إسرائيل تواصل قصف غزة... وسقوط عشرات القتلى والجرحى

أشخاص يقفون بالقرب من جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الغارات الإسرائيلية على مدرسة بشرق خان يونس (رويترز)
أشخاص يقفون بالقرب من جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الغارات الإسرائيلية على مدرسة بشرق خان يونس (رويترز)
TT

إسرائيل تواصل قصف غزة... وسقوط عشرات القتلى والجرحى

أشخاص يقفون بالقرب من جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الغارات الإسرائيلية على مدرسة بشرق خان يونس (رويترز)
أشخاص يقفون بالقرب من جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الغارات الإسرائيلية على مدرسة بشرق خان يونس (رويترز)

واصلت القوات الإسرائيلية ضرباتها في قطاع غزة خلال الليل حتى فجر اليوم (الأربعاء)، بينما تحدثت وسائل إعلام فلسطينية عن سقوط عشرات بين قتيل وجريح، في قصف مكثف على شمال ووسط وجنوب القطاع، وفقاً لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

وأفادت «وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية» بمقتل 6 أشخاص وإصابة آخرين في قصف على منزلين بمخيم النصيرات وسط القطاع، بينما تحدثت وكالة «فلسطين اليوم» الإخبارية عن مقتل 7 أشخاص في قصف إسرائيلي على منزل بمخيم النصيرات.

أيضاً، ذكرت «وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية» أن 3 أشخاص قُتلوا، وآخرين أصيبوا، في غارة جوية على منزل في المخيم الغربي بخان يونس.

فلسطينيون يبحثون عن جثث وناجين بين أنقاض منزل مدمر جراء الغارات الجوية الإسرائيلية على دير البلح جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وأشارت الوكالة الفلسطينية إلى تواصل القصف المدفعي على أحياء التفاح والدرج والشجاعية في مدينة غزة، وعلى شرقي خان يونس والفخاري وخزاعة وعبسان، بينما قالت إن القوات الإسرائيلية أطلقت وابلاً من القنابل الفسفورية والدخانية باتجاه وسط مخيم جباليا شمالي القطاع.

ونقلت الوكالة عن مصادر في الدفاع المدني أن عدداً كبيراً من القتلى والجرحى «دُفنوا تحت الأنقاض وسط صعوبات انتشالهم»، مشيرة إلى ارتفاع حصيلة القتلى في القطاع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) إلى نحو 16 ألفاً و250 قتيلاً، بينهم أكثر من 1240 قتيلاً منذ انتهاء الهدنة الإنسانية المؤقتة.

كما أشارت الوكالة الفلسطينية إلى اعتقال القوات الإسرائيلية 35 من العاملين في المجال الطبي.

من جهة أخرى، نقلت إذاعة «صوت فلسطين» عن وزارة الصحة الفلسطينية القول إن القوات الإسرائيلية لم تتوقف عن قصف محيط مستشفى «كمال عدوان» ومخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وتحدثت عن نحو 70 قذيفة مدفعية أُطلقت باتجاه المستشفى الليلة الماضية.

قتيلان في الضفة

في الضفة الغربية، أفاد التلفزيون الفلسطيني بمقتل شخصين برصاص القوات الإسرائيلية، أحدهما من بلدة طمون والآخر من مخيم الفارعة، التابعين لمحافظة طوباس شمال الضفة.

في غضون ذلك، أفادت الوكالة الفلسطينية بانسحاب القوات الإسرائيلية من مدينة جنين ومخيمها، بعد 9 ساعات من بدء عملية هناك اعتقلت خلالها 18 شخصاً.

وقالت الوكالة إن 7 فلسطينيين، بينهم سيدة وطفلة، أصيبوا برصاص القوات التي كانت مدعومة بأكثر من 40 آلية عسكرية وجرافات.

وأوضحت أن القوات انتشرت خلال التوغل في حي الزهراء ودوار الداخلية، وسط إطلاق كثيف للرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع، وشنت حملة مداهمات واسعة في المدينة ومخيمها، وحوّلت عدداً من المنازل إلى نقاط عسكرية.

وقالت إن القوات قصفت منزلاً بمنطقة الساحة في مخيم جنين بصاروخ، ما أدى إلى اشتعال النيران وإلحاق أضرار جسيمة بالمنزل. وذكرت أن التيار الكهربائي انقطع عن أحياء من مدينة جنين بعد استهداف القوات محولات الكهرباء بالرصاص.

متظاهرون فلسطينيون يهربون من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته القوات الإسرائيلية خلال اشتباكات بالقرب من مدينة رام الله بالضفة (أ.ب)

إسرائيل تلغي تأشيرة المنسقة الأممية

وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في رسالة نشرها عبر منصة «إكس» اليوم، أنه قرر إلغاء تأشيرة إقامة المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية لين هاستينغز، بسبب ما قال إنه عدم إدانتها حركة «حماس».

وقال كوهين: «لا يمكن لشخص لم يدن (حماس) على المذبحة الوحشية التي قُتل فيها 1200 إسرائيلي، وعلى خطف الأطفال وكبار السن، وعلى الانتهاكات المروعة، واستخدام سكان غزة دروعاً بشرية، وبدلاً من ذلك يدين إسرائيل... أن يعمل في الأمم المتحدة؛ ولا يمكنه دخول إسرائيل».

من جهتها، اعتبرت حركة «حماس» في بيان أن إلغاء إقامة المنسّقة الأممية جاء «بسبب رفضها تبني رواية الاحتلال الكاذبة ضد حركة (حماس)».

