«القضاء على حماس»... بين التمني الإسرائيلي والواقع على الأرض

الحرب الحالية تأتي في الذكرى 36 لتأسيس الحركة

فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
TT

«القضاء على حماس»... بين التمني الإسرائيلي والواقع على الأرض

فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)

من يقرأ ما وراء السطور في الخطاب الحربي الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويربط ذلك بالنهج التاريخي للسياسة الإسرائيلية تجاه الصراع مع الفلسطينيين، يُدرك أن ما يخبئه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لحركة «حماس» في ذكرى تأسيسها السادسة والثلاثين ليس كما يقول «إبادة» و«تصفية»، على الرغم من أن ذلك هو ما يتمناه. فهو يعرف جيداً أن «القضاء على حماس» هدف غير واقعي، وربما غير قابل للتحقيق. فهذه الحركة ليست مجرد تنظيم مسلح صغير يضم 30 ألف عنصر، وإنما هي تمثل تياراً عقائدياً، ولها تنظيم قوي راسخ، ليس فقط في قطاع غزة، بل في الضفة الغربية والشتات، ولها جذور عميقة، جذعها حركة «الإخوان المسلمين».

ألحقت العمليات التي تنفذها القوات الإسرائيلية ضرراً بالغاً بقوات «حماس»، لكنها لن تؤدي على الأرجح إلى تصفية قدرتها كلياً على المقاومة. وإذا كان الهدف المعلن للعمليات الإسرائيلية هو ضرب «حماس»، إلا أنها خلال أكثر من شهرين كانت موجهة أكثر إلى الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، فأحدثت دماراً مهولاً وحصدت أرواح أكثر من 20 ألفاً وأصابت بجراح جسدية أكثر من 50 ألفاً وبجراح نفسية أكثر من مليوني غزّي، الأمر الذي أثار في الذاكرة الفلسطينية والعربية مخاوف من نكبة ثانية. وثمة من يقول إن ما تقوم به إسرائيل سيؤدي إلى إنشاء جيوش فلسطينية مشحونة بالحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد يكون الجيل الجديد من الفلسطينيين أخطر على إسرائيل من «حماس».

السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة غلعاد إردان يعرض رقم هاتف يحيى السنوار خلال جلسة للجمعية العامة يوم 12 ديسمبر (رويترز)

والسؤال الذي يطرح نفسه بجد اليوم هو: هل تريد حكومة إسرائيل وجنرالاتها فعلاً تصفية «حماس»؟

لقد أظهر تاريخ المواقف الإسرائيلية من «حماس» صورةً مختلفةً عن الخطاب السياسي والتصريحات والعمليات الحربية. فعندما بدأت هذه الحركة تتبلور في جمعيات خيرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كانت حكومة إسرائيل بقيادة إسحق رابين (أواسط السبعينات)، ومخابراتها، تفتش عن قوى فلسطينية محلية تحل محل حركة «فتح» وغيرها من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتقبل مشروع «الإدارة الذاتية» لمنع قيام دولة فلسطينية. ولما فشلت إسرائيل في إقامة «روابط القرى»، وفشلت في تجنيد شخصيات محلية تتمرد على منظمة التحرير، رأت في جمعيات «حماس» هديةً من السماء.

وعندما قررت هذه الجمعيات بقيادة الشيخ أحمد ياسين والدكتور محمود الزهار والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، تشكيل حركة «حماس»، في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1987، حركة مقاومة إسلامية، دبّت إسرائيل قوات مخابراتها لمتابعة ومراقبة هذه الحركة وقادتها. وبالرغم من برنامج «حماس» السياسي الذي لا يؤمن بإسرائيل ويدعو إلى إبادتها، رأت تل أبيب في هذه الحركة «منافساً مهماً» لمنظمة التحرير، وراحت توجه لها ضربات موجعة حتى تبقى تحت السيطرة، لكنها لم تقض عليها لأنها استفادت من عدائها لمنظمة التحرير وكذلك من عداء منظمة التحرير لها. فاعتقلت الشيخ ياسين مع مئات من أعضاء الحركة سنة 1989، وعندما قامت الحركة بخطف جندي إسرائيلي لغرض التفاوض عليه لإطلاق سراح الشيخ ياسين، سنة 1992، ردت إسرائيل بشن حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أُبعد على أثرها 416 من أعضاء حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إلى جنوب لبنان. وقد رفض المبعدون القرار وظلوا في منطقة «مرج الزهور» جنوب لبنان، إلى حين صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 977 بعودتهم، فعاد أغلبهم خلال عام، وقليل منهم بقوا خارج البلاد. وتحول المبعدون إلى قادة معتبرين لدى الشعب الفلسطيني.

