بـ«400 دولار غادر بلدك» بحماية ضباط النظام

«المرصد»: مهربون ينقلون الباحثين عن ملاذ آمن من سوريا إلى لبنان

صورة للحدود السورية - اللبنانية نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"
صورة للحدود السورية - اللبنانية نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"
TT

بـ«400 دولار غادر بلدك» بحماية ضباط النظام

صورة للحدود السورية - اللبنانية نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"
صورة للحدود السورية - اللبنانية نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"

يقصد مئات السوريين يومياً الحدود البرية مع لبنان، منذ سنوات، بعد تطبيق اتفاقية التسوية والمصالحة في حمص وحماة ودمشق ودرعا بين النظام والفصائل المحلية، برعاية روسية.

وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» على موقعه، الخميس، إن حديث الشباب الأول في مناطق النظام ومناطق أخرى، هو مغادرة البلاد، بطرق مختلفة محفوفة بالمخاطر، هرباً من الخدمتين الإلزامية والاحتياطية، يجمع المسافرين قاسم مشترك هو جحيم الوضع الاقتصادي في سوريا، والبحث عن الاستقرار في لبنان أو للعبور إلى الدول الأخرى ودول الاتحاد الأوروبي، بوسائل متعددة، أبرزها ركوب مراكب الموت للوصول إلى قبرص أو جزيرة صقلية.

وتعمل شبكات التهريب تحت حماية «حزب الله» اللبناني، ومتعاونين معهم من ضباط في قوات النظام والأجهزة الأمنية، وهم بالغالب من الفرقة الرابعة والأمن العسكري، مقابل نسبة النصف من قيمة المبلغ الذي يتقاضاه المهربون من الباحثين عن ملاذ آمن، مقابل تمريرهم من الحواجز العسكرية، دون أن يتم إيقافهم مطلقاً، حتى يصل إلى لبنان.

مهاجرون عبر البحر أنقذتهم بحرية الجيش اللبناني في ديسمبر 2023 (الجيش اللبناني)

أضاف «المرصد»: «يمر الهاربون من سوريا إلى لبنان عبر طريقين رئيسيتين؛ الأول من بوابة المصنع الحدودي، ويتقاضى المهربون نحو 200 دولار أميركي من دمشق إلى لبنان و250 دولاراً من الرقة إلى لبنان وبالعكس، حيث يتم الالتفاف من خلف البوابة اللبنانية، ليتم إدخال الباحثين عن ملاذ آمن عبر البوابة السورية بشكل نظامي، وتتم تسوية أوضاع العابرين للنساء والأطفال، والذين ليس لديهم إخراجات قيد وأوراق ثبوتية للسفر».

وتابع «المرصد»: «والثاني من منطقة الهرمل اللبنانية، للمنشقين والعسكريين وجميع المطلوبين، ويتقاضى المهرِّب 400 دولار من الرقة إلى بيروت، بينما تبلغ التكلفة 200 دولار من حمص، وتصل إلى مبلغ 800 دولار في بعض للحالات، من دون أن يخضعوا للتفتيش أو التدقيق الأمني من قبل عناصر قوات النظام».

وأوضح «المرصد» أن العشرات من الشبان والعائلات يتجمعون عند جسر تلبيسة بريف حمص الشمالي، قبل انطلاق رحلتهم إلى لبنان عبر شبكات التهريب «المحمية» من السلطات المحلية والميليشياوية.

وبحسب «المرصد»، تشرف الأجهزة الأمنية وقوات الفرقة الرابعة على عمليات تهريب البشر، وتتزعم تلك الشبكات ميليشيات «حزب الله» اللبناني، التي تسهل بدورها تنقل السوريين داخل لبنان للوصول إلى المكان المطلوب.

معبر الزمراني شرق لبنان باتجاه الأراضي السورية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتنطلق الرحلة إلى لبنان بسيارات من جسر تلبيسة بحمص، سالكين طرقات ريف حمص الغربي وصولاً إلى تلكلخ وقرية ربلة ومنطقة وادي خالد التي اشتهرت منذ زمن طويل بأنها منطقة عبور غير شرعي بين سوريا ولبنان، وتستغرق الرحلة من تلبيسة إلى منطقة بعلبك داخل الأراضي اللبنانية مع استراحات الطريق نحو 10 ساعات.

