غزة... حيث لا تنتهي الطوابير

الناس ينتظرون ساعات للحصول على الماء والغاز والبنزين

طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

غزة... حيث لا تنتهي الطوابير

طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)

لأكثر من 7 ساعات، وقف بلال أحمد من سكان منطقة حي اليرموك، شرق مدينة غزة، في طابور طويل مع مئات آخرين على أمل التزود بالقليل من الغاز المنزلي الذي سُمح بإدخاله للقطاع بكميات ضئيلة جداً، بعد 50 يوماً من الحرب الإسرائيلية المدمرة. ومعاناة بلال في الواقع هي معاناة يُضطر كل الغزيين للتعايش معها يومياً من أجل اقتناء الغاز أو الماء أو الوقود.

وسمحت القوات الإسرائيلية بدخول كميات قليلة جداً من الوقود والغاز إلى مدينة غزة وشمال القطاع، على عكس الكميات الكبرى التي سُمح بإدخالها إلى وسط قطاع غزة وجنوبه.

وقال بلال أحمد لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر لقطع مسافة كيلومترين تقريباً مع فجر اليوم الثالث للتهدئة (الأحد)، للوصول إلى محطة تعبئة الغاز، سعياً إلى حجز دور له في طابور لا ينتهي، وعلى الرغم من ذلك اضطُر أن ينتظر أكثر من 7 ساعات حتى حصل على كمية بسيطة، وكان محظوظاً قياساً بغيره الذين باتوا ليلتهم هناك.

طابور غاز في رفح يوم السبت (أ.ب)

وأضاف: «بعد كل ذلك سمحوا لي بتعبئة 6 كيلوغرامات من الغاز، لا تكاد تكفيني وعائلتي (14 فرداً)، سوى نحو 15 يوماً».

لكن على الرغم من ذلك كان بلال أحمد ممتناً؛ لأنه منذ اليوم الثاني عشر للحرب، وهو يحاول الحصول على أي كمية من الغاز.

أمام كل محطة تعبئة غاز في قطاع غزة اليوم تجد طوابير لا تنتهي. الكبار، الشبان، النساء... الجميع ينتظرون دورهم من أجل الحصول على نصف جرة فقط من الغاز.

يقول محمد حمادة، وهو صاحب إحدى محطات تعبئة الغاز، إن ما دخل من كميات إلى القطاع قليل، ولا يساوي ما كان يدخل قبل الحرب، مضيفاً أن ما حصل عليه «يكفينا نصف يوم واحد، ولذلك لا نستطيع تعبئة أكثر من 6 كيلوغرامات (للفرد الواحد في الطابور) حتى يحصل أكبر قدر ممكن من المواطنين على الغاز».

ينتظرون في طابور للحصول على غاز الطهي في خان يونس (أ.ب)

وسُمح بإدخال الوقود والغاز إلى مدينة غزة وشمال القطاع، بعد أزمة تتعلق بتنفيذ بنود اتفاق الهدنة الإنسانية، علّقت خلالها «كتائب القسّام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، تسليم المحتجزين الإسرائيليين، يوم السبت، اعتراضاً على عدم إدخال المساعدات لتلك المناطق، قبل أن تعاود السلطات الإسرائيلية السماح بإدخالها، كما سمحت بترخيص خاص بإدخال محروقات لصالح شركات الاتصالات لتشغيل الشبكات، وكميات قليلة من الخضار المفقود بتلك المناطق.

وانشغل الكثير من الغزيين خلال فترة الهدنة الإنسانية بمحاولة توفير جزء يسير من الاحتياجات الأساسية التي يحتاجون إليها، لكن مثل الغاز كل شيء يحتاج إلى الوقوف في طابور.

طابور للحصول على غاز في خان يونس يوم السبت (أ.ب)

قالت أم تيسير صيام من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وهي تعول 7 من أبنائها القاصرين، إنها اضطرت لشراء غالون مياه محلاة تصل سعته إلى 14 لتراً، بمبلغ 10 شواقل (أي ما يعادل أقل من 3 دولارات) بعد انتظار طويل في طابور طويل.

وصيام النازحة مع أفراد عائلتها إلى حي الشيخ رضوان، انتظرت ساعتين حتى تحصل على هذه الكمية البسيطة من المياه، والتي لا تكاد تكفي يومين. وقالت: «منذ إدخال كميات قليلة من الوقود لتشغيل محطات تحلية المياه، ونحن نقف في طوابير طويلة من أجل القليل من الماء».

