تحذير مصري من اجتياح إسرائيلي مرتقب لـ«رفح»

القاهرة لوَّحت بتعليق معاهدة «السلام» مع تل أبيب

أطفال يتجمعون بالقرب من خيمة في رفح على الحدود مع مصر (رويترز)
أطفال يتجمعون بالقرب من خيمة في رفح على الحدود مع مصر (رويترز)
TT

تحذير مصري من اجتياح إسرائيلي مرتقب لـ«رفح»

أطفال يتجمعون بالقرب من خيمة في رفح على الحدود مع مصر (رويترز)
أطفال يتجمعون بالقرب من خيمة في رفح على الحدود مع مصر (رويترز)

لوَّحت مصر بإمكانية «تعليق معاهدة السلام» مع إسرائيل حال دفعها الفلسطينيين إلى أراضيها. وقالت مصادر مصرية مطلعة، لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة أرسلت تحذيرات مباشرة إلى تل أبيب وعبر واشنطن، مفادها أن «دفع الفلسطينيين للنزوح إلى سيناء إثر اجتياح إسرائيلي مرتقب لمدينة رفح، قد يمس معاهدة السلام بين البلدين».

جاءت تلك التحذيرات في ضوء إعلان الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو عزمها تنفيذ عملية عسكرية في مدينة رفح. مما دفع دولاً عربية عدة، بينها المملكة العربية السعودية للتحذير من تبعات تلك العملية على المنطقة المكتظة بالسكان، التي أصبحت الملاذ الأخير لنحو 1.4 مليون فلسطيني نزحوا من ويلات الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقالت المصادر المصرية «كل السيناريوهات واردة للتعامل مع الاجتياح المرتقب لمدينة رفح»، موضحة أن «خيار تجميد معاهدة السلام لن يحدث إلا إذا قامت إسرائيل بعمل عسكري كبير في رفح لفرض أمر واقع على الأرض»، مشيرة إلى أن «مصر وجّهت رسائل مهمة للولايات المتحدة في هذا الصدد بصفتها ضامنة لمعاهدة السلام وعليها أن تتحمل مسؤوليتها في هذا الإطار».

تتزامن التحذيرات المصرية مع زيارة مرتقبة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) ويليام بيرنز إلى القاهرة لبحث إمكانية الوصول إلى اتفاق تهدئة جديد بين إسرائيل وحركة «حماس»، بحسب ما ذكره موقع «أكسيوس» الأميركي، بينما تواصل القاهرة جهودها في هذا الإطار.

وأكدت المصادر المصرية أنه «رغم المواقف الإسرائيلية فإنها مستمرة في جهود الوساطة لتحقيق التهدئة ووقف إطلاق النار»، ولفتت إلى أن «القاهرة لن تقدم على عمل استباقي، وستتعامل بمنطق رد الفعل مع أي تحركات إسرائيلية». وأضافت أن «القاهرة تترقب الخطوة الإسرائيلية المقبلة وكيف ستنفذ مخطط اجتياح رفح، وهل سيكون ذلك اجتياحاً كاملاً أم عمليات نوعية».

وتابعت: «لدى القاهرة خيارات عدة للتعامل مع السياسة الإسرائيلية الراهنة، من بينها وقف لجان الاتصالات والتنسيق المشترك بين الجانبين، والأمر قد يصل حد تجميد معاهدة السلام ووقف العمل بالبروتوكولات الأمنية بين البلدين».

وبحسب المصادر المصرية المطلعة فإن «إسرائيل قدمت عدة مبادرات بشأن إدارة المنطقة الحدودية بين البلدين رفضتها القاهرة، مؤكدة أن أي عمل عسكري إسرائيلي في رفح هو إخلال بمعاهدة السلام بين البلدين، كما يسبب ضرراً للأمن القومي المصري».

ومنذ نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي أصبح «محور فيلادلفيا» مثار تجاذبات بين البلدين، إثر تصريحات إسرائيلية ألمحت إلى رغبتها في «السيطرة على الشريط الحدودي»، مما اعتبرته مصر «اعتداءً على سيادتها».

