سوريا تواجه دوامة جديدة من الصراع في ظل حرب غزة

مسؤول دولي يناشد المجتمع الدولي ألا تغيب الأزمة السورية عن باله

بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

سوريا تواجه دوامة جديدة من الصراع في ظل حرب غزة

بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)

*باولو بينيرو

إن حجم ووحشية الصراع في غزة والمعاناة التي لا توصف للمدنيين في القطاع، قد أثارا عن حق الغضب في العالم. ولكن في سوريا، يحدث تصعيد حاد للعنف أجبر عشرات الآلاف من الأشخاص على الفرار، فيما لا تزال تشكل أكبر أزمة نزوح في العالم، وهو أمر لا يلحظه أحد إلى حد كبير خارج المنطقة.

سوريا - أيضاً - تحتاج بشدة إلى وقف أعمال العنف. ولكن بدلاً من ذلك، فإن الحرب المستمرة منذ أكثر من 12 عاماً هناك، تزداد حدة، وتمتد الآن على طول خمس جبهات في نطاق صراع مماثل؛ إذ تقاتل الحكومة السورية والقوات الروسية جماعات المعارضة المسلحة في الشمال الغربي؛ ويكثف تنظيم «داعش» هجماته في جميع أنحاء البلاد، وتهاجم تركيا القوات التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، وتقاتل القوات التي يقودها الأكراد القبائل المحلية، وتتصدى الولايات المتحدة وإسرائيل للقوات المرتبطة بإيران.

في ظل الاضطرابات التي تمر بها المنطقة، من الضروري بذل جهود دولية جادة لاحتواء القتال على الأراضي السورية. إن أكثر من عقد من إراقة الدماء يحتاج إلى «نهاية دبلوماسية».

كما أن الهدنة الدائمة في غزة من شأنها أن تهدئ إلى حد كبير من الوضع في سوريا، وتخفض حدة التوتر بين القوى الأجنبية - بما في ذلك الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران من خلال وكلائها - التي تنشط عسكرياً داخل البلاد.

في حمص، وسط غرب سوريا، أدى هجوم بطائرة مسيرة نفذه مجهولون إلى مقتل وجرح العشرات من طلاب الكلية الحربية وأفراد أسرهم وآخرين، في حفل تخرج في الأكاديمية العسكرية يوم 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ورد الجيش السوري والقوات الروسية التي تدعم الرئيس بشار الأسد، بشن هجمات على 2300 موقع على الأقل شمال غربي سوريا، الذي تسيطر عليه المعارضة، شملت المدارس والمستشفيات والأسواق ومخيمات السوريين الذين أجبروا على ترك منازلهم.

دمار خلّفته غارة جوية روسية على مخيم للنازحين بقرية الحمامة بريف إدلب الغربي أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

نزوح متعدد الأسباب

اضطر نحو 120 ألف شخص إلى الفرار - العديد منهم نزح عدة مرات بما في ذلك بسبب الزلزال الهائل الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، وأصيب أو قتل 500 مدني على الأقل في الحوادث التي تعقبتها لجنتنا منذ أكتوبر، وشملت الأسلحة الذخائر العنقودية المحظورة دولياً، وهي أنماط مدمرة مستمرة وثّقتها لجنتنا منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011.

في الماضي، كانت هذه الاكتشافات تؤدي إلى غضب واسع النطاق، فما الفارق الآن؟ أن انتباه العالم مصوب نحو مكان آخر. كما يكثف تنظيم «داعش» نشاطاته المميتة داخل سوريا، حيث يهاجم أهدافاً مدنية وعسكرية على حد سواء، ويواصل إثبات قدرته العملياتية وآيديولوجيته المتطرفة.

في شمال شرقي البلاد، سرّعت القوات التركية عملياتها ضد «قوات سوريا الديمقراطية»، بزعم أنها مرتبطة بالنشاط الإرهابي على الأراضي التركية. كما كانت تلك الجماعة المعارضة نفسها تحارب العشائر في دير الزور، أكبر مدينة في شرق سوريا، في صراع أجّجته المظالم القديمة بأن الإدارة المحلية التي يقودها الأكراد فشلت في توفير الخدمات الأساسية أو تأمين الحقوق الأساسية. ولا يزال عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا نتيجة لذلك غير محسوب.

قصف مسيّرة تركية لعناصر من «قسد» في الحسكة (أرشيفية)

الأمر الأكثر إزعاجاً أن التوترات الإقليمية المتصاعدة الناجمة عن الهجوم على غزة، أدت إلى زيادة الهجمات على الأراضي السورية من قبل إسرائيل والميليشيات الإيرانية. وقد تعرضت القواعد الأميركية في سوريا لأكثر من 50 هجوماً من قبل الميليشيات منذ أكتوبر الماضي.

