة لم تنتهِ

سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)
سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)

يعول لبنان على المفاوضات مع إسرائيل، لتثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة واستعادة الأسرى، والبت في الخلافات الحاصلة بين لبنان وإسرائيل على عدد من النقاط الحدودية، في وقت تقول فيه إسرائيل إنها لم تنهِ المهمة في لبنان.

نتنياهو

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، أن إسرائيل لم تنه المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، متعهداً بمواصلة العمل لنزع سلاح الحزب الموالي لإيران.

وقال نتانياهو في خطاب مسجل: «لم ننهِ المهمة بعد. هناك إجراءات نعتزم اتخاذها لمواجهة ما تبقى من تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة»، مؤكداً أن «نزع سلاح (حزب الله)» يظل هدفاً رئيسياً.

وذكر نتنياهو في مقطع مصوّر: «بناءً على طلب صديقي الرئيس (الأميركي، دونالد) ترمب، الذي غيّرنا معه وجه الشرق الأوسط وحققنا إنجازات عظيمة، وافقنا على وقف إطلاق نار مؤقت في لبنان. وبناءً على طلبه، أُتيحت لنا الفرصة للدفع بحلّ سياسيّ وعسكري مشترك مع الحكومة اللبنانية».

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

وأضاف: «يسألني الناس: ماذا فعلنا في الشمال؟ (إزاء «حزب الله») وجوابي: لقد حققنا إنجازات عظيمة؛ كان هناك تهديدان من لبنان، تهديد مباشر وتهديد بعيد. التهديد المباشر: تسلل آلاف (العناصر) إلى أراضينا وإطلاق صواريخ مضادة للدروع على مناطقنا». وذكر أن «التهديد البعيد، الذي دأب (الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»، حسن) نصر الله على بنائه لسنوات، وهو إطلاق 150 ألف صاروخ وقذيفة بهدف تدمير المدن الإسرائيلية، وقد أزلنا كلا التهديدين».

وتابع: «لأول مرة، أنشأنا منطقة أمنية مشددة على طول الحدود الشمالية بأكملها؛ ليس فقط في لبنان، بل على طول الحدود اللبنانية بأكملها حتى جبل الشيخ، مروراً بهضبة الجولان، وصولاً إلى اليرموك. أرادوا محاصرتنا بحلقة من النار، فأنشأنا حلقة أمنية».

وذكر أن «هذا الحزام يزيل تماماً خطر الاجتياح المباشر والنيران المضادة للدروع، والجيش الإسرائيلي متمركز هناك... لمواصلة الدفاع، ضد التهديد المباشر»، على حدّ وصفه. وأضاف نتنياهو: «أما بالنسبة للتهديد البعيد، فقد دمرنا 90 في المائة من الصواريخ والقذائف. المستودعات التي بناها نصر الله. قضينا على نصر الله نفسه».

وقال إن «(حزب الله) اليوم، ليس إلا ظلاً لما كان عليه في أيام نصر الله. لكنني أقولها بصراحة: لم ننتهِ بعد؛ هناك أمور نخطط للقيام بها لمواجهة تهديد الصواريخ المتبقية، وخطر الطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إلى التفاصيل».

وتابع: «لكن لدينا هدف آخر، وهو تفكيك (حزب الله). ولذا أقول لكم مجدداً بصراحة: لن يتحقق هذا غداً. إن ذلك يتطلب جهداً متواصلاً، وصبراً، ويتطلب إدارة سياسية حكيمة». وذكر نتنياهو أنه «لأول مرة منذ 43 عاماً، يتحدث ممثلو دولة إسرائيل مباشرةً مع ممثلي دولة لبنان»، مشيراً إلى أن «طريق السلام لا يزال طويلاً، لكننا بدأناه».

عون

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله وفداً من نواب بيروت، أن المفاوضات المباشرة دقيقة ومفصلية، والمسؤولية الوطنية يجب أن تكون واحدة في المرحلة المقبلة، وأنظار العالم متجهة نحو لبنان، مشدداً على أن هدف الدولة اللبنانية من المفاوضات هو تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الجنوبية المحتلة، واستعادة الأسرى، والبت في الخلافات الحاصلة بين لبنان وإسرائيل على عدد من النقاط الحدودية.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وزير الدفاع ميشال منسى (الرئاسة اللبنانية)

وأبلغ الرئيس عون الوفد النيابي أن مقاربة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، تتطلب وحدة في المواقف الوطنية، وتضامناً سياسياً جامعاً مع الدولة، بحيث لا تضعف قدرة الفريق اللبناني على تحقيق ما هدفت إليه المفاوضات لا سيما لجهة تثبيت وقف إطلاق النار الذي يعدّ المدخل للمضي في المفاوضات، وهو خيار يلقى دعماً محلياً وخارجياً، كانت من أبرز مظاهره ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاتصال الهاتفي، أمس، من دعمٍ للبنان ولسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، إضافة إلى وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الشعب اللبناني لإنهاء معاناته واستعادة عافيته وإعادة تفعيل اقتصاده الذي تأثر سلباً نتيجة الحرب الأخيرة.

