سيناريوهات «اليوم التالي»... «هزيمة حماس» وعودة السلطة و«حل الدولتين»

عمارات دمرها الإسرائيليون في خان يونس قبل بدء الهدنة اليوم الجمعة (رويترز)
عمارات دمرها الإسرائيليون في خان يونس قبل بدء الهدنة اليوم الجمعة (رويترز)
TT

سيناريوهات «اليوم التالي»... «هزيمة حماس» وعودة السلطة و«حل الدولتين»

عمارات دمرها الإسرائيليون في خان يونس قبل بدء الهدنة اليوم الجمعة (رويترز)
عمارات دمرها الإسرائيليون في خان يونس قبل بدء الهدنة اليوم الجمعة (رويترز)

بحلول نهاية الأسبوع، يكون قد مر 50 يوماً على عملية «طوفان الأقصى» التي أطلقتها حركة «حماس» وردّت عليها إسرائيل بحرب مدمرة على قطاع غزة. وفي حين أن الحرب لم تنته بعد، إلا أن المؤشرات كلها توحي بأن «مستقبل غزة» وُضع على نار حامية في أروقة الدول الكبرى لتحديد شكل ما بات يُعرف بـ«اليوم التالي».

ولكن ماذا نعرف عن السيناريوهات التي تُرسم لـ«مستقبل غزة»؟

«هزيمة حماس»

تنطلق السيناريوهات التي تُناقش في الدول الغربية من «حتمية» انتهاء الحرب بـ«هزيمة حماس»، وعدم عودتها إلى حكم غزة من جديد. يقول مصدر غربي مطلع إن العواصم الكبرى مقتنعة بأن الحرب لن تنتهي قبل هزيمة «حماس» عسكرياً، مع الإقرار بأن هذه الحركة الفلسطينية ليست فقط قوة عسكرية بل هي «آيديولوجيا» لا يمكن القضاء عليها بالقوة فقط. ويوضح: «نحن نعرف أن (حماس) هي فكرة أيضاً، والفكرة تُهزم بفكرة»، مضيفاً أن القضاء عليها عسكرياً من دون هزيمتها كفكرة يخاطر بـ«أن نربح المعركة ونخسر الحرب».

ولكن قبل الوصول إلى مرحلة «محاربة الفكرة بفكرة»، لا بد من الوصول إلى مرحلة «هزيمة حماس عسكرياً»، وهو أمر تبدو الدول الغربية مقتنعة بأن إسرائيل قادرة على تحقيقه في حربها الحالية، على الرغم من الهدنة الموقتة التي تم التوصل إليها مع «حماس» في إطار صفقة تبادل الأسرى والرهائن. وفي حين تمكن الجيش الإسرائيلي من التوغل في عمق شمال غزة، إلا أن «حماس»، وكذلك جماعة «الجهاد الإسلامي» الأصغر منها، ما زالتا تعلنان يومياً سلسلة من العمليات والكمائن والتفجيرات وإطلاق الصواريخ، ما يعني أنهما قادرتان على مواصلة التصدي للغزو، على الأقل في المدى المنظور. ويتحصن مقاتلو «حماس» و«الجهاد» في سلسلة من الأنفاق التي تمتد أسفل مدينة غزة وضواحيها، وهو ما لا بد من مواجهته قبل أن يكمل الإسرائيليون سيطرتهم على شمال القطاع.

لكن المصدر الغربي البارز لا يبدو مقتنعاً بأن «حماس» ستكون قادرة على الصمود طويلاً شمال غزة، إذ يقول إن «إسرائيل تستعد الآن لبدء هجومها المرتقب على خان يونس»، ما يعني أن هدف القضاء على «حماس» عسكرياً لا يتعلق بشمال القطاع فقط، بل بجنوبه كذلك. وهذا الأمر لا بد وأن يثير مخاوف من موجة نزوح ضخمة جنوباً، في اتجاه الحدود مع مصر. ومعروف أن خان يونس تؤوي حالياً مئات آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا أصلاً من شمال غزة؛ محور الهجوم الإسرائيلي الحالي.

