الدردري لـ«الشرق الأوسط»: قطاع غزة عاد 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة: الأرقام لا تستطيع التقاط حجم الكارثة

TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: قطاع غزة عاد 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية

جريحان فلسطينيان في مستشفى بدير البلح في وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
جريحان فلسطينيان في مستشفى بدير البلح في وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي للدول العربية عبد الله الدردري، إن «الأرقام اليوم لا تستطيع أن تلتقط حجم الكارثة التي يشهدها قطاع غزة»، بسبب استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية وعدم توافر متطلبات الحياة داخل القطاع، من طاقة ومياه نظيفة، وانقطاع التعليم والتراجع الكبير في مستويات تقديم الخدمات الصحية بعد خروج عدد من المستشفيات عن الخدمة.

هنا؛ يبدو مدخل المسؤول الأممي للحديث عن مهمته حيال التعريف بالآثار والتداعيات للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ومأساة العقاب الجماعي التي يعيشها المدنيون، وأرقام النزوح نحو مساحات ضيقة، أقل أولوية أمام ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف معاناة شعب كان محاصراً قبل الحرب وصار مطارداً بعدها.

الدردي أكد في حوار خاص مع صحيفة «الشرق الأوسط» من عمان، على ما قاله جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بأن «شراسة القصف على غزة تجاوزت شراسة الحرب العالمية الثانية»، موضحاً بصفته عاملاً في مجال النزاعات وإعادة الإعمار في عدد من الدول «بأننا لم نر سابقاً هذا الحجم من الدمار في هذه المدة الزمنية القصيرة».

وشدد الدردري على أن «الآثار الاقتصادية للحرب على غزة ستبقى فترة طويلة من الزمن»، خصوصاً في ظل تدمير أكثر من 60 في المائة من منازل غزة حتى الآن، وهي منازل جرى تدميرها جزئياً أو كلياً، مضيفاً أن «هذا الدمار تفوق نسبته نسبة أي دمار في أي حرب، سواء حرباً أهلية أو نزاعاً داخلياً أو نزاعاً بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية في هذه المدة القصيرة».



غزة تعود إلى الوراء 21 عاماً

كشف الدردري أن قطاع غزة عاد قرابة 21 سنة إلى الوراء في التنمية البشرية، أي إلى ما كان عليه الوضع عام 2002، وخسر ما قيمته 50 مليار دولار من الاستثمارات في الصحة والتعليم والبنى التحتية والصرف الصحي والطاقة، مشيراً إلى أن «الحرب دمرت معظم مشروعات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة»، ومذكراً بأن «مواجهات (سيف القدس) التي اندلعت في مايو (أيار) من عام 2021، دُمر فيها 1700 منزل في غزة، أعيد بناء 200 منزل منها فقط، وقد تكون هذه المنازل الـ200 دمرت خلال الحرب الدائرة اليوم»، في إشارة إلى بطء وتيرة برامج إعادة الإعمار في ظروف المناطق غير المستقرة.

ويجْمِل المسؤول الأممي خسائر الاقتصاد الفلسطيني برمته وليس في غزة فقط بحوالي 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، أي ما يعادل 1.7 مليار دولار أميركي، من أصل الناتج الوطني الفلسطيني الذي بلغ 20 مليار دولار. برأيه «الخسارة ليست في الرقم الذي ذكرته، بل الخسارة الحقيقية هي التراجع الهائل في تنمية الموارد البشرية»، ويخشى من حالة التأخر في جهود إعادة الإعمار، وطبيعة الخسارة المتراكمة للتنمية البشرية والاقتصادية على مستوى السكان.

ويذهب في تقديراته إلى فرضية أن إعادة الإعمار لو استغرقت سنوات، فهذه المدة ستستنزف خسائر في الموارد البشرية وتؤخر من مؤشراتها، «فعجلة التنمية ستتعطل ولن تتوقف عند توقف الحرب، خصوصاً في ظل الحديث عن التوقف التام لنحو 90 في المائة من النشاطات الاقتصادية في غزة»، حسب ما قال.

عبد الله الدردري الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي للدول العربية (الشرق الأوسط)

انعكاسات على الضفة

يذهب المسؤول الأممي إلى ما تستنزفه الحرب على غزة وانعكاساتها الأولية على الضفة الغربية بقوله إن هناك خسائر اقتصادية فادحة و«كما تعلمون فإن المزارعين الفلسطينيين لم يتمكنوا من قطاف الزيتون في موسمه، وكذلك قطاف إنتاجهم من الحمضيات، نتيجة اعتداءات المستوطنين والوضع الأمني السيئ ومنع المستوطنين للمزارعين التوجه إلى حقولهم. كما أن هناك تقطيعاً حاصلاً لأوصال المدن والقرى داخل الضفة».