وأكد الرئيس عون أن الجيش اللبناني سوف يلعب دوراً أساسياً بعد انسحاب القوات الإسرائيلية لجهة الانتشار حتى الحدود الجنوبية الدولية، وإنهاء المظاهر المسلحة، وطمأنة الجنوبيين بعد عودتهم إلى قراهم وبلداتهم، بأن لا قوى مسلحة غير الجيش والقوى الأمنية الشرعية.

وشدد الرئيس عون على أن اللبنانيين الذين تحملوا الكثير في السنوات الماضية، هم اليوم أمام واقع جديد توافر له الدعم العربي والدولي، وهذه الفرصة لا يجوز أن نضيّعها؛ لأنها قد لا تتكرر.

رئيس الحكومة

وعقد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام صباحاً اللقاء الوزاري الدوري في السراي الكبير؛ لمتابعة التطورات السياسية وخطة الاستجابة لمتطلبات النزوح والإغاثة.

وبعد الاجتماع، أعلن وزير الإعلام بول مرقص خلاصات الاجتماع، حيث استعرض الرئيس سلام معهم «وقف إطلاق النار والتسهيلات الآيلة إلى عودة النازحين، وفق توجيهات الجيش والقوى الأمنية، وتأمين الخدمات اللازمة في مراكز استقبال النازحين».

وأضاف الوزير مرقص: «من جهته، عرض وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى الوضع الميداني وظروف العودة إلى عدد من المناطق الجنوبية، مشيراً إلى جهود الجيش بترميم بعض الجسور، ومتوقّفاً عند عدد الشهداء الذي بلغ 2196 والجرحى 7185».


لبنان يراهن على ضغوط أميركية تقنع إسرائيل بتنازلات

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (أ.ف.ب)
نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يراهن على ضغوط أميركية تقنع إسرائيل بتنازلات

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (أ.ف.ب)
نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يأتي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل لاتفاق بين لبنان وإسرائيل لوقف النار لمدة 10 أيام في سياق فتح الباب أمام التحضير لبدء المفاوضات المباشرة بين البلدين؛ لأنه من دون التفاهم على هدنة يعني حكماً أن الحرب المشتعلة بين إسرائيل و«حزب الله» مفتوحة على الاحتمالات كافة، ويترتب عليها المزيد من الدمار والتهجير للجنوبيين.

امرأة ترفع شارة النصر قرب موقع دمَّرته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

لكن دخول لبنان في هدنة مع إسرائيل لا يكفي ما لم تفتح الأبواب أمام بدء التفاوض اللبناني - الإسرائيلي بالتلازم مع سريان الهدنة التي يمكن تمديدها إفساحاً في المجال للتوصل لاتفاق، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» في تقويمه للإنجاز الذي حققه ترمب وأرضى عبره إيران بإشراكها في الاتصالات التي توّجت بوقف النار، وتبني ترمب في المقابل، موقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي اشترط التوصل إلى هدنة أساساً لبدء المفاوضات.

واشنطن تشرِك إيران

ولفت المصدر الوزاري إلى أن واشنطن أشركت إيران في الهدنة على أمل أن تأخذ منها تنازلات في المفاوضات بالضغط على «حزب الله»؛ لتأمين استمراريتها وقبوله بالوقوف إلى جانب الحكومة في التفاوض المباشر الذي لا يزال يلقى معارضة حتى الساعة من «الثنائي الشيعي»، في حين تتضافر الجهود المحلية والدولية لإقناعه بتعديل موقفه على نحو يؤدي إلى تحصين الساحة الداخلية وتوحيدها خلف الوفد اللبناني المفاوض الذي يُفترض أن يرأسه السفير السابق سيمون كرم. وقال المصدر إنه لا يتوقع راهناً عقد لقاء قريب بين عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض برعاية ترمب، على الأقل في المدى المنظور، وتحديداً أثناء فترة سريان مفعول الهدنة.

