العمالة اللبنانية محاصرة بين خياري الهجرة والبطالة

القطاع المصرفي يقترب من خسارة نصف موارده البشرية

خلال تظاهرة للعسكريين المتقاعدين للمطالبة بتصحيح رواتبهم قبل أيام في وسط بيروت (إ.ب.أ)
خلال تظاهرة للعسكريين المتقاعدين للمطالبة بتصحيح رواتبهم قبل أيام في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

العمالة اللبنانية محاصرة بين خياري الهجرة والبطالة

خلال تظاهرة للعسكريين المتقاعدين للمطالبة بتصحيح رواتبهم قبل أيام في وسط بيروت (إ.ب.أ)
خلال تظاهرة للعسكريين المتقاعدين للمطالبة بتصحيح رواتبهم قبل أيام في وسط بيروت (إ.ب.أ)

لم يجد المهندس المعماري سمير، بعد أشهر طويلة من احتفال التخرج برفقة العشرات من أقرانه، فرصة لائقة للعمل في لبنان، لا في القطاع العام المغلق على التوظيف رسمياً بسبب تخمة عديدة، وعجوزات المالية العامة، ولا في القطاع الخاص المتعثر بأغلب أنشطته عموماً تحت وطأة التفاقم المتواصل للأزمات النقدية والمالية للعام الخامس على التوالي.

ويدرك، كما سواه من آلاف الخريجين الجدد من الجامعات سنوياً، أن الهجرة لم تعد خياراً طوعياً لطلب الرزق وكرامة العيش؛ بل إنها السبيل شبه الوحيدة لكل من استطاع تأمين فرصة عمل في الخارج، وبما يشمل معظم فئات الكفاءات العاملة بمداخيل متآكلة والمنضمين تباعاً إلى صفوف البطالة جراء عمليات الصرف من الخدمة في شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تعاني تقلصات حادة في إنتاجيتها وعوائدها.

ويمثل القطاع المالي نموذجاً صارخاً لواقع العمالة المشتّتة في قطاعات الاقتصاد اللبناني المنهك بإدارة التعامل الفاقد للتوازن مع انهيار نقدي حاد تعدت نسبته 98 في المائة، وتضخم أكثر حدّة تجاوزت تراكماته 6 آلاف في المائة، وبنتيجة دراماتيكية أفضت إلى تقلص الناتج المحلي من نحو 53 مليار دولار إلى نحو 16 مليار دولار، وفق تقديرات مؤسسات مالية دولية.

ففي الجهاز المصرفي وحده، انحدر عدد الفروع العاملة من 1065 إلى 740 فرعاً، وتلقائياً تقلصت أعداد الموظفين والعاملين، عبر الاستقالة وبالصرف الطوعي حيناً والقسري غالباً، من نحو 25 ألفاً إلى نحو 14 ألفاً، أي بنسبة تتعدى 40 في المائة خلال السنوات الأربع التالية لانفجار الأزمات في خريف عام 2019. وبالترافق، فقد عشرات الآلاف من مزودي الخدمات من التجهيز والتقنيات والبرمجيات وحتى النظافة والحراسة موارد ثمينة معلقة بالقطاع الناشط والذي كان يعدّ جوهرة الاقتصاد الوطني وقاطرة نموّه.

ويؤكد مسؤول مالي لـ«الشرق الأوسط» تعذّر تعويض خسارة الموارد البشرية ذات الكفاءة والماهرة في معظم القطاعات المترنحة وغير القادرة على احتواء التفاعلات السلبية للأزمات المستمرة بالتفاقم، والتي زادت ضغوطها أكثر بعد اندلاع حرب غزّة وتمدد المواجهات العسكرية إلى الحدود الجنوبية، فضلاً عن تردي مجمل الخدمات العامة وثقل الإرباكات الداخلية سياسياً وأمنياً والشلل الساري في مؤسسات القطاع العام.

ومع غياب الإحصاءات الدقيقة لأغلب مؤشرات الاقتصاد والإنتاج والعمالة في لبنان، يقدّر أن الموجة الأعلى لهجرة الكفاءات من كل الوظائف والاختصاصات، حصلت فعلياً، وبرقم سنوي قارب 80 ألفاً العام التالي للانفجار الكارثي في مرفأ بيروت منتصف عام 2020، وهي مستمرة بوتيرة مرتفعة من قبل أجيال الشباب وخريجي الجامعات وفاقدي الوظائف في القطاعات الإنتاجية، لا سيما في ميادين المال والاستثمار وإدارة المخاطر والتقنيات الحديثة والصناعة وسواها.