ووصفت الحركة هذا الإجراء بأنه «استمرار لنهج الغطرسة والنظرة الاستعلائية للصهاينة الذين يحاولون فرض روايتهم المضلّلة والمكذوبة، للتغطية على حرب الإبادة والتطهير العرقي التي يرتكبونها ضد شعبنا الفلسطيني».

ودعت الحركة المجتمع الدولي إلى «موقف حازم ضد سياسة الابتزاز الصهيونية، وعدم احترامها للهياكل والشخصيات الأممية».

يأتي هذا في الوقت الذي حذرت فيه منظمة «أطباء بلا حدود» من أن كميات الوقود والإمدادات الطبية في مستشفى «الأقصى» بالمنطقة الوسطى من قطاع غزة وصلت إلى مستويات منخفضة للغاية بسبب إغلاق الطرق.

وقالت المنظمة إن مئات المرضى في المستشفى يحتاجون رعاية طارئة بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل، مشيرة إلى أن المستشفى يستقبل في المتوسط ما بين 150 و200 جريح بسبب الحرب يومياً، منذ بداية ديسمبر (كانون الأول) الجاري.

ونقلت المنظمة عبر منصة «إكس» عن منسقة الطوارئ ماري ريفيال القول إن 700 مريض وصلوا إلى مستشفى «الأقصى» وإن مرضى جدد يصلون طوال الوقت، والإمدادات الأساسية لعلاجهم نفدت.

وحذرت من أن نقص الأدوية والوقود قد يؤدي إلى عدم قدرة المستشفى على توفير العمليات الجراحية المنقذة للحياة أو العناية المركزة، مؤكدة ضرورة تسهيل وصول الإمدادات الإنسانية.

وقالت إن المستشفى يحتاج بشكل عاجل لأدوات جراحية؛ كما أكدت ضرورة رفع الحصار عن غزة وتوفير الإمدادات والمساعدات الإنسانية الطبية بشكل عاجل إلى القطاع كله.

الدخان يتصاعد جراء القصف الإسرائيلي وسط المعارك المستمرة في غزة (أ.ف.ب)

لا مفاوضات لإطلاق سراح المحتجزين

من جانبه، نفى باسم نعيم، عضو مكتب العلاقات الدولية بحركة «حماس»، وجود أي مفاوضات أو مباحثات بشأن إطلاق سراح المحتجزين في قطاع غزة في الوقت الحالي.

وقال نعيم في تصريحات لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إن «إسرائيل لن تحصل على أي شيء إلا بشروط المقاومة، وبشروط الشعب الفلسطيني».

وبينما اعتبر أنه لم تبقَ هناك أي مساحة أو هامش للتفاوض، قال نعيم: «لدينا أسرى في السجون الإسرائيلية، ولن يتم إطلاق سراح الرهائن لدينا؛ خصوصاً الجنود، إلا إذا تم إطلاق سراح أسرانا بالكامل».

وأضاف: «(حماس) قدمت عرضاً للإفراج عن الكل مقابل الكل، وما زال العرض قائماً؛ لكن لا يمكن التفاوض تحت القصف».

في المقابل، قالت شبكة «سي إن إن» الأميركية اليوم، إن مسؤولين أميركيين يتوقعون أن تستمر المرحلة الحالية من العملية البرية الإسرائيلية في قطاع غزة عدة أسابيع، قبل انحسار كثافتها والتركيز على مسلحي وقيادات حركة «حماس» في وقت لاحق، من المحتمل أن يكون بحلول يناير (كانون الثاني) المقبل.

لكنها نقلت عن مسؤول في الإدارة الأميركية، وصفته بالبارز دون ذكر اسمه، أن الإدارة الأميركية لديها مخاوف بشأن ما ستتكشف عنه العملية الإسرائيلية في الأسابيع القادمة.

ونقلت الشبكة عن عدة مسؤولين في الإدارة الأميركية أن الولايات المتحدة حذرت إسرائيل في مناقشات وصفتها بالصعبة والمباشرة من أنها «لا يمكنها تكرار التكتيكات المدمرة التي استخدمتها في الشمال (في شمال قطاع غزة) وأنها يجب أن تفعل المزيد من أجل الحد من سقوط قتلى في صفوف المدنيين».

وأضافت أن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل بأن الرأي العام العالمي أصبح يعارض بشكل متزايد عمليتها التي أدت إلى مقتل آلاف المدنيين، وأن الوقت الذي يمكن لها أن تستمر خلاله على النحو الذي تمضي عليه حالياً «مع المحافظة على دعم دولي مؤثر» يتقلص بسرعة.

ونقلت الشبكة عن مسؤول أميركي وصفته بالبارز أن هدف إسرائيل المعلن، والمتمثل في إضعاف حركة «حماس» إلى الدرجة التي تجعلها غير قادرة على تكرار هجوم السابع من أكتوبر أبداً: «من غير المرجح أن يتحقق بنهاية هذا العام».

وأضاف المسؤول: «من المتوقع أن تواصل إسرائيل سعيها إلى تحقيق هذا الهدف في المرحلة التالية من الصراع، وهو ما يراه مسؤولون أميركيون حملة أطول أجلاً».

جنود إسرائيليون ينتشرون داخل قطاع غزة وسط استمرار القتال (رويترز)

أميركا تخشى تصعيد التوترات

وقال البيت الأبيض في بيان اليوم، إن فيل غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، بحث في إسرائيل الوضع في الضفة الغربية، وأعرب عن القلق من الخطوات التي قد تؤدي لتصعيد التوترات، بما في ذلك عنف المستوطنين.