قيادي «حماس» إسماعيل هنية مع الشيخ الراحل أحمد ياسين في مدينة غزة عام 2003 (رويترز)

وتأجج الصراع في السنوات اللاحقة بين «حماس» وإسرائيل التي شهدت عمليات تفجير كبيرة نفذها عناصر «حماس» وغيرها من الفصائل. وفي الوقت ذاته، واصلت إسرائيل ملاحقة قادة «حماس». وفي سنة 1997، أمر نتنياهو باغتيال خالد مشعل، رئيس «حماس»، في العاصمة الأردنية. لكن المحاولة فشلت وألقي القبض على عميلي «الموساد». وأجبر الملك حسين إسرائيل على إنقاذ حياة مشعل وطلب للمصالحة معها تحرير الشيخ ياسين.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى (2000)، بادر الشيخ أحمد ياسين والرئيس ياسر عرفات إلى عملية تقارب بين منظمة التحرير وبين «حماس». ولكن في سنة 2004، اغتالت إسرائيل الشيخ ياسين عبر قصف من مروحية أباتشي، بينما كان خارجاً من صلاة الفجر على كرسيه المتحرك من مسجد المجمّع الإسلامي في حي الصّبرة في غزة. وحل محله في قيادة الحركة، الدكتور الرنتيسي، الذي سار هو أيضاً على طريق المصالحة الفلسطينية. فاغتالته إسرائيل بعد أقل من شهر واحد فقط. ثم غاب ياسر عرفات، الذي تسود قناعة فلسطينية بأنه هو أيضاً قُتل بعملية تسميم.

وتوقفت جهود المصالحة لفترة، إلى حين إجراء الانتخابات التي فازت بها «حماس» سنة 2006، واعترف الرئيس محمود عباس بنتائج الانتخابات، وكلف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة. وكانت هذه مرحلة مفصلية في تاريخ الحركة. وكان من الممكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية تجعلها قائداً شرعياً للشعب الفلسطيني، يحتوي الآخرين وربما يفتح صفحة جديدة من العلاقات العربية والدولية تكسبها الشرعية. لكنها بدل ذلك، اختارت طريق الصراع الداخلي، فانقلبت على نفسها. ففي أواسط 2007، سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت رموز السلطة الفلسطينية من القطاع وقتلت 160 قائداً ميدانياً من حركة «فتح» (معظمهم تم إلقاؤهم من على أسطح بنايات شاهقة). ومع أن «حماس» واصلت مقاومتها لإسرائيل، التي فرضت حصاراً على القطاع، وراحت تبني قوات عسكرية وصاروخية قوية، نسبياً، فقد حرصت إسرائيل على إبقاء سقف معقول في التعاطي معها. فقررت ألا تدخل معها في حرب إبادة ولا حتى حرب لإسقاط حكمها، وتركتها تحارب السلطة الفلسطينية. ومن آن لآخر كانت توجه لها ضربات عسكرية محدودة.

 

واليوم يتضح بشكل رسمي، من المنشورات التي ترافق الحرب، أن حكومة نتنياهو دأبت على تشجيع الانقسام الفلسطيني، لكي تخفض من مكانة السلطة وتضعفها وتمتنع عن التفاوض معها على قيام دولة فلسطينية. وعندما كان قادة «الليكود» يتهمون نتنياهو بأنه يعزز بذلك قوة «حماس»، كان يصدهم قائلاً إن هذا هو السبيل الوحيد لمنع قيام دولة فلسطينية. وكان يعد بتصفية «حماس» في الوقت المناسب. من جهتها، أخذت «حماس» هذا التهديد بجدية، وسوية مع الحلفاء في إيران وغيرها، عملت على تعزيز قوتها وتدربت على عمليات اقتحام لإسرائيل.