وفي توثيق محدث، ضمن تقرير «التشغيل والآفاق الاجتماعيّة في الدول العربيّة – اتجاهات عام 2024» الصادر عن منظمة العمل الدولية، والذي سلّطت من خلاله الضوء على وضع سوق العمل في المنطقة العربيّة، برزت مؤشرات صادمة عن سوق العمل في لبنان تحت لافتة انخفاض نسبة عدد الموظفين من إجمالي عدد السكان لتصل إلى 30.6 بالمائة في عام 2022 مقارنةً بنسبة 43.3 بالمائة في عام 2019.

وفي التحليل، فإن مجموعة الأزمات التي عصفت بالبلاد ألحقت أضراراً كبيرة بسوق العمل في لبنان، بحيث ارتفع معدّل البطالة من 11.4 بالمائة في عام 2019 إلى 29.6 بالمائة في نهاية عام 2022، كما فقد 27.7 بالمائة من الذين كانوا منخرطين في سوق العمل في عام 2019 وظائفهم.

وقد فاقم ارتفاع مستويات التضخّم من حدّة المشكلة ما أدّى إلى ظروف اجتماعيّة واقتصاديّة صعبة، إذ يواجه 85 بالمائة من اللبنانيّين صعوبات في تغطية التزاماتهم الماليةّ، بينما وصف 62 بالمائة منهم وضعهم المالي بالصعب جداً.

وأدّت الظروف القاتمة إلى موجة جديدة من هجرة الأدمغة خصوصاً في صفوف الأطباء والمهندسين والأكاديميين وروّاد الأعمال مع الإشارة إلى أنّ استطلاعاً أُجريَ في عام 2021 قد لفت إلى أنّ نسبة الأشخاص الذين عبّروا عن رغبة قويّة في مغادرة لبنان بشكل دائم قد وصلت إلى 63 بالمائة مقارنةً بمستوى 26 بالمائة ما قبل الأزمة.

ويجري تقدير موجة الهجرة بمثابة سيف بحدَّيْن بالنسبة للبنان؛ فهي تحرم البلاد من الموارد البشريّة، وفي الوقت عينه تتكفل بتواصل التدفقات الدولارية «الثمينة»، حيث تناهز التحويلات الوافدة مستوى 7 مليارات دولار سنوياً، وشكّلت شريان حياة للعائلات بنسبة 37.8 بالمائة من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2022، مسجلة بذلك أعلى مستوى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وثالث أعلى مستوى في العالم.

وفي السياق نفسه، علّق التقرير، الذي أوردت وقائعه دائرة الأبحاث في مجموعة «الاعتماد اللبناني»، بأن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنّ البطالة الطويلة الأمد، أي الأشخاص الذين ظلوا عاطلين عن العمل مدة عام أو أكثر، قد وصلت إلى نسبة 48.9 بالمائة من إجمالي نسبة البطالة في عام 2022، مقارنة بنسبة 46.7 بالمائة في الأردن و39.5 بالمائة في فلسطين.

وأضافت منظمة العمل الدوليّة أن هذه البطالة لا تؤدي فقط إلى استنزاف مالي طويل الأمد للأفراد المعنيين وأسرهم، بل تؤدي أيضاً إلى فقدان المهارات، ما يقلّل من احتمالات العثور على وظيفة أخرى، وزيادة مشكلات الصحة العقليّة والمشكلات الاجتماعية.

ولاحظت أن مستويات البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، هي أكثر حدّة حيث بلغت 47.8 بالمائة في لبنان، مسجلة أعلى مستوى في العالم العربي في عام 2022 مقارنة بـنسبة 45.9 بالمائة في سوريا و42 بالمائة في الأردن و27.7 بالمائة كمتوسط في العالم العربي.

في السياق عينه، بلغت نسبة الشباب الذكور غير الملتحقين بالعمل والتعليم والتدريب مستوى 26.1 بالمائة في لبنان مقارنة بنسبة 24.3 بالمائة في فلسطين و22.1 بالمائة في العراق، علماً بأن لبنان يعاني أيضاً من تفاوت في مستويات الأجور بين المناطق المختلفة، مع ملاحظة اتسّاع هذه الهوّة في المناطق الأبعد عن العاصمة.

