إعادة هيكلة «الجيش الوطني» بدعم تركي بمواجهة «الهيئة» في شمال سوريا

مصادر تحدثت عن إصلاح الشرطة العسكرية وضبط المعابر و«تمكين» وزارة الدفاع

العقيد حسن حمادة وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة (الثامن من اليمين) مع قادة فصائل الجيش الوطني (حساب الحكومة المؤقتة)
العقيد حسن حمادة وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة (الثامن من اليمين) مع قادة فصائل الجيش الوطني (حساب الحكومة المؤقتة)
TT

إعادة هيكلة «الجيش الوطني» بدعم تركي بمواجهة «الهيئة» في شمال سوريا

العقيد حسن حمادة وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة (الثامن من اليمين) مع قادة فصائل الجيش الوطني (حساب الحكومة المؤقتة)
العقيد حسن حمادة وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة (الثامن من اليمين) مع قادة فصائل الجيش الوطني (حساب الحكومة المؤقتة)

كشفت مصادر في المعارضة السورية خطة لإعادة هيكلة «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا، تشمل دمج بعض التشكيلات وتقليص عدد العناصر؛ بهدف ضبط الأمن في الشمال السوري، وتمكين وزارة الدفاع التابعة لـ«الحكومة السورية المؤقتة» التي تتعرض لانتقادات واتهامات مستمرة بالعجز.

تقوم «إعادة الهيكلة» على حل المجلس الاستشاري ليحل مكانه مجلس عسكري أعلى يضم كبار الضباط، والاعتماد على الكلية الحربية التي تم تأسيسها مؤخراً لإعداد الضباط وصف الضباط لرفد كوادر «الجيش الوطني»، إضافة إلى تخفيض عدد الفصائل وتفكيك التشكيلات التي نشأت خلال السنتين الماضيتين في الشمال السوري، مثل «القوة المشتركة» و«القوة الموحدة» وغيرها.

عناصر من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخرجهم من دورة عسكرية بريف إدلب في 14 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وحسب مصادر متطابقة، فإن الخطة تم اعتمادها نهاية العام الماضي، بعد ازدياد نفوذ «هيئة تحرير الشام» في مناطق سيطرة «الجيش الوطني»، وهجماتها المتكررة عليها، كان آخرها توغل قوة من «جهاز الأمن العام» التابع لـ«الهيئة» في مدينة أعزاز شمال حلب، منتصف ديسمبر (كانون الثاني) الماضي؛ بهدف اعتقال القيادي المنشق عنها جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور).

لكن قيادياً في «الائتلاف الوطني» المعارض الذي تتبع له «الحكومة المؤقتة»، أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطة تعود إلى وقت مبكر من العام الماضي، إلا أن انشغال الجانب التركي بالانتخابات المحلية، والتغييرات التي طالت بعض المسؤولين الأتراك عن الملف السوري، أجّلت تنفيذها.

مضمون الخطة

وفق المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن المشروع يتضمن إعادة هيكلة القوى التي يتكون منها «الجيش الوطني»، وإصلاح الشرطة العسكرية، وضبط المعابر الداخلية، بالإضافة إلى تمكين وزارة الدفاع من القيام بصلاحياتها.

وحسب قادة ومسؤولين في وزارة الدفاع بـ«الحكومة المؤقتة»، فإن التنفيذ انطلق بالفعل مطلع العام الحالي (2024)، من خلال إلزام التشكيلات المحلية التي انشقت عن فيالق «الجيش الوطني» الثلاثة وأسست «تجمع الشهباء»، بالعودة إلى صفوف الفصائل التي خرجت منها، والتخلي عن تحالفاتها مع «هيئة تحرير الشام».

في هذا الصدد، من المقرر أن يتم إغلاق المعابر التي تعمل بشكل غير رسمي بين مناطق سيطرة «الهيئة» ومناطق سيطرة «الجيش الوطني»، واستبدالها بمعبر واحد رسمي «بهدف ضبط الأمن ومنع أي اختراقات من جانب تحرير الشام» كما تؤكد المصادر.