وذكر البيت الأبيض في بيان أن غوردون بحث أيضاً في إسرائيل جهود إعادة الإعمار والأمن والحكم في قطاع غزة، بعد انتهاء القتال الدائر هناك، وأوضح المبادئ التي وضعتها الإدارة الأميركية لغزة ما بعد الحرب.

وكان موقع «أكسيوس» قد نقل في وقت سابق اليوم عن مسؤولَين أميركيين اثنين أن إسرائيل تبدي الآن استعداداً أكبر لمناقشة الخطط الخاصة بغزة ما بعد الحرب، وأن واشنطن تريد تجنب حدوث أي فراغ في الحكم والأمن في القطاع يسمح لحركة «حماس» بالنهوض مرة أخرى.

وأكد غوردون ضرورة أن يكون لدى الشعب الفلسطيني أفق سياسي واضح؛ كما أكد الالتزام بحل الدولتين، حسب البيان الذي أضاف أنه بحث جهود الولايات المتحدة لردع أي عدوان، والمساعدة في منع التصعيد الإقليمي.

وأشار بيان البيت الأبيض إلى أن هاريس وجهت غوردون عقب لقائها زعماء عرب في دبي يوم السبت الماضي، بالتوجه إلى إسرائيل يومي الرابع والخامس من ديسمبر الجاري، لإطلاع المسؤولين الإسرائيليين على مستجدات اجتماعاتها ومواصلة المشاورات بشأن الصراع مع حركة «حماس».

وحسب «أكسيوس»، فقد قال المسؤولان الأميركيان إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أعربت لمسؤولين إسرائيليين عن قلقها من مواصلة العملية البرية في جنوب غزة، كما حدث شمال القطاع.

وأشار المسؤولان الأميركيان إلى أنه ما زال هناك اختلاف بين رؤيتي الولايات المتحدة وإسرائيل لغزة ما بعد الحرب، وخصوصاً الدور الذي ستلعبه السلطة الفلسطينية.

ونقل الموقع عن مسؤول أميركي وصفه بالبارز أن هناك حاجة لدعم السلطة الفلسطينية وتقويتها، لكي تتمكن من حكم القطاع.

ومن المقرر أن يزور غوردون رام الله في الضفة الغربية اليوم لعقاد لقاءات مع مسؤولين في السلطة الفلسطينية، حسب بيان البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً أثناء محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار المقام في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
تحليل إخباري أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «لقاء القاهرة» المرتقب... تحركات جديدة للوسطاء لمنع انهيار «اتفاق غزة»

تتجه الأنظار نحو لقاء مرتقب يجمع «حماس» بالوسطاء في القاهرة، وسط تحذيرات الحركة من «انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة»، عقب تصعيد إسرائيلي.

محمد محمود (القاهرة )
أوروبا الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا (متداولة)

محكمة فرنسية تدين الباحث الإسلامي فرانسوا بورجا بتهمة «تمجيد الإرهاب»

أصدرت محكمة فرنسية حكماً يقضي بدفع الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا، المتخصص في دراسة التيارات الإسلامية، غرامة مالية قدرها خمسة آلاف يورو بتهمة «تمجيد الإرهاب»،…

«الشرق الأوسط» (باريس)

العراق: «مواجهة مؤجلة» بين الحكومة وفصائل ترفض حصر السلاح

أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
TT

العراق: «مواجهة مؤجلة» بين الحكومة وفصائل ترفض حصر السلاح

أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)

يشير مراقبون في بغداد إلى إمكانية اندلاع مواجهة كانت مؤجلة مع الفصائل الرافضة لمبدأ «حصر السلاح بيد الدولة» الذي أعلنت عنه مجموعات سياسية، ورحبت به كل الحكومة العراقية والولايات المتحدة.

تأتي هذه التوقعات بالتزامن مع تقارير عن إمكانية إقرار الحكومة التي يقودها علي الزيدي، المدعوم أميركياً، تعيينات عسكرية لمناصب في «الحشد الشعبي» بهدف إعادة هيكلة الهيئة.

وخلال أسبوع واحد، أعلن «التيار الصدري» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، انفصالها عن «الحشد الشعبي».

وبينما كانت هذه الفصائل تشرف على ما مجموعه نحو 7 ألوية داخل الهيئة، لم يعد مقاتلوها يتلقون أوامرهم، ظاهرياً، من الزعامات السياسية والحزبية.

ويوم الأربعاء، اتفق رئيس الحكومة علي الزيدي، مع وفدين من «حركة عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ إجراءات حصر السلاح بيد الدولة خلال اليومين المقبلين.

وقال الزيدي، في بيان صحافي، إن العراق يشهد اليوم تحولاً مهماً في ظل ما تحقق من استقرار أمني كبير، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية مرحلة بناء وإعمار وتنمية شاملة.

مع ذلك، يشكك كثيرون فيما بات يُعرف بـ«حصر السلاح»، بسبب غياب الآليات الفنية الواضحة التي سوف تتبعها الحكومة، إلى جانب الصمت الإيراني حيال سلاح وكلائها في بغداد.

ويعد كل من «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أبرز فصيلين أعلنا صراحةً رفض «حصر السلاح»، وتمسكهما بـ«خيار المقاومة»، كما هدد فصيل مجهول يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف» باستئناف العمليات ضد إسرائيل.

وتتسارع المواقف المؤيدة من فصائل عراقية لـ«حصر السلاح بيد الدولة»، وسط ارتياح أميركي لحصول رئيس الوزراء علي الزيدي على تفويض سياسي لـ«تثبيت الاستقرار في البلاد».

