الغارات الأميركية ضربت «عصب الفصائل» في العراق وسوريا

شهود عيان يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن نصف ساعة من القصف وساعتين من الهلع

الغارة الأميركية استهدفت منزلين كانا يستخدمان للقيادة البديلة (رويترز)
الغارة الأميركية استهدفت منزلين كانا يستخدمان للقيادة البديلة (رويترز)
TT

الغارات الأميركية ضربت «عصب الفصائل» في العراق وسوريا

الغارة الأميركية استهدفت منزلين كانا يستخدمان للقيادة البديلة (رويترز)
الغارة الأميركية استهدفت منزلين كانا يستخدمان للقيادة البديلة (رويترز)

فيما أخلت الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق مواقعها، الأسبوع الماضي، ونقلت قياداتها إلى مواقع بديلة آمنة، طالت الغارات الأميركية، ليل السبت، مقرات قيادة واتصال، ومنشآت لخزن الأسلحة والذخيرة، في 7 مواقع على الحدود السورية العراقية.

تقول مصادر ميدانية، ومسؤولون عراقيون في محافظة الأنبار (غرب)، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات الأميركية، ليل الجمعة، ضربت «عصباً في هيكل الفصائل، ودمرت ذخيرة كانت تجمع على مدار سنوات».

وفي العراق، طالت الهجمات «الانتقامية» 3 مواقع؛ منزلين ومنشأة لخزن الذخيرة أنشئت خلال السنوات التي تلت المعارك ضد «داعش»، وفقاً لمسؤول محلي.

وسيطرت تدريجياً فصائل مسلحة على مناطق غرب محافظة الأنبار، قرب الحدود السورية، منذ أن أعلن العراق «تحقيق الانتصار العسكري» على «داعش»، ونجح لاحقاً في تأسيس منشآت عسكرية، ونشر مسلحيه في مناطق متفرقة هناك.

ورغم أن الفصائل تقول إنها توجد هناك لمنع عودة مسلحي «داعش»، لكن وجودهم هناك مَعنيّ أكثر بالتنسيق مع مجموعات موالية لإيران تتمركز في سوريا، وفقاً لمستشار سياسي.

القاذفة «بي - 1» (لانسر) شاركت في الضربات على سوريا والعراق ليلة الجمعة (موقع سلاح الجو الأميركي)

منزلان ومنشأة

وقال شهود عيان من بلدة «القائم»، التي تبعد عن بغداد 240 كيلومتراً، إن المنزلين شهدا تردد قيادات ميدانية عراقية وإيرانية خلال الأشهر الماضية، ويحظى برقابة أمنية مشددة، ويقع على مسافة قريبة من مجمع سكني لإقامة مسلحين تابعين لـ«كتائب حزب الله» العراقي.

وينتشر في «القائم» لواء تابع للحشد الشعبي يحمل اسم «اللواء 45» ومعروف محلياً بـ«سرايا الدفاع الشعبي» وهو اسم ثانٍ لـ«كتائب حزب الله».

الكتائب نفسها، التي تركزت عليها الهجمات الأميركية، كانت هي من أعلنت، الأسبوع الماضي، تعليق هجماتها ضد قواعد التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وتكتمت فصائل مسلحة، لا سيما الكتائب، عن هوية القتلى الذين سقطوا جراء الغارات الأميركية، لكن الحشد الشعبي أحصى الخسائر باستهداف «كتيبة دبابات ومستشفى عسكري، وموقع مدفعية».

وقال الحشد، في بيان صحافي، إن موقعين تابعين للواء 45 (وهو تابع لكتائب حزب الله) استهدف في الغارة، وأصيب فيهما 11 مسلحاً.

وجميع المنشآت التي ذكرها بيان الحشد تتوزع بين المواقع السبعة على الحدود المشتركة بين العراق وسوريا.

مخزن قذائف

في بلدة عكاشات، التي تبعد عن القائم بضعة كيلومترات، وكانت أيضاً مسرحاً للغارات الأميركية، تعرضت منشأة لتصنيع المسيرات، وتضم مخزن ذخيرة ضخماً.

وقال شهود عيان، لـ«الشرق الأوسط»، إن الغارات استمرت في المدينة نحو نصف ساعة لكن تفجر الذخيرة، وكانت غالبيتها صواريخ وقذائف، استمر أكثر من ساعتين.