إلغاء التسميات الآيديولوجية

وفيما يتعلق بإعادة الهيكلة، من المقرر أن يتم تقليص عدد فصائل «الجيش الوطني» من 27 إلى 18، بعد أن يتم دمج بعضها على أساس صنوف الأسلحة والاختصاصات الفنية، مع إلغاء التسميات الحالية للفرق والألوية، والاستعاضة عنها بأرقام ترميزية «بهدف التخلص من الأسس المناطقية أو الآيديولوجية التي تقوم عليها حالياً».

كما تشمل الخطة تقليص عدد المقاتلين إلى النصف، على مراحل عدة تستمر لأشهر، على أن يتم نقل أعداد من هؤلاء العناصر إلى الشرطة العسكرية، التي يجري العمل على إصلاحها وزيادة الصلاحيات الممنوحة لها.

عناصر من الجيش الوطني في إحدى نقاطهم بالشمال السوري (الحكومة السورية المؤقتة فيسبوك)

أما بخصوص وزارة الدفاع، التي عانت مثل جميع وزارات الحكومة المؤقتة من الضعف منذ تأسيسها، فقد علمت «الشرق الأوسط» أن المشروع يهدف إلى تمكين الوزارة وقيادة «الجيش الوطني» من ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها، وأن العقيد هيثم عفيسي هو أبرز المرشحين لرئاسة هيئة الأركان.

تفاؤل حذر

الحديث عن خطة إصلاحية لتمكين وزارة الدفاع (الجيش الوطني)، لا يبدو مشجعاً للكثيرين؛ بسبب طرح مشاريع في السابق لم يكتب لها النجاح، وهو ما يقرّ به القيادي في الجيش هشام اسكيف، إلا أنه يشدد على أن الأمر مختلف هذه المرة.

ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط» إن ما يؤكد جدية المشروع اليوم أنه دخل حيز التنفيذ وقطع بعض المراحل بالفعل، بالإضافة إلى الدعم المطلق الذي يحظى به، سواء من الجانب التركي أو من غالبية قادة الفصائل التي يتكون منها الجيش الوطني.

يضيف اسكيف أنه لا شك أن هناك معيقات وصعوبات تواجه أي خطة إصلاحية من هذا النوع، وفي مقدمتها مقاومة المستفيدين من واقع الفوضى الحالي، الذين سيحرمهم تكريس الحوكمة وفرض المؤسساتية من المكاسب التي يحظون بها، لكن الرغبة المشتركة لدى مختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة في إنجاز هذا التحول ستكون كفيلة بإنجاحه.

ويبدو أن التشكيك بإمكانية المضي قدماً بالمشروع، دفع القائمين عليه إلى البدء بخطواته الأولى بعيداً عن الأضواء. وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على إقراره، يرى مراقبون أن فرص نجاحه باتت أكبر بالفعل.

توقيت ملائم

الباحث المتخصص في الجماعات السورية المعارضة، عبد الوهاب العاصي، هو أحد المهتمين بالخطة، ويعتقد أنها «جاءت في توقيت ملائم».

يتابع في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، بدعم من تركيا، منذ نهاية عام 2023 بمشروع إصلاح الجيش الوطني، بتنفيذ عدد من الخطوات تهدف إلى زيادة تحكُّم الوزارة بشؤون الفصائل، وتفادي استمرار النزاعات الداخلية المسلّحة التي تحصل باستمرار بين مكونات الفيالق، بما يحول دون إقامة التشكيلات تحالفات داخلية فيما بينها، وبالتالي قطع الطريق على (هيئة تحرير الشام)، ومنعها من الاستثمار في هذه المشاكل».