ومحور فيلادلفيا هو شريط حدودي بطول 14 كيلومتراً بين غزة ومصر، ويعدّ منطقة عازلة بموجب «اتفاقية كامب ديفيد» الموقعة بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.

ولحماية حدودها قالت المصادر إن «مصر عززت من وجودها الأمني على الحدود مع قطاع غزة. وهذه إجراءات عادية في ظل الوضع الحالي»، مشددة على «موقف القاهرة الثابت من رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية».

والشهر الماضي، قال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان، في بيان، رداً على مزاعم إسرائيلية بتهريب السلاح إلى داخل غزة عبر الأراضي المصرية، إنه في إطار جهود مصر في مكافحة «الإرهاب» في سيناء، «عملت على تقوية الجدار الحدودي مع قطاع غزة الممتد لـ14 كيلو متراً، عبر تعزيزه بجدار خرساني طوله 6 أمتار فوق الأرض و6 أمتار تحت الأرض، فأصبح هناك ثلاثة حواجز بين سيناء ورفح الفلسطينية، يستحيل معها أي عملية تهريب لا فوق الأرض ولا تحت الأرض».

وسبق وأكدت القاهرة أكثر من مرة رفضها «تهجير الفلسطينيين داخل أو خارج أراضيهم»، وعدَّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ذلك بمثابة «تصفية للقضية الفلسطينية». وتزامن الرفض المصري مع رفض عربي للتهجير ولتكرار «النكبة» حين أجبر نحو 700 ألف فلسطيني على الخروج من ديارهم عام 1948.

وكانت الرئاسة المصرية، قالت في بيان صحافي (الجمعة): إن «أي محاولات أو مساعٍ لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم ستبوء بالفشل، وأن الحل الوحيد للأوضاع الراهنة يتمثل في حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».

كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، نقلت (السبت) عن مسؤولين مصريين قولهم إن «القاهرة حذرت إسرائيل من أن أي عملية برية في رفح ستؤدي إلى تعليق فوري لاتفاقية السلام الثنائية». وأضاف المسؤولون المصريون أن «وفداً مصرياً زار تل أبيب يوم الجمعة الماضي لإجراء محادثات مع المسؤولين الإسرائيليين حول الوضع في رفح. وأن المسؤولين الإسرائيليين يحاولون إقناع مصر بالموافقة على إبداء بعض التعاون فيما يتعلق بعملية برية في رفح، وهو ما يعارضه الجانب المصري»، بحسب الصحيفة.

ونسبت الصحيفة الأميركية إلى المسؤولين المصريين، قولهم إن «مصر أعادت خلال الأيام الأخيرة نشر العشرات من دبابات القتال الرئيسية ومركبات المشاة القتالية قرب معبر رفح الحدودي».

بدوره، وصف الإعلامي وعضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، مصطفى بكري، في منشور عبر حسابه على «إكس»، خطة نتنياهو لتنفيذ عملية عسكرية في رفح بأنها «الحدث الأخطر، الذي يمكن أن يقلب المعادلة في المنطقة». ودعا «كل وطني شريف لأن يقف خلف الجيش والقائد». وقال: «فوضنا الرئيس السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة في اتخاذ ما يراه مناسباً للدفاع عن الأمن القومي، وحماية الحدود».

وأضاف أن «مصر حذرت وأنذرت وبعثت مؤخراً برسالة إلى الحكومة الإسرائيلية هددت فيها بتعليق اتفاقية السلام بين البلدين، وأكدت أنها لن تسمح بالمساس بالأمن القومي المصري»، مؤكداً «موقف مصر حاسم، وكل الخيارات مفتوحة دفاعاً عن أمنها وحدودها الدولية».

يأتي ذلك فيما شارك ممثل السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، عبر «إكس» (السبت)، ما وصفه بـ«تحذيرات عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي»، من أن الهجوم الإسرائيلي المحتمل على رفح بجنوب قطاع غزة سيؤدي إلى «توترات خطيرة» مع مصر. وقال: إن «العملية البرية الإسرائيلية على رفح ستسفر أيضاً عن كارثة إنسانية لا يمكن وصفها».