وسمح ضمن المساعدات التي دخلت إلى مناطق مدينة غزة وشمال القطاع، بدخول قارورات مياه صغيرة، إلا أنها لا تكفي إلا نحو 2000 نازح فقط داخل بعض المدارس التي وصلت إليها المساعدات بحلول صباح الاثنين.

الخبز يُحَضَّر على الحطب في خان يونس يوم 13 نوفمبر (إ.ب.أ)

وتقول منظمات دولية، وكذلك جهات حكومية بغزة، إن ما دخل القطاع من مساعدات يُعد نقطة في بحر الاحتياجات اليومية.

وقبل الحرب الإسرائيلية، كان يدخل قطاع غزة يومياً نحو 800 شاحنة محملة بمختلف أنواع البضائع حتى تغطي احتياجات السكان.

ومن مفارقات أزمة المساعدات الإنسانية أن سكان مدينة غزة وشمال القطاع، لا يجدون أي كميات وقود لتشغيل مركباتهم، على عكس ما يجري وسط وجنوب القطاع.

وقال الشاب أيمن حمدان من سكان خان يونس، إنه اضطر إلى الاصطفاف نحو 10 ساعات كاملة للحصول على 30 لتراً من الوقود لصالح مركبته المتوقفة عن العمل منذ اليوم التاسع عشر للحرب. أضاف: «أزمة غير طبيعية. يجب أن تقف ساعات طويلة حتى في البرد والمطر حتى تحصل على قليل من الوقود. يجب أن تذهب أيضاً إلى طابور للحصول على ماء، وطابور آخر للحصول على الغاز... الحياة في غزة صارت طوابير وراء طوابير».


مقالات ذات صلة

فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

خاص زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

رفعت الفصائل الفلسطينية في غزة حالة الاستنفار في أوساط عناصرها مع تنامي التهديدات الإسرائيلية بإمكانية العودة إلى الحرب مجدداً وبدأت في إعداد «خطط دفاعية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الناشط الإسباني سيف أبو كشك يصل إلى محكمة في عسقلان - إسرائيل - 3 مايو 2026 (أ.ف.ب)

منظمة حقوقية تندد بسوء معاملة ناشطي «أسطول الصمود» المعتقلين في إسرائيل

أدان المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة) الاثنين، «الإيذاء النفسي وسوء المعاملة» الذي يتعرض له ناشطان من «أسطول الصمود» معتقلان في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينيون في مدينة غزة يوم الاثنين خلال جنازة مواطنهم موسى الأبيض الذي قتل بنيران إسرائيلية يوم الأحد (رويترز) p-circle 05:12

التلويح باستئناف الحرب ورفض «نزع السلاح» يثيران قلق الغزيين

تواكبت تصريحات لقيادي في «حماس» عن رفض «نزع السلاح» من غزة، مع إفادات لمسؤولين إسرائيليين بتكثيف الضغوط العسكرية على الحركة، مما عزز القلق من استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يحتجون على نقص المعدات الطبية وبطاريات أجهزة السمع للصم وذوي الإعاقة السمعية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

خاص «الشرق الأوسط» تكشف فحوى رد «حماس» والفصائل على تعديلات الوسطاء وميلادينوف

قدمت حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، فجر السبت، ردها إلى الوسطاء وممثل «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، بشأن ورقة التعديلات التي قدمت من الأطراف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

بينت المصادر أن اللقاءات في القاهرة ستتواصل رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي الجمعة، ويبذل الوسطاء جهوداً كبيرة لمحاولة إيجاد مقاربات تعمل على حل الأزمات العالقة

«الشرق الأوسط» (غزة)

فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
TT

فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

رفعت الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، حالة الاستنفار في أوساط عناصرها مع تنامي التهديدات الإسرائيلية بإمكانية العودة إلى الحرب مجدداً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أن فصائل القطاع تعمل على وضع «خطط دفاعية واضحة» في حال قررت إسرائيل استئناف الحرب بنفس النهج الذي اتبعته خلال عملياتها العسكرية داخل قطاع غزة خلال الفترة الماضية.

ويسود قلق بين سكان القطاع من استئناف واسع للحرب بعد أشهر من اتفاق وقف النار بين الطرفين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تخللتها خروق إسرائيلية عدة أسفرت عن مقتل أكثر من 800 شخص.