واستقبلت مديرية الأمن العام اللبناني، مطلع فبراير (شباط) الماضي، طلبات اللاجئين السوريين الراغبين في العودة إلى بلادهم، ضمن إطار برنامج «العودة الطوعية»، وبدء التحضيرات لتجهيز قوافل العودة، كما افتتحت مركزاً في بلدية عرسال اللبنانية لاستقبال طلبات السوريين، في إطار التضييق الأمني عليهم في غالبية المناطق وتركز على قاطني المخيمات، لإجبارهم على «العودة الطوعية».

وبدأت السلطات اللبنانية، في عام 2017 إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم على متن قافلات ضمن إطار برنامج «العودة الطوعية»، الذي توقف لفترة واستُؤنِف في أكتوبر 2023. وسجل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عشرات الحالات آنذاك.

وفي أبريل (نيسان) 2023، تصاعد التضييق بحق اللاجئين السوريين في لبنان، ونَفَّذ الجيش اللبناني مداهمات لمنازل السوريين في لبنان، بقصد ترحيلهم إلى سوريا.

وشملت عمليات الترحيل نساء ورجالاً وأطفالاً من عدة مناطق لبنانية.

ورأى «المرصد» أن عمليات الترحيل القسري للاجئين السوريين دليل على عدم احترام السلطات اللبنانية لحقوق اللاجئين؛ بالحماية من العنف والملاحقة القضائية على النحو المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي.


مقالات ذات صلة

نتنياهو: إسرائيل في طور توسيع «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

شؤون إقليمية  رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

نتنياهو: إسرائيل في طور توسيع «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الأربعاء)، إنّ قواته في طور توسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

خاص هل يكون لبنان الخاسر الكبير بعد وقف النار؟

أعربت مصادر سياسية مطلعة في بيروت عن تخوفها من أن يكون لبنان هو الخاسر الكبير حين تنطفئ نار الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد سحابة من الدخان من موقع غارة جوية على طهران يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

هجمات جديدة مع استمرار حرب إيران... وحركة دبلوماسية بالكواليس

تتواصل الهجمات الصاروخية والقصف في الشرق الأوسط مع استمرار حرب إيران فيما تنشط حركة دبلوماسية في الكواليس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي  الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (رويترز) p-circle

الأمين العام لـ«حزب الله»: طرح التفاوض مع إسرائيل «تحت النار» هو «استسلام»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، اليوم (الأربعاء)، إن طرح التفاوض «تحت النار» مع إسرائيل هو «استسلام».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

مسؤول أميركي: مطالب إيران للتفاوض «سخيفة وغير واقعية»

قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية إن الممثلين الإيرانيين أبلغوا إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن لديهم شروطاً صارمة لاستئناف مفاوضات وقف إطلاق النار.


فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
TT

فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

وصلت فرق مؤازرة من الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، الأربعاء، إلى مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، آتية من مختلف المحافظات السورية؛ لدعم جهود الاستجابة الجارية منذ 3 أيام في المحافظة التي تتعرض لسيول وفيضانات جارفة بعد سنوات طويلة من الجفاف.

وتسبب فيضان نهر الخابور في منطقتي اليعربية وتل حميس بريف الحسكة في قطع الطريق الدولية ببعض المقاطع، ووصول المياه إلى أحياء الميريديان وغويران في الحسكة، وكذلك وصل الفيضان إلى حي الحمر بمدينة تل تمر، كما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في نهر جقجق؛ المارِ بوسط المدينة، إلى الحدود القصوى لمجرى النهر. وهذا الفيضان يعدّ الثالث خلال أسبوعين، وذلك بعد سنوات من جفاف النهرين وروافدهما التي عادت المياه لتتدفق فيهما.

وقالت وكالة «هاوار» الكردية، إن أكثر من 500 عائلة غادرت منازلها من المناطق الواقعة في حرم نهر الخابور القريبة من المجرى في حي الحمر والميريديان وغويران.

في السياق، ناقش مدير الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، منير مصطفى، مع محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، الأربعاء، خطة الاستجابة للفيضانات في المحافظة.

ووفق وزارة الطوارئ، فقد أجرى مدير الدفاع المدني عقب المناقشات جولة ميدانية في المحافظة برفقة قادة فرق الاستجابة لتقييم الأضرار والاحتياجات؛ الناتجة عن الأمطار الغزيرة وفيضان نهر الخابور وروافده، ومتابعة عمل الفرق لضمان سلامة المدنيين وممتلكاتهم.