ووفق المسؤول العراقي، فإن المنشأة حديثة الإنشاء، استخدمت الفصائل لتشييدها الإسمنت المسلح بهدف خزن الأسلحة.

والمواقع الثلاثة التي استهدفتها القوات الأميركية في العراق، كانت تضم «مراكز قيادة بديلة»، ومواقع استخدمها «الحرس الثوري» الإيراني نقاط اتصال استراتيجية لربط المحاور وتنسيق العمليات.

يعتقد ضابط استخبارات عراقي، رفض الكشف عن اسمه، أن الضربات «دمرت بنية تحتية كانت تعتمد عليها الفصائل للربط بين العراق وسوريا».

وقال هذا الضابط: «الآن قطعت الاتصالات بشكل شبه تام»، كما أن الفصائل «خسرت ذخيرة كانت كدستها هناك فترات طويلة».

ووفقاً للضابط العراقي، فإن الوصول إلى أهداف بهذه الدقة داخل الأحياء السكنية قد يشكل صدمة لحجم الاختراق الأمني، حتى بعد أن أجرت الفصائل عمليات إخلاء واسعة الأسبوع الماضي بعد استهداف قاعدة البرج 22 الأميركية في الأردن.

نزوح الأهالي

أظهرت مقاطع مصورة من بلدتي القائم وعكاشات تطاير المقذوفات من موقع خزن الذخيرة بعد الغارة الأميركية، والتي يبدو أنها أفزعت السكان المحليين، ودفعت عدداً منهم إلى النزوح.

قال شهود عيان: «كتل النار كانت تنطلق من المنشأة نحو المنازل»، بينما كان الأهالي يهرعون بما خف من المتعة خارج البلدة نحو منطقة مجاورة.

وأطلقت مساجد في القائم عبر مكبرات الصوت نداءات إلى السكان تدعوهم إلى الابتعاد عن المنشآت العسكرية، ومغادرة المدينة حتى تستقر الأوضاع.

وتتمركز الفصائل المسلحة داخل الأحياء السكنية في القائم وعكاشات، بينما أنشأت مخازن الذخيرة القاتلة بين المنازل، بسب السكان المحليين.

وفي سوريا، استهدفت الغارات الأميركية 4 مواقع في محافظة «دير الزور» السورية، وهي عياش، والميادين، والقورية، والبوكمال، وجميعها على خط واحد شمالاً من آخر نقطة عراقية تتمركز فيها الفصائل العراقية في القائم.

وتظهر خريطة الهجمات في العراق وسوريا أنها استهدفت بؤرة استراتيجية للفصائل تمتد على مساحة تتجاوز أكثر من 100 كليومتر، وفقاً لثلاثة مصادر، أحدهم ضابط الاستخبارات العراقي.

وشهد هذا الخط عمليات نقل أسلحة وذخائر بين العراق وسوريا، على مدار سنوات، وفي الأشهر الأخيرة شهدت هذه المناطق نشاطاً غير مسبوق ارتباطاً بالتصعيد في قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

خاص راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

أفيد في بغداد، الجمعة، بأن الحكومة وضعت خطة طوارئ متعددة المسارات تحسباً لاندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تشمل نشر وحدات عسكرية في مدن حدودية.

علي السراي (الرياض)
خاص رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني انسحب من حكومة الإقليم احتجاجاً على انعقاد برلمان كردستان بغياب نوابه (أ.ف.ب)

خاص اتصالات لمنع «انفصال الإدارتين» في كردستان العراق

تجري في إقليم كردستان اتصالات سياسية لاحتواء أزمة انسحاب الاتحاد الوطني الكردستاني من الحكومة احتجاجاً على انعقاد البرلمان من دون نوابه.

هشام المياني (أربيل)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

الزيدي يستهدف «شركات الوساطة» في عقود التصنيع الحربي

وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي هيئة التصنيع الحربي بالتعامل المباشر مع الشركات المصنّعة، ومنع التعامل مع الشركات الوسيطة في التعاقدات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الخميس، عن تعزيز الانتشار العسكري على الخط الدفاعي، غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

«فساد في عقود المطارات» يلاحق فصائل بالعراق

أُعلن في العراق، أمس (الأربعاء)، عن رصد «تلاعب في عقود المطارات»، يُشتبه بارتباطه بتحقيق مكاسب اقتصادية لصالح جهات مسلحة خارجة عن القانون.