ووفقاً لأربعة مصادر من الحركتين، فإن الخطط تقوم على الدفاع عن النفس في حال نفذت إسرائيل تهديداتها، وشددت المصادر على أنه «لا توجد أي خطط أو نوايا للمبادرة بأي هجوم».

ونسبت صحيفة «معاريف» العبرية، إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، تصريحات خلال تفقده قواته في لبنان، قبل أيام، قال فيها إن «المعركة المقبلة يمكن أن تكون في قطاع غزة، لأنها لم تنتهِ بعد»، محذراً من أنه «في حال عرقلت (حماس) مهمة نزع سلاحها، فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة».

«تجنب الاستفزازات»

وحسب مصدرين من «حماس»، فإن هناك تعليمات بضرورة تجنب أي عمل استفزازي، والحفاظ على حالة الهدوء القائمة رغم الخروقات الإسرائيلية. وشرح مصدر ثالث من الحركة أن «الهدف في المقام الأول هو مواجهة تقدم أي آليات إسرائيلية داخل المدن كما كان يجري (قبل وقف إطلاق النار)».

وتنشر الفصائل الفلسطينية منذ أشهر عناصرها المسلحة ليلاً في مناطق مختلفة من القطاع، خصوصاً التي يمكن أن تتسلل إليها قوات إسرائيلية خاصة، أو عناصر من العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل بهدف التصدي لهم.

ويتناوب عناصر الفصائل على الانتشار ضمن آلية تُلزم كل مسلح بالمشاركة مرة أو مرتين أسبوعياً في التأمين.

ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، بموجب خطة قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يفصل خط افتراضي يسمى «الخط الأصفر» بين المناطق التي تحتلها إسرائيل (شرق الخط) من غزة وتقدَّر بتحو 55 في المائة من مساحة القطاع، بينما تسيطر «حماس» والفصائل الفلسطينية على المناطق غرب الخط.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وتتهم الفصائل إسرائيل باستغلال عصابات مسلحة متعاونة مع جيش الاحتلال في توسعة نطاق الخط الأصفر وإجبار السكان في المناطق غير المحتلة على النزوح.

اغتيال عنصرين من «حماس»

واستهدفت إسرائيل بشكل متكرر في الآونة الأخيرة، الحواجز الأمنية التي ينتشر عليها عناصر الفصائل، وكذلك الشرطة وأجهزة الأمن التابعة لحكومة «حماس»، مما تسبب في مقتل ما لا يقل عن 33 عنصراً شرطياً وأمنياً من «حماس» منذ وقف إطلاق النار.

كان آخرَ المستهدفين ضابط برتبة مقدم في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة «حماس»، يُدعى محمد الغندور، وقُتل بغارة في حي الشيخ رضوان بعد منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء.

وقالت وزارة الداخلية في غزة إن الغندور قُتل نتيجة غارة استهدفت مركبته، فيما أوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، أن الهجوم استهدف الغندور وناشطاً آخر من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، أُصيب بجروح حرجة، حينما كانا ينتشران على حاجز أمني في شارع الجلاء بحي الشيخ رضوان.

ولفتت المصادر إلى أن الغندور، وهو أيضاً من النشطاء الميدانيين في «القسام»، كان قد نجا من محاولتي اغتيال سابقتين استهدفتاه؛ إحداهما بطائرة مسيَّرة والأخرى عبر قصف منزله.

فلسطينيتان تبكيان خلال جنازة الضابط بشرطة «حماس» محمد الغندور في مستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء بعد مقتله بغارة إسرائيلية (رويترز)

وجاءت الغارة التي طالت الغندور بعد أيام من توقف الهجمات الإسرائيلية في عمق المناطق الغربية الواقعة غربي الخط الأصفر، حيث تسيطر حركة «حماس».

كما أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، اغتيال من سماه «قائد النخبة» في «حماس»، أنس محمد إبراهيم حمد، واتهمه بأنه كان المشاركين في هجوم 7 أكتوبر 2023.

وتراجعت الغارات الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية، بطلب من الوسطاء والممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، لمنح فرصة للمفاوضات التي تشهدها القاهرة بشأن خارطة طريق جديدة قُدمت بشأن اتفاق وقف إطلاق النار، والتي ما زالت في إطار الردود المتبادلة بين إسرائيل و «حماس» عبر الوسطاء وملادينوف، ويُتوقع أن تدخل هذا الأسبوع في ذروتها لمحاولة الوصول إلى اتفاق.