وحذرت الأرصاد الجوية، أمس، من منخفض جوي وعاصفة مطرية في عموم المناطق السورية من الأربعاء حتى الجمعة. وقالت «إدارة الإعلام والاتصال» بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لـ«الشرق الأوسط» إن فرق الوزارة تواجه صعوبات لوجيستية بسبب اتساع رقعة الفيضانات والسيول التي تشمل جميع الأراضي السورية؛ نتيجة الأمطار الغزيرة وتتابع المنخفضات الجوية.

ولفتت مصادر إلى أن كمية الأمطار التي هطلت تعدّ ضمن الحد الطبيعي، «إلا إن تتابع المنخفضات أدى إلى تشبع التربة بالمياه، وزادت نسبة تشكل السيول مع كل هطول مطري غزير»، وأضافت: «هناك نحو 120 فريقاً تستجيب على مدار الساعة في مختلف المناطق».

فرق الدفاع المدني تستجيب وتعمل على شفط المياه في شوارع الحسكة (مركز إعلام الحسكة)

ومع أن وزارة الطوارئ ما زالت في طور افتتاح مديرية لها قريباً بمحافظة الحسكة، فإن فرقها تعمل في ريف الحسكة منذ 3 أيام بكامل طاقتها، واستجابت لنحو 50 بلاغاً في مناطق اليعربية وتل حميس، ويجري العمل على فتح قنوات تصريف للمياه، ورفع سواتر ترابية، وشفط مياه من المنازل، وانتشال سيارات عالقة، وإخلاء أسر من منازل غارقة بالمياه، والاستجابة لحالات البيوت والأبنية المنهارة.

وبشأن حجم الأضرار، قالت «إدارة الإعلام والاتصال» إن هناك «تقديرات أولية تشير إلى تضرر أكثر من 300 عائلة وأكثر من 120 منزلاً، ولا تزال عمليات التقييم جارية، لإحصاء حجم الأضرار، فالأمر ما زال في طور الاستجابة» التي تجري بـ«التنسيق مع كل مؤسسات الحكومة السورية في الحسكة، ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا، والصليب الأحمر الدولي، والهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي».

من جانب آخر، عُقد في مقر محافظة الحسكة اجتماع موسّع الأربعاء، بحضور المحافظ، نور الدين أحمد، ضمّ وفداً من مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلى جانب مديريات المياه، والشؤون الاجتماعية، والعمل، والتربية، وفرع الهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي، وبحث «واقع المناطق المتضررة جراء الفيضانات وأوضاع المخيمات، وسبل دعم عودة المهجّرين، كما جرى بحث واقع محطة مياه علوك، ومناقشة الحلول المقترحة لإعادة تفعيلها». ودعا محافظ الحسكة إلى تقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.

وأفادت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عبر قناتها على «تلغرام» بأن فرق الدفاع وصلت الأربعاء إلى مدينة الحسكة وباشرت أعمالها الميدانية فوراً بالتنسيق مع كوادر الوزارة بالمدينة وريفها لتسريع الاستجابة في المناطق الأشد تضرراً.

وتسبّبت العاصفة المطرية في تشكل برك مائية واسعة في الشوارع والساحات، إلى جانب فيضانات بالأرياف الشمالية والجنوبية والغربية للحسكة، فيما غمرت المياه مئات المنازل بمناطق تل حميس وتل براك والشدادي، مما أدى إلى أضرار مادية كبيرة، خصوصاً في المناطق القريبة من مجاري الأنهار.

وكانت محافظة الحسكة وعموم المناطق السورية تعرضت لموجة جفاف قاسية استمرت سنوات، أدت - نتيجة شح المياه الجوفية - إلى خسائر فادحة وتضرر قطاعَيْ الزراعة والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى أزمة في توفر مياه الشرب، وزيادة فترات تقنين المياه... التي ترافقت مع أوضاع الحرب القاسية.