نقطة لـ«الجيش الوطني السوري» الموالي لأنقرة في شمال غرب سوريا (أ.ف.ب)

العاصي، وهو باحث في «مركز جسور» للدراسات، يضيف: «أعتقد أن الظروف حالياً ملائمة أكثر من أي وقت مضى لإعادة الهيكلة؛ فسابقاً لم تكن تركيا تضع كل ثقلها لدعم مثل هذا المشروع، في ظل أوليات أكثر أهمية بالنسبة لها، مثل الحفاظ على الاستقرار في الشمال، ومكافحة الإرهاب. أما حالياً، فقد بات الاستقرار مهدداً نتيجة الخلافات والانقسامات الداخلية لدى فصائل المعارضة، بما في ذلك داخل (هيئة تحرير الشام) نفسها».

إلى جانب ما سبق، يرى بعض المطلعين على مجريات الأمور، أن دوافع سياسية وتفاهمات بين أنقرة وروسيا تتعلق بمستقبل سوريا، تقف خلف هذه الخطة، بينما يؤكد آخرون، على أن السبب الرئيسي في تأخر إصلاح «الجيش الوطني» هو الانقسام الذي كان يسيطر على الفريق التركي المسؤول عن الملف السوري، حول أولويات بلادهم في هذا الملف، وكيفية التعامل مع «هيئة تحرير الشام» والتشكيلات المتحالفة معها شمال سوريا. لكن مع التغييرات التي حصلت مؤخراً داخل الفريق، رجّحت كفة المتحمسين لإعادة الهيكلة وتحجيم نفوذ «الهيئة».


مقالات ذات صلة

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

وذكرت الوزارة أن علي ماجد حمادنة (23 عاماً) «وصل إلى مجمع فلسطين الطبي بمدينة رام الله في حالة حرجة جداً» بعدما «أصيب برصاص مستعمرين خلال هجومهم على قرية دير جرير». وأكدت أن «رصاصة اخترقت ظهره وصدره».

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) بأن «مستعمرين مسلحين، بحماية قوات الاحتلال، هاجموا القرية من مدخلها الغربي، وأطلقوا الرصاص الحي تجاه الأهالي». ولم يرد الجيش والشرطة في إسرائيل بعد على استفسار «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتصاعد العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

واستمرّ التصعيد بعد سريان وقف إطلاق النار في القطاع في 10 أكتوبر، وازداد حدّةً منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في أواخر فبراير (شباط).

فلسطينيون يشيعون جثمان ماجد حمادنة الذي قُتل في هجوم مستوطنين على قرية دير جرير قرب رام بالله في الضفة الغربية (رويترز)

وقُتل 7 فلسطينيين برصاص مستوطنين في الضفة الغربية منذ مطلع مارس (آذار)، بحسب السلطات الفلسطينية.

وأثار تصاعد هجمات المستوطنين انتقادات من حاخامات نافذين وقادة مستوطنين، ومن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الذي وصف هذه الأعمال بأنها «غير مقبولة أخلاقياً».

وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى أرقام وزارة الصحة الفلسطينية، قتلت القوات الإسرائيلية أو المستوطنون ما لا يقل عن 1058 فلسطينياً، بينهم مسلحون بالإضافة إلى عشرات المدنيين، في الضفّة الغربية منذ بدء الحرب في غزة.

وتشير الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية إلى مقتل 46 إسرائيلياً على الأقل، بينهم جنود ومدنيون، في هجمات نفذها فلسطينيون أو خلال عمليات عسكرية.

وبالإضافة إلى نحو 3 ملايين فلسطيني، يعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات وبؤر استيطانية في الضفّة الغربية، وهي تجمّعات تعدّ غير شرعية بموجب القانون الدولي.