قيادي «حماس» يحيى السنوار الذي يُعتقد أنه وراء عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)

«طوفان الأقصى»

مع قدوم حكومة يمين متطرف إلى السلطة في إسرائيل، مطلع السنة الحالية، راحت تل أبيب تعمق سياسة اللعب على حبل الانقسام الفلسطيني، لكي تتهرب من التسوية السياسية. فهي لم تضع القضية الفلسطينية على الرف وحسب، بل قامت بتوسيع عمليات التهويد والاستيطان وضاعفت عدد عمليات اقتحام المسجد الأقصى شجعت المتطرفين المستوطنين على تنظيم اعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية تصل إلى حد طردهم من بيوتهم والسيطرة على أراضيهم وممتلكاتهم بالقوة، بحماية الجيش. كما أخذت إسرائيل تشدد من قمعها للأسرى الفلسطينيين في سجونها، وأوكلت إلى الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش مسؤولية السجناء إدارة شؤون الاستيطان في الضفة الغربية.

ولما كانت إسرائيل نفسها قد دخلت في حالة انقسام شديد، بسبب خطة حكومية تطول منظومة الحكم والجهاز القضائي، وجدت «حماس» وحلفاؤها في الخارج فرصة لتوجيه ضربة عسكرية قوية لإسرائيل والعمل على تحرير الأسرى الفلسطينيين... وأطلقت عليها اسم «طوفان الأقصى».

عائلة عاشور مع جثمان طفل في مستشفى النجار برفح السبت (أ.ف.ب)

وقبيل الاحتفال بذكرى تأسيسها السادسة والثلاثين، نجحت «حماس» في عمليتها ووجهت فعلاً ضربة قاسية لإسرائيل، إذ احتلت 11 ثكنة عسكرية و22 بلدة يهودية وخطفت 230 إسرائيلياً وأجنبياً وقتلت 1200 جندي ومواطن. شكلت العملية ضربة لهيبة الجيش الإسرائيلي أمام الإسرائيليين وأمام العالم، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد.

لكن عملية «حماس» شابتها سقطات كبيرة. ففي الهجوم الذي نفذته على غلاف غزة، قام عدد من نشطائها أو المهاجمين معها أو كليهما معاً، بممارسة عمليات فاحشة ضد المدنيين الإسرائيليين. فقتلت وخطفت أطفالاً ونساء ومسنين ومرضى وقتلت عائلات بأكملها بلا رحمة. واستغلت إسرائيل صور تلك الاعتداءات البشعة لتعبئة الجمهور الإسرائيلي ومن ثم الرأي العام العالمي ضد «حماس»، وراحت تشن حرباً تدميرية لا يعرف التاريخ في بشاعتها سوى في الحرب العالمية الثانية.

وقد فشلت «حماس» في مواجهة الحرب الإعلامية ضدها، ليس لأنها لا تملك الأدوات بل لأنها ربما لا تأخذ بالاعتبار شيئاً اسمه الرأي العام العالمي، ولا تعرف مخاطبة العالم بلغته. فهي لم تعلن رفضها لتلك العمليات البشعة، ولم تفكر في محاسبة من قام بها باسمها. ولم تفعل شيئاً لتحوّل مكسبها العسكري، إلى مكسب سياسي استراتيجي. فقد كان بإمكانها أن تعلن برنامجاً سياسياً جريئاً تؤكد فيه تبنيها برنامج منظمة التحرير. وعندما تكلم موسى أبو مرزوق، نائب رئيس الحركة، بروح قريبة من هذا البرنامج، اضطر فوراً إلى التراجع، نتيجة للمعارضة من داخل الحركة وربما من خارجها.