حمزة مصطفى (بغداد)

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
TT

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بترقّب انعكاسات نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية على واقعهم الداخلي، وما إذا كانت ستؤدي إلى حرب في المنطقة تشمل لبنان، أم إلى اتفاق سياسي كبير يلحظ لبنان حكماً، برز مؤخراً ما حُكي عن تطمينات وصلت إلى عدد من المسؤولين اللبنانيين، مفادها أن «حزب الله» لا ينوي المشاركة في أي حرب مقبلة إسناداً لإيران.

إلا أن هذه التطمينات تبدو لكثيرين غير كافية، استناداً إلى تجربة جولة الحرب الأخيرة، حين قيل إن الحزب أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري، آنذاك، أنه لن يشارك فيها، قبل أن ينقلب على موقفه ويفتح النار باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) الماضي. وتحدّث بعضها حينها عن تضارب في القرارات بين الجناحين السياسي والعسكري، أدى في نهاية المطاف إلى تغليب قرار الطرف الممسك بالميدان، ومن خلفه طهران.

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

وهنا تُطرح علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان القرار داخل «حزب الله» لا يزال مركزياً، تتخذه قيادة سياسية وتنظيمية ملزمة لجميع مؤسساته، أم أن الكلمة باتت للميدان والجناح العسكري؟ والأهم، هل لا يزال الحزب يمتلك هامشاً مستقلاً لاتخاذ قراراته، أم أن القرار الاستراتيجي المتعلق بالحرب بات يُحسم في طهران، وفقاً للمصالح والحسابات الإيرانية؟

وتتباين القراءات في هذا المجال بين مَن يرى أن «حزب الله» لا يزال محكوماً بهيكلية تنظيمية مركزية، لا تسمح بوجود قرار سياسي وآخر عسكري متعارضين، ومَن يعتبر أن التحولات التي شهدها الحزب، ولا سيما بعد المواجهات الأخيرة، وما أصاب بنيته القيادية، جعلت القرار العسكري أكثر ارتباطاً بإيران، وأضعفت إلى حد كبير هامش الحركة المتاح للقيادة السياسية.

ما هو «شورى القرار»؟

وفي هذا السياق، يوضح الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع عن كثب على موقف «حزب الله»، أن «القيادة في الحزب تتمثل في (شورى القرار)، وهي الجهة التي تتخذ القرارات وتُلزم بها جميع الأجهزة والمؤسسات، بما فيها المجلسان السياسي والجهادي». وينفي قصير وجود قرار يتخذه المجلس السياسي في مقابل قرار آخر يصدر عن المجلس الجهادي، مؤكداً أن «هناك قراراً واحداً مركزياً تتخذه (شورى القرار) ويلتزم به الجميع».

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

ويضم مجلس «شورى القرار»، حسب قصير، الأمين العام للحزب، ورئيس المجلس التنفيذي، ورئيس كتلة الحزب النيابية، ورئيس المجلس السياسي، والمعاون السياسي للأمين العام.

لكن ماذا عن التطمينات التي وصلت إلى مسؤولين لبنانيين، ومفادها أن «حزب الله» لا يعتزم الانخراط في حرب مقبلة؟

وهنا يلفت قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لا توجد ضمانات أو وعود جدية ونهائية من هذا النوع»، موضحاً أن «الحزب يُحدد موقفه وفقاً للتطورات الميدانية، ولا يمكنه اتخاذ قرارات مسبقة بمعزل عن طبيعة الأحداث»، معتبراً أن «احتمالات الحرب تراجعت بعد الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، نتيجة انشغال واشنطن وتل أبيب بأوضاعهما الداخلية، إلا إذا قررت إسرائيل شن عدوان جديد على لبنان».

القرار لـ«الحرس الثوري»

في المقابل، يُقدم الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، قراءة مختلفة، تنطلق من اعتبار أن «الكلمة في (حزب الله) كانت ولا تزال للميدان، وأن الجناح العسكري هو الذي يُمسك بهذا الميدان، ويُشكل الامتداد المباشر والفعلي لـ(الحرس الثوري الإيراني)».