وأعلن ملادينوف، عبر حسابه على «إكس»، الثلاثاء، أنه أجرى ما وصفه بـ«نقاش إيجابي وجوهري» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول المسار المستقبلي.

وقال ملادينوف: «أكدنا جميعاً التزامنا بالتنفيذ الكامل لخطة الرئيس ترمب الشاملة ذات النقاط العشرين. نعمل مع جميع الأطراف لتحويل هذا الالتزام إلى إجراءات ملموسة. وهذا يتطلب اتخاذ قرارات لتحقيق التقدم. نواصل المضي قدماً من أجل مستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين».

Your Premium trial has ended


لبنان... بري مرتاح لمواقف عون وعلاقتهما إلى انفراج وتواصل

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان... بري مرتاح لمواقف عون وعلاقتهما إلى انفراج وتواصل

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

تدخل العلاقة بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري في مرحلة سياسية يغلب عليها الانفراج وتبريد الأجواء باتجاه معاودة تواصلهما المباشر، بعد أن استعيض عنه طوال فترة التباين، حول طبيعة المفاوضات مع إسرائيل، بتبادل الرسائل عبر وسطاء مشتركين، إلى أن بادر عون لرسم خريطة الطريق التي هي بمثابة جدول أعمال يتصدر مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل.

فالمواقف التي صدرت عن عون في اليومين الأخيرين، ومن قبلهما في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء قوبلت بارتياح من بري، واصفاً إياها، كما نقل عنه زواره، بأنها ممتازة، لما تضمنته من مضامين تتعلق بالثوابت الوطنية التي يجمع عليها اللبنانيون على اختلاف مشاربهم.

خريطة طريق للتفاوض

وقالت مصادر مواكبة لعلاقة عون ببري لـ«الشرق الأوسط» إن مصدر ارتياح الأخير لمواقف الرئيس يكمن في أنه «أعاد رسم خريطة الطريق للتفاوض المباشر مع إسرائيل، محدداً فيها الثوابت الوطنية التي يُفترض أن تتصدر جدول أعمال المفاوضات، في حال بدئها، على قاعدة أن التوقيت غير مناسب الآن للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى يصر على عقده بقوله إن نتنياهو ليس «بعبعاً» وهو المفاوض الثاني.

وأكدت أن ارتياح بري لمواقف عون يكمن بتمسكه بالأهداف الموضوعة في أي مسار تفاوضي تقوم على تثبيت وقف النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين، وإعادة الأسرى، وإلزامها بوقف تجريفها للبلدات الجنوبية والضغط على سكانها لإخلائها، إضافة إلى تشديده على ضرورة التوصل لاتفاق أمني يأخذ بعين الاعتبار الثوابت التي يُدرجها لبنان أساساً للتفاوض قبل أن نطرح مسألة اللقاء مع نتنياهو.

عنصر في الدفاع المدني يشارك في رفع الأنقاض من موقع قصف إسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

ولفتت إلى أن عون يصر على تثبيت الهدنة للتوصل لوقف شامل للنار كمدخل لبدء المفاوضات، رافضاً بدءها تحت ضغط إسرائيل بالنار، وقالت إن موقفه هذا يتقاطع مع بري الذي حصر اجتماعه الأخير بالسفير الأميركي بتركيزه على تثبيت الهدنة ووقف الأعمال العدائية، مكرراً أمامه موقفه من المفاوضات غير المباشرة.

تحصين الهدنة

وكشفت المصادر أن بري شدد أمام السفير عيسى على ضرورة وضع آلية لتثبيت وقف النار والتصدي للخروق من أي جهة كانت، كشرط لتحصين الهدنة الممدد لها لثلاثة أسابيع؛ لأن من دونها لا يمكن لوقف النار بأن يرى النور، سيما وأن ترمب هو من رعى تمديدها وبادر شخصياً للإعلان عنها، ما يضعه أمام التزامه بتعهده ويستدعي منه الضغط على إسرائيل للتقيُّد بها للتأكيد على مصداقيته، ليس أمام اللبنانيين فحسب، وإنما حيال المجتمع الدولي.