طفل فلسطيني يجلس اليوم الجمعة على أنقاض منازل دمرها القصف الإسرائيلي على خان يونس (رويترز)

من يملأ الفراغ؟

وإذا ما تحقق سيناريو «هزيمة حماس»، كما تأمل إسرائيل والدول الغربية، فإن ذلك سيطرح مشكلة من سيملأ الفراغ الذي سينشأ بعد سقوط حكمها، المستمر منذ عام 2007، يقول المصدر الغربي إن التركيز حالياً يقوم على دور للسلطة الوطنية الفلسطينية في حكم القطاع، وهو أمر ربطته القيادة الفلسطينية في رام الله باتفاق أوسع يشمل «إنهاء الاحتلال» وتنفيذ حل سياسي ينتهي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أيضاً.

وفيما ترفض سلطة الرئيس محمود عباس أن تعود إلى غزة «على ظهر دبابة إسرائيلية»، وهو أمر تعرف أنه لا يمكن أن يلقى قبولاً شعبياً من الفلسطينيين، إلا أن السيناريوهات التي تُناقش في أروقة الدبلوماسيين الغربيين تضع هذا الأمر على رأس الخيارات المحتملة في المرحلة التي تلي هزيمة «حماس». ويقول المصدر الغربي المطلع إن من بين النقاشات المطروحة إعادة تأهيل بعض عناصر السلطة الوطنية في غزة من أجل إدارة القطاع في مرحلة مقبلة، مشيراً إلى أن السلطة ما زالت تدفع رواتب آلاف الموظفين الفلسطينيين الذين بقوا في القطاع بعدما سيطرت عليه «حماس» عام 2007 عقب حرب قصيرة انتهت بهزيمة قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. و«إعادة تأهيل» عناصر السلطة في غزة لن تكون بالأمر الهين، إذ إن الراغبين من هؤلاء في لعب دور في إدارة القطاع سيخضعون أولاً لفحص أمني للتأكد من عدم علاقتهم بـ«حماس»، قبل السماح لهم بالانخراط في السلطة الجديدة التي ستقوم في غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتلقى دعماً غربياً من أجل عودة السلطة إلى غزة بعد «هزيمة حماس» (إ.ب.أ)

ويبدو أن الرهان على دور السلطة من جديد في إدارة غزة جاء بعدما فشلت دول غربية في إقناع دول عربية بلعب جزء من هذا الدور من خلال إرسال قوات إلى القطاع. ويُقر المصدر الغربي البارز بأن الدول العربية التي أثير معها هذا الاحتمال رفضته قطعاً. ويبدو أن هذا الرفض مرتبط باقتناع الدول العربية المعنية بأن الأولوية هي لوقف الحرب ومساعدة سكان القطاع إنسانياً، قبل التفكير بمسألة «اليوم التالي» ومن سيحكم غزة حال سقط حكم «حماس».

وتساند بريطانيا، كغيرها من الدول الغربية، فكرة عودة السلطة إلى ممارسة دورها في غزة، وهو أمر لا بد وأن يكون وزير الخارجية البريطاني اللورد ديفيد كاميرون قد بحثه في زيارته الحالية لرام الله. ولفتت ناطقة باسم وزارة الخارجية البريطانية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن موقف لندن من هذا الأمر ينص على تقديم «دعم جدي، عملي ومستمر للسلطة الفلسطينية لأنها الطريق الأفضل لإزاحة آفة (حماس) الرهيبة وكل ما تسببت به»، حسب ما أعلن رئيس الوزراء ريشي سوناك في خطابه أمام «مانشن هاوس» بلندن يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

إحياء «حل الدولتين»

وفي ظل الرفض العربي للمشاركة بقوات، ورفض السلطة الفلسطينية لعب دور سوى في إطار حل شامل، يبدو أن التركيز غربياً في المرحلة المقبلة سيكون على إعادة إحياء عملية السلام من أجل الوصول إلى تنفيذ «حل الدولتين». ويقول المصدر الغربي إن الولايات المتحدة تقول لمحاوريها إنها عازمة على إطلاق جهد كبير من أجل تطبيق حل الدولتين، انطلاقاً من اقتناعها بأن هزيمة «حماس» عسكرياً لا تكفي، وأن الفلسطينيين بحاجة إلى دولة تمثلهم وتعيش جنباً إلى جنب بجوار إسرائيل. ويضيف بأن الأميركيين قالوا سراً وعلناً إنهم يرفضون إعادة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، ويرفضون أي فكرة لتغيير حدوده الحالية، مشيراً إلى أن واشنطن تعد أن ملامح الحل معروفة، وهي إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، مع «تبادل للأراضي» بين الطرفين، في إشارة إلى تفاهمات ونقاشات سابقة على هذا الأمر بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز ورئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو في قصر الاتحادية بالقاهرة اليوم (إ.ب.أ)

لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال اليوم الجمعة لدى استقباله رئيسي الوزراء الإسباني والبلجيكي في القاهرة، إن «إحياء مسار حل الدولتين فكرة استنفدت، وقد لا يكون هو الأمر المطلوب»، مشدداً على ضرورة التحرك «للاعتراف بالدولة الفلسطينية وإدخالها الأمم المتحدة».