وفوَّض «الإطار التنسيقي» الزيدي باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأيَّد «حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط (الحشد الشعبي) عن الأُطر السياسية والحزبية».

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية، جوشوا هاريس، قد وصف تفويض «الإطار التنسيقي» للزيدي بأنه «خطوة نوعية في طريق ترسيخ الاستقلال والسيادة لمستقبل العراق الواعد»، مؤكداً «دعم واشنطن الإجراءات الحكومية الرامية لحصر السلاح».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام حكومي)

المواجهة

وقالت مصادر سياسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن زعامات سياسية ومسؤولين حكوميين يراقبون من كثب مواقف الجماعات الممانعة لحصر السلاح وفق تفاهمات وطنية، مضيفين أن «باب المواجهة سيبقى مفتوحاً سواء بين الحكومة العراقية والفصائل المتمردة، أو بين واشنطن وبين طهران التي لم تبارك ولم تعارض إعلان باقي الفصائل نيتها تسليم سلاحها».

وكان توم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق وسوريا، قد هنأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بشأن البدء في حصر السلاح بيد الدولة، واصفاً الخطوات الأخيرة بأنها تمثل تقدماً مهماً نحو ترسيخ الاستقرار واستعادة السيادة.

وقال برّاك، في منشور على «إكس»، إن خطوة حصر السلاح تشكل اللبنة الأولى لحكم عراقي متجدد قائم على الإدارة الذاتية.

ومن اللافت أن يشيد برّاك بالمجموعات الشيعية التي قررت إعادة جميع الأسلحة إلى الدولة العراقية، معتبراً أن قرارها يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز النظام والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.

في المقابل، تكتفي الحكومة العراقية بالترحيب بمواقف الفصائل المسلحة دون الإفصاح عن خطتها العملية لحصر السلاح، كما لم يتبين حتى الآن مَن الجهة الحكومية المسؤولة عن تسلم السلاح.

ويقول مراقبون أمنيون إن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ على نزع أسلحة استراتيجية من قبيل المسيَّرات الانتحارية والصواريخ الجوالة والقاذفات المضادة للدروع، ولا تتوافر بيانات دقيقة عمَّا تمتلكه الفصائل منها.

في المقابل، تفيد تقارير أمنية بأن جزءاً من الخطة يتضمن «إعادة تنظيم وهيكلة الحشد الشعبي من خلال بعض التغييرات في القيادات الحالية، وإشراك قيادات عسكرية تمتلك الخبرة في إدارة البنى التحتية لمقاتل الهيئة».

أفراد من «الحشد الشعبي» (أرشيفية - د.ب.أ)

صراع النفوذ

ويرصد مراقبون تحولات في «صراع النفوذ» بين واشنطن وطهران في المشهد العراقي. ويقول إحسان الشمري، رئيس «مركز التفكير السياسي»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة لن تكون مضطرة إلى تقاسم النفوذ مع طهران في العراق بعد ميزان القوى الجديد في المنطقة».

وبخصوص ملف الفصائل الموالية لإيران، لا يرى الشمري «إعلان 4 أو 5 فصائل تسليم أسلحتها كافياً لإقناع واشنطن بنهاية هذا الملف المعقد، خصوصاً أن (كتائب حزب الله) و(كتائب سيد الشهداء) و(النجباء) تمتلك الترسانة الأشد خطورة، ولا تزال ترفض تسلمه».

وأوضح الشمري أن «القرار الأميركي يقضي بأن يكون العراق منزوع السلاح من يد حلفاء إيران وإنهاء منظومتهم بكل مستوياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية».

من جهته، يرى الباحث عباس عبود سالم أن «عملية حصر السلاح ستميز من الناحية العملية بين الجماعات المنخرطة في الحياة السياسية عبر التمثيل في البرلمان والعمل في الحكومة وبين الجماعات المرتبطة بإيران عقائدياً وسياسياً»، مشيراً إلى أن الأخيرة «ترى وجودها واستمرار سلاحها جزءاً من وظيفة إقليمية للصدام مع الولايات المتحدة».


«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
TT

«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)

طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى إعلان وقف إطلاق النار الهش بعد عامين في أكتوبر 2025، لم يكن اغتيال إسرائيل لقيادات «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام» مسألة سهلة وسريعة.

غير أن الأسابيع القليلة الماضية، شهدت كثافة وسرعة في عمليات الاغتيال التي بلغت ذروتها في قتل قائد «القسام»، عز الدين الحداد، في 15 من مايو (أيار) الماضي بعد عقود من الملاحقة، وفي خلال أقل من أسبوعين اغتالت إسرائيل خليفته محمد عودة، كما طالت عمليات التصفية عماد إسليم أحد أبرز قادة «القسام»، عماد إسليم، وبرفقته قتل قائد لواء الشمال إلا أن الأخير نجا.

ولم تتوقف الاغتيالات كذلك على مستوى النشطاء الميدانيين البارزين، وغالبيتهم ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023، أو المسؤولين في مجال التصنيع العسكري.

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفرضت كثافة الاغتيالات الكثير من التساؤلات داخل وخارج «حماس» حول أسباب تسارعها، وفي حين تشير مصادر إلى تنامي العمل «الاستخباري» الإسرائيلي في غزة، تحدثت مصادر أخرى عن استهداف الأنفاق التي دمرتها إسرائيل والفجوة التي خلقتها في البيئة الأمنية لـ«حماس».

وتقول مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع حوادث الاغتيال التي تقع يتم التحقيق في ظروفها من قبل مختصين بهدف تتبع أي خيوط أمنية أو ثغرات محددة.