وأكدت أن اللقاء الثالث المرتقب انعقاده بين سفيري البلدين في خلال أيام سيخصص بالدرجة الأولى لتثبيت وقف النار بوصفه ممراً إلزامياً لتحديد موعد لبدء المفاوضات، وإلا فما الجدوى منها إذا استمرت إسرائيل باعتداءاتها، وهدرها لدم المدنيين الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ، كما هو حاصل الآن، وحوّلت الجنوب إلى أرض محروقة لا يصلح العيش فيها؟ وبالتالي من غير الجائز إطلاق يد إسرائيل والانصياع لضغطها للتفاوض المباشر، في مقابل رفض لبنان بأن يكون شاهداً على تماديها في عدوانها، مستبعدةً مشاركة السفير السابق سيمون كرم بلقاء السفيرين الذي يبدأ دوره مع ترؤسه للوفد اللبناني المفاوض.

حماية أميركية للهدنة

وفي هذا السياق، قالت مصادر دبلوماسية في بيروت لـ«الشرق الأوسط»، إن «أصدقاء لبنان» يتفهمون الدوافع الكامنة وراء إصرار عون على تثبيت وقف النار لبدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وأخذوا على عاتقهم التحرك باتجاه الإدارة الأميركية لإقناعها بضرورة رفع الضغوط التي تمارسها عليه لجمعه بنتنياهو برعاية ترمب كأساس لبدئها، ناصحين إياها بالأخذ بوجهة نظره بوجوب توفير الحماية الأميركية، قولاً وفعلاً، لتمديد الهدنة كون ترمب هو من أعلنها لئلا تبقى حبراً على ورق.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وقالت المصادر إنه لا مبرر لحشر عون بمطالبته بلقاء نتنياهو بحضور ترمب كمؤشر لبدء المفاوضات؛ لأنه لا مصلحة للبنان بحرق المراحل واستباق النتائج التي يمكن أن تترتب عليها، والتي لم يحن أوانها حتى الساعة، ما دامت المفاوضات ما زالت في بدايتها. ورأت أنه لا مبرر لالتقاط صورة للقاء الثلاثي لما يترتب عليها من ارتدادات سلبية على الداخل اللبناني تؤدي لانقسام حاد هو في غنى عنه.

ولفتت إلى أن «أصدقاء لبنان» يقفون إلى جانب عون في هذا الخصوص، وقالت إنهم يتمنون على ترمب بأن يراعي حساسية الوضع الداخلي في البلد، ما دام أن عون ثابت على موقفه بالتفاوض المباشر مع إسرائيل ولن يعود عنه، إضافة إلى تمسكه بحصرية السلاح بيد الدولة، ما يضع «حزب الله» أمام اتخاذ قرار صعب وشجاع يقضي بإيداع سلاحه لديها؛ لأنه لم يعد أمامه من خيار، بعد أن خاض الحل العسكري بإسناده لغزة وإيران، وبات عليه الوقوف وراء الدولة في خيارها الدبلوماسي للضغط على إسرائيل للانسحاب من الجنوب.

وقالت إن لقاء عون - نتنياهو يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق واضح لا لبس فيه يأخذ بالثوابت الوطنية ويؤدي لإعادة ترسيم الحدود بين البلدين استناداً لما نصت عليه اتفاقية الهدنة الموقعة بينهما، وبعدها لكل حادث حديث، وإلا فما الجدوى من التسرُّع قبل التأكد إلى أين ستصل المفاوضات على نحو يؤدي لتحصين الوضع الداخلي ويُسقط ذرائع «حزب الله» برفضه المفاوضات المباشرة؟

فرصة «حزب الله» لعون؟

وهنا سألت المصادر «حزب الله» ما الذي يمنعه من أن يعطي فرصة لعون ما دام أنه يتمسك بالثوابت الوطنية التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل عما طرحه ويطرحه أمينه العام نعيم قاسم في بياناته التي يتوجه فيها إلى بيئته؟ وهل في مقدوره أن يسترد توازن الردع في حربه مع إسرائيل ويستعيد العمل بقواعد الاشتباك التي أخذت تتساقط تدريجياً منذ أن قرر إسناده لغزة ولاحقاً لإيران، بدلاً من أن يساند الدولة ويقف خلف خيارها الدبلوماسي؟