ويؤكد الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار تفجير الحرب في لبنان، سواء في الجولة السابقة أو في أي جولة مقبلة، هو قرار إيراني بالدرجة الأولى، تحكمه المصلحة الإيرانية، ولا يمتلك (حزب الله) هامشاً فعلياً لتغييره أو الاعتراض عليه».

دمار واسع ناتج من غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويذكّر الأمين بتصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي الأخيرة، بشأن فتح المعركة على مختلف الجبهات والجغرافيا، معتبراً أنها «تعكس وجود إيقاع واحد تتحكم فيه طهران، وعلى الأطراف الأخرى الالتزام به»، معتبراً أن «الهامش الذي كان متاحاً في السابق للجناح السياسي، بقيادة الأمين العام السابق حسن نصر الله والقيادات البارزة، لم يعد قائماً اليوم، في ظل التحولات التي طرأت على بنية الحزب وقيادته».


لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

يعيش لبنان حالة من الإرباك والقلق المتزايد، على وقع المعلومات المتداولة عن احتمال أن يكون جزءاً من أي مواجهة إقليمية مقبلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولا تقتصر المخاوف على المواطنين الذين يخشون تكرار مشهد الحرب، والدمار، والنزوح، بل تطول أيضاً المسؤولين اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم أمام احتمالات لا يملكون القدرة الكاملة على التحكم بمسارها، في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن موقف «حزب الله» في حال اندلاع المواجهة، وهو ما حذّر منه مرات عدة كل من الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

الدولة اللبنانية أمام معضلة غياب الضمانات

ورغم أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات غير مسبوقة في إطار محاولة حصر قرار الحرب والسلم بيدها، وهو ما يلقى دعماً واسعاً من الدول الغربية، والعربية، تكمن أولى نقاط الإرباك في صعوبة ضمان التزام «حزب الله» بقرار الدولة تحييد لبنان عن أي مواجهة إقليمية. فرغم تأكيد المسؤولين أن القرار يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، فإن استمرار الحزب في الاحتفاظ بقراره العسكري المستقل، وارتباط حساباته الاستراتيجية بالتطورات الإيرانية، يجعلان الدولة أمام واقع معقد.

وفي هذا السياق يؤكد مصدر وزاري أن الاتصالات الداخلية لم تتوقف، ولا تزال قائمة بين مختلف الأفرقاء، لكنها لم تترجم حتى الآن إلى خطوات ملموسة، باستثناء الكلام عن أن «حزب الله» لن يدخل في أي معركة مقبلة. إلا أن المصدر يشير إلى أن هذه التطمينات لم تترافق مع معطيات جدية تسمح بالاطمئنان، ما يجعل الحذر واجباً في هذه المرحلة.

ويشدد المصدر على أن الدولة ليست ضعيفة، بل إن موقفها صلب، وقد اتخذت قرارات واضحة في هذا الاتجاه، لكن المشكلة تكمن في أن الفريق المعني مباشرة بقرار الحرب لا يتعاون مع الدولة، ولا يتجاوب مع توجهاتها، انطلاقاً من حسابات ومنطلقات تختلف عن حسابات المؤسسات الرسمية. ويضيف أن الدولة لا تريد الحرب، ولا الدمار، لكن حسابات الفريق الآخر، أي «حزب الله»، مختلفة.

ومع الترقب الذي يسود المنطقة بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، يعتبر المصدر أن جوهر المشكلة يكمن أيضاً في طبيعة العلاقة بين «حزب الله» وإيران، إذ إن طهران لا تتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها مرجعية رسمية في هذا الملف، بل تتواصل مع الفريق الذي تدعمه، من دون تقديم ضمانات واضحة بعدم تدخله في أي مواجهة مقبلة. ويلفت في هذا الإطار إلى ما نُقل أخيراً عن مجتبى خامنئي بشأن وحدة الساحات، باعتباره مؤشراً لا يمكن تجاهله في قراءة احتمالات المرحلة المقبلة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتفقد الوحدات العسكرية المنتشرة في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأميركية ترفع منسوب القلق

في المقابل، لا تساعد التطورات الميدانية على تبديد المخاوف، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وبالتزامن مع تهديدات متكررة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد هدد بتوسيع العمليات العسكرية، واستهداف مناطق لبنانية إضافية إذا انضم «حزب الله» إلى أي مواجهة إيرانية، في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن سيناريوهات عسكرية محتملة تتجاوز جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار نشرت صحيفة «معاريف» معلومات عن خطط إسرائيلية محتملة تشمل التقدم نحو صور، وصيدا، والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس في حال توسع المواجهة، وهي سيناريوهات إعلامية لم يصدر تأكيد رسمي بشأن تنفيذها.