«الأنفاق وقرار الخروج منها»

تقر 4 مصادر ميدانية، أن من بين أسباب تسارع الاغتيالات، تبرز الحملة العسكرية الإسرائيلية المكثفة على الأنفاق، والتي دمرت «أعداداً كبيرة جداً منها خلال وبعد الحرب».

وشقت «حماس» طوال عقدين، مئات (في التقديرات المتحفظة) إن لم يكن آلاف الأنفاق المتنوعة المهام بين الدفاع أو الهجوم أو السيطرة والتحكم، التي كان جزء منها مكاناً لوجود قيادات لإدارة المعارك، وغيرها.

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل دمرت أعداداً كبيرة من الأنفاق سواء من خلال العمليات البرية أو عبر القصف الجوي الذي طالها، وأدى ذلك في فترات لمقتل العديد من النشطاء وبعض القيادات وحتى مختطفين إسرائيليين.

ويقول أحد المصادر إنه «بسبب الهجمات قررت قيادة (المقاومة)، اتخاذ قرار بوقف اللجوء لاستخدام الأنفاق، والعمل بما يخدم الحفاظ على حياة القيادات والنشطاء، وكذلك المختطفون، بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين».

وبينت المصادر، أنه مع بداية الحرب في أكتوبر 2023، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات على الأنفاق، ولكن لكثرتها لم يتم اتخاذ قرار بالخروج منها سوى المناطق الخطرة، ومع نهاية شهر مارس (آذار) 2024، وفي ظل تكثيف الغارات الجوية على الأنفاق وخاصةً التي كان بداخلها نشطاء ومختطفون إسرائيليون، تم اتخاذ قرار فوري بنقلهم فوق الأرض، واشتدت لاحقاً الضربات ضد الأنفاق.

«نقطة تحول»

وبينت المصادر أن الفترة التي أعقبت الخروج من الأنفاق «شكلت نقطة تحول»، الأمر الذي دفع إلى استخدام الأنفاق فقط للتنقل من مكان إلى آخر أو لتنفيذ هجمات معينة، ولم تعد تستخدم إلا بحرص وبشكل مؤقت كمكان للتخفي من قبل القيادات، أو حتى النشطاء الميدانيين البارزين.

ورغم خطورة وضع الأنفاق في الفترات اللاحقة؛ فإن قيادات من «حماس» و«القسام» استعانت بها، مثل عضوي المكتب السياسي للحركة، روحي مشتهى، وسامح السراج، اللذين قتلا برفقة قيادات ميدانية من «القسام» في نفق بمنطقة الصناعة جنوب مدينة غزة، في يوليو (تموز) 2024.

كما قُتل القائد الراحل لـ«القسام» محمد السنوار، والقيادي في صفوف الكتائب محمد شبانة، إلى جانب آخرين، في أنفاق متشعبة قرب محيط المستشفى الأوروبي بخان يونس، وذلك في شهر مايو 2025.

جنديان إسرائيليان في المستشفى الأوروبي بخان يونس حيث قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقاً يُعتقد أن قائد «القسام» محمد السنوار قُتل فيه... 8 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وبحسب أحد المصادر الميدانية، فإن «العديد من الظروف الميدانية دفعت القيادات السياسية والعسكرية حينها إلى اللجوء إلى الأنفاق واستخدامها كمكان للتخفي في ظل تشديد الملاحقة الإسرائيلية لقيادات الحركة والكتائب» مضيفاً: «الخيارات كانت تضيق أكثر فأكثر إزاء ذلك».

وشرح المصدر ذاته أن «من بين من استخدموا الأنفاق بكثرة للتنقل من مكان إلى آخر في ذروة العمليات الإسرائيلية شمال غزة، عز الدين الحداد، الذي تمكن من النجاة بنفسه أكثر من مرة بأماكن كانت تقوم فيها إسرائيل بعمليات فوق الأرض، فيما كان هو تحت الأرض ويستخدم تشعبات الأنفاق للخروج من منطقة إلى أخرى».

ومع ذلك، فإن المصدر يقول إن «الحداد وآخرين لم يكونوا يرون في الأنفاق موقعاً جيداً للتخفي، ولذلك عاشوا كثيراً من الفترات خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، فوق الأرض، وكانوا يتنقلون متخفين بطرق مختلفة ومن دون مرافقة أمنية، وبما لا يسمح لإسرائيل بتتبعهم، وكانوا يتواصلون بطرق مختلفة».

ووفقاً لثلاثة مصادر ميدانية من «حماس»، فإن اللجوء للأنفاق تكرر مع العديد من القيادات، ومن بينهم محمد السنوار، وقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار الذي قُتل في اشتباك مفاجئ مع قوة إسرائيلية في أكتوبر 2024 في منطقة مدمرة في رفح جنوب غزة.

«تضييق مساحة الرصد»

لكن تدمير الأنفاق ليس سبباً وحيداً؛ إذ توضح المصادر الأربعة من «حماس» أن توسيع إسرائيل لنطاق سيطرتها شرق الخط الأصفر الذي يمثل نحو 60 - 70 في المائة من مساحة غزة، تسبب في حصر غالبية السكان غرب الخط، ومن ثمّ تقلصت فرص إيجاد أماكن آمنة أو غير مرصودة لقيادات ونشطاء الفصائل.