وقبل وقت طويل من الهجوم الذي وقع في 28 يناير (كانون الثاني) في الأردن، وأسفر عن مقتل 3 جنود أميركيين، شنت الولايات المتحدة هجمات انتقامية على المنشآت التي يُقال إن الجماعات المرتبطة بإيران تستخدمها، وأدى الهجوم الأخير في الأردن (من ميليشيات عراقية)، إلى موجة جديدة من الهجمات الأميركية الانتقامية في سوريا والعراق واليمن، ما خلق مخاوف من صراع أوسع نطاقاً.

أرشيفية لرئيس الوزراء السوري حسين عرنوس يتفقد أعمال إصلاح الأجزاء المتضررة في مدرجات مطار دمشق بعد ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، فإن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت ظاهرياً أصولاً مرتبطة بإيران، قد جعلت المطارات المدنية السورية، التي هي في أمسّ الحاجة إليها لتسليم المساعدات الإنسانية، خارج الخدمة.

في خضم كل ذلك، يواجه السوريون صعوبات متزايدة لا يمكن تحملها. ويحتاج نحو 17 مليوناً منهم إلى مساعدات إنسانية مثل الغذاء والماء والرعاية الطبية. ومع ذلك، لا تزال عمليات تسليم المساعدات معلقة في خيط رفيع، ويعتمد ذلك على تعسف الحكومة السورية، وتعرقله العقوبات.

موظفو «برنامج الأغذية العالمي» يسلمون طرود الإغاثة للنازحين السوريين قبل توقف تسليم المساعدات في مخيم أطمة على مشارف إدلب 6 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، أجبر النقص الحاد في أموال المانحين «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، على تعليق المساعدات الغذائية المنتظمة في سوريا، مما وضع الملايين في قبضة الجوع. وأودت واحدة من أكثر الحروب الأهلية وحشية في هذا القرن، بحياة أكثر من 300 ألف مدني في سوريا في السنوات العشر الماضية. وليس من المستغرب أن يصل عدد السوريين طالبي اللجوء في أوروبا في أكتوبر الماضي، إلى أعلى مستوى مسجل منذ 7 سنوات.

كل جرائم الحرب

لقد ارتُكبت في سوريا الآن، تقريباً، كل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي تغطيها المحكمة الجنائية الدولية: الاستهداف المتعمد للمستشفيات والعاملين في مجال الصحة، والهجمات المباشرة والعشوائية على المدنيين (بعضها يشمل أسلحة كيميائية) تحت ستار مكافحة «الإرهابيين»، وعمليات الإعدام بإجراءات موجزة، والتعذيب والاختفاء القسري لعشرات الآلاف من الناس، إضافة إلى الإبادة الجماعية للإيزيديين خلال فترة سلطة تنظيم «داعش» في أجزاء من سوريا.

رجل يبكي شقيقه الذي أصيب بقصف مدفعي من الجيش السوري على إدلب في شمال سوريا يوم 30 ديسمبر الماضي (د.ب.أ)

إن عدم احترام حقوق الإنسان الدولية الأساسية والقانون الدولي الإنساني في سوريا، منذ أمد بعيد، لم يمكّن من قتل وتشويه الضحايا من جميع أطراف النزاع فحسب، بل قوض أيضاً جوهر نظام الحماية الدولية. ونحن نشهد مثل هذا التجاهل للقانون الدولي في قائمة متزايدة من الصراعات، بما في ذلك في أوكرانيا والسودان، والآن في غزة..

سوريون أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في أثناء نظرها في قضية مرفوعة من كندا وهولندا ضد ارتكاب جرائم حرب في سوريا

يتعين على الدول الأعضاء أن تعمل على وجه السرعة لوقف هذا الاتجاه المنذر بالخطر. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، أمرت محكمة العدل الدولية سوريا بوقف التعذيب. وفي السنوات الأخيرة، دانت النيابة العامة في أوروبا أكثر من 50 من مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا. ولا بد من مواصلة هذه الجهود ودعمها وتوسيع نطاقها فيما يتصل بارتكاب الفظائع، ليس في سوريا فحسب، وإنما في كل مكان.

في غضون ذلك، يمكن أن تنتهي أفظع الانتهاكات إذا توقف القتال. إننا نناشد المجتمع الدولي ألا تغيب عن باله الأزمة السورية. إن سوريا تحتاج إلى دبلوماسيين شجعان، ومانحين جريئين، ومدعين عامين حازمين أكثر من أي وقت مضى.

وأكثر من أي شيء آخر، وبعد ما يقرب من 13 عاماً من الصراع، تحتاج سوريا إلى وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد الآن.

*خدمة «نيويورك تايمز»

*يشغل «باولو بينيرو» منصب رئيس لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا.


مقالات ذات صلة

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».