وحتى في الوقت الذي كانت فيه كل الفصائل الفلسطينية تقف إلى جانب غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وكان ممثلو فلسطين في المؤسسات الدولية يعملون ليل نهار على تجنيد العالم، خرج قادة من «حماس» يهاجمون هذه الفصائل ويفتشون عن صغائر تكتيكية للصدام معها، خصوصاً مع السلطة الفلسطينية. وحتى عندما كان قادة الدول العربية والإسلامية يديرون أكبر حملة دبلوماسية لنصرة غزة والقضية الفلسطينية، وكانت الفضائيات العربية تنقل للعالم دقيقة بدقيقة وعلى مدار 24 ساعة في اليوم مشاهد القتل والدمار الإسرائيلية، كانت «حماس» تهاجم الدول العربية لأنها «لم تفعل شيئاً». حتى منظمة الصليب الأحمر ووكالة غوث اللاجئين وغيرها من المؤسسات الدولية التي قُتل العشرات من نشطائها وهم يقدمون الخدمات لأهل غزة، هاجمهم قادة من «حماس» أيضاً.

على هذا الأساس، يمكن القول إن «حماس» التي تحتفي بمرور 36 سنة على تأسيسها، تحتاج إلى عملية نضوج سياسي. تحتاج إلى قيادة متواضعة ومنصفة ومتوازنة، رغم ما تمر به من مصاعب. تحتاج إلى مواقف مسؤولة تجعلها تأخذ مكانها بشكل طبيعي مع بقية الفصائل في قيادة الشعب الفلسطيني وليس بالقوة، كما يوحي اليوم قادتها. وعليها ألا تنسى أولئك الذين ضحوا ويضحون بأرواحهم وبعائلاتهم وبتشردهم وبجراحهم على إثر هجوم «حماس». فهؤلاء يتهمون إسرائيل بمصيبتهم. لكنهم لا يبرئون «حماس». وبالتالي فإن هذه الحركة عليها أن تعيد النظر في كثير من الأمور لكي تستفيد من إنجازاتها وتتعلم من إخفاقاتها.


مقالات ذات صلة

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

المشرق العربي فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

بينت المصادر أن اللقاءات في القاهرة ستتواصل رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي الجمعة، ويبذل الوسطاء جهوداً كبيرة لمحاولة إيجاد مقاربات تعمل على حل الأزمات العالقة

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب) p-circle

خاص أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مع الوسطاء في القاهرة لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأنه كان «إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

في أول تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية «جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» (في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات)، وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.

وتطرّق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟ كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ«حزب الله»، كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية.

وقال إن الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟

عون وبري... تباين لا خلاف

وفي هذا السياق، كشف مصدر نيابي مواكب للعلاقات الرئاسية عن أن الخلاف الطارئ بين الرئيسين عون وبري يبقى تحت سقف التباين الذي حصل في تفسيرهما للبيان الصادر عن «الخارجية الأميركية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن وسطاء تدخّلوا لتبريد الأجواء بين الطرفين، مستبعداً أن تترتب على الخلاف أي قطيعة، في ظل الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتطلب من الجميع، بدءاً من الرؤساء، تضافر الجهود لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتثبيته، قبل الطلب من لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة، وإن كان يفضَّل أن تكون غير مباشرة، وهو ما يُفترض أن تعمل عليه الإدارة الأميركية.

وأضاف المصدر أنه ما دام الرؤساء الثلاثة يُجمعون على ضرورة وقف الأعمال العدائية استباقاً لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فإن تصويب الموقف على هامش جلسة مجلس الوزراء أسهم في ترطيب الأجواء بين الرئيسين، ما يفتح الباب أمام عودة الحيوية إلى العلاقات الرئاسية، انطلاقاً من عدم وجود مصلحة لأي من الرؤساء في غياب التشاور، بوصفه ضرورياً للتوصل إلى خريطة طريق في مقاربة ملف المفاوضات.

عون وبري (أرشيفية - رويترز)

ولفت إلى أنه لا مفر من معاودة التلاقي بين الرؤساء الثلاثة، ما داموا يتمسكون بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها بوصفه ممراً إلزامياً لبدء المفاوضات التي من غير الجائز أن تُعقد من دون أن تتلازم مع تثبيت وقف النار، وهذا ما يدعو ترمب للتدخل لدى إسرائيل لمنعها من التمادي في عدوانها.

موقف بري من المفاوضات

ودافع المصدر النيابي عن موقف بري من المفاوضات، وسأل عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالتفاهم مع فرنسا (عام 2024)، والذي لم يرَ النور، بل أتاح لإسرائيل التمادي في خرقه بتوسعة عدوانها الذي تجاوز الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات بقاعية.