سوري يفقد زوجته و4 من أطفاله في الغارات الإسرائيلية على بيروت

حمد الغالب يستقبل المشيعين خلال دفن زوجته وأطفاله في دير الزور (أ.ب)
حمد الغالب يستقبل المشيعين خلال دفن زوجته وأطفاله في دير الزور (أ.ب)
TT

سوري يفقد زوجته و4 من أطفاله في الغارات الإسرائيلية على بيروت

حمد الغالب يستقبل المشيعين خلال دفن زوجته وأطفاله في دير الزور (أ.ب)
حمد الغالب يستقبل المشيعين خلال دفن زوجته وأطفاله في دير الزور (أ.ب)

دفن رجل سوري، اليوم (السبت)، زوجته وأربعة من أطفاله الخمسة، الذين قُتلوا في الموجة الهائلة من الغارات الإسرائيلية التي ضربت بيروت يوم الأربعاء، في محافظة دير الزور شمال شرقي سوريا.

لم تكن هذه هي طريقة العودة إلى الوطن التي كانوا يتوقعونها عندما فروا إلى لبنان قبل ست سنوات.

وصلت الجثامين، إلى جانب جثمان زوجة ابنه الحامل في الشهر السادس، في توابيت خشبية على متن حافلة قادمة من لبنان، وأسماؤهم مكتوبة بخط اليد على جوانبها. وقف الرجال، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، بجانب الحافلة يبكون قبل موكب الدفن في بلدة الصور، بينما تجمع المشيعون لتقديم التعازي.

ولا يزال رفات إحدى ابنتيه مفقوداً، ويُعتقد أنها تحت الأنقاض، مع انتهاء عمليات البحث، اليوم، بعد ثلاثة أيام من الهجمات.

كانت هذه الغارة واحدة من نحو 100 غارة شنتها إسرائيل يوم الأربعاء دون سابق إنذار، مستهدفةً ما وصفها الجيش الإسرائيلي بمواقع مرتبطة بـ«حزب الله» في أنحاء بيروت وأجزاء أخرى من لبنان. وقُتل أكثر من 350 شخصاً في ذلك اليوم، ثلثهم من النساء والأطفال، مما جعله اليوم الأكثر دموية في حرب دامت قرابة ستة أسابيع.

نعشا فردين من أسرة حمد الغالب قبل مواراتهما الثرى في دير الزور (أ.ب)

وقد استهدف عديد من الضربات الشوارع التجارية والأحياء المكتظة بالسكان وسط بيروت، بعيداً عن مناطق النزاع.

نجا الأب، حمد الغالب، لأنه كان خارج المنزل لجلب أسطوانة غاز في أثناء عمله حارساً للمبنى. وعندما سمع أن غارة قد أصابت حي عين مريسة، حيث يعيش، هرع عائداً، ليجد سحابة من الدخان تتصاعد من مبنى خلف مسجد مقابل كورنيش بيروت الشهير على شاطئ البحر، الذي عادةً ما يكون مزدحماً بالناس الذين يمشون ويمارسون الرياضة.

قال حمد: «قتل الهجوم الإسرائيلي بناتي، وهن بريئات، كن جالسات في المنزل فحسب. كنّ يتناولن الغداء».

وأضاف أن فرق الإنقاذ استغرقت ثلاثة أيام لاستخراج جثث أفراد عائلته من تحت الأنقاض. وأضاف: «ولا تزال ابنتي فاطمة حمد الغالب مفقودة». كانت فاطمة تبلغ من العمر (10 سنوات)، وكانت ابنته الأخرى تبلغ من العمر (12 عاماً)، بينما كان أبناؤه يبلغون من العمر 17 و14 و13 عاماً.

وقُتل ثلاثة سوريين أقارب آخرين في غارة عين مريسة، ودُفنوا يوم السبت في بلدة الشحيل في دير الزور، بعد أن تفرقت الأسرة عند عودتها إلى سوريا.