وبغض النظر عن الموقف المصري، يمكن أن يصطدم المسعى الأميركي لإحياء «حل الدولتين» بأكثر من عقبة في المرحلة المقبلة. فهناك أولاً «العقبة الإسرائيلية»، إذ إن حكومة بنيامين نتنياهو تضم في صفوفها بعض غلاة المستوطنين الرافضين لقيام دولة فلسطينية، وهؤلاء يتمسكون بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية التي يطلقون عليها يهودا والسامرة، حسب التسمية التوراتية. والدفع في اتجاه تشكيل دولة فلسطينية سيهدد بلا شك بسقوط حكومة نتنياهو واللجوء إلى انتخابات جديدة، ربما يحقق فيها غلاة اليمين نتائج كبيرة بفعل ميل الشارع الإسرائيلي لتأييد المتطرفين كرد فعل على ما قامت به «حماس» في «طوفان» 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وإضافة إلى «عقبة» اليمين الإسرائيلي المتطرف، ستواجه إدارة بايدن عقبة أخرى محلية. فهي تستعد لحملة انتخابية صعبة ستكون على الأرجح في مواجهة خصم عنيد هو دونالد ترمب الذي تعطيه استطلاعات الرأي تقدماً كبيراً على منافسيه الجمهوريين، وأيضاً على خصمه الديمقراطي بايدن (الذي يتعرض لانتقادات يرتبط بعضها بتقدمه في السن). وترمب لن يتأخر، في حال فوزه، في تقديم دعم أكبر لإسرائيل، ولا يبدو أنه سيكون متحمساً من جديد لخيار إقامة دولة فلسطينية على النسق الذي تطالب به السلطة الفلسطينية. ومعلوم أنه في إدارته السابقة دعم توسع الاستيطان في الضفة، ونقل سفارة أميركا من تل أبيب إلى القدس، وأقر بسيادة إسرائيل على الجولان السوري. لكنه، في المقابل، نجح في إبرام الاتفاق الإبراهيمي بين إسرائيل ودول عربية، كما أن صهره جاريد كوشنر قدّم مشروعاً ضخماً للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين يقوم على «حل الدولتين»، بحيث تقوم، إلى جانب إسرائيل، دولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها في شرق مدينة القدس، متعهداً بضخ ما يصل إلى 50 مليار دولار لدعم الفلسطينيين من أجل تحقيق مشروعات اقتصادية ضخمة.

طريق صلاح الدين بوسط غزة... معبر النازحين من شمال القطاع إلى جنوبه (أ.ب)

وإضافة إلى عقبتي اليمين الإسرائيلي وترمب، ستكون هناك عقبة ثالثة يتعين إيجاد حل لها قبل البحث في سيناريوهات «اليوم التالي»، وهي عقبة «حماس». فكل السيناريوهات المطروحة تقوم على أساس أنها ستُهزم عسكرياً وينتهي حكمها. لكن ذلك لم يتحقق بعد. وفي انتظار تحققه، ربما تنفجر جبهة الضفة الغربية، وجبهة الحدود اللبنانية، وتتوسع المواجهة بين الأميركيين والميليشيات المرتبطة بإيران في كل من سوريا والعراق، وربما اليمن أيضاً. وسواء انفجرت هذه الجبهات أم لا، فإن الواضح أن سيناريوهات «مستقبل غزة» ستنتظر جلاء غبار الحرب على القطاع، التي يأمل الإسرائيليون بأن تنتهي، كما يشتهون، بالقضاء على «حماس» وتوليهم حكم غزة عسكرياً لـ«فترة انتقالية» قد تطول أو تقصر بحسب اختمار خيارات من يحكم القطاع مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر في القاهرة الخميس (صفحة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