وبالأرقام، فأنّ نسبة 15.6 بالمائة من الموظفّين قد جرى تصنيفهم على أنّهم عمال من ذوي الأجور المنخفضة في بيروت وجبل لبنان في عام 2022، مع ارتفاع المعدّل إلى أكثر من 30 بالمائة في المحافظات المتبقيّة خصوصاً في عكّار حيث بلغ ذروته.

ويعاني سوق العمل في لبنان من انتشار ظاهرة ساعات العمل الطويلة للغاية، حيث يقع 32.9 بالمائة من السكان ضمن هذه الفئة، وهو أحد أعلى المستويات في المنطقة. ولا تقتصر مشكلات سوق العمل في لبنان على جانب الطلب فحسب، بل على جانب العرض أيضاً حيث أفادت 88 بالمائة من شركات التكنولوجيا بأنها تواجه صعوبة في العثور على موظّفين مناسبين.


مقالات ذات صلة

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».


الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني
TT

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

حضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ومن الجانب الفلسطيني: رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، وعضو اللجنة المركزية سمير الرفاعي، والمستشار وائل لافي.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، بحسب ما ذكرته رئاسة الجمهورية عبر منصاتها الرسمية.

من جانبه، أكد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، في منشور عبر منصة «إكس» بعد اللقاء، موقف حكومته الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، إلى آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، قد استقبل في العام الفائت رئيس دولة فلسطين محمود عباس والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق.

يأتي اللقاء، بحسب موقع تلفزيون (سوريا) في ظل تطورات تتعلق بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، إذ كانت الرئاسة السورية قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إعادة النظر في صفة «ومن في حكمهم» المستخدمة للإشارة إلى الفلسطينيين المقيمين في البلاد، وذلك استجابةً لمطالب متكررة من فلسطينيي سوريا.

وجرى تشكيل لجنة حكومية لدراسة إدراج هذه الفئة ضمن القوانين المطبّقة على المواطنين السوريين، في خطوة اعتُبرت محاولة لمعالجة إشكالات قانونية ظهرت مؤخراً، بعد تداول تعديلات إدارية وصفت بعض الفلسطينيين بـ«مقيمين» أو «أجانب»، ما أثار مخاوف بشأن حقوقهم.

ويتمتع الفلسطينيون في سوريا تاريخياً بوضع قانوني خاص يمنحهم حقوقاً مدنية شبه كاملة مماثلة للسوريين، باستثناء الحقوق السياسية، بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، ما جعلهم جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي في البلاد، رغم بروز تحديات إدارية في السنوات الأخيرة، بحسب الموقع.


امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
TT

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

قال مصدر رسمي سوري إن مباحثات جرت بين مديرية التربية والتعليم في محافظة السويداء ومحافظها مصطفى البكور، ووزارة التربية والتعليم، أسفرت عن «الموافقة على دخول وفد وزاري إلى المحافظة للإشراف على سير العملية الامتحانية لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة التي تمليها وزارة التربية ومعايير نجاحها».

كما لفت المصدر إلى إطلاق تهديدات داخل السويداء ضد أي وفد حكومي يدخل المحافظة، وأعربت مصادر من المحافظة عن مخاوفها من قيام المسلحين بـ«إثارة فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».

وأوضح مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإشراف على سير الامتحانات يأتي «حرصاً من الحكومة السورية على ضمان حق أبنائنا الطلبة في محافظة السويداء في التقدم لامتحاناتهم في أجواء مناسبة». لكنه لفت إلى إطلاق «مسلحين خارجين عن القانون داخل السويداء، لا يمثلون أهالي المحافظة، عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء»، وفي الوقت ذاته، أكد أن «الدولة السورية تسعى جاهدة إلى إنهاء معاناة الطلبة رغم تلك التهديدات».

وكانت وزارة التربية والتعليم السورية قد أعلنت أن امتحانات الشهادة الثانوية العامة (البكالوريا) بفرعيها العلمي والأدبي والثانوية الشرعية للعام الدراسي 2026، ستبدأ في يونيو (حزيران) وتستمر حتى نهاية الشهر، بينما تبدأ امتحانات شهادة التعليم الأساسي (الإعدادية) في الرابع من يونيو.