ولا تقتصر التحذيرات على الجانب الإسرائيلي، إذ يجدد المصدر الوزاري التأكيد أن تحذيرات أميركية واضحة نقلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الرئيس جوزيف عون، ومفادها بأن دخول «حزب الله» في أي حرب مقبلة سيؤدي إلى سقوط الضمانات السابقة، بما يعني أن لبنان قد يواجه تداعيات واسعة لا يمكن احتواؤها.

أما فيما يتعلق بتوقف المباحثات اللبنانية - الإسرائيلية، فيعرب المصدر عن أمله في استئنافها، والتوصل إلى نتائج، لكنه يلفت إلى أن توقفها خلال هذه المرحلة لم يكن مفاجئاً، إذ كان واضحاً منذ فترة أن المباحثات لن تُعقد خلال فترة الانتخابات الأميركية، والإسرائيلية.

لبنان في مأزق حقيقي

ويلفت رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور رودريغ أبي خليل إلى أن الإرباك الذي تعيشه الدولة اللبنانية في المرحلة الراهنة يعود، في جوهره، إلى أنها لا تمتلك أدوات تنفيذ الالتزامات، رغم القرارات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة في محاولة لتكريس سلطتها، وبسط سيادة الدولة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه القرارات، على أهميتها، تصطدم بواقع أن قرار «حزب الله» لا يزال مرتبطاً بإيران، ما يحول دون قدرة الدولة على التحكم بمسار المواجهة، أو منع انزلاق لبنان إليها.

ويؤكد: «إن القرارات الحكومية، على أهميتها، لا تكفي وحدها بالنسبة إلى المجتمع الدولي ما لم تُترجم إلى خطوات عملية، وميدانية، لا سيما أن (حزب الله) لن يتخلى عن هذا التفوق من دون ثمن سياسي».

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثاً في عيتا الشعب خلال زيارة سابقة له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

ويرى أبي خليل أن لبنان -بحكم ارتباط واقعه السياسي الداخلي بالتحولات الإقليمية- يجد نفسه في مأزق حقيقي، خصوصاً أن المنطقة تتجه نحو مرحلة مفصلية قد تشهد تجدد الحرب بصورة أعنف، في ظل سعي أميركي وإسرائيلي إلى إحداث تغييرات استراتيجية في المنطقة.

ورأى أبي خليل أن هذا الواقع يفسّر حالة الترقب والإرباك لدى الدولة اللبنانية، باعتبار أن جانباً أساسياً من القرار المتعلق بمصير لبنان يرتبط بما ستؤول إليه هذه المواجهة، مشيراً إلى «أن هذا الارتباط انعكس بشكل واضح في مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي لم تصل حتى الآن إلى نتائج حاسمة».

من هنا يعتبر أبي خليل «أن لبنان بات قريباً من لحظة مواجهة جديدة، من دون أن يحضر نفسه كما يجب، وفي ظل دولة تترقب ما سيقرره الخارج أكثر مما تتحكم هي بمسار الأحداث».


هجوم باليستي حوثي يقتل العشرات في وازعية تعز

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

هجوم باليستي حوثي يقتل العشرات في وازعية تعز

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

في تطور ميداني لافت، اتهم الجيش اليمني الجماعة الحوثية باستهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوزاعية غرب تعز بصاروخ باليستي، أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وفقاً للمتحدث العسكري ماجد النزيلي.

تزامن ذلك مع اتساع المواجهات في جبهات تعز ولحج والجوف ومأرب، حيث تمكنت القوات الحكومة من تحقيق تقدم في عدد من المناطق.

إلى ذلك، كشف تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار اعتماد الحوثيين على شبكات إمداد خارجية لتطوير ترسانتهم العسكرية، بما في ذلك الحصول على مكونات تجارية مزدوجة الاستخدام وتقنيات تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة التوجيه والدفاع الجوي، محذراً من تداعيات ذلك على أمن الملاحة والتجارة الدولية.