توافق مصري - بريطاني على دفع العلاقات السياسية والاقتصادية

ترأس وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر، الدورة الثالثة لـ«مجلس المشاركة المصرية - البريطانية»، الخميس.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
المشرق العربي صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)

عدد القتلى بنيران إسرائيل في غزة منذ وقف إطلاق النار يتخطى الألف

قالت وزارة الصحة ‌في غزة، الخميس، إن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بنيران إسرائيلية في القطاع تجاوز الألف منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه ​الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
شؤون إقليمية مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس مارس 2025 (أ.ف.ب) p-circle 00:30

إسرائيل تعلن احتجاجاً محسوباً ضد مسؤولة «الخارجية الأوروبية»

في خطوة احتجاج حادة ولكن محسوبة أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، قطع جميع الاتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في قصف إسرائيلي على غزة

قُتل ثلاثة مواطنين فلسطينيين وأُصيب آخرون بجرح، اليوم الخميس، في قصف إسرائيلي على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة  )

إسرائيل استولت على أراضٍ من جيرانها منذ 2023 أكثر مما استولت عليه خلال عقود

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل استولت على أراضٍ من جيرانها منذ 2023 أكثر مما استولت عليه خلال عقود

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

على مدار العامين ونصف العام الماضيين، فرضت إسرائيل سيطرتها على مساحات كبيرة من قطاع غزة ولبنان وسوريا، إلى حدّ يمثل أكبر توسع للأراضي التي احتلتها عسكرياً طوال عقود.

وتبلغ مساحة هذه الأراضي نحو ألف كيلومتر مربع (386 ميلاً مربعاً)، وهي مساحة تفوق مساحة العديد من المدن الكبرى، وقد أكدت إسرائيل أنها تعتزم البقاء فيها إلى أجل غير مسمى.

وبدأ الاستيلاء على الأراضي في أعقاب هجوم حركة «حماس» عام 2023، الذي أشعل حروباً على عدة جبهات. وقد سيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء واسعة من قطاع غزة في إطار اجتياح واسع النطاق، ولاحقاً فرض سيطرته على مناطق في لبنان وسوريا.

جنود إسرائيليون (رويترز)

وتصف إسرائيل هذه الأراضي بأنها «مناطق عازلة»، وتقول إنها ضرورية لمنع أي هجمات مستقبلية من جانب الجماعات المسلحة.

وفي قطاع غزة ولبنان، أسفر الاستيلاء على الأراضي والتحذيرات بالإخلاء، إلى نزوح أكثر من 3 ملايين شخص، في حين دمرت القوات الإسرائيلية بلدات وأحياء سكنية، لتصبح هناك مناطق واسعة بلا سكان.

ولا تعد هذه «المناطق العازلة» - وهي تقريباً 5 في المائة من إجمالي مساحة إسرائيل بعد وقت قصير من تأسيسها - حدوداً جديدة، حيث يتطلب أي ترسيم للحدود اتفاقاً بين دولتين، ويخشى كثيرون أن تستمر هذه التغييرات على المدى الطويل. كما وضعت إيران انسحاب إسرائيل من لبنان شرطاً لإنهاء الحرب بينها وبين الولايات المتحدة.

ومنذ تأسيس إسرائيل في 1948، لم تكن للدولة حدود واضحة بشكل نهائي؛ إذ تغيرت حدودها عبر الحروب وعمليات الضم واتفاقات وقف إطلاق النار وسلام. وفيما يلي نظرة أوسع على التوسعات الإسرائيلية:

لبنان

خاضت إسرائيل و«حزب الله» عدة حروب منذ تأسيس الجماعة اللبنانية المسلحة، المدعومة من إيران، في 1982.

واحتلت إسرائيل جزءاً واسعاً من الجنوب اللبناني خلال الفترة بين عامي 1982 و2000، وبررت ذلك بأنه ضروري لحماية المجتمعات الإسرائيلية بالشمال. وبعد انسحابها في عام 2000، رسمت الأمم المتحدة خطاً حدودياً بين البلدين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، انتهى عام من القتال بين إسرائيل و«حزب الله» باتفاق لوقف إطلاق النار، ولكن الهدنة انهارت في مارس (آذار) الماضي، بعد أيام من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. ثم أطلقت إسرائيل عملية برية داخل أراضي لبنان، عقب هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة نفّذها «حزب الله».