منظر عام لمدينة السويداء

يذكر أنه عند اندلاع أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، التي أسفرت عن مقتل العشرات من السكان البدو ومسلحي الفصائل المحلية وعناصر من الجيش والأمن، كانت امتحانات الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية تجري.

وفي حين أتم طلاب الشهادة الإعدادية امتحاناتهم وصدرت نتائجها، توقفت امتحانات الشهادة الثانوية العامة في ذلك الوقت. وبعد سيطرة شيخ العقل حكمت الهجري، وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على مساحات واسعة من المحافظة ذات الأغلبية السكانية الدرزية، استأنفت مديرية التربية والتعليم في السويداء العملية الامتحانية من دون التنسيق مع وزارة التربية والتعليم التي لم تعلن تبني تلك الدورة الامتحانية.

ويسود حالياً قلق كبير في أوساط الأهالي في السويداء حيال مستقبل أبنائهم التعليمي. وفي سؤاله عما إذا كان التوافق الذي حصل في ملف امتحانات الشهادات العامة يمكن أن ينسحب على ملفات أخرى عالقة في المحافظة، أوضح عزام أن «هناك جهات في السويداء تعطل أي مسار للحل ينهي معاناة أهالي المحافظة، لأن همها مصالحها الشخصية وتنفيذ أجندات خارجية».

مطالبات طلابية في اعتصام سابق بالسويداء لتعويض ما فاتهم من دروس (متداولة)

من جهتها، أعلنت مديرية التربية والتعليم في السويداء جاهزيتها التامة لإجراء امتحانات الشهادات العامة، مؤكدة التزامها بتطبيق التعليمات والأنظمة الوزارية المعتمدة بما يضمن سير العملية الامتحانية بشكل منظم وآمن.

وقال رئيس قسم الامتحانات في السويداء، لقاء غانم، وفق «مركز إعلام السويداء»، إن هذا الاستعداد يأتي في إطار الحرص على تحقيق المصلحة العامة وضمان حق الطلبة في التقدم لامتحاناتهم ضمن أجواء مناسبة، مشيراً إلى أن عدد الطلاب المسجلين للدورة الحالية يبلغ نحو 13500 طالب وطالبة.

وأوضح غانم أن المديرية استكملت كل المستلزمات والتجهيزات اللوجستية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاح العملية الامتحانية، متمنياً التوفيق والنجاح لجميع الطلبة.

هذا، وتداول بعض المصادر الإعلامية أنباء مرافقة عناصر من «الأمن العام» التابع للحكومة لوفد وزاري إلى السويداء بهدف تأمين الحماية. إلا أن مصدراً مسؤولاً نفى صحة هذه الأنباء، مؤكداً أن ما يتم تداوله يندرج ضمن الشائعات، وأن مصلحة الطلبة ستبقى في صدارة الأولويات.

وأوضح المصدر أن المناقشات جارية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان إتمام الامتحانات، بما يتوافق مع الأنظمة المعتمدة في وزارة التربية والتعليم في سوريا، التي تتطلب بطبيعتها وجود عناصر من «الشرطة» لضمان أمن وسلامة العملية الامتحانية.

ورصد «مركز إعلام السويداء»، تداول منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن تهديدات محتملة للوفد الوزاري، من بينها ما نُسب إلى حسابات أشارت إلى تهديدات مباشرة، الأمر الذي أثار قلق الأهالي والطلبة وسط دعوات إلى تحييد العملية التعليمية عن أي توترات، والحفاظ على مستقبل الطلبة بعيداً عن أي محاولات للتعطيل أو الاستغلال.

لافتة مطالب طلاب الثانوية العامة في السويداء لتقديم الامتحانات برعاية وزارة التربية السورية (متداولة)

وأعرب مراقبون عن استغرابهم من إطلاق مسلحين داخل السويداء عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء للإشراف على العملية الامتحانية، بحكم أن هذا الأمر تم بموافقة ضمنية من الهجري.

وبهذا الصدد، بيّن مصدر درزي في داخل مدينة السويداء، أن الهجري يصدر كثيراً من القرارات «بشكل شفهي بهدف امتصاص غضب الأهالي، لكنه في الوقت نفسه يعطي تعليمات لجماعته للعمل بشكل مناقض، وهذا هو أسلوبه».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «الناس فرحت بما تم إعلانه، ولكن ليس هناك ضمانات بألا يقوم هؤلاء المسلحون بافتعال فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».