سوريون يؤدون صلاة الجنازة على أفراد عائلة غالب الذين قُتلوا في القصف الإسرائيلي على بيروت (أ.ب)

وقال حمد الغالب إن عائلته نزحت من منطقتها وانتقلت إلى لبنان في عام 2020، مع تصاعد التوترات المحلية بين الجماعات القبَلية وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

لاجئون سوريون بين القتلى والجرحى

أدت الخسائر البشرية الناجمة عن الغارات الإسرائيلية يوم الأربعاء، وغيرها في أنحاء البلاد، إلى ارتفاع عدد القتلى خلال أكثر من شهر من الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، إلى أكثر من 1950 قتيلاً وأكثر من 6300 جريح، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. ويشمل هذا العدد ما لا يقل عن 315 سورياً بين القتلى والجرحى.

ولا يزال من غير الواضح عدد القتلى غير اللبنانيين في غارات يوم الأربعاء، حيث لم تقدم وزارة الصحة تفصيلاً حسب الجنسية.

وأفاد مسؤولون بأن ما لا يقل عن 39 سورياً كانوا من بين القتلى.

نعشا فردين من أسرة حمد الغالب قبل مواراتهما الثرى في دير الزور (أ.ب)

وقالت دلال حرب، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين، إن الأسرة التي قُتلت في عين مريسة لم تكن مسجلة لدى المفوضية. ويوجد نحو 530 ألف لاجئ سوري مسجَّل لدى المفوضية في لبنان، ويُعتقد أن هناك مئات الآلاف غير مسجلين.

وفي حين عاد مئات الآلاف من السوريين من لبنان منذ الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لا يزال الكثيرون يترددون في العودة بسبب نقص فرص العمل واستمرار أعمال العنف.

وقال جمعة الغالب (شقيق حمد)، الذي كان يعيش أيضاً في لبنان، إنه كان على بُعد نحو 150 متراً في مكان عمله عندما وقع الانفجار الأول. وتابع: «ركضنا وركضنا، ثم وقع الانفجار الثاني».

وقال إنه وصل إلى المبنى عندما بدأ في الانهيار. مضيفاً: «كان الوقت قد فات لإنقاذ أي شخص. صرخنا عليهم، لكن لم يرد أحد».

وأشار إلى أن سيارات الإسعاف انتشلت الجثث لاحقاً، وعندها تعرَّف عليها في المستشفى.


الودائع الخليجية في «المركزي» المصري... أداة دعم «مستقرة» لا تتأثر بمناوشات «السوشيال ميديا»

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الودائع الخليجية في «المركزي» المصري... أداة دعم «مستقرة» لا تتأثر بمناوشات «السوشيال ميديا»

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

شكلت «الودائع الخليجية» في البنك المركزي المصري «أحد روافد» دعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وفق اقتصاديين وبرلمانيين مصريين أكدوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي بين القاهرة والدول الخليجية مستقر وثابت».

وأثارت أخيراً حسابات مُعرّفة بأسماء عربية على منصات التواصل الاجتماعي، قضية انتهاء أمد «الودائع الخليجية» في مصر، وخاصة الودائع الكويتية، وإمكانية استردادها، إلا أن السفير الكويتي بالقاهرة، غانم صقر الغانم، أكد أن «الودائع مستمرة ولا تتأثر بأحاديث السوشيال ميديا».

وقبل أكثر من 10 سنوات، قامت 4 دول خليجية، هي السعودية وقطر والكويت والإمارات، بإيداع ودائع دولارية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، لدى البنك المركزي المصري، بهدف دعم القاهرة اقتصادياً، ومساعدتها على عبور أزمة نقص النقد الأجنبي، التي واجهتها قبل برنامج الإصلاحات الأخيرة.

وأمام ما تداولته حسابات على منصات التواصل الاجتماعي أخيراً، حول عدم تجديد الودائع الكويتية، قال سفير الكويت بالقاهرة إن ودائع بلاده لدى البنك المركزي المصري «قائمة منذ 13 عاماً وتُجدد بشكل تلقائي»، وأوضح في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، أن «الهدف منها دعم الاقتصاد المصري».