ووفقاً للمصادر نفسها، فإن غالبية قيادات ونشطاء الفصائل الفلسطينية، باتوا محصورين في مناطق محددة، حالهم حال مئات الآلاف من سكان قطاع غزة الذين يعيشون في المناطق الغربية من القطاع، بعد أن فقدوا منازلهم وأماكن أخرى مخصصة لهم، ما دفعهم للبقاء مع عوائلهم أو بالقرب منهم، ويعيشون في الخيام وغيرها مثلهم مثل الكثيرين، الأمر الذي جعلهم تحت المتابعة والمراقبة الإسرائيلية.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ويومياً تتعرض مناطق داخل وعلى حدود الخط الأصفر المرموز إليه كخط انسحاب أولي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن، لعمليات نسف كبيرة تستهدف ما تبقى من منازل وأنفاق وغيرها من بنية تحتية، وهذا جزئياً دفع إسرائيل لتوسيع منطقة الخط الأصفر بما يتيح سيطرتها الأمنية من جانب، ومن جانب آخر لتدمير مسارات أنفاق قريبة من أماكن عملياتها.

«تكنولوجيا التجسس وبصمة الصوت»

تقيم المصادر الميدانية في غزة وزناً كبيراً لتكنولوجيا التجسس الإسرائيلية عند محاولة رصد أسباب الوصول السريع لقيادات «حماس» و«القسام» وتتوافق جميعاً على دور مسيّرات التجسس التي تجوب أجواء غزة بكثافة، وغيرها من الأدوات، إلى جانب العنصر البشري من المتخابرين مع إسرائيل سواء من الأفراد أو عناصر العصابات المسلحة المدعومة من إسرائيل.

ويقول أحد المصادر إن «من بين ما تستخدمه إسرائيل بشكل مكثف العامل التكنولوجي المولد بالذكاء الاصطناعي المستخدم كثيراً في السنوات القليلة الماضية عبر طائرات مسيّرة حديثة من صنع إسرائيلي تعتمد على برامج سيبرانية مطورة لتتبع بصمة الصوت، وربما علامات حيوية لرصد بعض القيادات في أماكن معينة».

وشرح المصدر الميداني، الذي اطلع على تحقيقات مع مشتبهين بالتخابر أن «المسيّرات تتنصت على مكالمات بنطاقات محددة ومعينة بعد التشويش عليها لحصر الأصوات التي تصدر منها أو حتى في محيطها ما قد يدل على وجود شخص تملك إسرائيل بصمة صوته من خلال تسجيلات هاتفية سابقة، أو اعتقال سابق».

ولفت المصدر إلى تمكن بعض المتخابرين مع إسرائيل من «زرع أجهزة تجسس مختلفة بعضها يحتوي على كاميرات وأجهزة تسجيل، وأخرى في حجم (حشرة) تلقيها طائرات مسيّرة، أو تزرعها قوات برية في مناطق متفرقة اقتحمتها خلال الحرب».

ولا تنفي المصادر أن هناك جهداً استخبارياً بشرياً (المتخابرون) ساهم في الوصول لقيادات من «حماس» و«القسام».

وتحدث أحد المصادر الميدانية عن أنه «تم اعتقال العديد من (المتخابرين) وتصفيتهم، وكان جزء بسيط منهم من داخل منظومة (حماس)، و(القسام)، والأغلبية كانوا من خارجها»، كاشفاً عن «اعتقال شخص من خارج (حماس)، تبين أنه على علاقة باغتيال الحداد، بعد رصده في موقع الاغتيال، ووجوده في مكان آخر كان يوجد به الحداد أيضاً».

وأكد مصدران خضوع المشتبه به للتحقيقات، وقال أحدهما إن «المعتقل اعترف بأنه كان يتتبع الحداد بتعليمات من ضابط مخابرات إسرائيلي كان يزوده بأماكن محددة توجد فيها عائلة الحداد، ما قد يشير إلى أن هناك متخابرين آخرين، ويجري العمل للوصول إليهم».

النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وتقول المصادر إن آلية نقل الرسائل المتعلقة بالمفاوضات وغيرها كانت «إحدى الثغرات التي تتبعتها إسرائيل بشكل لافت، ويجري التحقيق فيما إذا كانت ساهمت في الاغتيالات أم أنها مجرد فرضيات».

وفي ذروة الحرب على غزة، تعرض فلسطينيون لإعدام من قبل عناصر في الفصائل الفلسطينية بعد اعتقالهم بمواقع هجمات إسرائيلية، حيث أجريت لهم ما وصفته «القسام» بـ«محاكم ثورية»، وكان من بينهم شخص من داخل «حماس» وآخر من خارجها، وكانا متهمين بـ«تقديم معلومات تسببت في الوصول إلى قائد (القسام) الراحل محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو (تموز) 2024».


روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)

أعاد تقرير نشرته أخيراً صحيفة «وول ستريت جورنال» ملف الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى الواجهة. وبدا أن التحركات الروسية في هذا المجال توجت بإعادة ترتيب وجود طويل المدى في قاعدتي «حميميم» الجوية و«طرطوس» البحرية وفقاً لتفاهمات مع السلطات السورية وبما يلبي مصالح الطرفين.

وعلى الرغم من التكتم الرسمي من جانب موسكو ودمشق على تفاصيل التفاهمات التي تم التوصل إليها، لكن تعزيزات كبيرة وصلت أخيراً إلى «حميميم» دلت على اتفاق الجانبين على سيناريوهات التنسيق المستقبلية في هذا المجال.

ووفقاً للمصادر الأميركية، أعادت روسيا تزويد قاعدة «حميميم» الجوية بالكامل هذا الربيع. فبعد أن قامت القوات الروسية سابقاً بإخراج المعدات والإمدادات «الفائضة» من سوريا، ها هي الآن تعيدها. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024.