من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن جيشه سيضمن «ممراً آمناً» للمدنيين قبل الهجوم المرتقب على مدينة رفح في قطاع غزة. وأضاف، في مقابلة ضمن برنامج «هذا الأسبوع مع جورج ستيفانوبولوس» عبر قناة «إيه بي سي نيوز»، تُبثّ الأحد ونُشرت مقتطفات منها مساء السبت إن «النصر في متناول اليد. سنفعل ذلك. سنسيطر على آخر كتائب (حماس) الإرهابية، وعلى رفح، وهي المعقل الأخير»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وتابع: «سنفعل ذلك مع ضمان المرور الآمن للسكان المدنيين حتى يتمكنوا من المغادرة. نحن نعمل على وضع خطة مفصلة لتحقيق ذلك، ولا نتعامل مع هذا الأمر بشكل عرضي».

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، (السبت) عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ مجلس الحرب بأنه يجب إنهاء العملية العسكرية البرية المزمعة في رفح قبل حلول شهر رمضان في مارس (آذار) المقبل.

وأضافت الهيئة أن نتنياهو أمر أيضاً الجيش والأجهزة الأمنية بعرض خطة مزدوجة على مجلس الحرب لإخلاء السكان المدنيين من رفح والقضاء على كتائب «حماس» فيها، بحسب ما نقلته «وكالة أنباء العالم العربي».


مقالات ذات صلة

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

قالت 5 مصادر مطلعة إن أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية إلى مجلس السلام الذي شكله ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إن قواته تسيطر على 60 في المائة من غزة، في ما يُظهر أنها وسّعت من نطاق سيطرتها داخل القطاع إلى أبعد مما نصّ عليه اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي لامين يامال يرفع علم فلسطين (أ.ب)

سجال كلامي بين وزير دفاع إسرائيل ورئيس وزراء إسبانيا بسبب رفع لامين يامال لعلم فلسطين

توترت العلاقات بين إسرائيل وإسبانيا مجدداً على خلفية رفع لاعب فريق برشلونة الإسباني لامين يامال العلم الفلسطيني خلال الاحتفالات بفوز فريقه بلقب الدوري الإسباني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية معتقلون فلسطينيون داخل أحد السجون الإسرائيلية (وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية)

إسرائيل لمقاضاة «نيويورك تايمز» على خلفية تحقيق العنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين

أوعز نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر بـ«الشروع في إقامة دعوى تشهير على صحيفة نيويورك تايمز»، بحسب بيان مشترك صادر عن مكتبيهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

عباس: «7 أكتوبر» دمّرنا وسنحافظ على «أوسلو»

انتقد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بشدة هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، معتبراً أنه تسبب في ذبح وتهجير وتدمير الفلسطينيين.

كفاح زبون (رام الله)

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)

قالت 5 مصادر مطلعة إن الولايات المتحدة تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية إلى مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.

وأوضح 3 من المصادر -وهم مسؤولون مطلعون على المداولات الأميركية مع إسرائيل- أن إدارة ترمب لم تحسم أمرها بعد بشأن تقديم طلب رسمي إلى إسرائيل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.


نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

TT

نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن قواته تسيطر على 60 في المائة من قطاع غزة، في ما يُظهر أنها وسّعت من نطاق سيطرتها داخل القطاع إلى أبعد مما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر (تشرين الأول).

وجاءت تصريحات نتنياهو بينما لا يزال القطاع الفلسطيني يشهد أعمال عنف يومية، وفي ظلّ تعثّر الجهود الرامية إلى تثبيت الهدنة، ووضع نهاية دائمة للحرب.

وقال نتنياهو خلال فعالية لمناسبة «يوم القدس»، الخميس: «خلال العامين الماضيين، أظهرنا للعالم أجمع القوة الهائلة الكامنة في شعبنا ودولتنا وجيشنا وتراثنا».