الجيش الإسرائيلي يتراجع عن موقفه ويرحّل عشرات الألوف من الشمال

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتراجع عن موقفه ويرحّل عشرات الألوف من الشمال

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الولايات المتحدة وضعت قيوداً للحرب على لبنان، بمنع إسرائيل من تجاوز نهر الليطاني في اجتياحها البري والاكتفاء بعمليات القصف والتدمير من الجو على مواقع «حزب الله» في بيروت والبقاع، قررت القيادتان السياسية والعسكرية في تل أبيب اتخاذ المنحى الأقسى في الحد الأقصى من العمليات الحربية.

وبشكل خفي وبلا إعلام، تجري في الأسبوع الأخير عملية إخلاء صامتة لعشرات ألوف المواطنين من سكان الجليل الأعلى، لأنهم يتوقعون أن يطلق «حزب الله» كل ما لديه من صواريخ ومسيرات باتجاهها.

وقالت مصادر سياسية إن الجيش الإسرائيلي تراجع عن مواقفه السابقة، وبات ينفذ بنفسه عمليات إجلاء سكان الشمال، باعتبارها جزءاً من خطة التصعيد. ووفق هذه المصادر، يعتمد الجيش نهجاً مشابهاً لما جرى في غزة، من خلال استهداف مناطق الجنوب اللبناني، من نهر الليطاني حتى الحدود الإسرائيلية، بالتوازي مع عمليات نزوح واسعة للسكان. كما يعمل على فرض حزام أمني على طول الحدود، يتراوح من 3 - 5 كيلومترات، ويسعى إلى إبقائه خالياً من أي وجود بشري لبناني. وفي هذا السياق، نشر قواته في 23 موقعاً، وأقام في كل منها نقطة عسكرية.

وإلى جانب ذلك ينفذ عمليات اغتيال واسعة ضد عناصر «حزب الله» وعناصر «الحرس الثوري» الإيراني الذين يساندونه. ويدمر القاعدة الاقتصادية للحزب، بما في ذلك محطات الوقود التي تزود عناصره بالبنزين والمازوت، والمتاجر الشعبية التي تبيعهم البضائع بسعر معقول.

مستوطنون يمرّون قرب عناصر من الشرطة الإسرائيلية أثناء إخلاء 11 عائلة فلسطينية من بطن الهوى في حي سلوان بالقدس الشرقية (أ.ف.ب)

رد فعل «حتى الرمق الأخير»

ويتوقع الجيش ردّ فعل من «حزب الله» «حتى آخر رمق». وكانت القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية قد خلصت إلى أن إخلاء السكان في غلاف غزة والجليل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كان خطأً فادحاً؛ لذلك امتنعت عن اللجوء إلى هذه الخطوة في الحرب على إيران ولبنان، قبل أن تقرر لاحقاً تغيير موقفها.

وخلال الأسبوع الأخير، عادت هذه القيادات إلى سياسة الإخلاء نتيجة القصف الكثيف من «حزب الله»، الذي يبلغ ما لا يقل عن 30 صاروخاً و120 طائرة مسيّرة يومياً. وفي يوم الاثنين، خلّف هذا القصف قتيلة واحدة وأدى إلى إصابة 30 شخصاً بجروح.

وفي كريات شمونة، على سبيل المثال، جرى إخلاء نحو 14 ألفاً من أصل 24 ألف نسمة. وتُعد هذه المدينة الأكبر في الجليل الأعلى، وتقع مباشرة على الحدود مع لبنان. وقد دُمرت فيها مئات العمارات والمنازل خلال عام من الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023.

وعقب إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفضت شريحة واسعة من السكان العودة من دون التوصل إلى حل جذري للصراع الإسرائيلي - اللبناني، يتضمن تجريد «حزب الله» من سلاحه. ولم ترتفع نسبة العائدين إلى نحو 75 في المائة إلا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كما أن هناك بلدات أُخلي نحو 90 في المائة من سكانها آنذاك، ويطالب سكانها اليوم بإعادة إخلائها.

فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني على تل أبيب (أ.ف.ب)

الحياة أصبحت كابوساً

وجرى إخلاء السكان إلى فنادق في البحر الميت وتل أبيب. ويقول موشيه دافيدوفتش، رئيس بلدية كريات شمونة، إن الإخلاء يبدأ بالمسنين والمرضى والعائلات التي لديها أطفال، إضافة إلى سكان المنازل غير المزودة بوسائل حماية. كما اختارت بعض العائلات المغادرة من تلقاء نفسها. وأضاف: «الحياة هنا أصبحت كابوساً؛ دويّ الانفجارات لا يتوقف، وجدران المنازل تهتز، ولا يستطيع المرء النوم. ولم يعد مهماً إن كان القصف من إسرائيل أو من (حزب الله)». ويُذكر أن أحد سكان الشمال قُتل جراء صاروخ أُطلق بالخطأ من قبل الجيش الإسرائيلي.