ويفاقم من الخسارة على صعيد الاقتصاد الإسرائيلي، حسب الدردري، أن السياحة تعطلت. ويضيف: «السياحة والزراعة تشكلان 40 في المائة من الاقتصاد الفلسطيني، وهذه خسارة كبيرة، كما أن الرواتب والأجور التي تشكل جزءاً كبيراً من الاقتصاد الفلسطيني، وأقصد أجور العاملين في السلطة، والإدارات الحكومية وغيرها، مقطوعة منذ أكثر من شهرين».

وبتقديرات المسؤول الأممي، فإن النمو الاقتصادي يتطلب الاستهلاك والإنتاج والاستثمار، وهي جميعها معطلة في الاقتصاد الفلسطيني وغير متوفرة.

وعلى الرغم من أن غزة تشكل فقط 20 في المائة من الناتج المحلي الفلسطيني، فإن تراجع الاقتصاد الفلسطيني 8 في المائة خلال شهرين هو أمر كبير، حسب الدردري. ويضيف: «التوقعات تشير في حال استمرت الحرب لمدة ثلاثة أشهر، وهي مدة يبدو أنها مستمرة، فإن التأثر في الناتج المحلي الإجمالي سيصل إلى 2.5 في المائة، مليار دولار للاقتصاد الفلسطيني ككل، وأيضاً سيصل إجمالي الخسائر في التنمية البشرية في الاقتصاد الفلسطيني كاملاً وليس في غزة فقط إلى 16 عاماً ليتعافى الوضع الاقتصادي».



التنمية البشرية وواقع غزة

يضم مؤشر التنمية البشرية ثلاثة مكونات أساسية؛ الأول هو حصة الفرد من الناتج القومي، الثاني هو عدد سنوات التعليم، والثالث هو العمر المتوقع عند الولادة. بذلك تتشكل مؤشرات الصحة والتعليم والاقتصاد، الاقتصاد أصيب بهذه الهزة الكبيرة، الصحة دمرت بشكل واضح، والتعليم كذلك.

في هذا السياق يؤكد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة أن المجتمعات في النهاية تسعى لتحسين مؤشرات التنمية البشرية، لكن يستدرك بأن غزة الآن عادت إلى ما قبل عام 2002 تقريباً. ويقول: «كل ما بني في التنمية البشرية الفلسطينية حتى الآن مسح. يجب أن نبدأ من تلك النقطة نقطة عام 2002، ولا نعرف كم سنة نحتاج للوصول لتلك النقطة».

نصف مليون فقير إضافي

وعن معدلات الفقر في فلسطين، يتوقع الدردري أن ترتفع من 1.8 مليون فلسطيني إلى 2.3 مليون، أي بزيادة نحو 500 ألف شخص، وهذا فقط خلال شهرين وها نحن نمضي في الشهر الثالث، والفقر لا يزداد عادة بهذه النسب الكبيرة خلال فترات قصيرة جداً.

ويلفت إلى أن الآثار المترتبة على الحرب على غزة تفوق السنة ونصف السنة من آثار أزمة «كورونا» بالنسبة للفقر والبطالة، فعدد العاطلين عن العمل ارتفع حوالي 300 ألف، و«هنا نشهد كارثة اقتصادية وتنموية وإنسانية لم نر مثلها في هذه المدة القصيرة، والتحدي الآن أن إعادة إعمار تتطلب وقتاً طويلاً، لكن حجم الأزمة كبير عندما تتحدث عن نحو مليوني شخص بلا منازل ومستشفيات ومدارس، فإعادة إعمار كل ذلك وتسكين الناس وإعادة بعض الخدمات الصحية والتعليمية ومياه الشرب والصرف الصحي تتطلب وقتاً وتكاليف».

فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح جنوب قطاع غزة الخميس (رويترز)

بؤرة للانفجار الإنساني

وتابع: «نحن نتحدث عن مليوني نازح داخلي في منطقة صغيرة جداً، بوضع إنساني لا يسمح بتوفر الأغذية وهي واحدة من أهم متطلبات إدامة الحياة للمواطن»، مضيفاً: «أستطيع أن أصف الواقع بأنه بؤرة للانفجار الإنساني، بمعنى انفجار كل المشاكل الإنسانية في وقت واحد».