وعندما توقفت المعارك في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت إسرائيل أن جيشها سيحتفظ بمنطقة يصل عمقها إلى 10 كيلومترات داخل لبنان.

وبحسب خبراء مركز «كارنيغي للشرق الأوسط»، تسيطر إسرائيل حالياً على نحو 608 كيلومترات مربعة (234 ميلاً مربعاً) داخل لبنان.

وأجبرت تحذيرات الإخلاء الإسرائيلية نحو 1.2 مليون لبناني على النزوح، وحذرت إسرائيل المدنيين من العودة إلى هذه المناطق.

وأدان «حزب الله» الوجود الإسرائيلي في لبنان، وطالبت الحكومة اللبنانية إسرائيل بالانسحاب.

جنود إسرائيليون على متن آلية مدرعة تابعة لوحدة المدفعية (رويترز)

غزة

استولت إسرائيل على غزة من مصر خلال حرب عام 1967، ثم انسحبت من القطاع، من جانب واحد، في 2005، حيث أخلته من قواتها ومستوطنيها.

وبعد عامين، سيطرت «حماس» على القطاع، ثم أدى هجوم الحركة على إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023 إلى اندلاع حرب مدمرة في غزة.

ولدى دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ خلال أكتوبر عام 2025، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة يحددها ما يسمى بـ«الخط الأصفر»، ما منح تل أبيب سيطرة على أكثر قليلاً من نصف مساحة القطاع.

وصار جميع سكان غزة، تقريباً، محصورين في مدن ضخمة من الخيام تفتقر إلى المقومات الأساسية، وتعتمد على المساعدات الدولية. كما جرف الجيش الإسرائيلي، أو دمر، مساحات واسعة من المنطقة التي تضم معظم الأراضي الزراعية بالقطاع، وأصبحت غير متاحة للفلسطينيين. ويتجاوز تعداد سكان غزة مليوني نسمة.

وكان من المفترض أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحاباً أوسع بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه أميركا، لكن الدبلوماسي المدعوم أميركياً، والمشرف على الهدنة، أشار إلى تعثر بسبب الخلاف حول نزع سلاح «حماس».

وفي ظل تعثر وقف إطلاق النار، حركت إسرائيل الخط صوب الغرب، ووسعت نطاق سيطرتها إلى أكثر من 60 في المائة من مساحة غزة، أي نحو 194 كيلومتراً مربعاً (75 ميلاً مربعاً)، بحسب منظمة «جيشاه» الحقوقية، الإسرائيلية. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن ذلك سوف يزيد إلى 70 في المائة.

سوريا

استولت إسرائيل على مرتفعات الجولان من سوريا في حرب عام 1967، ثم ضمّتها لاحقاً، في خطوة لم تحظَ باعتراف واسع من المجتمع الدولي.

وعقب حرب عام 1973، أنشأت الأمم المتحدة منطقة عازلة في جنوب سوريا، بمحاذاة مرتفعات الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل، وتتولى قوة أممية قوامها نحو 1100 جندي مراقبتها.

جنود إسرائيليون (أ.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد السقوط المفاجئ للرئيس السوري السابق، بشار الأسد، دفعت إسرائيل بقواتها إلى المنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، وبررت ذلك بأنها تخشى تعرضها لهجمات من فصائل سورية مسلحة، كما سعت إلى تعطيل عمليات تهريب الأسلحة من إيران إلى «حزب الله» في لبنان، عبر سوريا.

وتقول الأمم المتحدة ومنتقدون آخرون إن الاستيلاء على الأراضي يشكل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 1974. ولم يطلب من المدنيين في المنطقة أن يخلوها، لكنهم يواجهون نقاط تفتيش وتوترات أمنية، إلى جانب اشتباكات متفرقة بين الجنود الإسرائيليين وسكان القرى.

ودعا الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إسرائيل إلى الانسحاب من المنطقة التي تقول الأمم المتحدة إن مساحتها تبلغ 235 كيلومتراً مربعاً (91 ميلاً مربعاً).

الضفة الغربية

أقامت إسرائيل أكثر من 100 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، منذ سيطرت عليها في حرب 1967.

ووفقاً لحركة «السلام الآن»، وافقت الحكومة الإسرائيلية على إنشاء 47 مستوطنة جديدة، كما أضفت الطابع الرسمي، أو وسعت، 55 مستوطنة قائمة بالفعل منذ عام 2022.