ويرى دافيدوفتش أن «حزب الله» كثّف هجماته على بلدات الشمال خلال الأسبوع الأخير، بهدف دفع السكان إلى الرحيل. كما أن صفارات الإنذار لا توفّر فائدة كبيرة بسبب قِصر المسافة بين مواقع الإطلاق وأهداف القصف. وكان الجيش قد أعلن في البداية أنه لا يريد منح «حزب الله» هذه «المتعة» المتمثلة في تهجير السكان الإسرائيليين، لكنه، في ظل تزايد تذمر المواطنين وانتقاداتهم، واتهامهم موقفه بأنه تبجح غير آبه بمعاناتهم، اضطر إلى تغيير موقفه وبدأ المساعدة في عمليات الإجلاء. ويؤكد الجيش أن عملياته العسكرية داخل لبنان تهدف إلى توفير الأمن لسكان الشمال.

وعبّر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن سياسة التصعيد بالقول إن «سياسة إسرائيل في لبنان واضحة، فسنحارب حتى يرضخ (حزب الله)». ووعد بالاستمرار في هذه العمليات، حتى إذا توقفت الحرب مع إيران. وألمح، في تصريحات أوردتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليوم، بأن الإدارة الأميركية لا تعارض هذه العمليات.


جلسة للحكومة اللبنانية الخميس تختبر تداعيات إبعاد السفير الإيراني

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
TT

جلسة للحكومة اللبنانية الخميس تختبر تداعيات إبعاد السفير الإيراني

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

تمثل جلسة مجلس الوزراء التي تُعقد الخميس أول اختبار لعمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، بعد الانقسام الحاد بين ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» من جهة، والأقطاب الآخرين في الحكومة اللبنانية من جهة أخرى، على ضوء قرار وزير الخارجية بِعَدّ السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، «شخصاً غير مرغوب فيه».

ويعقد مجلس الوزراء، الخميس، جلسة في السراي الكبير لمواصلة بحث الأوضاع الراهنة وتداعياتها على الصعد كافة؛ سياسياً وأمنياً واجتماعياً، لا سيما تلك المرتبطة بتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وموضوع النزوح، وفق ما جاء في بيان صادر عن رئاسة الحكومة.

ودخل لبنان أزمة سياسية حادة من شأنها أن تلقي بتداعياتها على العمل الحكومي، إثر القرار الصادر عن وزارة الخارجية، وهو قرار بررته «الخارجية» بأنه اتخذ على خلفية مخالفات ارتكبها السفير الإيراني للأصول الدبلوماسية.

في أول اختبارات التداعيات، لم تستبعد مصادر مطلعة على مواقف «الثنائي الشيعي» أن يتجه وزراء «الثنائي» إلى مقاطعة الجلسة المزمع عقدها في القصر الحكومي برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام، حال لم يُتوصل إلى معالجة الأزمة. فيما قالت مصادر أخرى إن الاتصالات بين رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الجمهورية جوزيف عون، متواصلة، لمحاولة إيجاد صيغة أولى لاحتواء التأزم، تبدأ من حضور الوزراء وطرح الملف على جلسة مجلس الوزراء للنقاش.

الحكومة اللبنانية مجتمعة في جلسة سابقة بالقصر الجمهوري (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

صمت الرئاسة اللبنانية

ولم يصدر أي تعليق من الرئاسة اللبنانية بشأن قرار «الخارجية»، في انتظار الجلسة الخميس، وما يترتب عليها من تطورات، في وقت يقع فيه الرئيس اللبناني بين ضغوط من الاتجاهين، فمن جهة، يطالبه «الثنائي» بمخرج محدد سلفاً؛ هو التراجع عن القرار، بينما يلقى القرار دعماً واسعاً من قوى سياسية على خصومة مع «حزب الله»، بينها «القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية»، وهي ممثلة في الحكومة.