جرافات وعنصر في الدفاع المدني خلال مهمة رفع الأنقاض في منطقة حبوش بجنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية (رويترز)

وقالت إن رهان الحزب على ربط مصيره بإيران ليس في محله، رغم ما تبلّغه «الثنائي الشيعي» من تطمينات إيرانية نقلها إليه وزير خارجيتها عباس عراقجي، مع أنها تصطدم برفض أميركي لربط وحدة المسار والمصير بين البلدين، خصوصاً أن التطمينات الإيرانية هي الآن أسيرة تبدُّل المواقف بين طهران وواشنطن ولا يمكن الركون إليها، وهي تتأرجح حالياً بين هبّة باردة وأخرى ساخنة يتخللها تبادل التهديدات بين الطرفين.

وتوقفت المصادر أمام إصرار عون على المفاوضات تحت سقف التوصل لاتفاق أمني بين البلدين. وقالت إنها تتبنّى ما يقوله في هذا الخصوص، وهو يراعي الموقف العربي عموماً الرافض للدخول في تطبيع سياسي للعلاقات ركيزته التوقيع على اتفاقية سلام بين إسرائيل ولبنان الذي يتمسك بالمبادرة العربية للسلام التي صدرت عن استضافته للقمة العربية عام 2002، وبالتالي لن يحيد عنها ويدخل منفرداً في تطبيع للعلاقات على كل المستويات.


لبنان يختبر «حصرية السلاح» في الضاحية الجنوبية عبر ملاحقة مطلقي النار

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
TT

لبنان يختبر «حصرية السلاح» في الضاحية الجنوبية عبر ملاحقة مطلقي النار

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

تُكثّف الأجهزة الأمنية اللبنانية إجراءاتها لملاحقة مطلقي النار خلال تشييع «حزب الله» لعناصره، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً لضبط التفلت الأمني، ووضع حد لمشاهد باتت تتكرر على نحو مقلق.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، أن وحدات عسكرية داهمت منازل متورطين في إطلاق النار خلال مراسم تشييع في الضاحية الجنوبية وبعلبك، وأوقفت اثنين من المشاركين في الضاحية، إضافة إلى مطلوب آخر بمذكرات توقيف عدة.

ولم تقتصر هذه الإجراءات على الضاحية؛ إذ أوضح بيان صادر عن مديرية التوجيه أن الجيش أوقف أيضاً في حي الشراونة - بعلبك المواطن (ح.ن.)، وفي بلدة بريتال المواطن (س. أ.)، لتورطهما في إطلاق النار خلال مراسم تشييع، مشيراً إلى ضبط كمية من الأسلحة والذخائر الحربية. وأكد أن المضبوطات سُلّمت، وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص، فيما تستمر الجهود لتوقيف بقية المتورطين.

جرحى في الضاحية

وتأتي هذه التحركات في وقت تتسع فيه رقعة القلق من تداعيات هذه الظاهرة؛ إذ تزامنت مع تصاعد حوادث إطلاق النار في عدد من المناطق. فقد سُجّل سقوط جرحى في منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة إطلاق الرصاص والقذائف في الهواء خلال إحدى الجنازات، الأحد، ما أعاد تسليط الضوء على المخاطر المباشرة لهذه الممارسات.

وبالتوازي، دفعت هذه الحوادث فرق الإسعاف إلى التدخل لنقل المصابين، في مشهد يعكس تحوّل التشييعات من لحظات وداع إلى بؤر خطر مفتوحة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا السلوك إلى تداعيات أمنية واجتماعية أوسع، خصوصاً في مناطق تعاني أساساً من توترات متكررة.

جانب من الدمار الذي لحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

ولا يبدو أن الظاهرة محصورة جغرافياً؛ إذ تمتد إلى البقاع حيث سبق أن نفّذ الجيش اللبناني عمليات دهم واسعة في بلدة بريتال شرقي بعلبك، على خلفية إطلاق نار واستخدام قذائف من نوع B7 خلال تشييع عنصرين من «حزب الله»، في خطوة هدفت إلى ملاحقة المتورطين والحد من استخدام السلاح في المناسبات العامة، في سياق محاولة احتواء التفلت قبل تحوله إلى واقع يصعب ضبطه.