وأكد أن «حزب الله» تجاوب مع رغبة بري، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف الأعمال العدائية، وكان له -بتفويض من الحزب- دور في التوصل إليه مع الوسيط الأميركي آنذاك، آموس هوكستين، وحظي برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، في مقابل إطلاق يد إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة أنه يعطيها حق الدفاع عن النفس بتوجيه ضربات وقائية تستهدف ما يخطط له الحزب بتهديده أمن مستوطناتها الشمالية.

وقال المصدر إن التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار طوال 15 شهراً، في مقابل إصرار إسرائيل على خرقه، شكّل إحراجاً له، خصوصاً مع امتناع واشنطن عن التدخل للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها، وصولاً إلى توسعة عدوانها، رغم أنها كانت قد تعهّدت بتلازم الخطوات بين الجانبين بوصفه شرطاً لتطبيق الاتفاق، مضيفاً أن حكومة نواف سلام، وإن كانت قد راهنت أساساً على الخيار الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب، فإنها واجهت تمرداً إسرائيلياً على الاتفاق واستمراراً في سياسة الضغط بالنار لدفع لبنان إلى التسليم بشروطها.

هدنة الأسابيع الثلاثة

وعدّ أن هدنة الأسابيع الثلاثة بقيت حبراً على ورق، وأتاحت لإسرائيل تحويل الجنوب إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة بمواصلة تدميرها الممنهج الذي طاول منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله لتهجير سكانه تحت ضغط مطالبتهم بإخلاء بلداتهم.

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

وقال المصدر إنه على ثقة بأن الرئيس عون ثابتٌ على موقفه القائم على اشتراط تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، بوصفه ممراً إلزامياً لبدء مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية، من دون التفريط، مهما كانت الضغوط، بالثوابت الوطنية التي يتمسك بها، مضيفاً أن هذا الموقف يأتي في إطار تفاهمه مع بري وسلام، وقد أكده في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بقوله إن المفاوضات لم تبدأ حتى الساعة، ما يعني رفضه أي مسار تفاوضي قبل توقف إسرائيل عن ضغطها العسكري على لبنان.

تثبيت وقف إطلاق النار

ولفت المصدر إلى أن الرئيس عون لن يُسلّم ببدء المفاوضات بشكل مطلق من دون أي مقابل، وفي مقدمته تثبيت وقف إطلاق النار، ورأى المصدر، من وجهة نظره، أن الضغط الأميركي لعقد لقاء مع نتنياهو على نحو عاجل قد يؤدي إلى توتير الأجواء الداخلية ورفع منسوب الاحتقان، في ظل تصاعد وتيرة الخلافات، في حال الاستجابة لهذا الضغط من دون توفير ضمانات للبنان، وفي مقدمها وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم.

وأكد أنه يقف إلى جانب الرئيس عون في تفضيله عدم حرق المراحل عبر لقاء مع نتنياهو، معتبراً أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا اللقاء، وأنه يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل إلى اتفاق يقوم على الاستجابة للثوابت الوطنية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، مقابل إنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن يُترك ما بعد ذلك لكل حادث حديث، مستغرباً صدور بيان دعوة عون للقاء نتنياهو عن السفارة الأميركية في بيروت بدلاً من صدوره عن البيت الأبيض، مشيراً إلى أن هذا الأمر استوضحه الرئيس عون خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى العائد حديثاً من واشنطن، للوقوف على الدوافع التي أملت صدور البيان عن السفارة، والذي يُعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.


تأييد أميركي للزيدي يربك حسابات بغداد

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

تأييد أميركي للزيدي يربك حسابات بغداد

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

لم تكتفِ الإدارة الأميركية بتغريدة سفارتها في بغداد لتهنئة رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، ولا بالاتصال الهاتفي الذي أجراه المبعوث إلى سوريا، توم براك؛ بل مضت إلى أبعد من ذلك، عبر اتصال أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالزيدي.

