في سوريا... عزاء على أضواء الهواتف الجوالة و«الصالات» للأثرياء

المعدمون مادياً يرون في «تكاليف الموت» مصيبة أقسى من الفراق

زوار مقبرة في دوما قرب العاصمة السورية (أرشيفية - إ.ب.أ)
زوار مقبرة في دوما قرب العاصمة السورية (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

في سوريا... عزاء على أضواء الهواتف الجوالة و«الصالات» للأثرياء

زوار مقبرة في دوما قرب العاصمة السورية (أرشيفية - إ.ب.أ)
زوار مقبرة في دوما قرب العاصمة السورية (أرشيفية - إ.ب.أ)

فيما يتعمق يومياً فقر أغلبية سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، أصبحت «تكاليف الموت» لذوي المتوفى تشكل مصيبة أقسى من الموت، بعد الارتفاع الهيستيري لأسعار القبور وإجراءات الدفن ومراسم العزاء.

وانسحبت موجات الارتفاع المتتالية للأسعار التي أنهكت المواطنين، على أسعار القبور وإجراءات الدفن؛ إذ تتضمن تكاليف دفن متوفى في مقبرة «نجها» بريف دمشق الجنوبي، والتي تدفع سلفاً من قبل ذوي المتوفى لمكتب دفن الموتى التابع لمحافظة دمشق: مليوناً و850 ألف ليرة سورية ثمناً لقبر جديد، أو 850 ألف ليرة سورية أجرة فتح قبر قديم، بحسب ما ذكر لنا رجل توفي ابنه قبل أسبوعين. كما تتضمن التكاليف وفق إيصالات حديثة صادرة عن المكتب واطلعنا عليها، 409 آلاف ليرة أجرة سيارة دفن الموتى وغسل المتوفى وثمن قماش الكفن والحناء.

وفي ظل رزوح أكثر من 90 في المائة من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقارير أممية، بات كثير من الأهالي يقيمون مراسم دفن متواضعة للغاية لموتاهم.

قبل أيام قليلة توفي (م.ز) البالغ من العمر 40 عاماً، ويقطن غربي دمشق، وقد اقتصرت المشاركة في تشييع جنازته على 10 - 12 شخصاً.

يوضح شقيقه (ي.ز) أن التشييع البسيط هو أمر تم الاتفاق عليه مع أفراد العائلة. يضيف: «تكاليف الدفن والعزاء صارت مصيبة أقسى من مصيبة الموت. سرفيس إلى (مقبرة) نجها أجرته 150 ألف ليرة. السيارتان اللتان نقلتا المشاركين، هي للجيران، حتى إننا لم نستطع شراء قبر وقد جرى دفنه في قبر أبيه». وعلى الرغم من أن (ي.ز) دفع كامل أجور مكتب الدفن سلفاً، زاد من همه إلحاح الحفار وسائق سيارة الدفن على إعطائهم «إكرامية» بعد انتهاء عملية الدفن.

مقبرة «نجها» في ريف دمشق الجنوبي ويظهر فيها عدد من الزائرين لقبور ذويهم (الشرق الأوسط)

ووسط مشهد الإحراج الذي تعرض له (ي.ز) وترديده عبارة: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، بادر أحد المشاركين في التشييع إلى إعطاء كل من الحفار وسائق سيارة الدفن مبلغاً من المال.

العزاء همٌّ آخر

ولا تنتهي تكاليف الموت بإتمام عملية الدفن؛ إذ تأتي بعدها مراسم العزاء التي تشكل هاجساً كبيراً للفقراء، بسبب أجور الصالات الخيالية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الاكتفاء بإقامتها في منازلهم أو في خيم صغيرة في الطرقات.

ويصل أجر صالة في المناطق المحيطة بدمشق إلى مليون ليرة في اليوم، من ضمنها أجور ضيافة القهوة المرة، على حين يتراوح ما بين 2 - 3 ملايين في الصالات الفخمة الواقعة وسط دمشق، بحسب ما تحدث لنا عدد من مستثمري الصالات الذين لفتوا إلى أن إيجار الصالة لا يتضمن تكاليف مأدبة غداء اليوم الثالث من العزاء (الختمة)، التي يقيمها ذوو المتوفى، والتي تصل إلى خمسة ملايين ليرة على أقل تقدير، إن كان صنف الطعام متواضعاً (صفيحة) ويكفي لـ60 شخصاً.

ويشير أحد المستثمرين إلى تراجع الإقبال على استئجار الصالات، سواء لمناسبات الأفراح أو الأحزان، ويقول: «الصالات أصبحت للأثرياء. وهناك ميسورون يستأجرون أحياناً بعد جدل طويل على السعر».