مسار تدريجي لتكريس سلطة الدولة

ويحاول «حزب الله» التبرؤ من إطلاق النار؛ إذ أوضح الكاتب السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المؤشرات الميدانية، من سقوط الرصاص في مناطق مأهولة وبين مدارس تضم طلاباً، تؤكد خطورة ما يجري، وتُظهر أن هذا السلوك لا يمكن تبريره تحت أي عنوان».

وانطلاقاً من هذه الوقائع، أشار الأمين إلى أن «الحزب يسعى، بشكل غير مباشر، إلى التبرؤ من عمليات إطلاق النار، بل وإدانتها، في محاولة لاحتواء تداعياتها»، لافتاً إلى أن «الجيش اللبناني يتعامل مع هذه الوقائع في توقيت حساس، يتزامن مع مسار تفاوضي واجتماعات رسمية تهدف إلى تعزيز حضور الدولة وفرض هيبتها».

وفي هذا الإطار، رأى أن «هناك جهداً واضحاً تبذله السلطات لإظهار قدرتها على اتخاذ إجراءات تنفيذية، ولو تدريجياً، في اتجاه فرض حصرية السلاح»، موضحاً أن «هذه الخطوات لا تأتي في سياق مواجهة مباشرة مع الحزب، بل في إطار ضبط الفوضى». وأضاف: «لا يمكن لأي جهة أن تبرر إطلاق النار؛ لأن ما يجري هو استخدام استعراضي أو فوضوي للسلاح».

نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)

مواجهة مكلفة مع الدولة

وعلى مستوى أوسع، اعتبر الأمين أن «(حزب الله) يدرك في العمق أن أي مواجهة مع الدولة أو الجيش ستكون مكلفة له، ولن يحقق فيها مكاسب، لذلك يلجأ في كثير من الأحيان إلى التهويل والتصعيد الإعلامي أكثر من الذهاب إلى مواجهة فعلية». وقال: «كلما أظهرت الدولة جدية في خطواتها، تراجعت حدة ردود الفعل عمّا يُروّج له مسبقاً».

وأكد أن «جوهر المرحلة يرتبط بقرار الدولة، وليس بحجم المخاطر التي يجري تضخيمها»، مشدداً على أن «هذه المخاطر ليست بالحجم الذي يُصوَّر، بل تُستخدم أحياناً كذريعة لتعطيل أي مسار إصلاحي». وأضاف: «إذا لم تُظهر الدولة، بكل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، قدرتها على التنفيذ، فإنها تخاطر فعلياً بوجودها ودورها».

وأكد أن «ما يجري ليس إجراءً ظرفياً أو خطوة معزولة، بل بداية مسار جديد يتجه نحو تكريس سلطة الدولة»، مشيراً إلى أن «العوامل الإقليمية والدولية، إلى جانب جزء من الداخل اللبناني، تدفع في هذا الاتجاه». وقال: «الحكومة تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تثبيت موقعها كصاحبة القرار السيادي، وإلى إظهار أن زمن السلاح المتفلت يتراجع تدريجياً لمصلحة سلطة القانون».

الظاهرة باتت عبئاً والبيئة ترفضها

وتعكس المعطيات الميدانية تبدلاً في المزاج داخل البيئة المحلية. وتناقل سكان الضاحية مقطع فيديو لأحد الجرحى في «حادثة البيجر» يدين فيه إطلاق النار خلال التشييعات. وقال برسالة مصورة تعكس اتساع دائرة الرفض: «هذه الممارسات تتناقض مع كل القيم، ولو كان لديكم حدّ أدنى من المسؤولية، لوجّهتم سلاحكم إلى حيث يجب، في مواجهة العدو، لا في القرى الآمنة وبين الناس».

ويؤكد مصدر محلي في الضاحية الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، حالة الغضب الشعبي، وقال إن ظاهرة إطلاق النار في التشييعات «تحوّلت إلى عبء على (حزب الله) نفسه، كما على بيئته الحاضنة التي باتت ترفضها بشكل واضح».

وأضاف المصدر أن «البيئة الاجتماعية للحزب تُفضّل بسط سلطة القانون لمعالجة هذه الظاهرة، عبر القنوات الرسمية والأجهزة المختصة، بما يضمن وضع حدّ لها من دون حصول أي احتكاك بين الحزب وأبناء بيئته».

وأشار إلى أن «هناك توجّهاً متزايداً داخل المجتمع المحلي لوقف هذه الممارسات نهائياً، لما تسببه من مخاطر أمنية وتشويه لصورة السكان».