وأضاف: «لقد أعدنا جميع رهائننا إلى الوطن، حتى آخر واحد منهم»، في إشارة إلى أحد الأهداف الرئيسة المعلنة للحرب في غزة. وتابع: «هناك من كان يقول: انسحبوا، انسحبوا! نحن لم ننسحب. اليوم نسيطر على 60 في المائة، وغداً سنرى»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وينصّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه الولايات المتحدة على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» داخل غزة، مع بقائها مسيطرة على أكثر من 50 في المائة من أراضي القطاع.

وتعدّ تصريحات نتنياهو أول تأكيد رسمي على توسيع الجيش نطاق انتشاره، بعد تقارير إعلامية تحدّثت في الأسابيع الأخيرة عن تقدّم القوات الإسرائيلية نحو ما يُسمّى «الخط البرتقالي».

وشهدت المرحلة الأولى من الهدنة إطلاق سراح آخر الرهائن الذين احتجزتهم حركة «حماس» خلال هجمات عام 2023 التي أشعلت الحرب في غزة، وذلك مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين لدى إسرائيل.

أما المرحلة الثانية، فتشمل قضايا معقّدة، لعلّ من أبرزها نزع سلاح «حماس» يليه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.

ومع تعثّر التقدّم في هذه الملفات خلال المفاوضات الجارية بين «حماس» والوسطاء، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش يستعدّ لاستئناف القتال في غزة إذا رفضت الحركة نزع سلاحها.

ولوّح نتنياهو في عدة مناسبات بأن إسرائيل ستستأنف الحرب إذا لم تتخلَّ «حماس» عن سلاحها.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، قُتل ما لا يقل عن 850 فلسطينياً بحسب وزارة الصحة التي تديرها حركة «حماس» في غزة. وخلال الفترة نفسها، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من جنوده في غزة.


الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)

لم يكن قرار وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، الذي أعلنت عنه يوم الجمعة، بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام، واعتماد العلامات المدرسيّة وامتحان داخل المدرسة، بوصف ذلك بديلاً، أمراً مفاجئاً للطلاب وأهاليهم كما للكادر التعليمي، فهم اعتادوا في السنوات الماضية قرارات مماثلة تماشياً مع الأزمات والحروب المتتالية التي شهدها لبنان.

وقد أتى هذا الإعلان بعد أيام من إعلان مماثل لوزارة التربية الفرنسية بإلغاء شهادة البكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وهي شهادة ثانوية رسمية تتبع المنهاج الفرنسي، وتُشرف عليها وزارة التربية الفرنسية عبر شبكة المدارس الفرنسية في الخارج التابعة لها.

وعلى الرغم من تأكيد الوزيرة اللبنانية الإبقاء على امتحانات الشهادة الثانوية، مع قرار بتقليص الدروس في مواد معينة واعتماد 3 دورات متتالية، فإن أكاديميين ومعنيين بالقطاع التعليمي باتوا يدقون ناقوس الخطر مع التراجع المدوي في مستوى التعليم في البلاد، مع تآكل جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية، نتيجة تراجع عدد أيام التدريس الفعلية في المدارس اللبنانية التي تحول قسم كبير منها إلى مراكز نزوح.

الفيدرالية التعليمية

لم يعد الحديث عن التفاوت في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة كما بين المناطق اللبنانية، مجرّد توصيف عابر لأزمة ظرفية؛ بل بات، وفق أكاديميين وتربويين، أقرب إلى ما يشبه «فيدرالية تعليمية» غير معلنة؛ ففي وقت تتمكن فيه بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبياً على برامجها التعليمية واستقرار كوادرها، تواجه مدارس رسمية، خصوصاً في المناطق التي تعدّ غير آمنة، صعوبات هائلة أدت لدمار أو إقفال العدد الأكبر منها، واعتماد بعضها التعليم عن بُعد الذي لم يتمكن عدد كبير من التلامذة الالتحاق به.

ويرى أكاديميون أن استمرار هذا الواقع يهدد وحدة النظام التربوي اللبناني، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلامذة، بحيث بات مستوى التحصيل العلمي مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بالمنطقة الجغرافية والوضع الاجتماعي والقدرة المادية للأهل؛ لا بالمناهج الرسمية أو السياسات التربوية الموحدة.