وأقام (ي.ز) مراسم العزاء في منزله المؤلّف من غرفتين؛ إذ استأجر 40 كرسياً (ألفي ليرة أجرة الكرسي عن كل يوم)، وعمالاً يصنعون ويضيفون القهوة المرة بأجر يومي بلغ 125 ألف ليرة.

خيمة عزاء في غرب دمشق بعدد قليل من المعزين (الشرق الأوسط)

ولم يمض بشكل طبيعي اليوم الأول الذي شهد قدوم قلة قليلة من الجيران؛ إذ نفد شحن مدخرة الإضاءة، بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، لتتم إضاءة غرفتي العزاء بأضواء جهازي هاتف خليوي، فيما اقتصرت ضيافة «الختمة» على توزيع قطع من حلوى «الوربات» التي يبلغ سعر القطة منها 3 آلاف ليرة.

وبينما تشكل الحوالات المالية بالنسبة للعائلات ممن يعيش أبناؤها في المهاجر ودول اللجوء، رافداً يعينهم على تدبر أمورهم، ويوصفون بـ«ميسوري الحال»، تتحدث (س.ر) وهي من سكان منطقة القاعة جنوب دمشق، أن جارة لها توفيت قبل أسبوع، وأصر ولداها اللاجئان في ألمانيا على إقامة عزاء مهيب لها، وتقول لنا نقلاً عن زوجها الذي شارك في تقديم الواجب: «أقاموا العزاء في صالة بمنطقة الزاهرة، وكان هناك عجقة. ضيّفوا قهوة وتمر، وصارت للحجة (ختمة مدللة) بمناسف أوزي (خواريف محشية)».

وغالباً ما تقام مراسم تشييع مهيبة للشخصيات البارزة والمعروفة في الوسط الذي تعمل فيه عند وفاتها، كما حصل في تشييع الروائي السوري خالد خليفة الذي توفي في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث شارك في المراسم عدد كبير من نجوم الوسط الفني والأدباء والمثقفين والكتاب، فيما أُقيم العزاء في صالة نقابة المحامين وسط دمشق، وحضره حشد من الفنانين والأدباء والمثقفين والكتاب.

مجلس عزاء أحد شيوخ قبيلة قاطرجي في ديوان قبيلة النعيم وقاطرجي بفندق أرمان بمحافظة حلب (فيسبوك)

في المقابل، تقام للمتوفى من طبقة الأغنياء الذين باتوا قلة قليلة مع انضمام «الطبقة الوسطى» إلى طبقة المعدمين مادياً بسبب الغلاء وتراجع مداخيل العائلات الشهرية، مراسم تشييع ضخمة يشارك فيها مئات الأشخاص، بينهم مسؤولون كبار في الدولة وشخصيات نافذة، فيما توضع أكاليل الورد على سيارة الدفن وسيارات نقل المشيعين، وتعج الصالات الضخمة التي يقيمون العزاء فيها بالوافدين، ويتم خلاله تقديم شتى أنواع الضيافة؛ من قهوة مرة وليمون مغلي وكمون مغلي وزهورات وأنواع فاخرة من التمور، إضافة إلى إقامة مأدبة غداء في اليوم الثالث.

أسعار القبور

ووفق ما كشفت صحيفة «الوطن» المقربة من السلطات، نهاية العام الماضي، فقد «تجاوز سعر القبر في دمشق الـ40 مليون ليرة ضمن إطار البيع (عرض وطلب) واتفاق مباشر بين المواطنين، حسبما تؤكده المعلومات»، فيما يذكر عاملون في المقابر أن هذه الأسعار موجودة ولكن في مقابر قليلة وقديمة داخل العاصمة، منها مقبرة «الباب الصغير» في حي الشاغور، ومقبرة «الدحداح» في شارع بغداد.

صورة جانبية لمقبرة الشهداء في مخيم اليرموك جنوبي دمشق تظهر أن الدمار لا يزال ماثلاً فيها (الشرق الأوسط)

ونقلت الصحيفة عن مدير مكتب دفن الموتى في محافظة دمشق فراس إبراهيم، أن العام الماضي شهد تسجيل أكثر من 7 آلاف حالة وفاة في العاصمة. وأكد أن عدد القبور في دمشق يصل إلى الـ160 ألفاً موزعين ضمن 30 مقبرة.


مقالات ذات صلة

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

المشرق العربي متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليوم، أن فادي صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، في حي التضامن ومناطق أخرى بدمشق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسدين (اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع - حساب «فيسبوك»)

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد كبيرة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
خاص فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

خاص «العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

سعاد جرَوس (دمشق)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.