وذكرت الصحيفة أن سفينة الشحن «سبارتا» غادرت سان بطرسبرغ في مارس (آذار) ووصلت إلى طرطوس في مايو (أيار)، محملةً بكل ما يلزم لاستمرار تشغيل قاعدة «حميميم» الجوية. ولتجنب أي حوادث محتملة، رافقت السفينةَ سفنٌ حربية روسية طوال معظم الرحلة، بالتناوب في بعض النقاط.

وتعتقد واشنطن أن موسكو تمكنت من الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا رغم وجود نقاط كثيرة عالقة لم يتم التوصل إلى حلول نهائية بشأنها بين موسكو ودمشق.

مصالح متبادلة

ورأت الصحافة الروسية المقربة من الكرملين، أن المعطيات الأميركية عكست «إقراراً من جانب واشنطن بأن موسكو نجحت في ترسيخ وجودها الدائم في سوريا».

وكان موضوع الوجود العسكري الروسي في سوريا على جدول أعمال الطرفين خلال كل اللقاءات الثنائية التي جرت خلال العام الماضي على مستويات عدة، بما في ذلك في إطار قمتين جمعتا الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع. ومهدت تلك اللقاءات، وخصوصاً على المستوى العسكري لوضع تصور مشترك لمستقبل الوجود العسكري الروسي، يقوم على ترتيب مهام جديدة تلبي مصالح متبادلة للطرفين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين 28 يناير الماضي (د.ب.أ)

وكانت السلطات السورية التي أطاحت حكم حليف روسيا بشار الأسد في نهاية 2024 أعلنت منذ البداية أنها تسعى إلى إعادة رسم ملامح العلاقة مع موسكو مع الأخذ في الاعتبار دروس الماضي القريب وإعلاء فكرة الفوائد المتبادلة.

وفي هذا الإطار طالبت دمشق بمساعدة روسية في ترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى مطلب تسليم الأسد ورموز نظامه الموجودين في روسيا، كما نوهت بمطلب التعويضات عن الخسائر التي تسبب فيها التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 على الصعيدين البشري والاقتصادي.

وبرغم أن المصادر الروسية أكدت في مرات عدة أن مطلب تسليم الأسد شخصياً، الذي يحظى بحماية مباشرة من الرئيس الروسي لم يطرح بشكل رسمي في اللقاءات، لكن ظل ملف تسليم عشرات الضباط المتورطين بانتهاكات فادحة مطروحاً على طاولة الطرفين.

في المقابل، بدا أن موسكو تولي اهتماماً خاصاً لمصير القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، وأنها تضع هذا الأمر ضمن أولويات أي تفاهمات مستقبلية. ولتسهيل هذه التفاهمات حرصت موسكو على تأكيد استعدادها لمساعدة السلطات السورية على تجاوز الكثير من المشكلات القائمة، بما في ذلك على صعيد مشاركة الشركات الروسية في إعادة تأهيل بعض البنى التحتية الأساسية مثل الطرق وشبكات الكهرباء وبعض المنشآت الحيوية التي كانت موسكو أصلاً ساعدت في تشييدها في السابق.

ناقلة نفط روسية قرب ميناء بانياس السوري في البحر المتوسط (رويترز)

بالإضافة إلى ذلك، قدمت موسكو دعماً واسعاً لحل مشكلة الطاقة في سوريا، وبات معلوماً أن دمشق حصلت خلال النصف الأول من العام الحالي وحده على أكثر من ثلث حاجتها من الوقود من روسيا في شحنات متواصلة سدت جزءاً كبيراً من النقص في هذا المجال.

وبدا أن التحركات المتبادلة ساهمت في وضع ملامح جديدة للعلاقة تقوم على المصالح المتبادلة وتلبي حاجات الطرفين.

انسحاب أميركي وغض نظر أوروبي

اللافت أن هذه التطورات جاءت في سياق تبدل واسع في المواقف الغربية، ومع انسحاب الجيش الأميركي من قواعده في سوريا مطلع العام الحالي، منهياً وجوداً عسكرياً استمر أكثر من عقد بدأ ضمن الحرب ضد تنظيم «داعش»، بدا أن موسكو تعمل بهدوء لترسيخ وجودها مع إجراء عملية واسعة لإعادة التموضع على الأرض السورية بما يلبي أهداف التفاهمات الجديدة.

في هذا الإطار جاء الانسحاب الروسي من شمال شرقي سوريا وتسليم مطار القامشلي الذي كانت موسكو قد حولته لقاعدة عسكرية واسعة ومجهزة بقدرات كبيرة. وتم الانسحاب من المنطقة في إطار تفاهمات روسية سورية وبدعم من جانب تركيا وصمت أميركي بدا أنه يشكل أيضاً موافقة ضمنية على التفاهمات القائمة.

في المقابل، تراجعت حدة التصريحات الأوروبية التي أعقبت سقوط النظام السابق حول ضرورة أن تقطع دمشق علاقاتها مع روسيا وأن تطرد القواعد العسكرية الروسية. إذ لم يعد هذا الأمر شرطاً مطروحاً أمام القيادة السورية لتطبيع العلاقات ودفع آليات التعاون المستقبلية.

مدخل قاعدة حميميم الجوية الروسية في اللاذقية بسوريا يوم 19 فبراير 2025 (رويترز)

أهمية حميميم وطرطوس

تعد قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية من أهم ركائز الانتشار العسكري الروسي خارج أراضيه، إذ تستخدمهما موسكو كنقاط انطلاق لعملياتها العسكرية في مناطق أخرى، إضافة إلى تأمين وصولها العسكري إلى البحر المتوسط.