ولم يكتفِ ترمب بهذا الاتصال، الذي كان يمكن أن يصدر في بيان رسمي عن البيت الأبيض؛ بل سارع إلى تثبيت ملامح رؤيته للعلاقة المرتقبة مع بغداد عبر تغريدة على منصة «تروث سوشيال»، شدد فيها على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة في العراق خالية من الإرهاب».

ومضى الرئيس الأميركي في التعبير عن هذه الرؤية، قائلاً: «نتطلع إلى علاقة جديدة قوية ومثمرة بين العراق والولايات المتحدة»، عادّاً أنها «بداية فصل جديد ومزدهر بين بلدينا؛ فصل يزخر بالازدهار والاستقرار والنجاح غير المسبوق». كما خاطب الزيدي بعبارة «مبروك يا علي»، موجهاً له دعوة لزيارة واشنطن عقب نيل حكومته الثقة.

وبدا الموقف الأميركي حاسماً ومؤثراً في مواقف قوى سياسية عدة، لا سيما داخل البيت الشيعي، حيث كان بعض القيادات ينتظر إشارة رفض من ترمب لترشيح الزيدي، بما يعيد الملف إلى «الإطار التنسيقي»، بعد أن بدا أنه خرج مؤقتاً من قبضته مع ترشيح شخصية اقتصادية تحوم حولها تساؤلات تتعلق بقيود أميركية سابقة على تعاملات مصرفه بالدولار.

وأربك التطور الأميركي الفصائل المسلحة، خصوصاً بعد إدراج 3 من قادتها على قوائم الإرهاب، مع رصد مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات عنهم. ومن بين هؤلاء قيادي بارز في «الإطار التنسيقي»، اختفى عن الأنظار خلال الاجتماعات الأخيرة، إلى جانب قادة فصائل أخرى.

في موازاة ذلك، برزت تعقيدات إضافية تتعلق بمواقف قوى سياسية وشخصيات كانت مرشحة لتولي رئاسة الحكومة، في ظل حديث عن «فيتو» أميركي غير معلن على بعض الأسماء، مقابل دعم واضح للزيدي، ما أعاد خلط الأوراق داخل المشهد السياسي الشيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

«العشاء الأخير»

بالتوازي مع التأييد الأميركي، الذي بدا قوياً وإن كان مشروطاً بتشكيل حكومة «خالية من الإرهاب»، حظي الزيدي بدعم إقليمي ودولي واسع، ما وضع القوى السياسية العراقية أمام معادلة جديدة.

فعلى المستوى الشيعي، سحب هذا الدعم أي احتمال لكون ترشيح الزيدي مجرد مناورة سياسية، وأضعف فرص العودة إلى طرح أسماء بديلة من داخل «الإطار التنسيقي». كما أن بعض القوى، رغم إدراكها لخبرته في الملفات الاقتصادية، كانت تعوّل على إمكانية احتوائه سياسياً، وهو ما بات أكثر تعقيداً في ظل الغطاء الدولي.

أما القوى الكردية والسنية، فكانت تراهن على فرض شروطها في تشكيل الحكومة، خصوصاً فيما يتعلق بالحقائب الوزارية. غير أن الدعم الأميركي للزيدي أعاد ترتيب موازين التفاوض، وأضعف قدرة خصومه على التعامل معه وفق قواعد الاشتباك التقليدية.

وبرزت مخاوف داخل بعض الأوساط السياسية من أن يتحول الزيدي إلى نموذج لرئيس وزراء قوي مدعوم دولياً، بما قد يؤدي إلى إعادة صياغة التوازنات الداخلية، وتقليص نفوذ قوى إقليمية، في مقدمتها إيران، التي لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من تكليفه، وهو ما يثير تساؤلات داخل الأوساط الشيعية حول طبيعة هذا الصمت ودلالاته.

تحركات داخلية

في سياق متصل، تلقى الزيدي اتصالاً هاتفياً من رئيس جمهورية باكستان، آصف علي زرداري، هنأه فيه بمناسبة تكليفه تشكيل الحكومة.

وخلال الاتصال، الذي جرى الجمعة، وجه الزيدي دعوة رسمية إلى زرداري لزيارة العراق، فيما بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها بما يخدم مصالح البلدين. وأشاد الزيدي بدور باكستان في تهدئة التوترات الإقليمية، بينما أبدى الرئيس الباكستاني استعداده لتلبية الدعوة بعد تشكيل الحكومة.