وفي أعقاب اندلاع حرب غزة الأخيرة، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم.

وبعض المستوطنات الجديدة التي جرت الموافقة عليها مؤخراً عبارة عن بؤر استيطانية صغيرة جرى تقنينها بأثر رجعي، بينما يمثل بعضها الآخر أحياء جديدة لمستوطنات قائمة بالفعل.

ويرجع التوسع السريع في الاستيطان إلى تولي قادة المستوطنين ومؤيديهم مناصب رئيسية في الحكومة الإسرائيلية، فضلاً عن وجود إدارة أميركية توصف بأنها مؤيدة إلى حد كبير للاستيطان.

ويعدّ المجتمع الدولي هذه المستوطنات غير قانونية، كما فرض توسعها قيوداً واسعة على الحياة اليومية للفلسطينيين الذين يرون فيها العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام دائم؛ لأنها أقيمت على أراضٍ يطالبون بها لإقامة دولتهم في المستقبل.


واشنطن تفرض عقوبات على «حزب الله»

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
TT

واشنطن تفرض عقوبات على «حزب الله»

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، عقوبات جديدة على مسؤولين لبنانيين وشبكة أعمال قالت إنها مرتبطة بـ«حزب الله»، في خطوة تستهدف توسيع الضغوط المالية على الحزب وشبكات دعمه داخل لبنان وخارجه.

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية إدراج رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي على لوائح العقوبات، إلى جانب عدد من الشركات والأفراد المرتبطين برجل الأعمال اللبناني علاء حسن حمية، المعروف باسم علاء حمية.

وقالت وزارة الخزانة إن المسؤولين اللبنانيين المستهدفين استخدموا نفوذهم السياسي للمساهمة في عرقلة عملية السلام في لبنان وتأخير الجهود الرامية إلى نزع سلاح «حزب الله»، مشيرة إلى أن الحزب يعتمد على شبكة من الحلفاء والمسؤولين للحفاظ على نفوذه داخل المؤسسات السياسية والأمنية اللبنانية.

مبانٍ مدمَّرة نتيجة قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

واتهمت الوزارة فرنجية بالاستفادة من تحالفه مع «حزب الله» لخدمة طموحاته السياسية، وقالت إنه تلقى دعماً مالياً من الحزب مقابل دعم جهوده الانتخابية في مواجهة مرشحين إصلاحيين ومستقلين خلال الانتخابات النيابية. وبناءً على ذلك، أدرجته واشنطن على لوائح العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 الخاص بمكافحة الإرهاب.

كما أدرجت الوزارة محمود قماطي، متهمة إياه بالتنسيق لعمليات نقل أموال نقدية من إيران إلى «حزب الله» والعمل على الدفاع عن مصالح الحزب داخل لبنان.

وفي السياق نفسه، وسّعت وزارة الخزانة نطاق العقوبات التي كانت قد فرضتها في 20 آذار (مارس) 2026 على علاء حمية وشبكته التجارية، لتشمل أفراداً وشركات إضافية في لبنان ودول عربية. وقالت إن هؤلاء الأشخاص والكيانات يشاركون في جمع الأموال وتنفيذ العقود وإدارة شركات واجهة تُستخدم لتوليد الإيرادات لصالح «حزب الله».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: «يجب أن ينزع (حزب الله) سلاحه لكي يتمكن لبنان من تحقيق مستقبل آمن ومزدهر. وستواصل وزارة الخزانة استهداف الشبكات المالية التابعة لـ(حزب الله) ومحاسبة من يساعدون الجماعة على تقويض الدولة اللبنانية وتهديد فرص السلام الدائم».

وأكدت الوزارة أن هدف العقوبات ليس العقاب بحد ذاته، بل دفع الأفراد والجهات المستهدفة إلى تغيير سلوكهم، وأنه يمكن رفع الأسماء من لوائح العقوبات إذا استوفت الشروط القانونية المطلوبة لذلك.


الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
TT

الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)

رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» في سوريا لمعالجة تركة الفساد الهائلة التي خلفها النظام السابق في المؤسسات الحكومية، فإن ظاهرة الفساد تتفشى في الإدارات الجديدة، وفق ما كشف عنه مسؤول في «الهيئة» خلال إحاطة إعلامية مغلقة الأربعاء.