وتعني محاولاتُ المعالجة المطروحة من قبل «الثنائي» التراجعَ عن القرار، وفق ما تقول مصادر مقربة منه لـ«الشرق الأوسط»، لكن هذا المخرجَ «صيغةٌ غير واردة»، وفق ما تقول مصادر دبلوماسية، مشددة على أن «الخارجية» ليست بصدد التراجع عن القرار.

وقالت مصادر مواكبة النقاشات لـ«الشرق الأوسط»: «قرار إبعاد سفير هو قرار تتخذه الدولة، وفق ما ينص (البند التاسع) في (اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية)، ورئيس الجمهورية في هذه الحالة يمتلك القرار السيادي، وذلك التزاماً بالوقائع القانونية»، موضحة أن السفير الإيراني لدى لبنان «سفيرٌ معين وليس معتمداً»، شارحة أن «طهران أرسلت أوراق اعتماده، وقبِلها لبنان، وكان لبنان بصدد تحديد موعد له أمام رئيس الجمهورية لتسليمه أوراق الاعتماد ليوقع عليها، لكن وقعت الحرب، وتأخر ذلك». وأضافت المصادر: «الآن، حدث ما حدث، ومن اتخذ القرار؛ فعليه أن يعالجه».

اصطفاف سياسي

ووصلت الأزمة إلى «مكان صعب، وتركت تداعياتها على الداخل اللبناني»؛ مما يعزز التقديرات بأن «لبنان دخل عملياً صراع المحاور»، وفق ما تقول مصادر وزارية، مستدلة بالاصطفافات السياسية في الداخل.

وظهر التفاف شيعي ضد قرار «الخارجية»؛ إذ قالت «حركة أمل»، في بيان أصدرته الأربعاء، إن «(الحركة) لن تتهاون في تمرير الأزمة تحت أي ظرف من الظروف، فالعودة عن الخطأ فضيلة وطنية». وتعزر موقف «حركة أمل» التصعيدي، بعد موقف «حزب الله» الثلاثاء، بزيارة نائب رئيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، الشيخ علي الخطيب، السفارة الإيرانية في بيروت، حيث دعا الدولة اللبنانية إلى التراجع عن قرار إبعاد السفير الإيراني من بيروت؛ «لأنه لا يصبّ في مصلحة لبنان واللبنانيين».

عرقلة التفاوض مع إسرائيل

ويعكس موقف «الثنائي الشيعي» تصعيداً لا يقتصر على ملف السفير الإيراني، بل يتعداه إلى رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل.

وفي حين تجاهل الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، ملف السفير الإيراني، فإنه قال في بيان: «اتضح أننا أمام خيارين: إما الاستسلام والتنازل عن الأرض والكرامة والسيادة ومستقبل أجيالنا، وإما المواجهة الحتمية ومقاومة الاحتلال لمنعه من تحقيق أهدافه»، مضيفاً أنّ «مسؤولية مواجهة العدوان هي مسؤولية وطنية على الجميع؛ حكومةً وشعباً وجيشاً وقوى وطوائف وأحزاباً... وكل مواطن».

وتابع: «لا توجد حرب للآخرين على أرض لبنان، بل حرب إسرائيل وأميركا على لبنان، في مقابل دفاع المقاومة والشعب والجيش والشرفاء والوطنيين والقوى المؤمنة باستقلال لبنان وتحريره»، مؤكّداً «أننا في معركة دفاعية عن لبنان ومواطنيه».

تعليق المفاوضات المباشرة

على أي حال، بدت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، معلقة. فقد أفادت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بـ«توقف الاتصالات المتعلقة بإجراء مفاوضات مباشرة بين ​إسرائيل​ و​لبنان​؛ وذلك بسبب عدم استعداد لبنان، ورغبة إسرائيل في مواصلة مهاجمة ​(حزب الله)​». ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي قوله إن رغبة لبنان في التفاوض تحت النار، تلاشت خلال الأسبوعين الماضيين، بعدما فشلت الحكومة ببيروت في الاتفاق على تشكيل الوفد المفاوض. بينما أشار مصدر مطلع إلى «سببٍ إضافي لفشل الاتصالات؛ هو خوف الحكومة اللبنانية من اتهامها بالتعاون مع العدو، في وقت تواصل فيه إسرائيل قصف بيروت وتفجير الجسور فوق نهر الليطاني».