وكان «الإطار التنسيقي» قد رشح الزيدي في 26 أبريل (نيسان)، لتشكيل الحكومة الجديدة، في وقت يستعد فيه لتقديم تشكيلته الوزارية إلى البرلمان خلال المهلة الدستورية.

وفي موازاة ذلك، يعتزم «الإطار التنسيقي» إنشاء هيئات استشارية متخصصة لدعم عمل الحكومة المقبلة. وقال عقيل الرديني، المتحدث باسم «ائتلاف النصر»، إن هذه الهيئات ستشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة والاستثمار ومكافحة الفساد، وتهدف إلى تقديم المشورة لرئيس الوزراء.

وأوضح الرديني أن نجاح أو إخفاق رئيس الوزراء سيكون مسؤولية التحالف، مشيراً إلى أن عدد هذه الهيئات لم يُحسم بعد، على أن يُحدد عقب تشكيل الحكومة، وأن تضم خبراء ومستشارين في مختلف المجالات لدعم الأداء الحكومي.


بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)
TT

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)

تتواصل الاتصالات واللقاءات في العاصمة المصرية، القاهرة، بين حركة «حماس» ووفود الفصائل الفلسطينية والوسطاء، وبين الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، برفقة شخصيات أميركية وأخرى، بشأن اتفاق وقف إطلاق النار بعد الرد الإيجابي الذي قدم من الفصائل على آخر مقترح قدم لها.

وكشفت مصادر عدة لـ«الشرق الأوسط»، آخر تطورات المفاوضات في القاهرة.

وقالت 3 مصادر من «حماس» ورابع من فصيل فلسطيني، إن الوفد الفلسطيني أبلغ الوسطاء وميلادينوف في لقاءات عدة عقدت بالقاهرة منذ يوم الأربعاء وحتى مساء الخميس، بأن المقترح الأخير المكون من 15 بنداً يصلح مادة للشروع في مفاوضات جادة للتوصل إلى اتفاق بشأن المرحلة الثانية.

وكانت «الشرق الأوسط» كشفت تفاصيل المقترح بشكل كامل الذي صنف على أنه خريطة طريق، ويهدف لتنفيذ استكمال ما تبقى من المرحلة الأولى، بالتزامن مع التفاوض على بنود المرحلة الثانية.

فتى فلسطيني يحمل منشوراً ألقاه الجيش الإسرائيلي فوق خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

وقال مصدران من «حماس» أحدهما في القاهرة، إن وفد الحركة بدعم من الفصائل، أكد ضرورة استكمال تطبيق المرحلة الأولى بكاملها بلا استثناء، ومن بين ذلك إدخال اللجنة الوطنية لإدارة القطاع فوراً ومن دون تأخير لتولي مهامها، بوصف ذلك أحد بنود هذه المرحلة.

وكشف المصدران لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تسليم الوسطاء وميلادينوف ورقة من 5 نقاط، رداً على الورقة المقدمة من قبلهم (الوسطاء وميلادينوف)؛ من بينها ضرورة إتمام المرحلة الأولى، والتزام إسرائيل بالكامل بتنفيذ كل بنودها، وأن الفصائل توافق على خريطة الطريق، والانخراط في مفاوضات جادة حول جميع النقاط الواردة فيها بما يحقق التطبيق الأمثل للخطة الأساسية للرئيس الأميركي، دونالد ترمب.

كما نصت الورقة الفصائلية على أن التعامل مع قضية السلاح سيكون مرتبطاً بمسار سياسي فلسطيني شامل، وأن القرار بشأنه سيتم في إطار الكل الوطني باعتبار أنه ليس خاصاً بـ«حماس» وحدها، بما يحقق وقفاً لإطلاق النار طويل الأمد، وتنفيذ خطة ترمب كاملةً، بهدف الوصول إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.