وأكد بأن اللقاء في حال حصوله يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق متكامل بين البلدين وليس للإعلان عن بدء المفاوضات. ورأى أن لا ضرورة لحرق المراحل وأن الأولوية يجب أن تعطى للضغط الأميركي على إسرائيل لتقديم رزمة من الحوافز من شأنها أن تؤدي لإنجاح المفاوضات، وبعدها لكل حادث حديث، وإن كانت تعبّد الطريق أمام استضافة ترمب للقاء، وإلا ما الجدوى من هذا اللقاء في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومنع الأهالي من العودة لمنازلهم في جنوب الليطاني واحتجاز تل أبيب للأسرى اللبنانيين وتدميرها الممنهج للبلدات، فهل يراد من اللقاء تكريس أمر واقع يرفضه عون بشدة ويرى بأن توقيت الدعوة له ليس في محله ما لم تبد إسرائيل حسن نية في الميدان للتوصل لاتفاق ينهي احتلالها؟

عائدون إلى الجنوب يعبرون جسر القاسمية المدمَّر بفعل غارات إسرائيلية ويحملون شعارات لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

وأضاف المصدر أن الهدنة أكثر من ضرورية لبدء المفاوضات، مؤكداً أن إشراك إيران بالتوصل لوقف النار لا يعني موافقة لبنان على ربط مصيره بمفاوضاتها مع الولايات المتحدة بخلاف ما يراهن عليه مصدر في «الثنائي الشيعي» بقوله إن لبنان سيكون مشمولاً بالتسوية الإيرانية - الأميركية، وإن الأسابيع المقبلة ستحمل انفراجاً في العلاقات بين البلدين لا بد من أن ينسحب حكماً على الداخل اللبناني من دون أن تحدد كيف وما هي الأسس لطمأنته اللبنانيين في معرض تبريره للتلازم بين المسارين؟

فصل إيران عن لبنان

وكشف عن أن الانفتاح الأميركي على إيران لتسهيل استئناف المفاوضات في إسلام آباد لا يعني التسليم لـ«الثنائي الشيعي» بإيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية؛ كونها تلقى معارضة داخلية وعربية ودولية على قاعدة أن هناك استحالة لوحدة المسار والمصير بين البلدين. وسأل: كيف يحق لإيران التفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة، في حين يصر «الثنائي» على حجب الحق اللبناني بالتفاوض بغياب الخيارات البديلة؟

كما سأل الثنائي عن الخيار البديل للتفاوض المباشر، وهل يتحمل لبنان جولة جديدة من الحرب بعد إسناد «حزب الله» لغزة وإيران من دون عودته إلى الحكومة والوقوف على رأيها؟ وبماذا يطمئن العائدين إلى بلداتهم في جنوب لبنان؟ وكيف سيوقف الحرب لتأمين عودتهم المستدامة، مع أن هناك صعوبة في الإقامة في البلدات الواقعة جنوب الليطاني التي تحوّلت منطقةً محروقة لا منازل فيها تصلح للعيش، وألا يحق لهم أن يلتقطوا أنفاسهم وتبديد ما لديهم من هواجس على مصيرهم بانتظار الفرج لإعادة إعمار بلداتهم التي لن تتحقق إلا بموافقة الحزب على حصرية السلاح بنداً أساسياً يتصدر المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في مقابل طمأنة واشنطن اللبنانيين بتحرير أرضهم وإعادة ترسيم الحدود اللبنانية - الإسرائيلية التزاماً بما نصت عليه اتفاقية الهدنة؟

ويبقى السؤال: هل يستمر رفض «الثنائي» للمفاوضات المباشرة التي يتولاها الوفد المفاوض ويشرف عليها عون بالتعاون مع فريق يتولى التنسيق معه تحضيراً لردود لبنان على طلبات إسرائيل، خصوصاً وأن عون ليس في وارد التفريط بها ويصرّ على تحرير الجنوب بالكامل؟ وهذا يستدعي الرهان على دور فاعل لبري الذي أبدى تحفظه على دخول لبنان في مفاوضات مباشرة؛ على أمل أن تؤدي الاتصالات التي يتولاها عون وجهات عربية ودولية إلى طمأنته لتفادي الانقسام في الموقف اللبناني بدلاً من تحصينه بالتوصل لاتفاق لئلا تبقى الهدنة هشة.