وأشار المسؤول إلى أن الفساد تراجع؛ لكنه لم يتوقف، بعد سقوط النظام السابق، وأن مَن يحالون إلى القضاء بتهم الفساد بينهم موظفون جدد، إضافة إلى موظفين من العهد السابق، وأن منهم من يعمل ضمن شبكات داخل المؤسسات تم الكشف عن بعضها؛ ومنها شبكة في مؤسسة تعليمية خاصة».

وبهدف ترسيخ قيم النزاهة والشفافية في المؤسسات التعليمية، أطلقت «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» السورية، مع وزارة التعليم العالي ‏والبحث العلمي، حملة «أجيال النزاهة»، التي دُشنت من على مدرج جامعة دمشق، وحضرها وزراء التعليم العالي والبحث ‏العلمي، والأوقاف، والتربية والتعليم، والإعلام، ‏والتنمية الإدارية.

ومنذ تسلمها مهامها، بدأت «الهيئة» إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، وإعادة النظر في الإطار القانوني الذي ينظم عملها.

وتتضمن الخطة «أتمتة العمليات في المؤسسات الرقابية؛ بما يضمن تحقيق جودة عالية وسرعة في المتابعة والمراقبة، إضافة إلى العمل مع الجهات العامة لضمان تطبيق القانون وتعزيز السياسات المعتمدة في جميع مؤسسات الدولة؛ تحقيقاً للانتظام الإداري الذي يخدم مصالح المجتمع»، وفق تصريح إعلامي من رئيس «الهيئة» عامر العلي.

الكشف عن فساد في «كهرباء دمشق» خلال السنوات السابقة بنحو 26 مليون دولار (سانا)

وتشير تقارير «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» إلى إنجاز 274 قضية خلال شهر مايو (أيار) الماضي، أحيلت 21 قضية منها مع 142 شخصاً إلى القضاء، و7 أشخاص إلى المحكمة المسلكية، فيما بلغ عدد المعاقَبين مسلكياً 163 شخصاً. وتمكنت «الهيئة» من تحصيل نحو 494 ألف دولار أميركي من أصل نحو 6 ملايين ومائتي ألف دولار أميركي مطلوبة للتحصيل.

وكانت «الهيئة» قد أعلنت في تقارير سابقة تحصيل 899 ألف دولار أميركي خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وإنجاز 270 قضية خلال الفترة نفسها، فيما بلغ إجمالي المبالغ المطلوب تحصيله نحو 3.52 مليون دولار أميركي. وفي العام الأول بعد سقوط النظام السابق، حُصّل مبلغ 7.69 مليون دولار أميركي، وأنجزت 1198 قضية، وبلغ عدد الأشخاص المحالين إلى القضاء 401، إضافة إلى إحالة 23 شخصاً إلى المحكمة المسلكية، والمعاقبة المسلكية لـ325 شخصاً.

ومن أبرز قضايا الفساد التي كُشف عنها مخالفاتٌ مرتكبة في «المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء» بدمشق زمن النظام السابق، بقيمة 26 مليون دولار أميركي. إذ أظهرت تحقيقات «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» وجود قضايا تزوير واختلاس وسرقة مال عام، عبر عقود مرتبطة بمحطة توليد بانياس مخالفة للأنظمة والقوانين وشروط التعاقد. ومن قضايا الفساد المعلن عنها عملية اختلاس إلكتروني في مؤسسة «الخطوط الجوية السورية» بقيمة 5.56 مليون دولار أميركي.

وفد سوري يبحث في فيينا مكافحة الفساد والجريمة المنظمة يوم 5 يونيو 2026 (سانا)

وتحتل سوريا المرتبة الـ172 من أصل 182 دولة وإقليماً شملهم «مؤشر الفساد لعام 2025» الصادر عن «منظمة الشفافية الدولية»، وذلك بعد إحراز تحسن طفيف نقلها من المرتبة الـ4 في عام 2024 إلى المرتبة الـ10 بين الدول الأكبر فساداً عالمياً. حيث لا تزال سوريا تعاني من مستويات قياسية من الفساد المؤسسي العابر للحقب السياسية؛ وفق «منظمة الشفافية الدولية».

وتُعزو «المنظمة» تراجع تصنيف دول مثل سوريا إلى «حالة الهشاشة المؤسسية الموروثة، وشبكات اقتصاد الحرب، وضغوط المراحل الانتقالية التي تُضعف آليات الرقابة المباشرة والمساءلة».