وبحسب المصدرين وثالث من الفصائل الفلسطينية، فإن الوفد المفاوض طلب من الوسطاء وميلادينوف جلب موقف إسرائيلي واضح على الورقة المقدمة، قبل الشروع في أي مفاوضات حولها، مؤكداً لهم في سياق متصل، أن هناك جهوزية تامة وكاملة لتسليم لجنة إدارة غزة وتسهيل مهامها والعمل من أجل إنجاحها.

فتى فلسطيني يعرض منشوراً ألقاه الجيش الإسرائيلي فوق خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

ودفع رد الفصائل، ميلادينوف، إلى تقديم تعديلات على رد الفصائل المقدم، على أن تبحثه الأخيرة فيما بينها وترد عليه لاحقاً، كما علمت «الشرق الأوسط» من مصدر في «حماس» وآخر من فصيل فلسطيني.

والتعديلات التي قدمها ميلادينوف على ورقة الفصائل، تتعلق بقبول «حماس» والفصائل بنص يقبله جميع الأطراف في إطار خطة ترمب، والتزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ بشكل كامل، وقبول خريطة الطريق الأخيرة المقدمة مؤخراً، للدخول في مفاوضات بشأنها للتوصل إلى اتفاق سريعاً، وأن يتم التعامل مع قضية السلاح وفق خطة ترمب، وقرار مجلس الأمن 2803، والاستمرار في تطبيقهما بما يضمن حصول الفلسطينيين على تقرير مصيرهم وإقامة دولة ذات سيادة.

وبحسب جميع المصادر، فإن رد إسرائيل الأولي على ورقة الوسطاء الأخيرة، كان سلبياً، وترفض بشكل واضح تقديم ضمانات تلتزم فيها بالكامل باستكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الخروقات المستمرة، والانسحاب من الخط الأصفر لتمكين قوة الاستقرار الدولية من الانتشار، إلى جانب عدم التزامها بتحسين الوضع الإنساني من خلال إدخال 600 شاحنة يومياً.

ولفتت المصادر إلى أن ميلادينوف والوسطاء أكدوا أن إسرائيل وافقت على ذلك، لكن في الحقيقة لم تقدم ضمانات واضحة لذلك.

وكان مصدر فلسطيني على علاقة بلجنة إدارة غزة، كشف منذ أيام لـ«الشرق الأوسط»، أن ميلادينوف طلب من إسرائيل، يوم الثلاثاء الماضي، وقف عملياتها الجوية بغزة لمدة 48 ساعة، لمنح اللقاءات بالقاهرة فرصة للنجاح، إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها.

ولوحظ أن إسرائيل لم تلتزم بذلك خلال الطلب الذي قدمه ميلادينوف، لكنها فعلياً خففت من هجماتها الجوية بشكل أساسي داخل القطاع، وانخفضت أعداد الضحايا اليومية في الأيام القليلة الماضية، خصوصاً خلال الـ24 ساعة الأخيرة، من دون أن يعرف ما إذا كان ذلك مرتبطاً بحوارات القاهرة، أم أنه لأسباب ميدانية. كما لوحظ بدء زيادة أعداد الشاحنات المدخلة للقطاع التي اقتربت من نحو 200 إلى 280 شاحنة في الأيام الثلاثة الماضية؛ لكنها غير كافية للسكان في القطاع.

نازحون فلسطينيون يتزودون بالماء من شاحنة في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (أ.ب)

وبينت المصادر أن اللقاءات في القاهرة ستتواصل رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي الجمعة، مشيرةً إلى أن الوسطاء يبذلون جهوداً كبيرة لمحاولة إيجاد مقاربات تعمل على حل الأزمات العالقة.

وبحسب أحد المصادر، يبدو أن هناك ضغوطاً أميركية بدأت على إسرائيل بهدف التقدم نحو المفاوضات، لكنها ليست فاعلة بشكل كافٍ حتى الآن.

وكشف مصدر فلسطيني مطلع قريب من لجنة إدارة غزة، أن مسؤولاً أميركياً في فريق المبعوث جاريد كوشنر، شارك في لقاء «حماس» مع ميلادينوف، وأكد أن البيت الأبيض سيصدر موقفاً يرحب باتفاق إسرائيل والفصائل في حال تمت الموافقة على خريطة الطريق الأخيرة، وأن كوشنر بنفسه سيعمل لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى كاملةً.