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

مستويان تعليميان في لبنان

تشدد الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بلبنان، على أنه «لا يمكن اعتماد مقاربة واحدة للتعليم في لبنان، بحيث يختلف الواقع التعليمي خلال الحرب بين المدارس الرسمية والخاصة حتى بين المدارس الرسمية نفسها؛ إذ إن هناك 15 في المائة من المدارس الرسمية خارج نظام التعليم كلياً، نتيجة الدمار والنزوح ووجودها في مناطق غير آمنة، فيما 85 في المائة من المدارس منقسمة بين تعليم حضوري وتعليم عن بُعد، ما يجعلنا بصدد (فيدرالية تعليمية) واضحة يفترض مقاربة كل الواقع التعليمي على أساسها»، متحدثة لـ«الشرق الأوسط»، عن «خلل في سير العام الدراسي، باعتبار أن التعليم عن بُعد أيضاً لم يكن ممكناً ومتاحاً للجميع».

وتعتبر شاهين أن إلغاء «الشهادة المتوسطة كان يفترض أن يحصل، خصوصاً أنها ليست أصلاً معياراً في سلم الشهادات التعليمية، إضافة إلى أنه ونتيجة الحرب الراهنة، فلا عدالة ولا مساواة في تلقي التعليم، ولا إمكانات أمنية ولوجستية تتيح إجراء الامتحانات»، مضيفة: «المدارس الخاصة تمكنت من تطبيق الخطط التعليمية التي وضعتها وأنهت المنهج السنوي، أما المدارس الرسمية فلم تتمكن إلا من إكمال جزء من المنهج، ما يؤدي إلى هوة كبيرة، وإلى وجود مستويين تعليميين في لبنان، ما يوجب التعاطي مع الواقع على هذا الأساس، لا أن تتم معاملة كل الطلاب بالطريقة نفسها، ما يؤدي لتخفيض المستويات التعليمية في البلد ككل».

مخاوف ليست في مكانها

على الرغم من المخاوف التي يعبّر عنها بعض الأهالي من أن يكون لإلغاء الشهادات الرسمية تداعيات على فرص التحاق أولادهم في جامعات خارج لبنان، فإن الباحث محمد شمس الدين يؤكد أن «إلغاء الشهادات الرسمية ليس معياراً لقياس مستوى التعليم ومستوى الطلاب، بحيث إن الجامعات الكبرى تعتمد على امتحانات محددة تختلف عن الامتحانات الرسمية»، مذكراً «الشرق الأوسط» بأنه «كانت هناك 4 شهادات رسمية في لبنان بدأ العمل على إلغائها تباعاً».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية ببيروت التي تحولت إلى مركز للنازحين (إ.ب.أ)

وضع يُرثى له

في مقاربة أوسع للواقع التعليمي، تتحدث الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية في بيروت، منى فياض، عن «مستقبل مأزوم لأجيال كاملة، فالدراسة متقطعة منذ سنوات، إضافة إلى عدم وجود مساواة في تأمين التعليم»، واصفة الوضع بأنه «يرثى له، ما ينعكس تلقائياً على هبوط في مستوى الطلاب اللبنانيين، وإن كان سيبقى هناك على المستوى الفردي من سيتفوقون ويبرعون في الداخل والخارج، لكن واقع الغالبية العظمى سيكون صعباً».

وتضيف فياض لـ«الشرق الأوسط»: «إذا توقفت الحرب قريباً، فسنحتاج لسنوات كي نعود إلى الوضع الذي كنا فيه، وهو أصلاً كان وضعاً سيئاً».

وتعتبر فياض أن «إلغاء الشهادات الرسمية ورمي الكرة في ملعب المدارس يفاقمان الوضع، بحيث إنه ونتيجة الفساد الذي يعصف بكل المؤسسات ومنها المدارس، فلا ثقة بإداراتها بأنها ستتعامل بشفافية مع الامتحانات الموحدة التي قد تحصل... من دون أن ننسى وضع الأساتذة السيئ جداً، الذي قد يكون أسوأ من أوضاع الطلاب أنفسهم».