وأصبح الحفاظ على القاعدتين أولوية بالنسبة لروسيا بعد سقوط النظام المخلوع، وكانت موسكو قد أعلنت منذ عام 2017 انتهاء «الجزء النشط» من عملياتها العسكرية في سوريا، وسحبت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية المستخدمة للعمليات المباشرة، ووجهت اهتمامها لتحويل الوجود العسكري لأهداف طويلة الأمد، بينها تعزيز تحركات سفنها الحربية في البحر المتوسط والمحيطات القريبة، وجعل الشواطئ السورية نقطة انطلاق وتمركز وصيانة بالغة الأهمية لهذه التحركات. فضلاً عن تحويل طرطوس إلى نقطة استراتيجية لتنظيم الإمدادات إلى القارة الأفريقية حيث تولي موسكو أهمية كبرى لنفوذها المتنامي في هذه المنطقة.

ومع التحولات السورية عملت موسكو على التكيف مع الوضع الجديد وأعلنت استعدادها لتحويل وجودها في القاعدتين لخدمة مصالح دمشق، خصوصاً في إطار الحاجة إلى إعادة تأهيل الجيش السوري وتزويده بالمعدات اللازمة وإصلاح المعدات الآليات المتوفرة لديه خصوصاً أن الجزء الأعظم منها هو أصلاً من صناعة روسية.

ولبى هذا المدخل المصالح السورية المباشرة وجاء منسجماً مع توجه الرئيس أحمد الشرع بتطوير علاقات مع موسكو والدول الغربية في آن واحد.

اجتماع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة - وسط الصورة - مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف في موسكو بروسيا يوم 28 أكتوبر 2025 (رويترز)

ويرى خبراء أن روسيا قد تشكل ورقة توازن للإدارة السورية الجديدة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصاً أن دعم واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترمب «لا يمكن اعتباره مضموناً»، فضلاً عن أن توازن العلاقات مع موسكو العضو الدائم في مجلس الأمن والوحيد (إلى جانب الصين) الذي يطالب بشكل علني وقوي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا ويرفض الاعتراف بمبدأ ضم الجولان يشكل عنصر توازن مهماً لدمشق لمواجهة الضغوط الإسرائيلية المتفاقمة.

اطمئنان روسي

اللافت أيضاً أن التحركات الروسية أخيراً لتعزيز تسليح قاعدة حميميم جاءت في سياق اطمئنان روسي كامل للتفاهمات القائمة مع دمشق. وقبل يومين أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، جورجي بوريسينكو، خلال كلمته في المنتدى الدولي السادس للخبراء «روسيا - الشرق الأوسط» أن «وجود القوات الروسية في سوريا، قائم بدعوة من السلطات السورية. كانت هذه هي دعوة السلطات السابقة، لكن السلطات الجديدة لم تسحبها، بل أكدت رغبتها في استمرار وجود العسكريين الروس».

ووفقاً لبوريسينكو، فإن العسكريين الروس لا يقومون بأي أنشطة ضد دول أخرى أثناء وجودهم في سوريا.

تبدل مهام القواعد

اكتسبت التحركات الروسية الحالية أهمية خاصة على خلفية أن الصراع في إيران والاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز منح سوريا فرصاً مهمة لإعادة توجيه مسارها نحو ممر الطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا.

ووفقاً لخبراء فإنه «مع التهديد المستمر باضطرابات مضيق هرمز، تبرز سوريا كبديل لشبكات النقل والطاقة في المنطقة. وبفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي وآسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط، تأمل دمشق في جذب الاستثمارات في مشروعات الخدمات اللوجستية وسكك الحديد وخطوط الأنابيب العابرة للحدود. وعلى الرغم من التحديات العديدة المتعلقة بالبنية التحتية والأمن وتمويل إعادة الإعمار، فإن سوريا تمتلك فرصة فريدة لتحويل مزاياها الجغرافية إلى محركات نمو اقتصادي طويلة الأجل».

قاعدة طرطوس البحرية الروسية (سبوتنيك)

في هذه الأجواء الإقليمية والدولية، يطرح خبراء روس تحدثت معهم «الشرق الأوسط» سيناريوهات للمهام الجديدة لقاعدتي «حميميم» و«طرطوس»، بينها تحويل القاعدة الجوية إلى مركز عمليات وتدريب مشترك. تعمل على إعادة تأهيل الجيش السوري وتطوير قدراته، فضلاً عن إضافة عناصر فنية لازمة لإطلاق ورشة صيانة ضخمة للآليات والمعدات السورية الروسية الصنع.

في المقابل فإن قاعدة طرطوس تواصل عملها كرمز لوجستي مهم لروسيا يرعى حركة سفنها في البحار ويعزز قدرات الإمدادات إلى القارة الأفريقية.

وقال خبراء إن هذا التفاهم يطرح فكرة لجوء الطرفين إلى إبرام اتفاقيات جديدة تعيد تنظيم الوجود الروسي، وفقاً للمبادئ المتفق عليها وتضع أطراً زمنية جديدة لهذا الوجود، وتحدد مهام كل قاعدة في إطار اتفاقية منفصلة. مثلاً يستند الوجود الروسي في قاعدة طرطوس إلى اتفاقية قديمة تم إبرامها في 1972 لإنشاء «نقطة لوجستية» لرعاية وإصلاح السفن الروسية في البحر المتوسط، بينما يمكن وضع إطار جديد لتنظيم الوجود «المشترك» في قاعدة «حميميم الجوية».