ويتساءل هل هذا الوضع محدود في فلسطين وحدها! ويجيب: «بالطبع لا، فالمنطقة متصلة، فإذا تم احتواء الحرب خلال 3 أشهر، وانتهت مثلاً مع نهاية العام، فإن الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي لمصر والأردن ولبنان، ستكون بحوالي 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يظن البعض بأن هذا الرقم متواضع، لكن أن تتراجع نسب وأرقام النمو لسبب يجري خارج حدودك وفي فترة زمنية قياسية، هذا أمر خطير، وعلينا أن نتخيل كم من الاستثمارات المطلوبة لتعويض الخسارة من النسب التي نتحدث عنها».

ويزيد: «إذا وضعنا سيناريو استمرار الحرب لثلاثة أشهر إضافية، فإن الخسارة بالنسبة للدول التي ذكرتها ستصل إلى 4.5 في المائة، أي بحوالي 19 مليار دولار، وهذا الرقم كبير على الرغم من أن هذه الدول غير منخرطة في الحرب، جزئياً في لبنان قد يكون الحال مختلفاً، لكن الدول الأخرى غير لبنان متأثرة بتداعيات حرب غزة، ولتعويض هذه الخسائر ستحتاج إلى استثمارات إضافية ووقت طويل، كما أن التقديرات تشير إلى أن هذه الدول الثلاث ستخسر سنتين إلى ثلاث سنوات في التنمية البشرية».

شخصان يبحثان عن مقتنيات سلمت في بيت دمره القصف الإسرائيلي لبلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتابع: «القضية في المنطقة اليوم هي أن هذا النزاع أتى في وقت ما زالت فيه المرحلة هشة، لأن المنطقة الآن تخرج من آثار وباء فيروس (كورونا) وتداعياته على الاقتصاد والقطاعات الاقتصادية عموماً، وقد بدأنا نشهد انتعاشة في القطاع السياحي مثلاً في الأردن، وهذه الانتعاشة تأثرت، وكذلك الحال في مصر، ولبنان الذي يعاني معاناة شديدة، لكننا بدأنا نشهد استقراراً بمعنى توقف في التراجع الاقتصادي، لا بل قد لمسنا بعض التعافي في اقتصاد لبنان، طبعاً هذا رغم أن مستوى التعافي منخفض، وهذا كله تأثر بالحرب اليوم ونتائجها المتوقعة لاحقاً، سواء امتدت أشهراً أو توقفت اليوم».

وأشار إلى أنه في الموضوع اللبناني «سنصدر قريباً تقريراً خاصاً في لبنان، وأستطيع القول مبدئياً إنه حتى هذه اللحظة أحرقت 40 ألف شجرة زيتون في الجنوب اللبناني بسبب القنابل الفسفورية، وطبعاً هذه تشكل دخلاً لآلاف الأسر. والخلاصة أن المنطقة تأثرت في مجالات الاقتصاد الحيوي على مستوى الدول والسكان ومؤشرات التنمية البشرية. واليوم نحن نتوقع، إذا استمرت هذه الحرب بمستواها الحالي من دون أي تصاعد في وتيرة العنف والتدمير ومن دون توسع جغرافي، فإن عدد الفقراء سيرتفع إلى أكثر من نصف مليون فقير في هذه الدول الثلاث، فهذه الحرب حتى الآن آثارها الإقليمية ملموسة لكنها قابلة للاحتواء، أما إذا استمرت الحرب، فالنتائج ستكون كبيرة وسيتحمل المجتمع الدولي تعويض هذه الخسائر».

وقال الدردري: «نحن نطالب بوقف الحرب. هناك فرصة إذا ما توقفت الحرب الآن، لأن آثارها الاقتصادية في المنطقة رغم أنها ملموسة، لكنها ما زالت قابلة للاحتواء. أما التوسع الزمني فسيؤدي إلى مضاعفة هذه الآثار».


مقالات ذات صلة

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

المشرق العربي تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز) p-circle

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل اعترضت «175 ناشطاً على متن 20 قارباً» ضمن أسطول المساعدات لغزة

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، الخميس، أنّ سلاح البحرية الإسرائيلي اعترض نحو 175 ناشطاً من أسطول المساعدات لغزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قطعة عسكرية تابعة للبحرية الإسرائيلية ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يحاصر سفن مساعدات متّجهة إلى غزة

ذكرت إذاعة ​الجيش الإسرائيلي نقلا عن مصدر إسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن ‌إسرائيل بدأت ‌السيطرة ​على سفن ‌مساعدات ⁠متجهة ​إلى غزة، ⁠بعيدا عن سواحلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».


مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».