كما شدد الغانم على أن «جوانب العلاقات المصرية - الكويتية يجب ألا تناقش على منصات التواصل الاجتماعي»، عادّاً العلاقات «في أفضل حالاتها»، ومبرزاً أن «كل ما يتعلق بجوانب التعاون الاقتصادي يناقش من خلال القنوات الرسمية»، كما نوه في الوقت نفسه «إلى وجود مقترح بتحويل الودائع الكويتية في مصر لاستثمارات، غير أن هذا الأمر لا يزال قيد الدراسة من قبل الجهات الاقتصادية في البلدين».

وتحتفظ 3 دول خليجية هي السعودية وقطر والكويت بودائع تصل إلى 18.3 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري. وتشير بيانات منشورة بالصحف المحلية إلى أن موعد سداد آخر وديعة منها سيكون في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ويؤكد عضو مجلس إدارة البنك المركزي السابق ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري سابقاً، فخري الفقي، أن «18.3 مليار دولار هي القيمة الرسمية لإجمالي الودائع الخليجية بالبنك المركزي المصري، وتخص الدول الثلاث (السعودية وقطر والكويت)»، مشيراً إلى أنه فعلياً تصل هذه الودائع إلى نحو «23 مليار دولار، بإضافة ما يقرب من 5 مليارات دولار متبقية من قيمة الودائع الإماراتية».

وأضاف الفقي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن نسب هذه الودائع «تتوزع ما بين 10.3 مليار دولار من السعودية، ونحو 4 مليارات دولار من الكويت ومثلها من قطر»، مشيراً إلى أن «الإمارات كانت لها وديعة تبلغ 11 مليار دولار، قبل توقيع صفقة استثمار (رأس الحكمة) في عام 2024، بمبادلة هذه الوديعة بالكامل بالجنيه المصري»، ومؤكداً أن «ما جرى استبداله حتى الآن يصل لنحو 6 مليارات دولار، ويتبقى بالبنك المركزي المصري نحو 5 مليارات دولار».

ووقعت مصر على عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» على ساحل البحر الأبيض المتوسط شمال البلاد، بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024، مقابل 35 مليار دولار استثماراً أجنبياً مباشراً للبلاد، تشمل التنازل عن 11 مليار دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري.

رئيس الوزراء المصري يشهد عقد توقيع صفقة الاستثمار رأس الحكمة بشراكة إماراتية في فبراير 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وتجدد هذه الودائع باستمرار تلقائياً بموافقة الدول الخليجية، وفق الفقي، الذي قال إن «هذه الودائع مستقرة وثابتة ما دام لم يتم التوافق على مبادلتها كما حدث مع الإمارات»، مشيراً إلى أن الغاية من تلك الودائع «تعزيز استقرار سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، وهي تشكل أحد روافد الاقتصاد المصري الثابتة».

ولا يختلف في ذلك، رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، طارق شكري، الذي أشار إلى أن «الاقتصاد المصري متنوع وله روافد عديدة، من بينها الودائع الخليجية»، مبرزاً أن «التعاون الاقتصادي بين القاهرة ودول الخليج أصيل وثابت ومستقر، وقائم على أسس الاحترام المتبادل والمحبة، ولا يتأثر بأي أحاديث متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي».

وأشار شكري في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «لم يُذكر حتى الآن أن تقدمت أي دولة بطلب لسحب ودائعها أو تحويلها للاستثمار، ما يعكس ثبات واستقرار هذا الرافد في دعم الاقتصاد المصري»، وقال إن «تنوع مسارات الاقتصاد المصري يدعم صموده في مواجهة التحديات الإقليمية، حيث حقق الاقتصاد الكلي معدل نمو يتجاوز 5 في المائة، كما أن نسب التضخم والبطالة لا تزال في النسب الآمنة، رغم توترات المنطقة».

من جهته، قال وزير المالية المصري، أحمد كجوك، السبت، إن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو بلغ 5.3 في المائة خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، مدفوعاً بتحسن أداء عدد من القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصناعي.